Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home
Libyan Writer Mohammed al-Asfar
الكاتب الليبي محمد الأصفر


محمد الأصفر

Saturday, 4 November, 2006

الليلة حوشنا ضاوي.. يـرقص فيه السعـداوي

محمد الأصفر

الشارع مقفل بخيمتين .. تـتـقـدمهما حبال ميناء غليظة ... شبكة تمويه عسكرية تنحدر مع مواجهة العمارة.. تتخللها مجموعة مصابيح تضيء وتخبو .. من شقة العرس يتدلى شعارا ناديي العريس والعروس .. على طاولة كبيرة صفّـت الأباريق والمناشف وقوالب الصابون وآنية الغـسل، وعلى أخر كانت صناديق المشروب وكؤوس الماء وأكواب ( المسير ) مع أطباق الفلفل والليمون .. بينما الشاي الأخضر والأحمر يعدان في مرآب بالعمارة المجاورة .
في خيمة النسوة البخور يعبق والزغاريد تلعلع والغناء الموسيقى يرتقي إلى أقصى ذروته فيتعالى صراخ المراهقات : صقع عليك، صقع عليك ..
المدعوون جالسون يدخنون ويثرثرون منتظرين طعام العشاء .. كان اليوم خميس وأذان المغرب ارتفع منذ حين ..
وها هم يخرجون من الجامع وتضج الخيمة وتلتئم حلقات الأكل ..
- هيا يا جماعة .. أربعة أربعة .. .. جماعة البازين هنا .. وجماعة الرز هناك .
بعض المدعوين من الأخوة العرب احتاروا في أمرهم، انتظروا بخجل انـزياح أغطية الصحون لينحازوا كليّة إلى أرز الخلطة ! كنت أراقب المشهد بفضول .. الكل متيقن من دروشتي دائما ساهم ، أحملق وأتوعد الأفق وكأن بيني وبينه ثأر ! ..
ألج خيمة النسوة فلا أنهر ، أعود إلى خيمة الرجال فيُرحَبُ بي .. الكل يبتسم لي وأنا أبادلهم بأوسع.
انتهى العشاء ووصل العروسان وحمى وطيس الغناء والتصفيق والرقص والزغاريد ..
رفع عن وجهها الطرحة البيضاء ، قبلها في الخدين والجبين ثم جلس سعيدا بجانبها .. أضواء آلات التصوير تشكع وتؤرخ ذكريات الفرحة .. أقتربت منهما .. تشجّعت وصافحتهما والتقطت لي صورة معهما ..
قالت العروس : العقبة لك .
وقال العريس : إن شاء الله نفرحوا بيك قريب .
صارت دموعي تترقرق، نزلت من الركح سريعا وانزويت في ركن داخل مرآب الشاي ولكي أغالب أساي انهمكت في غسل كل الكؤوس المرتشفة !.
طبيعي أنا ، لست درويشا البتة، لا أدري ما الذي جعلهم يعتـقـدون وأعتقد ذلك .. كل ما أذكره أنني فقدت أمي ثم أبي فكفـلتـني جدتي ثم عمتي فخالتي .. إلى أخر السلالة .
لا أدري كيف أعيش .. أتنفس دون إذن ، أكل دون إذن .. أنام دون إذن ..
ألبس .. أتعرى .. أرقص .. أغني .. أدخل .. أخرج .. دون إذن .. دون إذن .. لكن أفكّر .. أتمنّى .. في رأسي إحساس ..في قلبي مشاعر .. هكذا أشعر .. أشعر أنّ العروس حلوة .. لطيفة .. تروق لي .. تثيرني بعنف .. لكن العريس جاري .. صديقي .. أقابله صباحا ومساء .. أخجل أنْ أطيل فيها النظر .. حتى في الأحلام إذ تذكرته استنجد بالكوابيس لأقـفـز مستـيـقـظا في بحار الأسف .
آه .. قبل أنْ يخطبها كنت ألاحقها حتى تركب حافلة الجامعة وإذ تـلـتـفـت وتراني تبتسم باطمئنان فأشعر بمسرّة لذيذة .. آنذاك أشير لها بيدي وترد بتلويحة من خلال النافذة.
كلانا يشجع نفس النادي نادي الهلال ذا اللون الأزرق، كنت أنا بشيرها، فعقب كل فوز أقف تحت نافذتها وأصفـّر أو بالأحرى أصرخ صرخة الانتصار فأسمع زغرودتها الشجية ..
كنت أتعـذب أثناء المباراة وأشجّع بحماس كي ينتصر أزرقنا سيء الحظ ..
