Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home
Libyan Writer Mohammed al-Asfar
الكاتب الليبي محمد الأصفر


محمد الأصفر

Wednesday, 1 November, 2006

درنة و بومنصور العـالي

محمد الأصفر

سلامات يا درنة حلال مزارك ..
راس جدنا مبني عليه جدارك.
بيت شعر معروف للشاعر سالم عبدالرازق الخادمي المشهور بالبانكة .. يترنم به سائق التاكسي المتلفع بعمامة بيضاء وهو يمخر بي شارع وسّع بالك بمدينة درنة .. شارع وسّع بالك هو شارع الشاعر الدرناوي الأصيل إبراهيم الأسطى عمر .. سمّي وسّع بالك لازدحامه الشديد بالسيارات والناس.. السيارات تطلق أبواقها: بيب بيب بيب بيبببببببب .. سائق السيارة الأمامية يلتفت معاتبا:
وسّع بالك .. ومعنى وسّع بالك هو صبرا .. أو انتظر ..
بعض الظرفاء الخبثاء لا يردّون على مطلق المنبّه وراءهم بوسّع بالك .. إنما يتمتمون وعيونهم في المرايا: اصبر كيف ما صبرت أمك تحت بوك.

السائق المتلفع بعمامة بيضاء المرتدي جلابية سمنية طويلة عليها فرملة سوداء يترنم بلازمته الأثيرة:
سلامات يا درنة حلال مزارك ..
راس جدنا مبني عليه جدارك.
ويشير إلى جدار قديم يمينه .. يزعجه منبه خلفي فيلتفت قائلا وسّع بالك .. خليني نتمقـّـل في راس جدّي .. يتكرر المنبّه بأزعق من ذي قبل .. فيصرخ : إنْ كنت مستعجلا انعطف يسارا إلى شارع الحبس .. ويستغرق في تأمل الجدار القديم الناتئة منه بعض الصخور الأثرية ذات اللون البني والأبيض والمتآكلة حوافها بفعل الزمن وعوامل التعرية .. هذا الجدار جزء من سور درنة القديم الذي كان يحيطها ويحميها .. يشير فأنظر حيث أشار وأستمع لشروحه وسط زوبعة المنبهات .. تحت هذا الجدار يوجد رأس جدنا الشيخ عبد المولى لَبَحّ .. وجدنا هذا مجاهد كبير .. مناصر للحق .. ثائر على الظلم .. في أيامه كانت درنة يحكمها الأتراك .. يجبون الضرائب الباهضة من الأهالي ومن كل القبائل المتاخمة لدرنة .. يجمعونها عنوة بطرق وحشية باسم الإسلام .. جدّي رفض الدفع لهم .. حرض قبيلته على عدم دفع منتوج عرقهم وشقاء نسائهم للأتراك الغزاة .. كيف بالله نشقوا طول العام .. حرث .. حصادة .. رعي .. نهار أسود .. ونعطوا منتوجنا كله للأتراك الغزاة .. هذا ما قالش به لا الله ولا رسوله .. وكعادة كل الحكام الأتراك ألبوا عليه الأذناب وأرادوا الإطاحة به من زعامة القبيلة .. فسعوا إلى الفتنة بين قبيلته وقبيلة ليبية أخرى .. لتنشب بينهما حروب أهلية تضعفهم وتجعلهم يخنعون .. وعدوا القبيلة الأخرى بالزعامة والحظوة .. ناصروها ضده بالمال والسلاح والجاه .. صرخ جدّي في الجوامع والنجوع والوديان .. الأتراك غزاة .. كيف يدفع أهل الوطن الأتاوات للمستعمرين .. لو كانوا ليبيين اصحيحة عليهم .. لكن أتراك حمر جاؤوا من وراء البحر فحريق وضيق .. قبضوا عليه غدرا وأعدموه .. و ها هو رأسه الشامخ مدفون تحت هذا الجدار كجذر أصيل من بنيان هذه المدينة الطاهرة .. هذا الجدار هو ميزان درنة وحزامها .. هو الخميرة الباقية من درنة العريقة .. لو تهاوى هذا الجدار لخربت المدينة ولبكت البلاد .. ولتفشت الأوبئة والزلازل والبراكين .. هذا السائق يعمل مدرسا في الصباح وفي المساء يعمل سائق أجرة .. هو صاحب واشون (عائلة كبيرة) .. ومرتب الوظيفة ضئيل .. والأموال التي كان ينالها أبوه كل عام من موسم الحصاد انقطعت أو تكاد .. الأمطار شحّت والأرض ما عادت تمنح الخير كما كان زمان .. أحيانا لا نتمكن من إرجاع ثمن الحرث والبذار .. نبدأ الحرث بصراع دامٍ مع أبناء العمومة الرائعين حول هذه الأرض الخراب .. وبعد أن نتـفق بطريقة أو بأخرى نحرث ونبذر ونحرس الحطيّة وننتظر .. الأمطار تتذبذب .. تسقط كل عام .. لكن لا تسقط حيث رمينا لها الحب .. تسقط بعيدا متجنبة بذور الصراع .. وفي الصيف لا نجد سنابل ممتلئة .. نجد بعض القش العابثة به الرياح .. نخورطه تبنا أو نبيعه شيلا بيلا ( جملة ) في أرضه بدريهمات معدودة .. ونعود بالحسرة والأحزان على رأي الشاعرالضابط الاسترالي نيكولاس وبالمناسبة قصيدته تلك ترجمها الأديب الضابط الليبي سليمان محمود .. إنها البركة يا أخي .. إن نـُزعت .. نـُزعت الحياة من الماء .. والماء الميت لا يروي أسماك نظافتنا ولا يغسل قطران حقدنا .. بلل عقيم .. وجوده كما العدم بالضبط .
