Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home
Libyan Writer Mohammed al-Asfar
الكاتب الليبي محمد الأصفر


محمد الأصفر

Friday, 8 September, 2006

قصة قصيـرة

سكاكر الخريف

محمد الأصفر

أعيش في طبرق لأربعين حولاً خلت .. استمع لفرقعات القنابل .. أشم رائحة التين .. البطيخ .. البصل .. التابير .. أنا لست في عام 2005 ولا عام 2000005 ولا عام 2000000005 ولا عام كله أصفار دون خمسة أو اثنين.
أنا في آخر الزمن .. في دقيقة مع السلامة .. الدقيقة التي ستقفل الباب وراءها وتذوب .. آلهة المرور إلى الأمام .. إلى العفن .. إلى النضج .. إلى الطزاجة التي بدايتها عفن ونهايتها عفن .. دقيقة الماء المسفوحة على خدِّ هذا اللغز .. على خدِّ هذه الأحجية الغادرة بالغبار .. الكاشطة لكل لواح يأس .. الغابقة بالحشيش والجوع والضحك والجنون والبركات . أجلس في طبرق .. أتمشى على شاطئها الآمن .. شاطئها الصخري المشوي .. شاطئها المجوّف بالألم والحزن .. شاطئها المتخم بالمُـغر المنخورة من أبد الملح .
شاطئها الصخري .. منط فتيانها إلى أعماق المزح .. ومصطبة صياديها الهواة والمدمنين .. من فوق صخرها هذا يرمي الصيادون صناراتهم .. يصطادون البوري المتأدب الذي ما عاد يتبرز على الطعم ويهرب .. ففي البحر ظهر نبي جديد .. يدعو إلى عدم الكفر بالنعمة أو التبرز عليها .. نبي جاف كالقلم الجاف .. متى يـبـس أرميه وأقتني غيره .

هذه المقابر التي أزورها يختلف شعوري حيالها عن شعوري لدى زيارة مقابر المسلمين .. في مقابر المسلمين أقرأ سورة الفاتحة .. أبدأ بالحمد وانتهي بالضالين .. في مقابر النصارى لا أعرف كيف يترحمون بطريقة الإنجيل .. الإنجيل الذي أهْدِيَ لي في مالطا صادرته السلطات في ميناء الشعاب .. قال لي الضابط ذو اللكنة التونسية ممنوع دخول كتُبْ السماء .. كواغد ما تمّاش .. يوك .. أنت لا تحترم القانون .. سأصادر الكتاب والجرائد الملفوفة فيها المزهريات .. كواغد ما تماش .. قلت له ليس مشكلة .. صادر كما ترغب .. غير اطلق عمك بعباته.
خرجت من الميناء بحقيبة ممزقة مبعثرة .. ومن ثـقب بأسفلها يظهر جزءاً من صباطي الإصبع البلاستيك .. أعدت ترتيبها على كرسي سيارة الأجرة الخلفي .. أرتب وأدندن بهمهمات غير مفهومة .. سائق الأجرة يظنني سعيدا أغني وأنا ألعن أبو أم الجمرك والأمن والفتاشة بأنواعهم .. قلت كنت في حالة ترحم فحولتموني إلى حالة لعن .. سحقت العقب في منفضة سجائر السيارة ودفعتها أماما لتختـفي في الطوار .. عدت إلى حالتي الأولى .. إلى المقابر الطبرقية .. الأموات كثر .. كل ميت يتبع دينا .. كل دين له طقوس خاصة في الترحم .. في الهند يحرقون الجثث ويذرون رمادها في النهر .. كيف أترحم على موتى الهنود .. سأسأل السمك .. السمك مشغول .. سأسأل ماء النهر .. ماء النهر مشغول .. السمك يأكل رماد الماضي .. يأكله بنهم ويرقص .. ويجن .. يأكل ولا يرى الصنارات .. يجهل الشراك الساعية إليه من اليابسة .. يابسة الفخ .. غواية الرماد تقوده إلى الموت .. تقوده إلى الحياة .. في الهند لا أعرف كيف يترحمون .. كيف يترحمون أمام أجساد تبدأ رحلة عودتها بالاشتعال .. بمنتهى الدفء .. تصل الجحيم.. الشجر الجاف يشارك الجثة الفناء .. الهواء الذي كان أنفاسا لذيذة يتنفسها الآن معا .. في الهند لا أعرف كيف يترحمون .. أغرف بيدي من النهر .. قطرات الماء خليط آدمي .. القطرات في يدي انفعالات تبتسم وتكشر .. أزاوج بين التبسم والتكشير .. تساعدني البصمات الباقي بها دفء من مصافحة الحبيبات .. أخلـّلها في بعض كأوراق اللعب .. أقبّل الناتج من التزاوج .. أغرف مرات ومرات .. في كل مرّة أجدّ شيئا مختلفا .. أواصل الغرف علّني أجد في يدي إنسانا متكاملا .. إنسانا واحدا وليس خليطا .. إنسانا واحدا أسأله كيف أترحم عليه .. كيف أجلب له الجنة بـنـيّـتي العاشقة للكلمات .. بنيّتي الشاعرة كحبيبتي .. بنيتي الغارقة في دفء اللقاء واللهفة .. البصمات فراحتي مازالت دافئة .. خالدة كنقوش فزان .. أتحسسها بإبهامي .. أتتبع خطوطها الفريدة .. كل خط يفضي إلى سعادة بعيدة .. إلى خفقة تحتضر في قلبها .. تستلذ بالاحتضار الطويل .. الذي ليس بموت وليس بحياة .. وليس بشيء يمكننا وصفه .. خفقة نعاس لذيذ .. ارتخاء في حضن يحبنا .. غياب في ظلام لا لون له .. انفجار داخل بللور يمطر الفقاقيع ويتدحرج صوب حفرة ليست قبرا.
