Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home
Libyan Writer Mohammed al-Asfar
الكاتب الليبي محمد الأصفر

Monday, 4 September, 2006

قصة قصيـرة

تداعـيات الغـرفة 616

محمد الأصفر

وأنا أدوس على الدوّاسة الوثيرة المطرز على ظهرها خمس نجوم فحّجتُ قليلا ليعمّ الدوس النجوم جميعها ، وبما أنني لم أتخيّل أي رتبة عسكرية أو بوليسية بهذا الاكتظاظ النجمي ، فلم أعر الأمر أهمية ، وولجت الباب ، دافعه براحتي ، دار نصف دورة ، فوجدتني داخله ، فندق " تبستي" ما شاء الله .. باب أسطواني زجاجي ..
نصف دورة تدخلك ..
دورة كاملة تعيدك حيث كنت !
اتجهت يسارا وجلست في المقهى ، أحملق باحثا عن شيء أعرفه أو يقبل - ضمنيا- التعارف وتجاذب أطراف الحديث ولو عن بعد ..
على يميني ثلاث مومسات.. وطنيتان و وافدة ، ورائي بعض الأجانب البيض يثرثرون ، شاب وفتاة يتهامسان آخر المقهى ، المرناة تعرض مباراة كرة لا يتابعها أحد ..

حضر النادل وصرفته وعاد بقهوة "الأكسبريس.." أُحملق في السقف المشبك البازغة منه مصابيح صغيرة مبهرة ..
هل سأظل أحملق هكذا ؟!
أخرجت رواية ، أقرأ فيها ، قلت لنفسي .. هذا فندق خمس نجوم ..
ألم ترى ذلك على دوّاسة عتبته ؟ .. القراءة في المكتبات يا غبي !
أعدتها في الحقيبة وأخرجت ورقة وقلما .. سأكتب قصة أو قصيدة ، كثيرا ما أبدع المبدعون الكبار في المقاهي ، حتى محمد شكري كان يكتب داخل مقهى في طنجة أو في مقبرة ..!

ماذا أكتب ؟

أكتب ما أشاهد .. لا .. لا ..

أكتب ما يجول ..!!

آه .. سأكتب قصيدة نثر .. :

بربع دينار اشتريت قلما ..

آه .. ماذا أكتب بك أيها القلم ؟

- ما في خاطرك يجول

- والذي لا يجول !

- عندما ينضب خاطرك سيجول .

نضب القلم ..

وخاطري لم ينضب

كان كشمس لا تعرف الأفول !

.. الوقت أصيل والشمس شرعت تأفل بالفعل ، وتصبّرني بشفق محمر يتموضع في جفني على أمل اللقاء ..

كيف ستمر الليلة ؟

كيف سأعبر جسور عتمها الرتيبة ؟

لم! إذا أنا هنا ؟ .. في فندق تبستي الشبيه معماريا "بالردياتوري"؟ ( مبرد شاحنة )

من أحضرني من مقاهي الحضيض لتعذبني هذه الفسيفساء الكالحة المتجهمة المتعالية ..؟

لا دخان يرتفع .. لا قرقرة نرجيلات .. لا صخب .. لا مشاجرات .. المكان رسمي بحث ملغم .. مزروع بالعدسات واللواقط والمجسّات .. ما هذا ؟ !

- سبحان الله حتى ضرطتي عليّ أن أكتمها .. !

موسيقى هادئة .. عطر .. بذل .. ربطات عنق .. قبعات .. شعور مستعارة .. حقائب بعجلات يجرها حمالون ليبيون أقحاح .. فتيات مصبغات .. خليط ماعز وضأن …

تحملق تتعب .. تغمض تتعب .. تفكر تتعب .. الوقت يمر تتعب .. تتعب .. تتعب …

و ها هي الشمس غربت ، وصديقي محمد وصل كعادته متأخرا ، وضع كتبه على حافة الأصيص البلاستيكي وجاء النادل وصرفه وعاد بشاي الكيس .. كان الجو ربيعيا دافئا معتدلا ..

- لا داع لارتدائك معطف الكشمير هذا !

غمزني بخبث ..

- طوال عمرك غبي غبي ..!

انفض الاجتماع وحضر صديقنا الناقد المغربي بعد أن ودّع مسؤولي اتحاد الكتاب الخرب الأعرج والأشيب والأصلع وبقية الجوقة ..

انتظرناه حتى فرغ من تناول وجبة العشاء ثم صعدنا غرفته في الطابق السادس ، آنذاك أخرج محمد من جيب معطفه قنينة "القرابـّة"* وصارت الكؤوس تدور والنميمة تدور ، والحكايات تدور .. والرؤوس .. والكرة الأرضية .. وحتى الشياطين .. تدور .. تدور .. وووووررر

وعندما فرغت القنينة حملقنا في بعض وقال الناقد المغربي بحراوي :

-اللعنة .. ناقصة .. ناقصة !

قال محمد : لا تلعن .. سأخرج وأعود ..

