Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home
Libyan Writer Mohammed al-Asfar
الكاتب الليبي محمد الأصفر


محمد الأصفر

Saturday, 4 November, 2006

شيء من المرسكاوي

محمد الأصفر

أول عمل شغله ونيس هو رئيس كناسين .. حدث ذلك في بداية السبعينات من القرن المنصرم .. لم يمض آنذاك على ثورة الملازم معمرالقذافي على نظام الملك إدريس السنوسي إلا أشهر .. الفتى ونيس نحيل الجسم .. متوسط الطول .. قمحي البشرة .. في قدمه اليسرى عرج بسيط نتيجة شلل أطفال .. مستواه الدراسي ثانية إعدادي و لعاهته لم يُقبل في كثير من الوظائف .. لا سيما المحتاجة إلى لياقة بدنية عالية كالجيش والشرطة وغيرهما .
قدّم ملـفه للبلدية وكان حي المحيشي آنذاك في طور التـكوين .. فـوجِّه إليه ليترأس زمرة كناسيه .. حى المحيشي مربع سكنى كبير مقسم إلى أربعة أقسام .. كل قسم دُلل عليه بحرف : حرف أ.. ب.. ج.. س.. كل مربع به مدرسة شُـيدت من الصفيح الرصاصي المتين .. وهُندست على شكل حرف u أي مربع ناقص ضلع .. وسط الحي يوجد مركز الشرطة والساحة الرياضية والبلدية والعيادة ودار خيالة الفردوس التي بناها الأستاذ الشعالي الخراز على حسابه الخاص بعد أن تحصل على ترخيص من المحافظ بذلك .. أما مؤسسة البريد و السوق التجاري المسمّى بسوق العبيد فمبناهما جُعلا في منطقة حرف س .. والتي يقطن معظمها ليبيون سمر البشرة قادمين من زرائب العبيد بمنطقة شط الصابري .
في بداية قيام الحي لا يوجد جامع .. بعد شهور تمّ بناء جامع جميل في منطقة س سُمَّيَ على اسم أحد الصحابة رضوان الله عليهم .. لكن الاسم الشائع حتى الآن هو جامع سوق العبيد .. جامع ظريف صغير بمئذنة واحدة وقبّة واحدة زاخر أسفلها بالثريات وحيطانه مزدانة بالآيات القرآنية المبرقشة بالجبس الملون .. في سقفه مراوح وفي أعلى جوانب السقف الأربعة كوّات طبيعية مغلقة بزجاج اخضر سميك .. محرابه منقور في الجدار القبلي ومنبر الخطبة الملاصق للمحراب صنع من خشب فاخر .. المسجد بناه مهندسون وعمال مهرة من باكستان .. أنجزوه في زمن قياسي .. وبمواصفات ابداعية رفيعة الجودة .

بيوت الحي ليست مكتملة .. قطع أرض تجانب بعضها .. مسوّرة بجدران اسمنتية .. كل قطعة لها باب خشب وباب حصيرة معدنية للمرآب و صنبور ماء عند المدخل .. على كل ساكن أن يبنى داخلها بالطوب أو الصفيح غرفة ومطبخ وحمّام لقضاء الحاجة .. أما الكهرباء فمازالت آنذاك مقتصرة على مركز الشرطة والبريد والعيادة والسينما والمدارس .
قبل الثورة كان اسم الحي مشروع إدريس بعد الثورة سُمي الحي بحي الإسكان الذاتي أو بحي المحيشي .. بعد سنوات وعلى إثر محاولة انقلابية فاشلة تزعمها عضو مجلس قيادة الثورة عمر المحيشي تغيّر اسم الحي إلى حي المختار .. ثم حي العروبة .. ثم حي السلاوي .. ثم حي المختار من جديد .. لكن الاسم الذي ثبت في ذاكرة الناس هو حي المحيشي نسبة للقب المهندس الذي أشرف على انجاز المشروع ونسبة لسواني المحيشي وأرضه الملاصقة والمتداخلة مع أرض الحي .. هناك اسم آخر شهير معروفة به المنطقة هو المدينة الدايخة .. لا ندري بالضبط من أطلقه عليها .. وأطلق عليها لزعمهم بوجود كافة مقاطر الخمور المحلية ( الـقرابا ) في هذه المنطقة غير المضاءة والمنعزلة والبعيدة نسبيا عن وسط المدينة .
من الأسباب التى جعلت البلدية تخصص منطقة حي المحيشي لسكان زرائب العبيد وحلاليق راس اعبيدة والكيش هو قرب هذه الأحياء العشوائية من المدينة وتأثير فوضى وصخب هذه العشوائيات على العمران المنظم المتمتع بكافة خدمات البنية التحتية وغيرها .. وفكرت أين تنقلهم .. الصحيح تبعدهم .. في البداية أرادت أن تشتري لهم أرض بن يونس المتاخمة لسبخة السلماني من مالكها .. لكن اختلف معها على السعر فلم يبع وباع مالك أرض المحيشي للبلدية مساحة أقيم عليها الحي بسعر معقول .. لتقسمها لاحقا قطعا صغيرة وكبيرة وتسورها بترويسة واحدة .. أربع مربعات بارزة على الواجهة .. أربع مستطيلات من المشربيات ذات الفتحات الأربع .. طلاء الواجهات كله بُني طوبي .. القطع الصغيرة بها ثلاثة مربعات وثلاثة مستطيلات من المشربيات وخُصصت لأصحاب الأسر الصغيرة ( رأس و رويّس ) .. ولكي تمنح هؤلاء المعدمين ثقة في أنفسهم وسند تملك لهذه القطع طلبت من كل مالك أن يسدد ثمن الأرض وهو مبلغ رمزي صغير دفعه في متناول الجميع .. بعد الثورة منحهم المصرف العقاري قروض بناء حوالى ثلاثة ألاف أو أربعة ألاف دينار فبنوا هذه القطع بالطوب والزلط وحديد التسليح والإسمنت لتتحوّل إلى مساكن صحية نوعا ما .
قطن حي المحيشي خليط من كافة القبائل الليبية .. معظمهم من ساكني أكواخ الصفيح والزرائب والعشش التي كانت منتشرة في أحياء الصابري ورأس عبيدة و السلماني والرويسات والكيش وغيرها.. أناس فقراء .. مستواهم الثقافي بالنسبة لأولياء الأمور والكبار ضحل وأغلبهم أرحم من قرّى و ورّا ( أميّون ) .. لكن بالنسبة للشباب فمعقول وجيد .. أكثر الشباب اجتهد وتعلم .. فأغلبهم يمارس الرياضة .. يقرأ الكتب والجرائد و المجلات المنتشرة آنذاك .. يرتاد دور العرض .. هايتي .. النصر .. الاستقلال .. النهضة .. يحضر الحفلات الغنائية .. يشاهد المسرحيات في المسارح .. ومنهم من لديه جواز سفر ويسافر كلما سمحت الحالة المادية إلى مصر ومالطا وايطاليا واليونان .