أغرف الأسئلة من النهر .. أغرف الأجوبة من الموت .. أغرف بيدي بلا توقف .. أغرف حتى ينـزح النهر وتظهر بصمات عظامه .. آه ..آه..إني أبتهج الآن .. أتألم .. أضيع .. أجد تعبي يحيطني .. يطوقني بخدر لا أحس بعده بشيء .. أحاول الانتصاب من جلستي على حافة القبر .. أعجز .. أعجز وكأنني القبر .. القبر يركض بعباءته الترابية بعيدا عني .. لا أدري أي قبر هو .. ولأي دين ينتمي .. لا أدري .. لا أدري .. أعرف قبل أن أغيب أنه ينتمي لدين الموت .. الدين الذي ليس براحته بصمات دافئة ولا باردة .. دين أصلع معتم حديب .. أغرف أغرف .. وأغرف .. يداي تعبتا من الغرف أمّا جسدي فقد ابتلَّ وعوى.


لوحة الأسير جون برايل

جون برايل جندي إنجليزي أسرته قوات المحور (إيطاليا ألمانيا اليابان) هو الآن في زنزانة بمنطقة البردي وطن قبيلتي الحبّون والقطعان .. أتأمل لوحته المرسومة على الجدار .. هو واللوحة أراهما كائنا واحدا .. لا أدري من منهما رسم الآخر .. من منهما وجِدَ قبل الآخر .. من منهما البيضة ومن منهما الدجاجة .. جون برايل أحْضِرَ إلى المكان .. اللوحة كانت في خياله .. نقشت تشاركه السجن على الجدار .. في الغرفة سجينان .. سجين وسجينة .. في الفن تتغير الأجناس وتتبادل .. لو كان الرسام أنثى لكانت اللوحة ذكر .. أبصارنا أبناء الرؤى .. وبنات المرائي .. رسم اللوحة بألوان بدائية .. نضيدة مذياع حطمها وسحن كربونها حتى استحال كحلا .. كحل به عيون الجدار .. نثرات الرماد ألصقها بصمغ ارتعاشاته .. قطع حبل السرة من خياله لتطل الأشكال فاغرة البصائر .. مستغربة .. مندهشة .. لماذا أخرجنا هنا .. وألصقنا في هذا المكان .. بكت الأشكال لتركها عنوة جنان الحلم في المخيلة الكائنة جون برايل والمخيلة التي ستكون اللوحة الوليدة ..
جون برايل يرسم لوحته غامسا إصبعه في الرماد : فرقة سيمفونية .. راقصات باليه .. مايسترو موسيقا .. نساء عاريات .. متفرجين .. قصاصة جريدة صادرة عام 1942م .. منضدة عليها أعقاب سجائر .. أربع ملاعق .. مثلها شوكات .. أرجل المنضدة عبارة عن روايات تشارلز ديكنز فوق بعضها .. إنجيل صغير كالذي صودر مني في ميناء الشعاب .. رسالة إلى أمه .. إطار في أعلى اللوحة يطل من بورتريه وجه ذاهل يشبه جون برايل .. الإطار مقضّب بأسياخ متداخلة ..
كل تلك التفاصيل نقشها على خلفية من جماجم رمادية كربيع الشيب.
في شهر تخالـقا .. وتأملا من الداخل والخارج .. بعد شهر تمّ تحريره وحده ليلقى حتفه بعد أمد قصير في ملطمة العلمين .. وبقيت المخلوقة من دون خالق وبقي الخالق الراحل من دون مخلوقة .. وبقي خيال الحي وخيال الجماد يرسمان في عالم خارج إدراكنا .
عندما كان جون برايل يرسم لم يكن واقفا ولا جالسا .. كان سابحا في الهواء .. سابح داخل زنزانته ..
القضبان تردّه ..
الجدران تصدّه ..
السقف يهدّه ..
وآه من أسقف الرماد ..
رماد في سواد
ظل في ضوء في بياض
ظلام في هواء
ملح يجلبه نسيم الماء
من الأسفل يأتي الملح
من الأعلى سكّـر العسل
من المنتصف السراب
من لا حيث لا يأتي الحيث
أتأمل اللوحة المرسومة بألوان بدائية وبخدوش من خرائب الضياع .. خدوش غاضبة .. منبعثة من إلهام روحه .. يبدأها صباحا وينهيها أوان الغروب.
دقات قلبهما فرشاة .. دموعها ماء يبللها .. يطرّيها .. يطزّج روح الحياة فيهما .. الفرشاة في عينيه .. يدغدغها بأهدابه .. يغني بها على الجدار .. يعزف بها ألحان الكوّات والثقوب .. ألحان لا أوتار تنتجها .. ولا حناجر أو فجوات كالتي في الناي تسببها .. ألحان صامتة دامعة .. عابقة بضوع الزعتر والإكليل .. والمريمية وحَبُّ العزيز .. عابقة بغنج البحر وسيلان التين وخصوبة التابير .. ألحان طبرقاوية باقية إلى أبد الأبد .. الغرفة على رأس جبل .. على أعلى نقطة سمو يمكننا تخيلها .. على مرتفع شامخ في منطقة البردي .. بجانبها جامع صغير .. تحتها هاوية .. سطحها ماء .. قاعها محار .. بخار .. بهار .. أسرار .. كل مساء يلصق وجهه بالقضبان .. يتأمل القمر في السماء .. والقمر المنعكس على صفحة الماء .. وفي لحظة يحس بارتعاشها فيعود سريعا إلى فراشه ويغمض عينيه .. تدخل النسمة الأنثى .. عروس بحر أو جنيّة لا فرق .. تدخل رشفة المعنى الرطبة .. يجسّها .. يكلمها .. لكن لا يراها .. اللوحة تراها فتبتسم بسمة رمادية .. منطقة البردي مشهورة في كل العالم .. خاصة عند السحرة المغاربة والأفارقة واليهود .. يقولون إن سليمان الحكيم يسجن فيها مردة الجن في قماقم .. ويستودع فيها عرائس البحر هبات للعشاق الحقيقيين .. هي جميلة والأميرة براديا التي سميت باسمها المنطقة أجمل .. الأميرة براديا جميلة الجميلات .. أنا أحب براديا .. تشبه في خيالي حبيبتي .. حبيبتي منعشة في هذا القيظ .. أحسها بجانبي وأنا أكتب .. ألتهم من ارتجاف ذقنها وجبة حنان .. براديا منعشة أيضا أحسها وكأنها طربوش آيس كريم يذوب ..