جدّنا هنا .. مبني عليه جدارك .. أي هذا الجدار الذي أراه الآن مبنياً فوق رأس جدّنا .. رأس جدّنا الآن استحال تراباً .. ينظر إلينا .. فنـُـقرِئه السلام كلما مررنا من هنا .. راكبين .. راجلين .. زاحفين .. طائرين .. عند المرور من أمام الجدار لابد أن نتوقف .. من يكثر صخيبه بالمنبهات نقول له .. إن كنت عجولا احدر يسارا مع شارع الحبس .. والحقيقة أن كثيرين يفهمون قيمة هذه الأحجار بالنسبة لنا فيصبرون حتى ننتهي من اجترار ذكرانا .. جدّنا هنا .. نتأمله دائما .. نتمعن في نظراته الودود .. نظراته تأمرنا بالمحبة والمحبة يا بورفيق ليست بالأمر الهين .. المحبة نار تلتهب .. المحبة يا بورفيق أن أمنحك صدقي .. والصدق صار نادرا في الأحلام فما بالك في النبوض .. عليّ أن أجد الصدق أولا لأمنح المحبة .. الصدق في أعماقي .. يغوص ولا يطفح .. دعك يا صديقي من صدق الفلين والقوما والخشب والقش .. أعني الصدق الحقيقي الصافي كزيت زيتون أرى فيه وجه جدّي .. بشنبه الأنيق المدهون المتوتر .. بلحيته المشذبة .. أرى فيه عينيه الباسمتين .. وجبهته ذات الغضون المتماوجة كموج ساحل راس التين .. أنا عبيدي جدّي الشيخ عبد المولى لبح .. عائلتي تعمل في البحر .. مذ وعينا والبحر أمامنا .. لا نفهم إلا في الصيد والسباحة والغوص .. نصطاد الأسماك .. ونغوص للؤلؤاً وللقطع الأثرية القيمة .. الزراعة والرعي ليست حرفتنا .. مانتحملوش الحر والغبار .. نحن عائلة مغامرة .. نعيش على شفير الموت لننعم بالحياة .. وطننا شاطئ البحر .. تفطرنا نسمات الصباح وتسقينا رذاذات الأمواج .. تعشينا هالات الشفق الغاربة وتسحرنا النجوم والقميرات السابحة في فضاءات الرحمن. كل شتاء نبحث عن أرض نحرثها فلا نجد .. وإن وجدنا قليلا فبعد عراك ومقايضات مادية ومعنوية .. نقول لهم خذوا سمكا .. ونمنح أبناء عمومتنا أفخر أسماكنا .. فرّوج .. مناني .. مغزل .. حمرايا .. شولة .. تريلا كبيرة .. لكن لا يقبلون .. أحدهم يبرم شنبه ويقول شيلوا حوتكم بعيد .. الحوت يتعّبنا في الصبايا .. ويخلي فيهن مزفرات .. عندكم افلوس تفضلوا احرثوا .. مافيش افلوس ورونا عرض اكتافكم (إي اذهبوا إلى غير رجعة) .. ونشكو إلى عمنا الشيخ عبد المولى لبح الذي ندعوه تكريما جدنا .. فيبتسم لنا وجها متلألئاً على صفحات الماء .. نراه يمين القارب فلا نجدف .. نراه يساره فلا نجدف .. نغرق ولا أغرز في رأس جدّي مجدافا .. المجداف أصلا يرفض أن ينغرز في صفحة الماء .. يرفض تشويه وجه سقى شجرته وأبعدها عن مواقد الأتراك .. يرفض أن يشوّه وجه جدّه كي يتقدم القارب أشبارا .. القارب يرقص ويظل مكانه .. جميل جدا الرقص في المكان .. ننتقل ذات اليمين وذات الشمال فأرى وجه جدّي .. في البحر على صفحة الماء .. في البر تحت جدار شارع وسّع بالك .. في القلب نبض دائم .. في الروح أحلام أبدية .. القارب يتراقص ويدور حول نفسه .. تيار سفلي يتلاعب به .. جدّي لا أراه يمين القارب ولا يساره .. أراه أمام الدفّة .. أجدف وجدّي يتباعد أماما .. أجدف في الظلام ولا أضل السبيل .. أتقدم صوب الشاطئ .. صوب المرفأ .. جدّي يتباعد أماما وأنا أجدف بهمة .. تيارات السفالة ما عادت تؤثر في .. لا أشعر بأي تعب .. أجدف .. أتقدم وكأنني لا أجدف .. أتقدم وكأن جدّي يقطرني بوشيجة مباركة .. من ربطني بها .. وكيف ارتبطت بقارب أملس الحظ .. لا إجابة سوى الصمت .. وتقدم القارب حثيثا نحو مرفأ الآمان في مرسى رأس التين أو تين الرأس.
انتهى شارع وسّع بالك .. صار يسارنا شارع حشيشة أو البريد .. شارع حشيشة يبدأ بمبنى المصرف التجاري وينتهي في البحر.
تركنا شارع حشيشة يسارا إلى البياصة وهى وسعاية مكتظة بالبصاصين والمروجين والمقاهي والمطاعم ومكاتب المحاماة والسفريات .. تطل على البياصة عمارة كبيرة اسمها عمارة الأوقاف كان مكانها قبل أن تبنى سينما الصيفي لصاحبها سي الزنّي .. سينما في الهواء الطلق .. غير مغطاة .. تحوط كراسيها الأشجار .. أغلب شباب وأطفال درنة دخلوها ولهم بها ذكريات .. كلما يمر أي منهم ويرى هذا البناء الوقفي الشامخ تظهر في مخيلته سينما الصيفي وأبطاله المفضلين .. فريد شوقي .. رينقو لا يرحم .. سوبرمان .. طرزان .. عنترة .. وغيرهم .. كانت تعرض يوما في الأسبوع للنساء فقط .. ذات عرض تسلل بين النساء رجل متنكر .. يتضوّع منه العطر .. يمشي بغنج .. يلف حوله فراشية بيضاء .. ينظر بعين واحدة .. حجز تذكرة وجلس قرب امرأة درناوية فائرة تتوعد الشبق بافتراس ناري .. جلس بهدوء متمتعا بالرائحة الطيبة والأنفاس الآهيّة .. لكنه انفضح .. شمته البدوية التي جلست بجانبه من الجهة الأخرى .. عندما عانق البطل البطلة وأراد تقبيلها تأوهت الدرناوية صارخة بخفوت يا نا عليْ .. أما البدوية فخبطت صدرها بكفها ثم فردت ذراعها جانبا لتلمس صدرالتي بجانبها قائلة شوفي يا دعيّة هالخبر .. يا نا علاي وكان يركب توّا .. عندما خبطت بكفها على صدره لم تجد نهدا فصرخت راجل بيناتكن يا شراميط .. وصرخت كل نساء السينما .. وفر الرجل بجلده تاركا فراشيته البيضاء غنيمة .. صاحب السينما الزني إنسان ظريف وصاحب فكاهة .. ذات عرض جاءه اثنان أعوران وقدما له تذكرة واحدة قالا له نحن أعوران له عين واحدة ولي عين واحدة لذلك ندخل بتذكرة واحدة .. فقال لهم سي الزنّي مرحبا تفضلا لكن حطو ترمكم ( مؤخراتكم ) على كرسي واحد.