اشتهرت منطقة س بالفن والرياضة والطبخ والخمر طبعا.. فمنها مطرب المرسكاوي الشهير احميده درنة صاحب الصوت الرقيق العذب الجهوري و منها المطرب الموهوب سعد الوسْ و منها مجموعة عازفين مهرة ومجموعة راقصين رشقاء .. بل اغلب أعضاء فرقة بنغازي للفنون الشعبية من حي المحيشي وبالضبط من حرف س .. ومنها أيضا لاعبو كرة القدم الموهوبون ونيس جاب الله الملقب بالمزنة لسواده الغامق وهجومه الكاسح على الخصم .. ومنهم الهداف الموهوب مصطفى المجدوب ولاعب الوسط الدولي محمد المجدوب ونجم فريق البحرية فرج البقرماوي ومدافع شركة الإسمنت محمد النمرود وفيما بعد اسويري وارطيبة ومفتاح البقرماوي الملقب بالتوبو والحنش وكل هؤلاء اللاعبين لعبوا في نادي السواعد العريق وانتقلوا منه فيما بعد لنوادي اكثر شهرة مثل الأهلى بنغازي والهلال والنجمة .. يوجد أيضا لاعبين دوليين في ألعاب أخرى .. لاعب رفع الأثقال جمعة الديجاوي ولاعب كرة اليد مصطفى القميستا ولاعب العاب القوى محمد علي الورفلي وغيرهم من الرياضيين في مختلف الالعاب الرياضية .
في منطقة س تشم عبق الأكلات الليبية .. أي شيء يطهونه له نكهة .. حتى الشاي تشم رائحته من بعيد .. هم لا يهدرون الرائحة أبدا ويستلذون بنكهة ما يتناولون .. لهم طقوس خاصة في طهي الطعام وبهاراتهم مميزة يرششونها بواسطة إبهامهم وسبابتهم على الطعام بقدر وفي درجة حرارة معينة .. أكثر الطبّـاخات اللاتي يؤجرونهن لإعداد ولائم الأعراس والمآتم من حي المحيشي حرف س .. على شاطئ بحر المنقار يصطافون ( شاطئ قريب يقع في منطقة اللثامة 3 كيلو متر من الحي ) .. يصطادون السمك خاصة الفرّوج والأخطبوط الذي يرطمونه على الصخر بعنف حتى الموت.. يبيتون على الشاطئ معظم ليالي الصيف .. ما إن ينتهى الربيع حتى يبدأون في تشييد أكواخ من القش والسعف يزينونها بألوان الأندية المحلية والعالمية التي يشعونها .. في الليل سمر وغناء .. في النهار سباحة وكرة قدم وأكل شرمولة ومشمش وخوخ وعوينة ( برقوق ) و دلاع وقلعاوي ( نوع من الشمّام ) وأسماك مشوية ومقلية ومحشوة .. دائما يضحكون .. لا حزن تراه على الوجوه .. من تظنه صامتا تركز قليلا فترى ومضا شفافا لأسنانه البيضاء وتلاحظ حركة شفتيه البطيئة المنتظمة وطرقات مشط قدمه على الأرض.. أي أنه يدندن لحنا باطنيا مازال يتوالد داخله .. الفنان احميده درنة شاب اسمر .. صاحب دكان صغير للمواد المنزلية .. فنان في غناء المرسكاوي .. يطوّر الألحان ويضيف إليها من روحه نغمات جليلة .. وآهٍ من نغمات الروح عندما تأتينا دون موعد ..
جذور المرسكاوي من واحة مرزق التاريخية في الصحراء الليبية .. وصل إلى الساحل بواسطة القوافل القادمة منها لمقايضة التمر بالملح .. هذا الغناء ولدته المعاناة ونبع من نواحات رحلات الجمال الطويلة وسط دروب الرمال والنار .. حيث كان يساق هؤلاء العبيد للبيع في اسواق الشمال لشحنهم إلى أوروبا وأمريكا .. النخاسون يفرقون بين المرء وزوجه .. بين الطفل ووالديه .. بين الحبيب وحبيبته .. بين الصحراء والواحات وسكانها .. يساقون تحت السياط ولدغ العقارب و الحيّات في ظروف لا إنسانية .. هي قمة البؤس .. من هذا السوق تتوالد الألحان وتتوالد الكلمات .. يراها الجمل بعينيه ويسمعها بقلب أذنيه فيتألم ويصدر صوته الثائر المحتج فيلجم بالكي بالنار أو بالوخز في النحر .. إنه الألم سيد العالم .. مشتت العقول وقاهر الصبر ومغطس الإيمان في مكبات القمامة .. كل القافلة تنسجم في ألحان وليدة يغنيها الإنسان والحيوان والرمل والشمس والهوام وعندما تغيب الشمس يحطون رحالهم على كثيب ناعم .. يوقدون النار ويرقصون حولها ويغنون .. يتناولون طعامهم من حلاوة التمر ومن دفء لبن النوق ويستأنفون قدرهم مع طلوع الفجر صوب الشمال .. الشمال مغتال الفجور .. ممتص طزاجة الوجود .. الشمال ذاك الفضاء الرصاصي و الثلج الباهت .. جالب التبلد والموت .. أصل المرسكاوي من واحة مرزق في الصحراء الليبية .. وصل إلى الساحل بواسطة القوافل القادمة منها لمقايضة التمر بالملح ..
في مرزق تمر ..
في بنغازي ملح ..
مرزق تطفئ حرارة سكرها بملح بنغازي ..
بنغازي تؤجج نار ملحها بحلاوة مرزق ..
فوق مرزق سماء
فوق بنغازي سماء
تحت مرزق ماء
تحت بنغازي ماء
لا تغادر نوق مرزق حتى تضرس نوى التمر .. والفالت من أشداقها ينبت نخيلا ثميرا ظليلا في سباخ بنغازي الاسطورية .. المرسكاوي لم يترسّخ إلا في بنغازي .. هذه المدينة الكوزومبولية القابلة والمرحبة والمتفاعلة مع كل شيء .. بقية المدن الليبية ملتصقة أكثر بالبادية .. لها زماميرها وشعرها الشعبي وأهازيجها البدوية الخالصة ووشاياتها القذرة جدا .. المرسكاوي ترانيم وافدة عاشت في بنغازي وتطورت في أعراس أحيائها الفقيرة و ألحانها العذبة .. تقبلت كافة الكلمات الشعرية المنجبة من معاناة الإنسان اليومية وجراحات الملح المزمنة .