جون برايل سعيد .. مسجون في قمقم حجري .. سيده سليمان .. لكن الآن سيده هتلر وموسوليني .. في الليل يتغذى بالأحاسيس .. تلك الجنيّة تنفث في روحه عمق الفن .. تدلك أصابعه المبدعة .. تمتص حلمتيه .. ترويه قبلا ودفئا .. ومع الفجر تغادره .. تغادر مع القمر متدثرة بكساء التماس الفاصل بين الخيط الأبيضاني والأسوداني .. تذوب في شعاع شمس وتغطس إلى حيث لا تدركها المراسيل .. في الليالي الصمّاء التي لا قمر فيها ولا نجوم .. يبكي جون برايل ويناجي أمه .. يكتب لها أمنيات على أوراق الهواء .. يغرسها دفقات .. آهات .. تطير عبر قضبان زنزانته .. يلتهمها ظلام الليل .. ويضيئها وسط بغيتها.
هو يحس بوصولها .. دقات قلبه المتضاعفة تخبره .. يلامس براحته خد أمه .. يمسح دميعاتها الثلجية .. فتتيقن أن جون برايل ابنها قد عاشها الآن .. تعانق كل طفل قريب منها .. وإن لم تجد طفلا فتمسك أصيص الزهور وتغرس وجهها في ورده. كانت الجنيّة تغني له أغاني موحية .. تحثه على الإسراع في إكمال اللوحة .. ما تفكر به بثه الآن .. حطم نضيدة مذياع أخرى وسحن كربونها كحلا .. الكربون فحم محترق .. كحل امتصّه مذياع .. كحل ألم مسحوق بموت .. كلمات المذياع وموسيقاه ضاعت .. دخلت الآذان وماتت في النسيان .. قطعة الكربون في النضيدة بقيت .. كحل يلتصق في بعض ويتماوج صانعا أشكالا جميلة.
عندما كنت صغيرا أجلس مع حبيبتي .. ندق فحمة .. ونضع مسحوقها فوق طرفي مرايا ثم نبصق معا على الفحم ونلصق طرفي المرايا على بعضهما .. نحككهما على بعض معا .. هي بيد وأنا بيد .. ونبعد الطرفين الزجاجين .. ونبصر ماذا قرّب الفحم المنسحق لروحينا .. يا الله .. هكذا تصرخ حبيبتي .. هذا عصفور .. هذه قطرة ندى .. هذه فراشة .. هذه وردة سوداء .. سوداء .
ونعيد الكرّة وعيوننا تلتهمنا.. وفي كل مرة تبصق هي وأبصق أنا .. وتظهر لنا أشكال جميلة نفلسفها بصغرنا الغض .. وفي مرّة عند الأصيل أخرجنا لوحي المرايا بسرعة متلهفين .. فجُرِحْتُ أنا وجُرِحَت هي .. وعلى طول وضعنا الفحم المسحوق فوق لوحي المرايا ولم نبصق عليه لكن أخلطناه بنزفنا وحككنا اللوحين .. ويا الله .. ظهرت لنا أشكال بديعة مذهلة .. أجمل من شفق الشمس عند الغروب .. الاحمرار يختلط بالاسمرار .. وزغردت حبيبتي.. كوندليزتي .. انظر .. انظر إلى ذاك المكان أسفل اللوح .. كانت الورود النابتة حمراء .. وسيقانها خضراء غامقة .. ومنذ تلك اللحظة ازدادت جروحنا وما عاد يقنعنا الورد الأسود.
قالت له الجنيّة ارسمني .. فقال لها أحسك ولا أراك .. أعجز عن فتح عيوني .. لا أريد التفريط في حلمي الجميل هذا .. وسألها لمن تشبهين ؟ وما أوصافك .. ؟ .. قالت له .. القمر .. الشمس .. النجوم .. أنا نور لا ملامح له .. دائرة لا تطوقها نفس .. نفس لا تتنفس في غيرها .. ماذا أقول لك .. ضعي بصقتك بين المرايا .. أحككها وأنظر .. هاك يدي وأرسم وسأجيبك وأتابعك كتمسيدة على ذراع حبيب أنهكه الكي والحرمان ..
عندما رسم جون برايل فرقة موسيقية قالت له أحسنت أنا النغم فعلا.. وعندما رسم راقصة باليه قالت له أنا راقصتك ألا تحس رشاقتي وليونتي في قصبتك.. وعندما رسم العملات قالت له أنا فعلا ثمينة .. وأكثر مما يتصوّر العقل والخيال .. شبيك لبيك حبيبتك بين ايديك.. كم تريد ذهبا .. ماسا .. لؤلؤا.. نفطا.. وعندما رسم الإنجيل قالت له أنا مؤمنة عذراء بتول لم يطمثـني إنس ولا جان ولكان ما زرت محراب الطهر هذا وأنست وحدتك.. وعندما رسم السيجارة قالت له أنا كيفك ومزاجك ورمادك.. وعندما رسم الأشواك والملاعق قالت له أنا ماؤك وملحك وزادك.. وعندما رسم النسوة العاريات تغشته وانتفضت فيه ولبسته جلدا وعظما ونخاعا ومسامات وأحلاما.. وعندما رسم رسالة إلى أمه ضمّته إليها وقالت أنا حليبك.. أنا توبتك النصوح وبكت بكاءً ليس كبكائنا.. بكاء لذيذا بنكهة عسل الحنون المر.. بكاء الجن دموعه ليست مالحة.. ليست حلوة.. هو يرتشف شفتيها الآن وهي تخدش شغاف روحه مخلطة رماد اللون.. يرتشف وينتعش.. لا يحس أنه في حرب شعواء الآن إنما في حانة من حانات لندن.. حبيبته في حضنه.. تمسد على ذراعه المكوي وتخلل أصابعها في شعر رأسه وتوشوشه I love you.
وعندما مسخ القدر اللوحة بزنجير الجماجم الرمادية طارت الجنيّة واستغرقت في الصلاة .. ما إنْ انتهت سألته : شبيك لبيك حبيبتك بين ايديك .. كم تريد من كذا وكذا وكذا ....؟!