بعد البياصة انعطف بي السائق يمينا بمحاذاة وادي الشواعر .. على اليمين عدّة أكشاك تبيع المشويات والبيتزا الرخيصة الموشاة بمفروم لحم البقر المجمّد .. مطاعم رصيف صغيرة جميلة خاصة في الليل .. كراسيها تتوسطها طاولات واطئة تموضعت فوقها شمعات ملونة .. حلو أكل البيتزا أو الشاورما على أضواء الشموع .. الشجر الضخم يظللها نهارا .. وليلا ينيرها بما تدلى منه من مصابيح .. هذه الأشجار هرمة .. شهدت أغلب تواريخ درنة الحزينة والمفرحة .. لا ندري من زرعها .. أهم الأتراك ؟.. أم العرب ؟.. أم الطليان ؟ .. الشيء المفروغ منه والمتفق عليه أنها ارتوت بماء درنة وتدفأت بشمسها الطاردة للنعاس.
صعدنا يمينا نحاذي الوادي الجاف .. وعبر جسر إسفلت انعطف يسارا مجتازا عرض الوادي إلى ضفته الأخرى في بومنصور .. بعد أمتار من الاجتياز توقف قائلا .. هذه مقهى النجمة التي تريدها .. وهذه أمامها مدفنة الصحابة رضوان الله عليهم وسلامه .. وان شاء الله ما ثقلنا عليك بهدرزتنا طوال الطريق .. والا انقولك .. مش مشكلة حتى أنت وسّع بالك.
كنت قد اكتريته من سوق الخضروات بالجبيلة .. نقدته دينارين .. قال حقي دينار واحد معيدا الدينار الزائد .. وبعدين أنت ضيف .. تفضل معي إلى البيت .. ما اديرش غيبة ( كلفة ) .. شكرته وأعدت له الدينار لكنه رفض بإلحاح .. دينار واحد بركة وأشار إلى السماء .. إلى الشمس الغائبة الآن مخلفة حول قرصها نزفات من أنين أحمر قرمز سعف النخيل وأرخى شعور عرائش العنب المتدلية من البيوت الدرناوية العتيقة .
ألححت عليه وقلت له أنت صاحب واشون .. وكل جغمة تبل الريق .. أنت لا تحرث الأرض .. أنت راقد ريح ومتكسرتلك على الشط .. خذ الدينار الآخر حلال عليك .. لكنه رفض بشدة وتمتم بكلمتين لم أسمعهما .. خمّنت أنهما .. وجه جدّي.
دخلت مقهى النجمة المقابل مسجد الصحابة .. بعض أصدقائي الأدباء والفنانين الدراونة متحولقين حول طاولة بلاستيك بيضاء منطرح فوقها مفرش قماش مورد .. أمامهم براد شاي وعدّة طاسات صغيرة .. يدخنون ويرشفون شاي البردقوش ويخوضون في حديث خليط من الأدب والفن والسياسة والنميمة .. اثنان هما الأستاذ سالم قاطش والأستاذ عاشور بريك يتناقشان بحماس عن تنظيم احتفال بمناسبة مرور 200 عام على الحملة الأمريكية على درنة 1805م انظم لهما الأستاذ ميلاد الحصادي الصحفي الدرناوي المعروف .. كانوا يفكرون كيف يوفرون تذكرة سفر إلى طرابلس لجلب الأستاذ المتخصص في هذا الجانب عبد الحكيم الطويل من أجل إلقاء محاضرة .. انظم لهم الصحفي الشاب عادل بوجلدين باذلا جهده على الرغم من الأزمة المرضية الحادة التي يعاني منها .. حتى أنه أجّل العملية الجراحية إلى ما بعد الندوة .. طبعوا الدعوات ودبروا في التذكرة وحدد موعد المحاضرة يوم 15 من شهر يونية عام 2005م سالم قاطش نشيط .. ملقب بسالم عشّة.. لأنه كلما وجد زحاما انغرس فيه مستفسرا ماذا هناك؟.. إن كانت مشاجرة فضها .. وإن كان مريضا أسعفه .. وإن كان الزحام حول شراء سلعة أو الحصول على قرض فتجده ينسحب ببطء ليجلس في أول ظل .
عاشور بريك أيضا إنسان خدوم .. نشيط .. مشترك في عدة جمعيات خيرية .. يعشق العمل التطوعي .. ويحب خدمة الناس خاصة الضعفاء منهم .. مرة دخل مستشفى الوحدة فرأى طفلة مريضة تعاني الألم ولا أحد مهتم بها .. سأل الطبيب عنها فقال له لديها أنيميا حادة وتحتاج إلى عدة قنن دم .. سأل عن عنوان والدها فقالوا له في عين مارة وهي منطقة غرب درنة بحوالى 30 كيلو متر .. أراد أن يذهب إلى والدها ليعلمه .. فأخبره الطبيب أن لا يتعب نفسه .. لأن والدها طلق أمها منذ مدة ولا يريد إحضار الدم كي تموت البنت وينتهي ما يربطه بطليقته .. غادر عاشور سريعا المستشفى إلى قلب المدينة وفي كل ناصية يجد شبابا واقفين فيحكي لهم الأمر فيركبون معه السيارة للتبرع بدمهم لهذه الطفلة .. أحضر للمستشفى أكثر من القنن المطلوبة ولم يغادر المستشفى حتى حقنوا الطفلة بالدماء وحتى رأى واستمتع بابتسامتها الملائكية . سالم وعاشور تجدهما حاضرين في كل نشاط ثقافي أو اجتماعي تشهده مدينة درنة .. يبذلان جهودهما بسخاء من دون مَنٍ.. أو تفاخر .. حتى أنهما لا تجدهما يتطفلان خلف منصة الكلمات أو أمام عدسات التصوير .. في الوقت نفسه هما لا يشربان الخمر أو يحششان .. ولا يسهران مع الأشقياء في سواني ظهر الحمر أو البلاد .. وهما أيضا أصحاب فكاهات لذيذة .. مرّة حكى لي أحدهما عن فكاهة تقول .. تزوج جمل من المخيلي بناقة من عين الغزالة ودعا الجمل كل حيوانات الغابة إلا البقر لأنه خاف من عدوى جنون البقر .. وعندما كان الجمل يرغي وشاربه يتهدّل والناقة تمضغ وترفع ذيلها للسماء سمعت الحيوانات المحتفلة صخبا وهرجا يقترب .. أرهفوا السمع ودققوا النظر .. فرأوا قطيع بقر يقترب حثيثا و يغني :
حتى كان الجن اركبنا .. عرس اشورّبْ ما يهلبنا ( لا يفوتنا )

تمت الندوة في موعدها بنجاح وكان الأستاذ عبد الحكيم إنسانا رائعا ومحاضرا استطاع أن يسيطر بمادته العلمية التاريخية على كل الحضور الذين غصّت بهم قاعة المرحوم عبد العظيم شقلوف ببيت درنة الثقافي حتى أن هناك واقفين في الممرات والردهات .. أغلب مثقفي درنة حضروا المحاضرة وحضرتها أيضا زوجتي آمال وابنتي مهجة التي عمرها آنذاك ستة أشهر ونصف والتي قد تحضر المئوية الثالثة عام 2105 م .. ناقش الحاضرون المحاضر نقاشا علميا واعيا ينم عن فهم وثقافة فاستفاد الجميع ورقصت درنة لهذه الذكرى التي تعتبر جزءا مهما من تاريخها .. هؤلاء شباب متحمسون يحبون مدينتهم ووطنهم ويعملون من أجل ارتقاء الثقافة والأدب والتاريخ وكل ما يسمو بالإنسان والإنسانية .