وجمع ما في جيوبنا من دنانير وأنصاف وأرباع ..

غادر وعاد وخلع معطفه وأخرج قنينة جديدة ومن جيبه الآخر كيس مكسرات وعلبة زيتون وخيارة صوبات زجاجية ..
بدأنا الشرب مجددا ، وكان الجو لطيفا حلوا وزادته حلاوة بمفاجأتهما بقطعة حشيش جعلت جفني المغربي ترتطمان بعظام أسفل جبهته ، وفكّه العلوي يقشعر يخيّل لك أنه سيتحرك ، تركت الشعاب لأهلها .. سرعان ما استلم المهمة وصارت السجائر المعمّرة بالكيف تدور صحبة الكؤوس المترنحة .. قال المغربي وهو ينتهي من لفّ آخر سيجارة : ألفّ بطريقة نقدية مبتكرة لا تتناص مع أي لفاف وناولني مسماع الهاتف بإمكانك أن تسأل جوليا كرستيفا !

وضحكنا بسعادة حتى تناثر بعض لعابنا في الأرجاء ..

الحادية عشرة ليلا ، ساعة ويحين منتصف الليل ، ليلة ساحرة عذبة رغم أنها ليست رأس سنة ..!

قرّب المغربي الساعة المنضدية من عينيه المحمرتين وأعادها مكانها جنب الهاتف ، وسحب نفسا عميقا ، نفثه ببطء وكأنه يشح على الهواء بقليل من المزاج المبهج .. وبينما أخذت عيناه في الاتساع والحملقة مرر السيجارة لي قائلا :

- سأربط حول منتصف الليل زنارا !

وقال محمد وعيناه متسعتان مشدوهتان : سأطبّل له على ظهر المنضدة ..

ومررت السيجارة إليه وكان لزاما أن أقول فقلت وسط شبّورة الدخان : لكن زنارنا قصير ومنتصف الليل سمين سمين ..

وطفقنا ننزع ستائر الغرفة ونقطعها شرائط طولية نربطها في بعضها ، نلفها على رجل المنضدة المخلوعة للتو حتى صنعنا كبّة بدينة كبرميل ..

فتحنا النافذة ورمينا ومرة أخرى أطلقنا عنان الكبّة في فضاء الامتداد وجذبنا .. وأيضا جذبنا .. وللأسف الأشد لاشيء .. دون طعم .. هل يمكن !!؟؟ ولم نيأس فحاولنا رابعة وخامسة و… و…

لم نستطع تطويق منتصف الليل المتملص كقبض ريح زئبقية !..

ومن ثم عجزنا عن ترقيصه رغم إجادة محمد لفن الاستدراج بالتطبيل ..

حملقنا في السماء ، لمحنا خمسة نجوم لامعة ، عذراوات غير مُداسات أو موطوءات تقترب في اتجاه نافذتنا ، شرّعنا لها النافذة أكثر ولمزيد من الاتساع هشّم المغربي حواشي إطارها الزجاجي بكوعه فتناثرت الشظايا مدممة وتساقطت ، وإذ نظرنا إلى أسفل لحظنا أيد كثيرة تحتج وتمسح وتتوعد ، لم نعبأ بهم وأدخلنا رؤوسنا معيدين كرّة الرمي اللذيذة ..

محمد يطبل بحماس كدرويش ، ونحن ندوّر الكبّة بسرعة ليطول مدى الرمي ، والوقّاتة المنضدية تدق اثنتا عشرة دقّة ، وشعرنا أنّ الشريط التف على وسط منتصف الليل ، أحسسنا بشبه مقاومة لولبية ، فأطلقنا أمتارا أخر ، ولمحنا النجوم الخمسة تقترب متهادية متألقة مشعّة ، ابتسمنا جميعا وقهقهنا فرحا ..

- نجحنا .. نجحنا .. سيرقص منتصف الليل!

- على وحدة ونصف ..

وقلت لمحمد : الموسيقى موجودة والرقص موجود بقي من سيغني ..!؟

استمر يطبل بحماس ومرح .. وقال المغربي بحراوي متأملا الفضاء النصف معتم : بسيطة .. الخمس نجوم ستغني .. ستغني على رقصات المنتصف ..

وحملقنا في بعض ، كانت الكبّة على وشك ، وأخيرا أطلقنا ما تبقى معيدين الرّجل إلى منضدتها ، ومنتصف الليل لم يتطوّق تماما.. ثمة فرجة تسرب الــ … ، ثمة قيد أنملة يفصل التيار ، طرفا الزنار يتلاحقان يتطاولان ظامئين للقاء ! ، ومنتصف الليل يتضخم ، يحيل قيد الأنملة إلى قيد صرصور ، إلى قيد ثعبان ! .. ، سمعنا صرير المصعد يئز، وهرج ومرج ، وشعور بالانقباض يكتنفنا ، قبل أن يطوّقوا الغرفة قفز ثلاثتنا لتعويض المتاهة الناقصة ..!!

محمد الأصفر
mohmadalasfar@yahoo.com


Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home