أجابها الصمت .. فغادرت من خلال القضبان لتبتلعها لجّـة مشاعرنا وتسفيها موجة العودة إلى أعماقها البكر. الصق جون برايل وجهه في القضبان .. أشعة الشمس تبزغ .. النسيم العليل يمس زغبه فيقشعرره ويجعله يعطس .. أنفلونزا البشر غير أنفلونزا الجنون .. أنفلونزا الجنون زفرات نار والبشر زفرات ثلج .. النار عرق الحروق .. الثلج عرق الحروق .. التفكير يحرق .. الغياب يحرق .. الحرق يحرق .. أنا في حيرة الآن .. أأحب الشتاء أم الصيف ؟ .. أأحب الزمان المطقس وأرضخ؟ أم أسافر باحثا عن جدّة الزمان المفتوح ذي الوجه الواحد .. ؟ زمان نظيف أرتدي له ثوبا وحيدا وأزحف بسحابه بين النهود .. أنهل الحليب المرتعش السائح وديان معني وينابيع جنون .. أنهل الدفء النابض من النعومة التي هزمت الحرير .. لن أحب الشتاء أو الصيف .. سأحب الخريف .. خريف السكر الناشف الذائب ببطء .. خريف الرمان اللزج والبطيخ الممتلئ طراوة والبلح صلب الحلاوة والتمر الحارق مراراتي .. سأحب سكاكر الخريف .. سأحب الشفتين الشقيتين الناشفتين صبرا والعينين الناعستين والخدّين الذابلتين والقلب النابض بانتفاض شفيف .. أحب الخريف .. فصل الريح والتغيير والتطهير والإخصاب .. أحب الخريف الذي سأعبر به أو يعبر بي إلى جنة فواكهها خمر مصفى .
الغرفة على رأس جبل .. على أعلى نقطة في منطقة البردي .. بجانبها جامع تحتها هاوية سطحها ماء جوفها حياة قاعها محار بخار بهار أسرار .. الغرفة على رأس جبل كأنها عمامة أو طربوش مربع مسقوف .. شجيرات واطئة .. تحفها حشائش جبلية تتسلق جدرانها الخارجية .. الغرفة الآن خاوية .. تملؤني بالذكرى والحنين وتغني بي لأزمة البداية القائلة .. أعيش في طبرق لأربعين حولاً خلت .. أستمع لفرقعات القنابل .. أشم رائحة التين .. البطيخ .. البصل .. التابير .. أنا لست في عام 2005 ولا عام 2000005 ولا عام 2000000005 ولاعام كله أصفار دون خمسة أو اثنين.
أنا في آخر الزمن .. في دقيقة مع السلامة .. الدقيقة التي ستقفل الباب وراءها وتذوب .. آلهة المرور إلى الأمام .. إلى العفن .. إلى النضج .. إلى الطزاجة التي بدايتها عفن ونهايتها عفن .. دقيقة الماء المسفوحة على خدِّ هذا اللغز .. على خدِّ هذه الأحجية الغادرة بالغبار .. الكاشطة لكل لواح يأس .. الغابقة بالحشيش والجوع والضحك والجنون والبركات .. بقعة الكرم والمفارقات والصبر.
أجلس في طبرق .. أتمشى على شاطئها الآمن .. شاطئها الصخري المشوي .. شاطئها المجوّف بالألم والحزن .. شاطئها المتخم بالمُـغر المنخورة من أبد الملح.
شاطئها الصخري .. منط فتيانها إلى أعماق المزح .. ومصطبة صياديها الهواة والمدمنين .. من فوق صخرها هذا يرمي الصيادون صناراتهم .. يصطادون البوري المتأدب الذي ما عاد يتبرز على الطعم ويهرب .. ففي البحر ظهر نبي جديد .. يدعو إلى عدم الكفر بالنعمة أو التبرز عليها .. نبي جاف كالقلم الجاف .. متى يـبـس أرميه وأقتني غيره.

أنا ثمرة التين المجفف المسماة شريح .. أفطر عليها في شهر رمضان المبارك عوضا عن التمر .. ألوكها وأمتص عتاقتها ببطء .. ثم ابتلعها وأعقبها برشفة ماء وآهة امتنان موشاة بانشراح بهيج.
الغرفة الآن خاوية .. مقفلة .. ترى اللوحة من خلال القضبان .. اللوحة سجينة والمشاهد حر .. يتمنى السجن ليلتصق بها .. السجن مهم جدا لخلود اللوحة .. لولا السجن لأوقد الزرّادة النار في الغرفة ولتشوّهت اللوحة بالحروف الأولى لدخاخين الحرب في العصر الحديث ..
اللوحة مرسومة بروح النار وحبر النبض ورماد الكربون الفاقد موسيقاه وثرثرته .. في ذرّاته كذبت الآلة الإعلامية كثيرا .. وعبر موجاته روّجت الإشاعات وتغنى جوبلز وتشرشل وموسوليني وكل واقدي النار بأمجاد ثمنها خروج الروح عنوة من أجساد غضة خلقت لتعيش وتبتهج.
أتمسّك بالقضبان الصدئة والمتجددة كل عقد كطبقات الأرض .. أشاهد اللوحة من أسفل إلى أعلى والعكس ومن الجانبين .. أحاول قراءتها .. استشفافها كابتسامة مهجة أو ارتعاشة ذقن مورينا.. أبحث عن مبدعها الأم وسط زنجير الجماجم الرمادية .. أبحث عنه في مقابر الكومونولث الطبرقاوية فأجده في مقابرهم بالعلمين.
عندما رسمها لا يعلم أنها ستبقى وهو سيموت ولكان التصق بها ورفض الحرية .. ورفض الفناء الخارجي وفضل الفناء الداخلي داخل عمود الرماد في النضيدة المسحوقة سفيفا .. هذه النضائد التي يرسم برمادها مستهلكة لن تحكي قصته مجددا .. لكن رماد حب محمد الأصفر سوف يحكيها ويؤسطرها وينبضها قلوبا مبهجة ترقص بلا توقف .. لوحته الآن تعيش .. تتقشر سطوحها فتنفث رفاته رمادا يرتق بثورها .. الرياح من العلمين قادمة كل لحظة .. رياح مشبعة بأجداث روحه تتمسح على اللوحة وحيثما وجدت صدعا ملأته بعسل الزمن الجديد.
لوحته الآن تعيش .. تأكل وتشرب وتتناسل وتنجب وتنمو في مُخيّلات الفنانين .. تنقش حروفا في الروايات والقصائد .. وألحانا في الأغاني وشخوصا في المسرحيات .. وأحلاما متحققة في مخيلات الأمل.