هذان الصديقان سالم وعاشور أخذاني في جولة في مدينة درنة وأوديتها وكانت لفتة كريمة .. التقطوا لي عدة صور .. بل فيلما كاملا .. والحقيقة أن درنة أعرفها جيدا .. ولى معها وشائج وحكايات .. وكل شارع حتى وإن جهلت اسمه فمذاقه عالق في قدمي .. ذرعتها منذ منتصف السبعينيات .. أزورها كسائح كتاجر كرياضي كعاشق ككاتب .. أحيانا أزورها على الكساد .. أي ليس لي بها أي شغل .. أركب سيارة وأجدني في درنة .. قد أبقى فيها ساعات فقط .. وأحيانا ساعة واحدة .. في درنة الزمن يحسب بالأنفاس وليس بالساعات .. ونفس واحد أستنشقه من نسيمها يجعلني منطاد فرح تستقل حوضي الفراشات وتطير ليس بعيدا .. درنة لا يُبتَعد عنها إلا بمزيد من الاقتراب .. هي صمغ المدن .. وعسل الأزقة .. وسفيف العطر .. ومداد الاختلاجات .. درنة أعرف روحها جيدا .. أعرف ترابها الذي سيعود إليه الدوّاس والزحّاف .. لا أريد أن يأخذني أحد في جولات داخل درنة .. لا أريد أن أتعرف إلى الناس .. لا أريد أن يدعوني أحد للطعام .. أريد بعض المال فقط .. وصحراء معشوشبة بالصمت .
مقهى النجمة هذا كان مشتل زهور وقبلها كان مقهى صاخبا بالموسيقا والنرجيلا .. أقفلته البلدية بعد شكوى من هيأة الأوقاف الدينية .. قالوا ليس من السليم أن ترتفع الموسيقا فتشوّش على الآذان وأن يتعاطى الحشيش أمام مسجد الصحابة وقبورهم الطاهرة الشريفة .. الآن فتح مجددا كمقهى لكن الموسيقا ممنوع والنرجيلا ممنوع .. لم يحصل أول الأمر على زبائن .. لا يجلس فيه إلا هؤلاء الأدباء والفنانون شبه المفلسين .. ومع الأيام اجتذب جلوس هؤلاء الأدباء والفنانين كثيراً من الزبائن الميسورين .. مسؤولون في الإدارات .. أساتذة جامعات مغتربون .. رياضيون .. سماسرة عقارات وسيارات .. بصاصون .. مهندسو بناء .. كتبة عموميون .. موظفو مصارف .. سائقو شاحنات .. فتحرك سوق المقهى وقرر صاحب المقهى الكريم منح الأدباء والفنانين براريد الشاي الأخضر مجانا.
آذان المغرب يرتفع الآن .. المصلون منهم يمضمضون أفواههم من كأس الماء وينهضون والباقون أشعلوا سجائر جديدة ينفثونها بتباطؤ .. أحد الأدباء المصلين اقترب من أحد الباقين واستودعه قطعة حشيش ريثما ينتهي من صلاته .. عادوا من الصلاة .. ليس بعد نهايتها مباشرة .. هم لم يتأخروا في الجامع من أجل إتمام متممات الصلاة والتسبيح والدعاء .. لكن أخّرتهم عادة قبول العزاء .. من عادة الدراونة أن يأتوا لصلاة المغرب في مسجد الصحابة ويأتي للصلاة أيضا كل من له ميت في ذاك اليوم .. بعد الصلاة يقف أهل الميت صفا ويعزويهم كل المصلين .. وهذه التعزية تغني عن حضور المأتم .. الأدباء والفنانون المصلون عزوا في موتى ذلك اليوم وعادوا إلينا .. صاحب قطعة الحشيش استرد قطعته .. قلبها في يده تحت الطاولة جاسا وزنها وحواشيها .. وأعادها إلى جيب قميصه الداخلي .. احتدم النقاش مجددا .. وشرّفت الجلسة وجوه جديدة .. وغادرت وجوه أخرى ثملت من الهذر .. الطاولة باقية والكراسي قابلة لكل المؤخرات .. جل الحديث كان عن الانقلاب الأبيض الذي أطاح بأسرة تحرير جريدة الشلال الحداثوية والمشاكسة (جريدة مدينة درنة) عائدا بالحرس القديم إلى رئاسة التحرير مجددا .. هو ليس انقلابا أبيض تماما .. فبعده حدثت بعض التداعيات .. تم التحقيق مع أحد محرري الجريدة السابقين من قبل الأمن الداخلي .. وفهم ضابط الأمن أنه لا خطورة من هذا المحرر .. وأن الموقع الإنترنيتي الذي نشر فيه المقال المنتقد لأسرة تحرير جريدة الشلال الجديدة معنا وليس ضدنا ومراسله في بنغازي صحفي معروف وأغلب كتاب ليبيا المحبين لهذا الوطن ولهذه الجماهيرية الليبية العظمى الحبيبة يكتبون فيه.
درنة مدينة صغيرة .. شمالها بحر وجنوبها جبل .. يقسمها إلى نصفين رأسيا وادٍ جاف.. الوادي قادم من الجبل ومنتهٍ في البحر .. درنة حبة تمر لها وجهان .. النواة ترمى في أرض الشلال فتنبت نخلة سعفها زوجي العدد وعراجينها أيضا .. لا أحد يدق النواة علفا لمزاج الحقد .. في الورد متسع من الحب .. وفي الماء طهارة لا تتبدد .. في مسجد الصحابة تجدهم صفا واحدا .. ومع ضيوف المدينة لا تلحظ أي حساسيات .. وأمام الغزو يتوحد الكل .. والكل يطلق النار على الأعداء ..