أحبُّ الملح لأنه يذوب ..
أحبُّ الفن لأنني لا أدري ..
الفن حلاوة وملوحة ..
الحلاوة طهارة ..
الملوحة طهارة ..
والمرارة ..
أنظر يمينك .. شمالك .. تحتك .. فوقك .. في سرّك ..
آهٍ كم هي فائضة .

مع هذي القوافل وصل كثير من العبيد .. منهم من بيع وشحن إلى اسواق اوروبا وامريكا و منهم من أعتق ومنهم من تمَّ بيعه لتجار مصراتة في شوارع قصر حمد والعقيب وكويري ولقبائل البدو في الدواخل .. ومنهم من التحق بقريب له حر وسكن زرائب العبيد قرب البحر .. وصلوا من الجنوب .. من واحات الصحراء الآمنة .. من ادغال افريقيا ومنارات تمبكتو وغابات السودان وتشاد والنيجر .. كانوا يرفلون في الرغد الإفريقي .. غـُدر بهم .. كبلوهم بسلاح ناري لا يملكونه واقتيدوا عنوة إلى أفلاك البحر.. دخل لهم النخاسون البيض في أثواب مبشرين دينيين و رحّالة ورجال طب وحضارة وفي أثواب تجار أيضا .. الحقيقة الدامغة التي اكتشفها العالم بعد زمن قصير أن اغلبهم جواسيس يبحثون عن الذهب والمجد والغرور بأي طريقة ولو بالمتاجرة بالإنسان وبعضهم الآخر مبشرين دينيين يستغلون جهل وفقر الإنسان الإفريقي لينتزعونه من دينه الذي يعتقده إلى أديان جديدة .
لحن المرسكاوي خليط من الحياة والموت .. آهات طبول افريقية وزفرات نسيم بحر وأخاديد سراب راقصة وزئير أسود وفحيح حيات ووجل غزلان جميلة وزقزقة طيور مهاجرة .. وأنوار من ليالي السماء المقمرة .. وندى غزير على خد متكئة في هودج مفتوح على الفضاء .. أما كلماته فهي العذوبة و الصدق والرجاء والأسى .. كل الغناء عبارة عن رجاء وإنْ تعددت صوره .. في أغاني المرسكاوي لا يوجد مدح سوى للحبيب ولا يوجد ذم سوى للفراق ومن يسببه .. ليس به شياطين او ملائكة .. به راحة وألم .. بكاء وضحك .. ظمأ وارتواء .. هو كفاح فني ينتصر للحياة .. الصورة الشعرية في الكلمات بسيطة لا تـقعر لا افـتعال لا استمناء .. مشعّة كشروق .. نقية كصلاة .. احميده درنة يلحن ويغني ويؤلف الكلمات أيضا وأحيانا يغيّر كلمة فقط في بيت شعري قديم ليجعله نابضا بالآن .. باحة البيت مزدحمة .. السماء تشارك فرحة العرس بنجومها وقمرها واسرارها.. احميده درنة جالس .. شنته الحمراء على رأسه .. نظارته السميكة على عينيه .. بجانبه عازف الكمان الفنان لامين .. على يساره عازف الاوكرديون خليفة العرج .. بجانبهم ضاربو الدف وناقرو الطبل والدرابيك .. لا توجد في العرس مجموعة صوتية خاصة .. جُلَّ الحضور من شباب حرف س وغيرهم من سكان حي المحيشي هم المجموعة الصوتية .. كلهم يحفظون الألحان عن ظهر قلب .. ولهم قدرة عجيبة على حفظ أي لحن مرسكاوي جديد بمجرد سماعه مرة واحدة .. يحفظون الفن بإحساسهم وليس بحواسهم التي على جانبي الرأس .. الجو مبهج والوافدون إلى العرس يتكاثرون فيفسح لهم الجالسون والواقفون فسيحات جديدة .. " وين تصفى النيّة البيت ياسع ميّة " .. في ركن قصي بالباحة يوجد الشوهاي يرغوي الشاي المنعنع بنوعيه الأخضر والأحمر .. وفي ركن آخر منزو قليلا يوجد ساقي الخمر .. من يرغب في احتساء كؤوسه يتجه إلى ذاك الركن .. قرابا أو بوزة .. الجو بهيج جدا وحميده درنة انتهى من أغنية :
سيدي الفقي لو ريت بوتكليلة .. يحرم عليك الدرس ما تمشيله
وبدأ يبرول بتبرويلة :
أنت يلي شالك لاويه .... جرحت الخاطر روف عليه
ويرمي احميده درنة حزامية الرقص على شاب اسمر رشيق يُـنـَطـِّـق بها خصره ويرقص في منتصف الجلسة بمهارة وسط صرخات المعجبين وتغزلاتهم النابضة ويواصل احميده درنة تبرويلته بإيقاع أسرع حماسي :
شالك ملفوف ..
خمسطاشر لفه عالجوف
الخاطر من عشقك ملهوف
طلب مرّة في العمر عطيه
وانت ياللي شـــــــالك لاويه
وتتعالى حدة الصراخ عندما يصدح حميده درنه بتبرويلته الشهيرة :
يا قلـّـتْ عيّل جرايْ .... اندزَّا لي فيّة واداي ..