في كل السجون زنزانات ..
في كل زنزانة لوحات أبدعها السجناء
يطمسها الطغاة
بالأقفال .. السياط .. الترميد .. الهدم .. الطلاء .. الكهرباء
لوحات ترسم بالأظافر .. بالبصاق .. بالعطسات ..
ترسم بالأحلام .. بالأماني ..
لوحات جميلة تنبت في كل سجن
حتى في سجون ذواتنا .. تؤرخ لجحيم اللحظة وجنان العمر .. وتغني لفراديس لن نطولها.
لوحات تشاهدنا وتبكينا .. وتصيح في ريح الرجاء أن تأتينا وتغنينا بحناجر الرماد الطازج أغنيتنا الآملة التي فقدت ذاكرتي بقيتها:
مازالشي فيكي الرجاء ياعـيني ..
وتجيب العين بالدموع الصامتة كسكون الهزيع الأخير من ليل حظنا.

للتين حكاية وحكاية .. ومن التين يصنع أهل ليبيا خمرا لذيذا .. خمر بمثابة المال .. يدفعون منه مكوس باتوس وسلالته .. شجرة ذات شذا .. شذا يلهب المشاعر .. يرفع معدلات العشق .. الحشرات تتسافد أسفلها .. الطيور في أعشاش على أغصانها .. العشاق يلتفون مسحورين تحتها .. يُصحّنون زادهم في أوراقها .. كرموسة أقويدر النابتة داخل منخفض .. تراود مخيلتي الآن .. المنخفض جراب كنغر وشجرة التين ابنه النباتي .. في الحرب جعلها الجنود الأستراليون مشفى ميدانيا وعند مغادرتهم حملوا أغصانا منها إلى أستراليا .. غرسوها هناك ولقموا (لقحوا) منها أشجار تينهم الضخمة لتنتج لهم ثمرة جامحة لذيذة أسموها شمس طبرق.
الشمس مشرقة الآن .. لا سحاب يحجبها .. آذان الظهر ينطلق من الجامع العتيق .. تتردد أصداؤه مترحمةً .. الآذان يملك لغة عامة لا أملكها يعرف كيف يترحم بكل اللغات .. ترجمان مشاعر يسبر غور مقاصد الراحلين .. ضحايا الحرب العالمية الثانية يصلهم في مقابرهم السّتة .. ويهيم شفيعا في مقابر المسلمين .. ويغوص في مدْرس السيارات أمام نزل الجلاء حيث كانت مدفنة اليهود .. الآذان يصل مسامع الموتى .. حتى الطرش يسمعونه بمراهف الروح ..
أجلس إلى طاولة على رصيف مقهى الأموي .. المسجد يميني .. الكنيستان المتحولتان إلى مكتبة ومتحف أمامي .. كنيس اليهود خلفي .. الشمس مشرقة على الأرض العارية .. أجلس إلى طاولة على رصيف تظلله شرفة خشبية قديمة مكللة بغرسات فل وورد .. فتيات المدارس والمعاهد تمر .. يتزاحمن على ظلال الرصيف .. مراهقات بدويات ذوات أبدان فائجة .. ملامح ليبية ذات سمرة القمح .. عيون واسعة .. شعر أسود حالك .. خدود نقية يتخللها بعض النمش والأخوال ذات الجمالية .. يثرثرن مع بعض ويبتسمن فتتألق مضاحكهن البيضاء الناصعة .. يسرن بخطوات واثـقة .. يتأملن واجهات الدكاكين ولا يرددن على مغازلاتنا بالكلام إنما بالنظرات الآسرة المشحونة بالشجا والعشق الطبرقي العميق .
الشمس يشتد سطوعها .. وعبر أشعتها الدافئة تحمل سردنا هذا إلى حيث الفن .. إلى حيث المرايا الملتصقة على لعابنا ودمنا .. تحملنا شرقا صاعدة بنا مرقاب طبرق الذي هُزِم عنده الطليان ذات يوم .. تصلنا إلى حيث محراب الفن .. إلى غرفة جون برايل ثانية وثالثة ودائما .. تضعنا الشمس وسط اللوحة الإنسانية الرائعة .. الناضحة بالأمل والعبر .. تصعد لنا الجنيّة من أعماق بحر البردي .. تستقبلنا بمتعة لا تضاهى .. الجنيّة الجميلة آسرة النفوس .. جدّة المبدعين وساردة الحواديث .. وناقشة الحكايات على أعصاب المغزى.
عندما أغرقت بَحريّة المحور فرقاطة للحلفاء قرب شاطئ البردي .. نجا جنديان أستراليان .. سبحا حتى الخليج الضيق المفضي إلى وادي الراهب .. توغلا في الوادي بحذر واختفيا في الأدغال .. أنفاسهما تلهث .. تستنشق الهواء المنعش المشبّع بعبق الحرمل .. الزريقة .. القزاح .. الزعتر .. القرضاب .. الخبيز .. اللاونطا .. القميلة .. روائح لا حصر لها ينفثها المكان .. روائح عطرة مزفورة من التراب وأبنائه وأحفاده.
المكان عطر .. إذن آمان .. لا خوف .. لا رعب .. لا ألم .. هكذا تتكلم العطور أو هكذا تتكلم زفرات النحل في صدوعه الوفيرة المنفلقة في الجروف والكهوف كرمان ملّ نضجه.
الصدوع فارزة العسل ليس كالصدوع فارزة الصديد ..