منذ زمن وفي درنة كل شيء اثنان .. الشعراء بطاو والخرم .. العوكلي والعجيلي .. المطربون بن زابيه والبتير .. كرة القدم دارنس وأفريقي .. فهيم رقص وعوض عون .. المسرح مسرحان فرقة هواة التمثيل والمسرح الوطني .. الزمارة إيقاعان .. ايقاع محلة بومنصور وإيقاع محلة المغار .. حتى الهواتف أرقامها شرق الوادي بعد الثلاثة وغرب الوادي بعد الاثنين .. جريدة الشلال جريدة وحيدة جعلوا لها شعارين .. أسرة التحرير المحافظة والمتصوفة شعارها مسجد الصحابة وأسرة التحرير الحداثوية والمنفتحة شعارها مياه الشلال .. التركيبة السكانية بدو وحضر .. لا شيء فيها اسمه امسك العصا من منتصفها .. أبيض أو أسود .. معي أو ضدّي .. إن كان دويت حسيتها .. وإن كان سكتت استحليتها .. هذا الوادي سيف حجري مزق طين البشر وغاص في بحر يتناسى .. اللهجات أيضاً لهجتان .. لهجة حضور طريّة رخوة كسكر ذائب ولهجة بدو نديّة ذات عسل حرّيق .. العيون المائية اثنان .. عين بومنصور وعين البلاد .. كل شيء في درنة اثنان اثنان .. إلا حبيبتي فواحدة فقط.
ارتفع آذان العشاء من مسجد الصحابة وكالعادة غادر المصلون لتأديتها مستودعين محرماتهم عند العصاة الباقين على الكراسي .. صلوا وعادوا .. الفنان منصور سرقيوة أمر النادل بإحضار العشاء .. قصعة كسكسي بالدجاج والسلطة الخضراء .. تعشينا وشربنا الشاي وتواصل النقاش الممتع الجميل حتى منتصف الليل .. السيارات الآن قل مرورها ورجال الشرطة بسياراتهم الجديدة المتينة في مفارق الطرق يستوقفون الرائح والجاي ..
لا أدري ماذا حدث أو يحدث في هذه البلاد .. أحيانا تكون هادئة جدا وأحيانا تكتظ بالمباحث والشرطة والجيش وكأنها تعيش حالة طوارئ.

الشاعر عبد السلام العجيلي يسكن حي الزهور .. حي الزهور هو الحي الذي يعلو باطن بومنصور .. وباطن بومنصور هو التخوم الواقعة جنوب ضريح الصحابي زهير البلوي رضي الله عنه .. هي منطقة جبلية ضيقة الدروب مكتظة بأشجار النخيل والتين والليمون والتوت والرمان والخرّوب .. بها عين ماء جارية سميت عين بومنصور نسبة للصحابي الجليل أبو منصور الفارسي المدفون قرب رفيقيه زهير البلوي وعبد الله بن عبد البر رضي الله عنهم .. وبومنصور مرتفع منحدر تنتشر فيه الكهوف الطبيعية الغائرة والممتدة تحت كنه الجبال .. كهوف سكنها الناس قديما والتجؤوا إليها هربا من قصف الحرب العالمية الثانية .. التجؤوا إليها أيضا هربا من الأمطار الغزيرة وفيضانات الوادي المفاجئة .. أسفل الجبل يوجد كهف كبير غائر إلى الداخل يسمونه الجبخانة .. أي دار البارود .. كان الأتراك يستخدمونه مخزنا للأسلحة والمفرقعات.
وأنت على ربوة بومنصور ترى البحر أمامك والجبال حولك .. المباني الحديثة انتشرت في مجال الرؤية .. النخيل وبقية الأشجار متبعثرة هنا وهناك .. عندما كانت درنة خالية من المعمار الحديث يراها الرائي من أي سفح بقعة خضراء جميلة .. درنة مدينة البساتين صارت الآن مدينة الحجر .. السكان يتكاثرون يغرسون الإسمنت .. الإسمنت قوي لا يتفتت كالطين .. في الطين تنبت الأزهار .. في الإسمنت تنبت الأسياخ الصدئة .. الطين يشرب ماء المطر .. والإسمنت يزلق ماء المطر ويسفحه في دروب لا يريدها .. الموز انقرض وبقية الحشائش تقاوم يباسات الحياة .. بِمْتُ ليلتي في مربوعة الشاعر عبد السلام العجيلي .. تحدثنا عن الشعر والقصيدة الحديثة وعن الأدب الليبي والعربي .. والحقيقة أن عبد السلام سلم لي عليه .. مزاجه بهيج رائق وأنا مزاجي ناعس .. تركته ينظـّـر على راحته .. صال وجال بين الدواوين .. حكى لي عن مغامراته في مهرجان الشعر العالمي بمدينة لوديف الفرنسية .. حكى لي عن توبيخه للشاعر العراقي ابن المعالي .. وعن رفقته الممتعة لصديقي الشاعر خالد درويش .. حكى لي عن متحف اللوفر .. وعن لوحات جميلة تعبّد أمامها .. قرأ عليّ بعض قصائده الممتعة .. وشدّتني جيدا .. أي أذهبت بنعاسي قصيدته الكبيرة المشواشي التعيس .. هذه القصيدة التي أسكرت برج إيفل وجعلته مائلا كبرج بيزا .. قال لي قصيدة المشواشي التعيس أخرجت من جلبابها كثيراً من القصائد ذات الخطاب المتغني بأناشيد الأسلاف .. عبد السلام ينشد تعاسته ومشواشيته:
هو ظل
فاجأه النداء
تركه
معلقا
في آخر الزقاق
وهي عاصفة
هودجها الغبش
غناؤها
خيط من الرمل
وسعال .. قديم
فاقتربي
أيتها العاصفة
هذا النافر
وطن لأصابعي
وذلك القرمزي الصغير
نهر لمراكبي
أنا المشواشي التعيس
سليل
آلهة
الرماد
أعرف كيف أنضج
فاكهتك
العنيدة !
وكيف أرسم
الأدغال والطبول
على أغطيتك
الشتائية
أدعوك للرقص
في مواسم الجدب
وأرتديك
في ظلام الجوع
وجها ورغيفا
صدري
تابوت
لألوانك البعيدة
بيني وبينك
ملح بليغ
آه
كيف أكمل
فيك أغنيتي ؟!
والمدينة أهدرت قميص نومها
ووهبت نعاسها للريح
والخطى تساوم المسافات
بالوهم الذي تطاول على السفر
أنا المشواشي الجريح
العائد
من آخر الغزلان
فرشت ..