وفيّة واداي اسم قبيلة شهيرة من الجنوب ينحدر منها قسم كبير من سكان حرف س .. والمعنى في التبرويلة أن العاشق يحب إحدى فتيات هذه القبيلة ويبحث عن فتى يجري بسرعة ليرسل معه السلامات والهدايا والأشواق .. ويهيّج الراقص مع التصفيق والصفير والصراخ مرعشا وركيه بتواصل ولتصعد الرعشة باضطراد من الوركين لتبلغ أعلى الكتفين والعنفقة وليفكك شملة الرقص عن خصره ويرميها على فتى مشدق مكـتـنز أبيض يجلس جنب ونيس الذي تظهر على وجهه آمارات الغضب والغيرة ويتلكأ الفتى في الوقوف.. صراخ الحضور يرتفع أكثر يحثونه على تنفيذ العرف والوقوف للرقص فالشملة الساقطة على أي كان قدر غير مردود .. الشاب الأسمر يوقف الفتى الأبيض الوسيم والخجول .. يطاوعه فيقف .. يربط الشملة حول خصره .. ينزلها مائلة قليلا من الخلف إلى أسفل أحد وركيه .. أحد السمر يناول ونيس كأسا من خمر القرابَّا وقطعة شواء في حاشيتها شحمة محترقة سائلة الدهن .. يتجرع الكأس دفعة واحدة ويلحقه بقطعة الشواء .. والفتى الأبيضاني يبدأ الرقص بطيئا خجولا متعثرا وجهه محمر ناز بالعرق .. كل الحضور يتصايحون لرجرجة مؤخرته و يرفعون وتيرة الصراخ مع تبرويلة احميده درنة الجديدة :
هالغزال لمن يا ربي .. يمشي في الشارع ويصبِّي
الفتى الأبيضاني يرقص وونيس يبتسم ويحكك بسبابته زغب شنبه ثم يشير للفتى أن يرمي الشملة على صديقه الحميم احميده درنة .. لكن احميده درنة يتفطن له فلا يمكنه من ايقافه للرقص وينهي نوبة الغناء بكلمة بوريك ويصفق الحضور طويلا ثم يشعلون سجائرهم ويوزع الشاي والخمر على من يرغب وتسخن الدرابيك والطبول وتضبط أوتار الكمان والعود والقانون استعدادا للنوبة التالية التي يبدأها ونيس بموّال :
لي قلب يا من يقضَّه ..
ويلقاه كامي بغيضه ..
كيف الجنين المقـمّط ..
عطشان وأمه مريضة ..
ويصدح احميده درنة فور انتهاء الموال بأغنية ونيس المفضلة :
درت المحيشي ما لقيتا ريدي .... روَّحت نمسح في دموعي بيدي
وآه مشت خلتـني .. عدت لدرنة آه معادشي جتـني
بفراقها خلاص جنـنـتـني
ويوم نلحظها هضك يوم عيدي
ودرت الشوارع ما القيتا ريدي .... روحت نمسح في دموعي بيدي
وهذه الأغنية مؤثرة كثيرا في قلب ونيس .. ففي بداية عمله في حي المحيشي رئيسا للكناسين .. لمح فتاة جميلة تخرج من البيت بجردل القمامة تركنه أمام المرآب وتدخل سريعا .. منذ أن لمحها استقرت في قلبه .. كان مشغولا مع أحد الكناسين فلم يتملَّ منها جيدا .. لكن نظرته الوحيدة لها جعلته لا ينساها .. هو يتذكر ملامحها .. لكنها لم تخرج من البيت ثانية .. هل انتقلت إلى بيت آخر ؟.. أم كانت ضيفا لأهل هذا البيت ؟ .. منذ أن لمحها صار يضع كتب مكسيم جوركي وتشيكوف وسارتر وهيجل وكارل ماركس ومجلات الكواكب وسوبرمان وميكي وسمير جانبا و يخرج من كشك العمل الخشبي .. يتجول في شوارع المحيشي متفقدا البراميل في المكب الرئيس والمكبات الفرعية ومراقبا الكناسين الكسلاء الذين يتركون التنظيف ويستظلون بأول سور يثرثرون ويعدون الشاي والشرمولة الحارة .. كل يوم يمر من ذاك الشارع أكثر من مرة .. لكن لا يراها .. قرفص أمام العيادة حتى أقفلت فلم يرها .. زار مدارس حى المحيشي كلها فلم يرها .. هذه الأغنية جاءته على الفاهق .. على الجرح .. مذ أن سمعها في مقهى العرّودي بميدان البلدية حتى وغرت جروحه وغذته بوجدانها الخبيء .. بحث عن احميده درنة وتعرف عليه واشترى من دكانه طنجرة كبيرة و عدالة شاي وقصعة وكسكاس وغربال وإبريق يستعمل للوضوء للحاجة أمه .. أمر الكناسين بالتنظيف بالمقاش أمام بيت حميده درنة ورفع قمامته في اليوم مرتين .. بل أمرهم أيضا برش الماء الممزوج بالفانيك في شارعه بالكامل خاصة في أيام القيظ .. وعندما خصّه أحميده درنة بسهرة صاخبة في ( حقفة الجخ ) غنى له فيها أغنيته المفضلة :
درت المحيشي ما لقيتا ريدي .. روحت نمسح في دموعي بيدي ..
بأكثر من لحن .. أعطاه ونيسأدجيرو ( سمح له أن يقودها في جولة ) على سيارته b m w الحمراء و مساء اليوم الثاني أمر سيارة رش المبيدات الحشرية برش شارع احميده درنة ثلاث مرات متتالية .. كان ونيس يقول لحميده درنة .. أنت فناني المفضل .. مداوي جرحي السرّي .. لا أريد للبعوض أن يقرصك أو يلوث أوتار حنجرتك .. فليقرص مطربي البلاد اعليويكه والحاج ابريك وسيد بومدين .. أنت ثروة لهذا الليبيا .. منذ اليوم لابد أن يكون شارعك نظيف .. ودكانك نظيف .. أنت فنك مثل قلبك نظيف .. لا مكان للبعوض والذباب والعناكب والصراصير وبنات أوىَ فيه .

وتنتهي حفلة العرس عند الفجر .. ويغادر شباب المنطقة والضيوف إلى بيوتهم .. ونيس يترنح والفتى الأبيضاني الوسيم الذي لم يسكر يسنده و يساعده على المسير .. يركبان السيارة .. ويدير ونيس المحرك فلا يدور.. السيارة باردة .. ما العمل .. ينزل الفتى الأبيضاني يفتح غطاء المحرك .. يتفقد خيوط الشماعي والسبانتاروجي ويتأكد من وجود ماء كافٍ في المبرد ويتأكد من ثبات المكبسين الموجب والسالب على حلمتي النضيدة .. يدير ونيس المحرك فيدور قليلا ويقف مجددا .. تحتاج دفعة بسيطة .. يطلب الفتى الأبيضاني من شابين أسمرين ضخمين كانا واقفين في الناصية المساعدة .. يرحبان بالمساعدة وكلاهما يتمتم للآخر ما أحلى الدف .. هيا ندف .. هيلاهب .. هيلاهب .. ويدفعون جميعا السيارة بونيس .. يدور المحرك فتندفع السيارة أماما بقوة .. الشابان يمسكان بالفتى الأبيضاني ويجرجرانه بعيدا عن الطريق محاولين نزع سرواله ونيكه.. حتى أنت تحتاج إلى دف .. الفتى يقاومهما بشراسة ويـنتش رقبة أحدهما فيصرخ متأوها صارخا بمازوشية زيد انتـشني يا سمن البقر .. ونيس يسمع الصرخة فيجذب المارشة ( قضيب التعشيق ) إلى الخلف ويتوجه بسرعة نحوهم .. يقفز من السيارة شاهرا سكين بوخوصة وصارخا :
يا عبيد يا زوامل .. خلو العيّل .