الصديد صديد .. والقدّيد قدِّيد .. جرح النحل للورد ليس كجرح الإنسان للحم .. العطور .. العطور .. العطور .. العطور ملأت روحي الجنديين اطمئنانا وسكينة .. لكن جسديهما خائفان .. يتألمان من الجروح والخدوش والبرد والجوع والمفاجآت .. الجنود الألمان يمشِّطون المنطقة للقبض عليهما واستجوابهما بوسائل الجستابو الذي لا يرحم .. الجنديان يزحفان .. بحذر وعلى بعد نصف كيلو متر شاهدا خيالين جالسين تحت شجرة تين وارفة .. أمامهما قطيع ماعز يلوك الحشائش ويتطاول برشاقة إلى الأوراق الطريّة المتدلية من الشجر .. وقف الخيالان .. تعانقا لدقائق يتبادلان القبل .. ثم افترقا مترنحين .. أحدهما ركب حماره ومضى والآخر تلقف عصاه والتحق بالقطيع يجمعه ويوجهه صوب دغل كثيف الحشائش .. اقترب الجنديان بحذر أكثر وعلى بعد 200 متر تقريبا تبيّن لهما أن هذا الخيال لفتاة ليبية فاقتربا منها أكثر ملوحين بغصن مورق والجندي الآخر خلع قميصه الداخلي الأبيض سريعا يلوّح به للفتاة .. السلوقي أخذ ينبح بصخب ويُقبل ويُدبر نحوهما مكشرا متوعدا متحفزا .. انتبهت الفتاة للجنديين شبه العاريين المنهكين الجريحين .. ارتعبت حاولت أن تبتعد مهددة بعصاها وخنجرها غير أنهما بدآ يلوحان بالقميص الأبيض المرشوق في الغصن المورق .. يلوحان بإلحاح واستعطاف .. اتجهت نحوهما بحذر في حراسة كلبها السلوقي .. شاهرة خنجرها .. وشادة بهراوتها الطويلة .. تتقدم منهما وفي كل خطوة ترى الآمان في عيونهما فتخفض العصا وتعيد الخنجر إلى غمده وتربت على ظهر السلوقي الذي أخفض أذنيه وأقفل سجن شفتيه على أنيابه الشرسة.
هي فتاة بدوية اسمها سقاوة .. والسقاوة هي أنثى الصقر .. طائر جارح جميل يمتاز بحدّة البصر .. وقد ورد ذكر هذا الطائر النبيل في العديد من مجاريد الموروث الليبي الشجي :
مرحبتين بعـد جيتينا .. ما شمّتي والي فينا
يوم سعـيد اللى أنت رينا .. صفي طايحلك بالزين
صفي طايحلك ببهاوة .. ياللي عـينك عين سقاوة
مركزها عـالي ميلين
مركزها عـالي في داره .. ولا طالوه ولا نقارة
وين ما تلحظ طير احبارة .. تسفاه اتجيبا نصين
نصين ونصين اتجيبا .. أنا مدعاي اللي شاقيبا
توصيفك يا عين الذيبة .. ياللى ما كيفك حيين
ياللى ما كيفك لا والي .. يام اعـيون اسماح ذبالي
نحكيلك توا عن حالي .. جيتك نشكي مالتكوين
جيتك نشكي مالتكوينا .. ومالياس اللى جار علينا
حتى وين بعـيد مشينا .. رابع يوم لفا للعـين
رابع يوم لفا والقينا .. في وطن يقولوا بالسينا
قلنالا احميده هنينا .. قال بعـدكم حالي شين
قال بعـدكم شاين حالي .. فيكمش من عـندا غـالي
قلنالا ما معـانا والي .. مفيت خدم سود زياتين
مفيت خادم سودا غـفتها .. واخرى ما نعـرف لغتها
لكن والفنا دوتها .. تم خبرنا باليدين
وإلى آخر المجرودة الشجية التي ربما سنعود أو ستعود إلينا مع سمرة كوندليزا رايس وتمبكتو وفزان وقضية الخدم والعبيد والسود الذين سيسودون في العالم بإنسانيتهم وحنطتهم ودمهم الخفيف الأخف من رائحة النسيم على كؤوس البهجات.
لكن سقاوة فعلا جميلة وما كيفها حيين ولا ميتين ربما .. ذات بنية متينة وقوام ممشوق كلاعبات السباحة .. ونهدان واقفان .. وساقان ممتلئتان وجبين ضاوي وشفاه مكتنزة وخدان بلون المشمش في صهد القبلي وبمذاق الخوخ الهابز .. ترعي قطيعها لوحدها .. تفاهما معها بالإشارة وبفراستها عرفت أنهما ليسا إيطاليين.
حلبت لهما قدح لبن كبير وأعطتهم رغيف خبز مجردق وهو ليس خبز تنور .. المجردق أقل سماكة ويُعد بإلصاق العجين على صفيح ساخن.. وألصقت على جروحهم أوراق خروع وتين .
قادتهم إلى كهف الراهب .. خبأتهم فيه ريثما تخبر أهلها .. وكهف الراهب هذا غرفتان فوق بعض منحوتتان في الصخر .. يقال إن راهبا من أتباع القديس مرقس شيدهما ومكث في خلوتهما زاهدا متعبدا بعيدا عن ظلام الرومان ووثنيتهم. أمر شيخ النجع بعض الشباب بإسعافهما وإطعامهما والتحقق من شخصيتيهما .. وبعد الأكل والراحة قليلا أجاب الأستراليان عن الأسئلة .. عرفوا أنهما أستراليان فأمروهما بالمكوث في هذا الكهف وعند الليل سيعودان لأخذهما إلى مكان أكثر أمنا .. بئر جافة في وادي حبون .. وادي المحبة والحنان .. ثدي المياه العذبة المرشوشة عبر أخدود ضيق على خليج صغير .. دائما الجنيّة تنتظر في هذا الخليج وصول مياه الحب الحلوة .. عصارة نحل وادي حبّون .. تجمعها في أباريق شفافة وتوزعها على عرائس البحر في أعماق العطش .. وإذ تصعد إلى غرفة مأنوسها جون برايل عند منتصف الليل تأخذ رشفة في فمها وتفرغها في فمه فيشتعل ويتطرّى وأمله الذي يبنيه يجد قوت زمانه ولبن مكانه وصفاء حظه .. يجد نوره المالح المبلل المحصّن ضد فيروسات الظلام.