لبكاء العالم
قلبي الطري
وهبطت ..
إلى الغبار
أساوم
الحليب المجفف
وأبتسم لأقبح النساء
مصوّبا ..
قصائدي المرتبكة
إلى عينيك البعيدتين
أنتعل
ثقبا
في الصباح
أهرّبُ
في جيب الظهيرة قُـبلتي
أقترح عظامي
حطبا
لمساءات الرحلة
فاقتربي
أيتها العاصفة اقتربي
هذا الزقاق
ما عاد يتسع لرؤوسنا
حذائي ما عاد يسمعني
بريدي
بوح
ثقيل
لا تحمله الرياح
يسقط
قبل المعارك.

قال ما رأيك نتعشى الآن أم تحتسي كؤوسا من خمرة النازلّي ؟ .. والنازلّي هو التين المجفف المسمى أيضا شريح .. وخمرة النازلّي من أفخر خمور درنة .. كان المستعمرون الإغريق يقبلونها من الأهالي كضريبة .. وفي درنة تعتبر النازلّي درجة أولى والدرجة الثانية هي خمرة الليمون الشفشي الذي يقطر منه أيضا ماء الزهر .. وهناك خمرة لذيذة أيضا تقطر بواسطة الخرشوف .. كل خمرهم تدخل فيه الفواكه الناضجة من دون سماد كيماوي .. عندما تملأ القطارة القنينة يخضخضونها فإن رأوا بداخلها فقاعات شفافة مثل دحي الجران (بيض الضفادع) أو عروق ثمرة المشمش فمعنى ذلك أن الخمرة جيدة نقية لا مضرة فيها .. يختبرون الخمرة بإشعال قطرة منها فإن كان اللهب بنفسجيا شفافا فالخمر جيد وإن كان أحمر فالخمر رديء ومغشوش .
هم لا ينتجون خمرة الطماطم المعجون المعلب ذات المذاق العفن أو خمرة الفلاش (سكر وخميرة فقط) .. لا ينتجون من أجل التجارة .. لكن للاستهلاك الشخصي.
تجرعنا عدّة كؤوس في صحة الشعر وصحة الأصدقاء الغائبين .. وتعشينا خفيفا ثم لم ننم .. خرجنا نذرع حي بومنصور نشم نسيم الليل .. هبطنا من أعلى الربوة عبر دروج إسمنتية غير منتظمة صنعها والد عبد السلام المرحوم الحاج محمد الهوش العجيلي .. شيدها كصدقة جارية .. سكب الإسمنت المُحَصّى على الصخور الملساء .. تتبع بجردله فوضى التضاريس .. سكبة يميناً وسكبة يساراً .. وثالثة في المنتصف ورابعة خلفاً إلى اليسار .. المنحدر الجبلي يتعرج بجنون ومخاط الإسمنت يصنع على أنفه دربا من جفاف .. الدروج ولدت غير منتظمة لكنها توصلك إلى تحت أو إلى فوق .. دروج تتبعت مزاجات الانحدار وجنونات الصعود .. في دربها تفاجئك انعطافات فجائية واستواءات لا تدوم .. هي كقصيدة النثر لو افترضنا العمران شعرا .
يقول عبد السلام العجيلي إن أبي هو أبو قصيدة النثر .. سكب لنا دروج الإسمنت وصرنا نكتب بترنح أقدامنا شعرا خالدا لصيقا بالحياة مشبعاً بالصورة واليومي .. تمشي في الأعلى تنحدر إلى أسفل .. الصورة أمامك لا محالة خاضعة للمنظور .. تنزل أكثر ترى أكثر وتكبر الصورة .. ترتقي إلى أعلى تصغر الصورة حتى تختفي .. أبي اكتشف قصيدة النثر وأسس لها .. الإسمنت عندما يسكب بقدر وفي أماكن مدروسة ونتيجة إلهام فذاك هو الشعر .. أبي تأثر باللحن والزوايا الصوفية وكذلك موسيقا الدنقة .. فلو تتبعت دروجه لوجدت ترانيم موسيقية .. تدوسها بأقدام قدميك فتنطق .. بيانو حجري .. معافس العالمين معافس عليه .. أبي جعل سفح بومنصور آلة بيانو نعزف عليها في صعودنا وهبوطنا .. في ليلنا ونهارنا .. في واقعنا وأحلامنا .. هذه الدرجات التي أبدعها أبي صفحات من التاريخ .. إسمنت الفتائح اختلط بزلط البحر بماء عين بومنصور المباركة .. هذا الخليط سوّاه أبي براحته الطاهرة والشمس سوّته ومنحته متانة النضج .. كل الدروج في البلاد تفتتت .. بل عمارات تهاوت وجدران تصدعت .. لكن دروج أبي .. تجعلك ترقص .. تطأ الأديم برفق .. تنزل من فوق .. تجد نفسك في الصحابة .. ترتقي إلى أعلى تجد نفسك في ماء عين بومنصور .. من طهارة مادية إلى طهارة روحية .. آه يا يا أبي .. ما فعلت من عمل على ظهر هذا الجبل ليس عبثا .. هو فن وخير وحداثة .. وعرفت أنه حداثة عندما اعترضت البلدية على تشييد هذه الدروج .. طلبوا الخريطة وطلبوا الترخيص وطلبوا الضريبة وطلبوا الدمغة .. أحضر أحدهم بخاخة طلاء وكتب على الدروج إزالة .. وفي اليوم الثاني لم يجد الإزالة .. سأل من المجرم الذي محاها .. أحد المارة قال له عليك بالأحذية في أقدام العابرين .
سكب الحاج العجيلي الأسمنت على الصخور الملساء .. كي لا تنزلق العجائز الهابطات .. وكي لا يسقط الأطفال الذاهبون إلى مدارسهم في الأسفل .. وها نحن المنتشين ننزل بترنح رهيف .. ننزل ببطء وسط عبق أشجار التين وحشائش البردقوش ونعناع المسك الفائح جدا .. ننزل وندعو لمشيد الدروج بحب نشوتنا ورحيق ابتهاجنا .. ننزل في الليل وتحتنا مدينة من الأضواء المتناثرة .. الأضواء بهيّة عندما تتناثر .. وعندما تجتمع أوفٍ لها تصير كضوء آلة اللحام .. الدرب يلتوي ونحن نلتوي ونغني .. وندعو لكل البشر والجماد بالخلاص والسعادة .. القصائد تستفز عبد السلام .. تشاكس مخيلته وتجبره على الجلوس أعلى كهف الشياب النسّاجين .. تكتكة النسج أصداؤها تثب .. الشيّاب يصبون الشاي ويثرثرون .. يغتابون جارة أرملة تركت باب بيتها مردوداً .. أي غير مقفل بالمزلاج .. تدفعه براحتك أو برجلك ينفتح .. البيت ليس بعيداً عن منسجتهم .. ها هو هناك .. أمامه شجرة خوخ .. الشايب الشوهاي يصب الشاي للشايب النساج .. يزيح بسيف راحته عدة خيوط من المسدة ويمرق براحته طاسة الشاي للنساج الذي يتناولها مبتسما .. يرشف رغوتها ويعود إلى الغيبة من جديد يشير إلى بيت الأرملة ويغني:
الحوش اللى قدامة خوخة ..