يخز أحدهما في ساقه ويخلص فتاه ..
يركضان نحو السيارة ويبتعدان ..
بينما الشابان السكرانان يكيلان لهما الشتائم ويقذفان السيارة بالطوب .

خرجت السيارة من شوارع حرف س و دخلت الشارع الرئيس المعبد .. انعطفت يسارا فقال الفتى لونيس اين ذاهب ؟ طريقنا إلى اليمين يا أستاذ .. ونيس يغني درت المحيشي مالقيتا ريدي .. يقول للفتى معاك ذكير جنتل مان ما تخافش يا السمح .. سنمر من أمام بيتها .. ربما تخرج حبيبتي في هذه الفجرية المنعشة .. يدخل شارع خلف النادي الرياضي .. ينعطف عدة انعطافات وأمام بيت في رأس الشوكة ( الناصية ) يضئ نور السيارة المبهر ويضغط على المنبه ثلاث مرات .. رجل نصفه العلوي عار يخرج من البيت ويصيح شنو فيه ؟ .. خير انشاء الله .. ونيس يخرج رأسه من النافذة ويغني درت المحيشي مالقيتا ريدي .. يصافحه الرجل بيده الموشومة .. تفضل أستاذ ونيس .. نشعل الفنار وانديرولك قهيوة مرّة وللشاب رفيقك كأس برّد ( عصير ) .. ونيس يصافحه ويشكره .. أنا نبيها .. وينها .. شفتها أطلت من هذا الباب .. أو من باب مثل هذا الباب .. الأبواب متشابهة وحبيبتي لا شبه لها .. يجاريه الرجل وهو أي الرجل تعرّف على ونيس من خلال علاقته بالكتب فونيس قارىء نهم وهذا الرجل بائع كتب قديمة على رصيف المستشفى الكبير .. يكرر استضافته .. دقيقة أجهز لك قهوة وللوليد اللى معاك برّد .. ونيس يضغط على دوّاسة الوقود كنذير انطلاق ويرد .. منوّر .. منوّر .. نحن ماشيين مروحين .. حبينا انمسِّي على الحلوين بس .. يغني .. ريتا مالروشن طل .. اللي خزرة عينا تقتل .. و يغادر بالسيارة .. يخرج من حي المحيشي .. يصل الصابري .. حيث يسكن الفتى .. آذان الفجر ينطلق من عدة جوامع في آن واحد .. ينزل الفتى مودعا ونيس .. ونيس يناديه بعد أن يبتعد خطوات .. تعال .. أقرب مني أشوي .. أريد وجيهك السمح .. يناوله الفتى خده .. يقبّله ونيس ويصرخ فيه .. انحبك يا شدوق التفاح .. ما انتحملكش بكل بككككككككككككككككككل .

يدخل الفتى بيتهم .. أمه تسلم سلام انتهاء الصلاة .. وتقف معاتبة .. وينك يا وليدي .. تأخرت كثيرا هذه الليلة .. أين كانت الحضرة .. وأين الشيخ لم يصحبك كالعادة .. يتلعثم الفتى .. الحضرة في حى المحيشي .. الحي الذي اسمه المدينة الدايخة .. قال لنا الشيخ :الحضاري في المناطق التي بها موبقات وخمر وسيئات ننال عنها حسنات كثيرة مضاعفة . تقدم له الأم كوب لبن وكسرة خبز تنور .. يشكرها ويضع الكوب والكسرة على نضد صغير .. أريد دخول الحمّام أولا .. الأم تتأمل وجهه وعينيه المحمرتين وتقول لكن هذه الليلة رائحتك ليست جاوى وفاسوخ ووشق .. هناك رائحة غريبة عالقة بك .. وينز العرق من الفتى وتحمر خداه .. رائحة ماذا يا أمي ؟.. ربما رائحة العبيد ! .. كنا في حضرة في حى المحيشي .. في حرف س .. حيث يقطن العبيد .. لا يا وليدي .. صنان العبيد ماني غابية فيه كانوا جيراننا في الزرائب .. هناك رائحة ليست آدمية .. رائحة خمر والعياذ بالله .. خف ربك حرام عليك .. تعال أقرب مني أريد أن أشم فمك .. الله لا تسامحك ياوليدي دنيا وآخرة لو كنت شربت الخمر أو دخنت السجائر .. أبوك قبل أن يموت أوصاني بك .. وكان رجلا صالحا .. وانا أخدم فرّاشة (منظفة) في مدرسة دكاكين حميد من أجل إطعامك بالحلال .. لقمة الحرام حد الله بينا وبينها .. بيننا وبينها رسول الله .. ورفضت الزواج من أجل تربيتك تربية عفيفة .. وأجهشت في البكاء والفتى أيضا .

الفتى جميل جسمه متناسق نضر .. ابتدأ حفظ القرآن في إحدى الكتاتيب التابعة لإحدى الزوايا الصوفية ومنه إلى المدرسة النظامية .. في الصباح يدرس في المدرسة النظامية وبعد الظهر يرتاد الزاوية يتلقى مبادئ التصوف .. يحفظ الأوراد .. ويشارك جوقة المنشدين إنشادهم ..
عندما شب بدأ يشارك في الحضاري .. يضرب الدف .. يسخن البنادير .. يساعد في أي أعمال يكلفه بها الشيخ .. أصطفاه الشيخ من عدة صبيان ليكون خادمه ومعاونه ..