بقيا في الكهف .. شربا الماء .. اغتسلا من عينه الجوفية الملحقة به .. صليا متوجهين للصليب المنحوت في الصخر بعدها التصقا إلى بعضهما وناما .. استغرقا في الأحلام .. كلاهما يحلم على حدة .. كلاهما يحلم باطمئنان ولسانه يتلمظ بقايا نكهة حليب الماعز .. الأول حلم أنه في الجنة وماذا يريد ؟! .. لبن .. خبز .. فتاة بهيّة خداها بلون نوّار الربيع .. لا ينقص سوى الخمر .. والخمر أمره سهل .. بل إنه يشم الآن عبقات من مريسة الزنوج .. والخمر ليس مشكلة .. فالوادي زاخر بأشجار التوت والتين والرمان واللوز والليمون والنخيل وحيثما كانت الفاكهة كانت الخمر .. والوادي زاخر بالأشجار العطرية السامقة .. كالخروب .. والصنوبر .. والسدر .. والعرعر .. والسرو .. والكافور .. والبطوم .. هذه جنة الله .. الطيور تغرّد في أذنيه .. زيو .. زيو .. والشياه تصيح ماه ه ه .. والقطط ميو .. ميو .. والضفادع عند العين تنق .. تنق مزغردة لعرس خياله الذي أزف .. والموسيقا تأتيه تنبعث من اللوحة التي يرسمها جون برايل في علـِّيته .. والبارود والقنابل والألعاب النارية تلعلع في سماء ربي وتنزفها .. والشمس تشرق والقمر يبتسم .. والجنيّة ترقص أمامه .. تضع في حضنه أكياس التبر واللؤلؤ والمرجان .. واستغرق في هذا الحلم الجميل رافضا أن يستيقظ وليُقبض عليه هكذا على هذه الحالة .. وليُقبَض عليه وهو في جنته وليَقبِض عليه الألمان والطليان واليابان وكل أبالسة العالم النتن.
والجندي الآخر حلم بالحلم ذاته بيد أنه استيقظ فقد أحس بشيء غير مألوف .. أنفاس وخرخشة تصل مسامعه .. رائحة خمر تجوس أنفه المدمن .. رأسه مسنود على جدار الغرفة الأولى .. أصوات حركة في الغرفة العلوية .. استراب وتقاوى على خدوشه وجروحه ووقف .. في يده عصا قطعها من شجرة زيتون .. هي العصا ذاتها المرشوق بها غلالة زميله البيضاء التي لوّحا بها لسقاوة .. صعدا إلى الطابق الثاني .. في آخر الغرفة آدمي أسمر يرتدي أسمالا بالية .. وجهه للجدار وظهره للجندي .. رفع الجندي عصاه محترزا وهامسا للأسمر من أنت ؟! .. استدار الأسمر رافعا صليبا أخضر مصنوعا من أغصان شجيرة لوز وأجاب: أخوك.
تصافحا .. وتحدّثا متعارفين إلى بعضهما .. قال الأسمر الذي هو الضابط المصوعي الهارب من الخدمة في الجيش الإيطالي: في الحرب أنت عدو .. في الدين أنت أخ .. في الحياة أنت أكثر من أخ .. وصلـّب صدره بإشارة الصليب .. قال الجندي الأسترالي وقد تبيّن مذهبه من طريقة تصليبه .. لا فرق بين مرقس ومتـّى .. كلنا أتباع يسوع .. ومعك أشعر بالأمان .. لقد كتب لنا الله حياة جديدة .. فتاة ليبية أنقذتنا وأطعمتنا وآوتنا .. اليوم نحن أحياء وغداً مجهول مصيرنا ..
قال الأسمر: كنت ضابطا إيطاليا وصرت راهبا إنسانيا .. أنا هنا منذ شهر .. أتنقل من كهف إلى كهف .. نفعتني تجربتي في ملاحقة البدو واليهود في كهوف الجبل الأخضر .. تمكنت من العيش والاختفاء عن الأنظار .. أكثر كهوف ليبيا باركها القديس مرقس وأتباعه إبان مقاومتهم للتطرف اليهودي و للوثنية الرومانية .. بثوا فيها حصونا من أمان وحقولا من رغيد .. كل كهف تجد قربه ماء تعميد وطعام ربّاني .. أي عشب تأكله مفيد .. وفي الوقت نفسه دواء فعال .. تعال معي .. وأخذه من يده يشرح له خصائص كثير من الأعشاب .. هذا يقاوم الإسهال وهذا لوجع الرأس وهذا لديدان البطن وهذا لوجع الركبتين وهذا لانحباس البول وهذا يا فالح يزيد القدرة الجنسية يجعلك هائجا كتيس ماعز .. وضحكا بخفوت وسكب الأسمر للجندي قدحا من خمرة الزنوج المريسة كرعه على دفعتين وانتشى سريعا وتذكر أنثى الصقر الليبية سقاوة التي أنقذته وصاحبه .. لكن نظر إلى صليب اللوز الأخضر في يد الأسمر وطفر مستغفرا طالبا الاعتراف الفوري. جلس الأسمر ينصت إلى اعترافاته ويمنحه الغفران والبركة.
قال الراهب الأسمر أنت ابن أصول لا تعض اليد التي أطعمتك .. تصون العفة وترعى ميثاق الشرف .. أراه الأسمر المخبأ المموه بالحشائش في صدع طبيعي أعلى الكهف بجانبه صدع صغير آخر يشري منه عسل النحل ويرتاده النحل داخلا وخارجا .. صدع اختباء وصدع حراسة وغذاء .. هنا أنام ولو أنني لم أخرج لك فلن تكتشفني أبدا وللأسف لا يتسع الصدع إلا لواحد .. إن أردته منحته لك وسرت باحثا عن مأوى آخر .. لا أرى أي فرق بين روحي الآمنة وروحك القلقة المطاردة .. عانقه الجندي بتأثر ونزلا إلى تحت .. أيقظا الجندي الآخر وتصافحا وتشاركوا في الطعام .. صلوا معا على الرغم من اختلاف المذهب الكاثوليكي والبروتستاني .. لكن للحرب مفارقاتها وظروفها .. صعدوا إلى الطابق الثاني .. أوقدوا نارا صغيرة يتدفئون بها ويتأملون أسفل الوادي حيث سقاوة العائدة إلى النجع بقطيعها الشبعان.
أخبرت أباها بأمر الجنديين ومكانهما الجديد الذي سينقلان إليه في الظلام .. وسألها أبوها: أمتأكدة أنهما ليسا إيطاليين؟ .. لقد أخبرني الشباب بذلك .. لكن أحب سماع رأيك أيتها الناجمة .. متأكدة يا أبي وليس ألمانيين أيضا .. لم ألحظ في ملابسهم علامة الصليب المعكوف .. وهما يا أبي بيض كالشمع .. كالشمع.