اندفه بكراعي المنفوخة.
يجيبه الشايب الشوهاي حتى الحوش اللي قدامة تل غير مقفول أسمع صريره البارحة من دون توقف .. يرشف رشفة قصيرة ويغني أيضا:
الحوش اللي قداما تل ..
اندفه بكراعي ينحل.
وآه يا كرعي .. زمان ماكانش فيه حيشان .. كانت بيوت شعر .. ارفع الرواق واركب على طول .. من يالا .. ولا وحدة تقولك لا .. المهم في الظلام وفي صمت .
يقف عبد السلام قافلا أذنيه .. أصداء قديمة وقحة .. اللعنة على مراقبة الناس .. اللعنة على البصاصين .. عندما كنت صغيرا كنت ماهرا في لعب لعبة التصاوير .. أشتري مستكة التصاوير .. أمضغ المستكة وأحتفظ بالصورة .. الصور في حجم أوراق اللعب الآن .. هي صور لممثلين ومصارعين في الخمسينيات والستينيات من القرن العشرين .. ممثلو كاو بوي وغيرهم .. جوني كوبر.. جون واين .. روتشا .. طرزان .. رينقوا .. الرجل مروض التمساح .. الرجل الأخطبوط .. وهناك الرجل الأبكم .. وهناك أيضا صورة نادرة قليلا ما نحصل عليها .. أحيانا أشترى صندوق مستكة كاملاً به خمسون قطعة لأحصل على تلك الصورة النادرة .. الصورة النادرة هي صورة الرجل الأمرد البصاص .. الرجل لابس القميص المحمر الذي يشير بإصبعه وفمه يرسل ابتسامة ماكرة .. عندما أحصل على هذه الصورة لا ألعب بها .. لا أرشقها في التراب مع الصور الأخرى ليسقطها اللاعبون بالحجر المسطح .. أحتفظ بها وأستبدلها ببطلي المفضل روتشا .. لكن ليس ورقة بورقة .. إنما البصاص أستبدله بسبعة روتشا وعشرة جون واين وأربعة جوني كوبر وخمسة الشايب فوزي .. البصاص ذلك الزمان نادر .. تلك الآونة كنا نكره البصاصين لكن نحب صورته لأنها نادرة وثمينة ومعبرة عن فسادات نفتقدها وها هو هذا الشايب يشي في الأرملة التي نسيت أو تناست بيتها مفتوحا .. ولماذا لا يترك الناس في حالها .. لماذا لا يترك كل واحد يزبّر أحواله .. هو أمامه خيوط نسيج ومن خلالها يرى العالم .. فماذا لو وقف هذا الشخص على ربوة .. ماذا لو تتبع مستقبل وماضي هذه الخيوط .. في هذا المزاج القوادي يا صديقي لا يقال الشعر .. لن أنتج شعرا فاسدا الآن .. زد على ذلك أنني مقل .. شعري كل عام فقط .. قصائدي أصيلة نازولية .. تين مجفف يعيش أبد الدهر .. أنا لا أكتب القصائد السريعة تيك آوي .. المنتهية حال ولادتها .. الشعر حالة خير أو شر .. وأنا أبحث عن حالة الجنون .. عن حياد لا يخون .. والآن نعيش حالة شر .. أصداء الإلهام تأتيني بالبصاصين والمجرمين .. أتذكر جرائم ارتكبت في حي بومنصور .. بعض الأشقياء يسكرون ثم يضاجعون الأتن ويقودون البهيمة إلى أعلى الجرف ويدفعونها لتتحطم في الوادي .. أتذكر ذلك الآن .. قال لي بعض الأصدقاء مازحين .. عبدالسلام من يفعل ذلك وأجبتهم : لا ..لا .. الشعراء لايفعلون مثل هذه الدناءة لكن قد يفعلها الصحفيون .. فالفرق بين الشاعر والصحفي كبير واضح شاسع .. انظر شدوق الصحفيين ومؤخراتهم وكيف هي كبيرة من نفخ البوق والتضريط .. أكمل لي عبد السلام الحكاية منتزعني من الاستدراك اللئيم .. في العشيّة تفرجت على نصيرة الحيوانات ملكة الإغراء العالمية بريجيت باردوا .. فجاءتني الجرائم المرتكبة في حق الحيوانات سريعا .. بعض الحمير تقاوم الدفع تتسمر أمام الجرف وتنكص عائدة رافسة كل من يقترب منها .. تغرز فراسمها في الصخر وفي الأشواك .. أحد الأشقياء اخترع اختراعا ويا له من مجنون تقدم بهذا الاختراع إلى المسؤولين في البلدية لتسجيل براءته باسمه .. اخترع اختراعا سهلا يجعل البهائم تنزلق من أعلى الجرف إلى سحيق الوادي .. لقد جورب أرجل البهائم بعلب طماطم فارغة أحكم طعجها على فراسمها بزرادية قوية .. حمير كثيرة فقدت حياتها في وادي الشواعر هذا .. انتهت هويتها كومة عظام باكية .. إن كان الوادي جافا تحطمت على الصخور وإن كان جاريا شالها السيل إلى هويد البحر .. الحمارة تقاوم الغرق على الرغم من كسورها وجروحها وشرفها المنتهك والشقي الثمل يغني:
شيلا يا تيار ..
وبلغ سلامي لبو عيون كبار ..
غير شيلا يا تيار.
بعد الجريمة يشعر هؤلاء الأشقياء بتأنيب الضمير .. فيبكون ويتمرغون على صخور بومنصور وينهقون ويجرون صوب الجرف ليرموا بأنفسهم لولا منعهم من بعض الصاحين.. وعندما يفيقون من السكر يذهبون إلى ضريح سيدي بودربالة ويعاهدونه ألا يكرروا فعلتهم تلك .. لكن ما إن يسكروا مجددا حتى تتلبسهم الروح الشريرة المصبوغة بها النفس فيتضبعون بوحشية وسادية.