في غيابه يترك له مفتاح حجرته ومفتاح الزاوية .. صار محل حسد من باقي الصبيان ومن بقية المريدين القدماء .. حتى المكافآت كان الشيخ يساويه بالشيوخ الآخرين متعللا بيتمه ونشاطه وامه الأرملة الوحيدة راقدة الريح ( الفقيرة ) .. وطاعة الشيخ في الزوايا الصوفية واجبة ومُلبّـاة .. رفض أوامره حرام .. بل من الكبائر المخلدة في النار.. لا أحد يتصرف في شيء في الزاوية إلا بعد إذن الشيخ .. الطعام لا يقدم إلا بإذنه .. الأناشيد لا تنشد إلا بإذنه .. ماء الزهر لا يرش إلا بإذنه .. البخور لا يوضع في كانون النار إلا بمباركته .. أي تصرف يقام بدون أمر الشيخ باطل وضلال وجب التبرأ منه .. وطرد فاعله من رحاب الزاوية .. عاش الفتى في هذه الأجواء .. يطيع الشيخ طاعة عمياء .. يرافقهم في الحضاري ويرى كيف يلحسون الرفوش والمعاول المتجمرة وكيف يلتهمون المسامير ويغرزون الأسهم في الأشداق والسكاكين في البطون .. كان الفتى منبهرا لهذه الخوارق .. يحكيها لأمه بانفعال فتقول امه تستور يا اسيادي .. أي شيء يطلبه منك الشيخ افعله .. أريدك شيخا يا وليدي وعندما تموت بعد عمر طويل تصير مرابطا تعلق على روضتك كثير من الأعلام و يزورك الناس أفواجا أفواجا .. طاعة الشيخ واجبة .. لا ترافق أولاد السوء .. فجليس السوء كنافخ الكير يوسخك .. دائما يصطحبه الشيخ حتى البيت يسلم على أمه ويمنحها بعض اللحم أو الفواكه أو المال .. فتوصيه على الولد .. فيقول لها في الحفظ والصون .. المرحوم أبوه صديقي وهو أمانة في عنقي .. وذات مساء سُمع صراخ وعويل من بيت الشيخ القريب .. الشيخ مات .. مات فجأة .. سكتة قلبية .. مات ووجه مبتسم .. ومصحف القرآن مفتوح أمامه .. حفيدته جاءته بطاسة الشاي فوجدته دون حراك .. لم يعانقها كما كان يفعل ويمنحها حفنة لوز .. مات الشيخ عبدالسلام .. وحزن عليه الفتى مثل حزنه على أبيه الذي لم يره .. بكى كما بكت أسرة الشيخ .. وبعد أسابيع خف الحزن .. وعيّن لمشيخة الزاوية شيخ آخر من كبار المريدين .. الشيخ الجديد كهل سمين دائما يبصق في أي مكان ويحشو فمه بتبغ المضغة .. الفتى لم يتقبله .. لكن طاعة الشيخ واجبة وملبّاة .. صار يخدمه كما يخدم الشيخ عبدالسلام رحمة الله عليه .. والشيخ يصحبه حتى البيت إن تأخر الوقت وأظلمت الدنيا .. يتجاذب مع أمه أطراف الحديث .. يسألها إن ينقصها شيء أو تشعر بأي خوف .. فتقول له الدنيا أمان والبركة في الجيران .. يغادر بعد أن يقول أنا دائما في الخدمة .. طيلة الأربع وعشرين ساعة .. أرمي حجرا صغيرا على سقف البيت وسأكون عندك .. أنا في الخدمة في أي وقت .. حتى بعد منتصف الليل .. أحبّ الخير في الليل .. أحبّ خدمة الغير .. رغم أنك لست من الغير .. فأنت منا وعلينا .
كل يوم في غرفته بالزاوية يستلقي على بطنه ويطلب من الفتى أن يدلكه فيقف الفتى على ظهره ويمشي أماما وخلفا بمهل مهرسا كتفيه وجنبيه ووركيه .. الفتى حافي القدمين يمشي على ظهر الشيخ والشيخ يتأوه ويقول هنا .. هنا .. أسفل قليلا .. يسارا .. فوق .. هنا بالضبط يا عيني عليك .. تمام .
يجلس الشيخ من رقدته .. يحضر الفتى الإبريق والطست .. يصب عليه الماء .. الشيخ يتوضأ .. ويطلب من المؤذن أن يرفع الأذان للصلاة .. وتوالت هذه التماسات .. وذات ليلة بعد صلاة العشاء .. أحضر الفتى كانون الجمر ووضع فيه حفنة بخور .. وطلب الشيخ من الفتى أن يضرب له البندير .. والشيخ بدأ يجدب .. ويقول الليلة سأعلمك كيف تضرب الموسى في بطنك .. والفتى سعيد بهذه الخارقة التي سيتفاخر بها أمام الفتيان والناس .. الفتى يضرب البندير .. الشيخ يجدب .. حفنة أخرى من البخور يضعها الشيخ في الكانون فيصير جو الغرفة خانقا مضببا .. الفتى يكح .. الشيخ يجذب الفتى إليه هامسا .. بعيد السوْ .. ينفخ قرب فمه يكاد يقبله .. وينشش عليه بنشاشة السعف .. الفتى يدور رائدا الابتعاد عن الشيخ قليلا .. الشيخ يصرخ تستور يا اسيادي ويجذبه برفق ناحيته .. الفتى يطاوعه .. يطرحه على بطنه .. يغطي رأسه بالبندير .. خليني انعفسك اشوية .. يدلك له كتفيه وسلسول ظهره وجنبيه .. ويهبط بأصابعه التي توترت إلى وركيه .. يمرسهما قليلا .. أصابعه تغوص في اللحم الناعم الطري المكتنز .. يلعن الشيطان .. الشيطان يلعنه .. البخور يصّاعد أكثف .. الفتى على رأسه البندير صامت مطيع كما أرضعته الزاوية .. الشيخ يبصق المضغة بعيدا .. يهيم في عالم النشوة .. في عالم النسيان .. ما عاد هناك شيء .. لا شياطين .. لا ملائكة .. جسد يشتهي جسدا .. يفك التكة .. يؤخر سروال الفتى للوراء .. حتى ركبتيه .. يوشوشه لا تخف .. كل ضاربي الأمواس في البطون مضروب لهم .. كي يحتمل جسدك السكاكين .. لابد له من امتصاص هذا الحقـن .. وبصق بين إليتيه ودفعه فيه.. الفتى صرخ .. والشيخ وضع راحته على فم الفتي وهمس في أذنه .. اصبر وإياك أن تخبر أحدا عن هذا الأمر .. إن أفشيت السر ستؤثر فيك السكاكين وتميتك إن غرزتها وسيدقدقك الشيخ الأكبر صاحب السر والخاتم في المنام .