في اليوم الثاني مشطت القوات الألمانية المنطقة وعثرت على آثارهما عند شجرة التين ثم في الكهف .. جمعوا أهل النجع .. طلبوا منهم أن يخبروا عنهم .. هددوهم أولا بالشنق والذبح ثم وعدوهم بالمال والأرز والسكر والسجائر والشاي والقهوة والمعاطف .. لكن شيخ البدو كان شهما فنص في رعيته ولم يبع الأستراليين المستجيرين بوسخ دنيا .. وتمتم ومن استجارك فأجره حتى يبلغ مأمنه.
وزيادة لتحوطات الأمان أمر بتغيير مكانهما مرة أخرى إلى بئر رومانية قديمة منقورة في الصخر أكثر غورا واتساعا ومغطاة بطبقة سميكة من الأعشاب والشجيرات القزمة.
صارت سقاوة تتسلل إلى البئر كل ليلة .. تنزل لهما الطعام والماء بالحبل فتسمع منهما كلمات :
thank you my gad
Thank you sister
Thank you Libya
فتنقل تلك الكلمات التي أسمتها غناوي علم النصارى إلى بنت عمتها العاملة في مستوصف به راهبات نصرانيات .. تترجمها لها : يقولون شكرا يا الله وشكرا يا أخواتنا بنات ليبيا الحلوات ..
في الليلة التالية أنزلت لهما الزاد والماء وجرة بها لاقبي (خمر النخيل) وانتظرت أن تسمع فسمعت منهما thank you girl فرددتها لهما بلسانها الليبي وتجاوب صداها في أرجاء البئر وعرفت أن كل الكلام الذي سيقولانه هو كلام شكر ومدح وصداقة فحدثت الألفة على الرغم من انغلاق اللغة .. بادلتهم كلماتهم التي لا تفهمها وبادلاها كلماتها التي لا يفهمونها .. صاروا ببغاوات تنضح بالإنسانية .. يقلدانها ويضحكان بحبور .. تقلدهما وتزغرد بخفوت .. وتصفق فيصفقان .. هي تضحك وهما يضحكان والصدى داخل البئر يتحول إلى وجيب فرح متواصل تغنيه لغة الآبار والينابيع .. فوهة البئر الرومانية الضيقة اتسعت واستحضرت ضحكات وارداتها من فتيات الحبّون والقطعان الجميلات .. واستحضرت المواعيد البريئة بين العشاق أبناء العمومة والخؤولة .. بعد هذا الابتهاج المتبادل صارت سقاوة تشاكسهما مازحة بالليبي: يا نعلي منكم يا البيض لوكان نبرم عليكم اندير فيكم البصر.
ووجدا الأستراليان صعوبة في نطق هذا المقطع الطويل خاصة حرف العين وقبل أن تغادر استغرقها الوجد والانتشاء والهيام وسط النسيم الليلي العليل فما سيطرت على نفسها وغرست سبابتها في أذنها صادحة بغناوة علم بدوية :
يرجاني وأنا نرجاه عـزيز ما مشا نين قاللي.
في هذه الأثناء تسمع جلبة آليات فتبتعد سقاوة عن البئر راكضة بعيدا .. ترى أسفل الجبل مفرزة دراجات نارية ألمانية ذات الراكبين تصعد الدرب حثيثا .. فتبتعد سقاوة سريعا عن البئر وتتوغل مختفية في الأدغال .. يمر الألمان بدراجاتهم النارية قرب البئر .. يتوقفون .. يضيئون مصابيحهم اليدوية .. يُجَوِّبون حزم ضوئها هنا وهناك .. ومن مكان ليس ببعيد يستمعون إلى نهيق حمار حاد متواصل .. يتجهون صوبه سريعا .. يقبضون على فتى متكئ تحت شجرة تين .. الفتى اسمه غيث الله .. يسألونه ماذا تفعل هنا؟ .. وأين الجنديان الأستراليان؟ لا يجيب .. يقول لا أعرف .. يهددونه بالضرب المبرح والشنق فيكرر لا أدري عن أي جنود.. أنا هنا تحت شجرة التين أنتظر حبيبتي سقاوة .. لقد واعدتها على اللقاء عندما يتوسط القمر السماء .. ينظرون إلى أعلى .. القمر في كبد السماء حقا .. كم هو القمر جميل .. كم هي غرفة جون برايل جميلة متألقة .. القمر يغمرها بهالات النور.. جون برايل قابع فيها الآن .. صحبة جنيته الجميلة .. تمسد جسده بأصابعها ذات زغب الجحيم .. تحقنه بدروب تفضي إلى أعصاب أصابعه المنتظرة أشعة الشمس .. الشمس تشرق على الكربون .. جون برايل يغمس أصابعه في الكربون المقدد و المشمس ويبدأ عزف الرماد.
في الحروب دائما يكثر الشعراء.. ضابط المفرزة الألمانية مثل نيكولاس الأسترالي شاعر أيضا.. شاعر متحمس لكتابات الشاعر الألماني الكبير جوته خاصة كتابه الديوان الشرقي .. أخذ يهزهز رأسه مستحسنا كلام العاشق غيث الله .. لكن عنصر الجستابو ذا التقاطيع الجامدة لم يقتنع بهذا التبرير الحالم فركل غيث الله بعنف ووغر فوهة المسدس في صدغه وصاح أين الجنديان يا كلب الخنازير وإلا جذبت الزناد وانتهينا.. آنذاك صاحت سقاوة لا شعوريا توقفوا .. stop .. stop وخرجت من تحت أكمة كثيفة تركض صوبه وتحتضنه صارخة في المفرزة.. اقتلوني قبل ولد سيدي (عمِّي).. اقتلوني قبل حبيبي.. اقتلوني وسيبو وليد العم غيث الله .
ابتسم الضابط الشاعر وأعاد عنصر الجستابو مسدسه ببطء إلى جرابه وغادرت المفرزة تبحث عن بغيتها في أودية غير ذي شعر.
عند الفجر رفعت سقاوة رواق بيت الشَعر واندست في مرقدها منتشية.. منهكة.. فيما غيث الله شق طريقه بمحاذاة البحر قاصدا نجوع أخواله في شط الشواعر.

محمد الأصفر
mohmadalasfar@yahoo.com


Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home