أما العريس فيشجع نادي الأهلي ذا اللون الأحمر الذي تحطب له الريح ، حتى وإن لم يلعب جيداً يـفـز ، هجومه لا يركل الكورة ، الكورة هي التي تركله وتعانق الشباك وتبتسم .. كان يذهـب إلى المباراة وفي بطنه ( بطيخة صيفي ) . ما يحيرني حقاً أنهما مثلي فكلاهما فاقد لأبيه ، أمهاتهما فقط موجودتان ..
لكن لا يحملقان مثلي في الأفـق ، دائماً ينظران أمامهما أو في الأرض ..
نعم الأرض .. الآن ( الشوهاي ) يربت على ظهري مواسياً .. رفعت رأسي وابتسمت وانطلقت إلى خيمة النسوة .. شهقت .. ياه الكوشة خالية ! والنساء تصفق وتغني وترقص .. تساءلت بإيماءة فأشرن لي برؤوسهن إلى أعلى وغمزن ثم رمن عليَّ ( شملة ) الرقص الفائحة بالمحلب والقرنفل ، طوقن بها خصري .. صرت أقـفـز وأتساءل وأحياناً أصعد حيث الكوشة وأصفـع كرسي العروس ثم كرسي العريس فيشرن لي بسباباتهن المحنـّاة إلى أعلى ناحية سلالم العمارة .. أنا أعرف أين هما وماذا يفعلان لكن كيف أكون درويشاً إنْ عرفن بمعرفتي ؟!
انطلقت صاعداً السلالم ، يلحق بي شابان يجراني من تلابـيبي إلى خيمة الرجال .. أقاوم بشراسة ، أركل أحدهـما ، أصفعه فلا يرد وأدفع الآخر بعنف فيرتـد ناحيتي ويعانـقـني بحميمية ويبكي فـيـبكيني معه وأنهار ساقطاً مرتخي الذراعين ولكن قبل أنْ ألمس الأرض يتعالى دوي مفرقعات وزغاريد وتصفيق فاندفع معهما ناحية خيمة النسوة حيث الكل يعانق العريس اللاهث العارق محمر الوجه منفوش الشعر منزوع رباط العنق .. دفعه الشابان داخل سيارة الزفاف وانطلقا به لإسعافه بنسمة أوكسجين طازجة ..
عدت إلى خيمة النسوة ، ارتقيت السلالم ، وصلت الشقة ، الباب ليس موارباً تسللت مندساً في الزحام .. النساء يحطن بعجوز تلوح بمنديل ملطخ بالأحمر ويرددن خلفها أهازيج شعبية مختلفة منها : أجعل ليلتنا ضاوية .. كيف طريق الزاوية .. الليلة حوشنا ضاوي .. يرقص فيه السعداوي .. بينما العروس شبه عارية متشنجة وتصرخ من قرصات الشابات والعوانس .
لم أعرف كيف أتصرف ، حتى أنا لم أتزوج ، هل أركض وراء العريس وأقرصه أم أتجرأ وألـيّع العروس ؟ هل أدافع عنها ؟.. هل ابتعد عن الدوامة المؤلمة المدممة ؟ .. أمي .. جدتي .. أبي .. ما الذي يحدث الآن .. من قال أني عاقـل .. من قال أني درويش .. صرت أصرخ وأذرف .. وقادتني عجوز حنون إلى تحت كانت تربت على رأسي وتواسيني بكلمات لا أفقه معانيها الشعبية ، لكن أفهم أنها كلمات حب ومودة كالتي تمطرني بها جدتي إنْ مزقـني الأرق أو جافاني النوم . أمضيت الليلة واقفاً في ناصية الشارع أحملق في شبكة التمويه العسكرية مركزاً بصري جهة شقة العرس .. الرياح تعبث بالشعارين .. فـيـتـموجان ،، يـتماسان .. يتداخلان .. ثم يتباعدان متباطئين ..!
حوالي الفجر أطلّت العروس تـنشر مناشف الاستحمام على حبال الشرفة .. بعد أنْ أتمت تـثـبـيتها بالماسكات ربتت براحتها المحنّاة على شعار نادينا الهلال المتدلي إلى تحت ودخلت .. ووجدتـني لا شعورياً أصفّـر وألـّوح لها غير أنها لم تطل من جديد والذين أطلوا زمرة شرطة تركض وراء شباب مجلببين بالأبيض قفزوا من سور الجامع القريب .. الشباب هربوا والشرطة انـقضّت عليَّ .
قالي لي كبيرهم : درويش عليهم موش علينا ..!!

محمد الأصفر
mohmadalasfar@yahoo.com
ليبيا
إقرأ المزيد من أعمال الكاتب محمد الأصفر في مدونته على الرابط التالي :
http://www.maktoobblog.com/alasfar-mohammad


Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home