وواصل هذا المتشيّخ معاشرة الفتى والاستمتاع به بكافة الأوضاع .. وكل مرة يسأل الفتى متى أضرب السكين فيجيبه مازال بدري .. جسدك لم يمتلئ بعد .. مازال الآوان لم يئن .. وفي يوم من الأيام قرر الشيخ العودة إلى مدينته الساحلية حيث النخيل .. لقد نشب صراع هناك حول بعض الأراضي الموروثة له .. أبناء عمومته سيلتهمونها .. الأرض صارت منطقة تجارية في قلب المدينة واسعارها ارتفعت بجنون .. لو بقى هنا في رباية الذايح بنغازي ستضيع أرضه .. سيشمت فيه الذي يسوى والذي لا يسوى وسيوصف بالهرواك .. عرض على أم الفتى الزواج ليأخذها معه مع ابنها فرفضت .. وعرض عليها أخذ الصبي معه ليواصل تعليمه ( نيكه ) هناك في المنارات والتكايا الصوفية .. لكنها تمسكت بابنها .. فغادر حزينا ملتاعا متألما جدا .. واستلم الزاوية شيخ آخر .. طلب من الفتى عدم الحضور إلى غرفته .. أي أنه لا يريد خادما .. وإن أراد الحضور كمريد فمرحبا به .. سأله الفتى ألن أضرب السكين فقال له الشيخ أنا لست مؤمنا بهذه الشعوذات .. منذ هذا اليوم الزاوية ليس بها شيء سوى ذكر الله وحفظ القرآن والصلاة .. ارتاد الفتى الزاوية أياما .. ثم بدأ يتغيب .. ويتسكع صباحا وعشية في منطقة وسط المدينة التجاري ..الفندق البلدي .. سوق الجريد .. يدخل سينما هايتي أوالنصر أوالاستقلال .. وأحيانا يتمادى فيبتعد متجوّلا في سوق الحشيش و شارع عمرو بن العاص وشوارع السكابلي وسيدي حسين .. ذات عشية دخل مقهى دمشق بشارع عمرو بن العاص وطلب طربوش آيس كريم .. صار يمتصه بشفتيه الحمراوتين ويتمشى على مهل .. وعندما وصل امام القنصلية الايطالية في نفس الشارع وقف ورمى مغلف طربوش الآيس كريم في سلة المهملات .. لمحه ونيس وهو مار بسيارته فظنه ايطاليا .. حيّاه بالإيطالي فرد الفتى بالعربي وابتسم .. ركن ونيس السيارة الي اليمين ونزل يعرج يقدم للفتى محرمة ورقية يجفف بها يديه وفمه من الآيس كريم وعرض عليه أن يوصله إلى البيت في السيارة فاعتذر الفتى لكن ونيس ألح وقال للفتى وراس العزوز انت تشبه أخي الصغير ولابد أن أوصلك فالدنيا مغرب ولا يمكن ان اتركك هنا .. استأنس فوافق .. صارت صداقة بريئة بها بعض الجنون المحبوب .. الفتى لا إخوة ولا أخوات له استأنس بونيس المثقف الذي عامله برقة وبرؤية نفسية متحررة .. فتح له الفتى قلبه و باح له بمشاعره و آماله .. حكى له عن أمه ووصاياها وفي لحظة شديدة من البوح الصادق و الاطمئنان باح له بقصة الشيخ اللوطي الذي شبع فيه نيك ..
تمتم ونيس بخفوت اللعنة على هذا الشيخ الفاسد .. يعطيها في صغره ويدوّرها في كبره .
لم يستغل ونيس سذاجة ومراهقة الفتى ليضاجعه هو أيضا .. فونيس من عشاق الفلايك وليس الثقوب .. دائما يقول الفلايك تسير في البحر وليس في الآبار .. وأنا أحب البحر وعروسه التي ستجدني دون اصطياد .
اكتفي بتقبيل خديه كلما اشتد به الوجد وجذبته نشوة السكر .. أبعده عن الزاوية وشجعه على مواصلة دراسته الصباحية .. في العشية يمر عليه بالسيارة ياخذه معه إلى شارع عمرو بن العاص .. يجلسان في مقهى دمشق قرب قنصلية الطليان يذهبان إلى المدينة الرياضية لمشاهدة المباريات .. الفتى صار يشجع النادي الأهلى بنغازي الملقب بالجزارة لأن أغلب الجزارين المشهورين في المدينة يشجعونه وعندما يفوز في مباراة او ببطولة ينحرون له الإبل ويذبحون له الثيران والأكباش .. لم يشجع فريق منطقته التحدي الملقب بالشخاخة لأن مبنى النادي القديم ليس به دورة مياه فيتبول من ينزنق من رواده خلف المبنى .. تأثر بونيس وفلسفته وألوانه وحتى بقراءته .. بدأ الفتى يقرأ الجرائد والمجلات وبعض الكتب .. ابتعد قليلا عن الجو الديني والصوفي الذي ترعرع فيه .. يحل الكلمات المتقاطعة ويقرأ المغامرات .. ونيس سعيد بعمله رئيس كناسين .. كل الكناسين يفرزون الكناسة قبل رميها في المكب ينتشلون كل ما هو ورقي .. رسائل .. أوراق رسمية .. كتب مجلات .. جرائد .. ونيس يصففها في المكتب ويفرزها ويقرأها جميعها والذي ينفع يوزعه على الأصدقاء أو يبيعه لصديقه بالعيد تاجر الكتب القديمة تحت سور المستشفى الكبير والذي لا ينفع يأمر الكناسين بحرقه .. الكتب الجميلة يحتفظ بها ويعير بعضها للفتى .. الفتى يناقش ونيس فيما قرأه وونيس يشرح له ما يعرفه .. تعلق الفتى بالأدب الروسي .. صار كتاب الأم لمكسيم جوركي لا يفارقه .. قرأه أكثرمن مرة .. وقرأ لأمه منه صفحات أعجبتها .. لكن الكتاب الممتع الآخر الذي شد الفتي هو كتاب ألف ليلة وليلة .. يقرأ منه ويغمض عينيه ويحلم بشهر زاد ويستمنى عليها أحيانا .. ويستغرق في شخصية سندباد .. ويكونه .. وعندما يأتي إلى ونيس في العمل يتنقل بين أكوام القمامة .. ونيس يناديه من نافذة مكتبه الخشبي والفتي يقول له دعني أبحر بين جزرك النافعة .. ويبحر الفتى مزاحما القطط والكلاب والفئران والتي يرفض ونيس التخلص منها أو وضع السم لها كما طلبت البلدية .. أكوام القمامة خمسة أكوام .. كل حرف من أقسام الحي له كوم .. الكوم الخامس هو كوم الحكومة .. كوم قمامة مركز الشرطة والعيادة والبريد والبلدية ودار الخيالة والنادي .. في هذا الكوم يجد الكناسين كثيرا من اللقي ذات القيمة .. الأكوام الأربعة الأخرى يجدون فيها بعض الكتب والمجلات .. كناسة البلدية والشرطة مليئة بالطعام والمعلبات .. كناسة دار الخيالة يجدون بها دائما بعض النقود الساقطة من المشاهدين في الظلام أثناء استمناء بعضهم على البطلة .. كناسة العيادة نتنة لكن بها بعض المواد الطبية وبعض علب الحليب المجفف المطعوجة وغيرها .. يتنقل الفتى بين الأكوام .. ينكشها بعصا رفيعة ويلتقط منها كل ما يراه مفيدا .. الكتب والمجلات يحضرها الى مكتب ونيس بعد ان ينفضها من التراب ويمسحها من العوالق اللزجة .. يقرأ فيها ويسأل ونيس عن كل ما غمض منها .. كل الكتب وجدها في الكناسة .. كل المجلات والجرائد بكافة اللغات .. الكتاب الوحيد الذي لم يجده في الكناسة هو القرآن الكريم .. هكذا قال له ونيس عندما سأله عن معنى المدينة الدايخة .. قال له لو كان سكان حي المحيشي دايخين فعلا كما يقولون عنهم لرموا القرآن في القمامة .. إنهم مدينة مستيقظة رزينة رصينة فيلسوفة .. مدينة قمامتها كتب .. وكلما أقول أن الكتب نفدت أجد كتبا جديدة .. إنهم يقرأون بنهم ويشترون الكتب شراءهم الخبز .. والكتاب المقروء كتاب ميت .. يرمونه ويحضرون غيره .. والحقيقة أيها الفتى أنا استفدت من العمل في هذه المدينة الدايخة .. القمامة جعلتني مثقفا ومفكرا وكاتبا .. جعلتني أفكر أن أصير زعيما بطلا أقود العالم نحو الخلاص والشياطين العنيدة صوب الجنة .. جعلتني صديقا لأحلى فتى رأيته في حياتي .. الجميل أيضا أنه عندما تشرب الخمر في هذه المنطقة لا يبصّون فيك للشرطة .
أنا أحب القمامة .. أحب الفقراء .. البسطاء .. سكان زرائب العبيد .. أحب أن أخدمهم من عيوني .. أنظف مساكنهم .. تنظيف المساكن يسعدني .. لا يتعبني كما يتعبني تنظيف القلوب .. في هذه المدينة استمع للضحكات وكأنها أغانٍ وأستمع للعطسات وكأنها أناشيد .. منذ السادسة تجدني في مكتبي .. أحد الكناسين يعد لي الشاي على الخشب .. يناولني طاسة شاي وكسرة خبز .. ارتشف وأقرأ الكتب التي وجدوها بالأمس .. هم يسعدونني كلما يحضرون لي كتابا .. يتسابقون على فعل هذا .. بقية اللقي ذات القيمة المادية يحضرونها لي .. أضعها في درج المكتب .. آخر الإسبوع أذهب صحبة مندوبين عنهم ونبيعها .. الذهب في سوق الذهب .. ٍٍٍٍٍٍبقية الأشياء من المنيوم ونحاس وخشب وبلاستيك وملابس في سوق الترك وسوق الظلام .. نتقاسم المبلغ بالتساوي وإن كانت الحصيلة ضئيلة اتنازل لهم عن حصتي .. هم يحبونني كثيرا ويستمعون لحديثي قبل توزيع الحصيلة .. أحدهم قال لي أنت كلامك أفضل من كلام شيخ الجامع .. وآخر يقول له قل استغفر الله .. فالأستاذ ونيس حديثه حديث دنيا وشيخ الجامع حديثه حديث دين .. ويحسم ونيس النقاش قائلا كل انسان حر في رأيه .. رأيه في كلامي أحترمه ورؤيتك حول حديث الدنيا وحديث الدين أحترمها .. نحن في النهاية إخوة نحب بعضنا وليزداد هذا الحب خذا حصتي هذا الأسبوع واقتسماها فكلاكما اسرته كبيرة والمدرسة على الأبواب ويصيح أحدهما لا يا أستاذ ونيس حبك يزداد دون مال .. نحن مستوران والحمدلله .. لكن ونيس يصر على الأمر .. يقول لهم أنا لست متزوجا ومصاريفي قليلة وراتبي من البلدية جيد .. خذا حصتي وعلى قلبي مثل العسل .. سأحكي لأمي عن ذلك فتفرح .. يقول الذي وعظ بالدنيا والدين انشاء الله تكمل نصف دينك وتتزوج ونغني لك جميعا ومعنا صديقك حميده درنة .. يقول ونيس يا ريت .. ياريت .. لكن أينها الحبيبة التي أخرجت سطل الكناسة ذات يوم .. وجهها أحفظه .. لكن لم أجدها .. أحد الكناسين قال أعرف تقازة تجدها لك يا أستاذ ونيس .. ويضحك ونيس ربما مثل تقازة صاحبك ذاك - ويشير إلى أحد الكناسين المتقرفصين أمام كانون الشاي - التي عرضت عليَّ ابنتها الهجالة ( المطلقة ) للزواج وأكدت لي أنها هي من رأيتها .. سأجدها بنفسي .. صورتها محفورة في ذاكرتي .. سأجدها وأخطبها وستزفوننى أنتم أيها الكناسون الشرفاء .. تغنون لي وتطرقون على براميلكم أعذب الإيقاعات .. ذاك اليوم الذباب سيتحول إلى فراشات والبعوض لن يلسع أحدا .. سنكون فرحين جميعا .. بشر وحشرات وحيوانات .. وطبيعة صامتة أو صاخبة .. سأدخل عليها في هذا الكشك .. إن تحبني حقيقة تحب كناستي أيضا .. أنا لا أنتج القمامة .. الحياة تنتج قمامة .. المجتمع ينتج القمامة .. أنا أفرز القمامة .. المجتمع لا يفرزها .. القمامة مفيدة .. سماد للحياة .. كل طعامنا قادم من العفن .. نحن عفن .. رائحتنا نتنة .. يقول أحد الكناسين لم أفهم يا أستاذ ونيس .. يجيب ونيس إن فهمت تمت .. دعك في جهالة البحث وإطراقات السكوت .. ويقفل ونيس كتاب الشاعر الفرنسي رامبو الذي كان يطالعه .. يضعه فوق ديوان الشاعر البلجيكي هنري ميشو .. ويفتح كتابا للناقد الجرجاني .. يطلب طاسة شاي اخرى .. ويصرف العمال كلا إلى عمله ويمنح اثنين منهم اجازة مرضية وثالث إجازة اجتماعية لحضور حفلة كشك وسباق ميز في منطقة برسس .

محمد الأصفر
mohmadalasfar@yahoo.com
سكان حي المحيشي بنغازي
ليبيا
إقرأ المزيد من أعمال الكاتب محمد الأصفر في مدونته على الرابط التالي :
http://www.maktoobblog.com/alasfar-mohammad


Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home