آه يا صديقي إنني أتألم .. صدى البصاصين يغزوني .. واختراعات الدمار ترمي بشعري في مجاهل ناسية .. تجرع ما تبقى في القنينة ورماها إلى داخل الكهف المهجور فتناثر زجاجها.
التقينا صديقه المغونن .. دعانا إلى بيته قرب الزاوية .. أجلسنا تحت شجرة تين عتيقة وأشعلنا مجددا.
قال لنا لا أحب الانطفاء .. حياتي نار متأججة .. نار متعة ولذة .. حياتي حياة يا عالم .. لا أحب الانطفاء .. عرض علي العمل في بوليس المطافئ بمرتب محترم فرفضت .. أحب الأعمال الحرّة .. أنام متى شئت وأصحو متى شئت .. وبعدين لماذا أطفئ النار ؟ .. لماذا أعاند القدر ؟ .. العالم كله نار .. والحب نار .. وأنا يا سلومة لست مهتما بنار الشواء .. يهمني نار الغلاء .. نار الغلاء .. وآه من نار الغلاء ..
ونار الغلاء في القلب يا مقواها
جبت الطبيب لها وحل في داها.
رائحة التين في درنة غير التي شممتها في طبرق .. التين واحد وأنفي بفتحتين .. رائحة التين في درنة أكثر عمقا وأشد عطرا .. لكنها غير صافية كما في طبرق .. في درنة شجرة التين أليفة .. غير شرسة .. تجدها في كل البيوت .. في كل الأزقة .. تتشابك في عرائش العنب .. تتشاجر مع عرائش اللبلاب .. تتسلق إذ يجبرها الزمن على التسلق .. تزحف إن أرغمها ميلان الوقت على ذلك .. رائحتها طيبة ذات تناويع عطرية .. ممتزجة بأطياف روائح أخرى .. خاصة الياسمين والفل .. على جذورها ينام فراش البردقوش والحبق .. يتسلل إليها مع قطرات الندى .. ينخرها صاعدا في نسغها إلى أوراقها وثمارها .. الحبق لا ينقرض والبردقوش لا ينقرض .. ثمرة تين أطاح بها ناموس النضج على التراب ينبتهما من جديد .. داخل ثمار التين حبيبات سكريّة ناشفة .. تستلذ الأسنان بغزغزتها .. هذه الحبيبات هي بذور أخرى .. بذور لأطعمة وأمواه تغذت عليها أشجار التين فصنعت منها تعملقها .. التين في باطن بومنصور صاخب الشذا .. لا يعتمد على الريح ليتضوّع .. يصنع ريحه بنفسه .. يضج داخل الأوراق الطريّة فيطير مخترقا مسامات المشام .. لا يفرق بين أنف بشر وأنف تراب .. يضمّخ كل شيء برائحته .. يرحل هابطا عبر الدروب الصخرية الملتوية .. يدخل روضات الصالحين .. يزاحم البخور الفائح .. يصل حيث لا يصل صنيع النار .. هو صنيع الحياة الأثير .. يتسلل إلى الرفاوات القديمة .. يمنحها عطر الأنبياء ويعود إلى مائها وعند المغرب يخرج متسكعا يطّاير إلى أعلى .. إلى قمة الجبل .. يصل غرفة الجابية في بومنصور .. غرفة في أعلى السفح .. تتخذها النساء للغسل صباحا ويتخذها السكارى والسمّار مجلس لهو وغناء .. من هذه الغرفة تنطلق ساقية طبيعية .. ممر مائي طويل يتعرج داخل ظلام الجبل ليصل إلى المصب الأم للعين في الجهة المقابلة من الجبل .. عند المصب الأم نخلات طوال مائلات .. وهناك دائما أصدقاء جالسون يتسامرون ويشربون النازلّي .. ومنهم من يحشش ومنهم أيضا المتعبدون .. محلة بومنصور محلة مختلطة .. قبائل عدّة وأجناس عدّة وديانات عدّة وأمزجة عدّة .. وأشجار عدّة .. الجابية رأت وجوها كثيرة وصفحتها ابتلعت وجوها ما لها حد .. مرايا الماء دائما ترقص .. والرقصات تتغيّر دائما .. الرقصات ليست جامدة أو صامتة .. من رقص الماء كسب الحاج محمد الهوش العجيلي رزقه .. كان يملك طاحونة مائية .. يطحن عنده الأهالي حبوبهم وبهارهم وبُنّهم .. طاحونة مصنوعة من الشجر .. الدواليب من شجر السدر وعود المنتصف من الخروب المتين .. الشاعر عبد السلام أطعمه عرق الماء .. أطعمه سقوط الماء على دولاب خشب السدر والخروب .. الماء في بومنصور هو الحياة والتين هو زاد الجنة .. أول أغنية سمعها عبد السلام غنّاها له الماء .. كان رضيعا آنذاك يبكي من المغص .. وفجأة هطل المطر .. وجرت السواقي محدثة هديراً مجنوناً .. توقف عبد السلام عن البكاء .. أطل برأسه من حجر أمه .. يصيخ السمع تاركا ثدي الحليب ينقط .. أعادته أمه للثدي .. أذنه جائعة الآن .. لا حاجة لها بالحليب .. بكى مجددا .. واحتاروا فيه .. خرجت به الأم الحنون إلى غرفة الحاجة حليمة الشريفية جدّة سكان بومنصور .. في فناء البيت الواسع سقطت على وجهه قطرات مطر فسكت فورا وصار يتلمظ .. يمطط لسانه يجذب سفيح القطرات المهدور .. قالت الجدّة الخبيرة حليمة الشريفية .. عبد السلام يحب المطر .. اسقيه ماء المطر .. وهذا فأل حسن .. أخذته أمه وجلست به في ضريح سيدي بودربالة خلف البيت .. سيدي بودربالة ضريح صغير يحيطه سور مبيض غير مسقوف تغسله الأمطار وتغسله الشموس والنجوم .. وجدت وعاء فخار قد امتلأ بماء المطر .. مسحت من مائه على وجهه .. وجن جنون عبدالسلام الصغير .. يجاهد لغرس وجهه في الإناء .. أفلت من أمه .. تملص منها على الرغم من صغره واندفع براحتيه مشلبطا فيه .. منذ ذلك اليوم لم يبكِ .. كلما تطلع إلى السماء ألقمته أمه قطرات .. صار ينمو .. ينمو طبيعيا على الرغم من أنه لا يتناول الكثير من الغذاء .. وعندما نبت له سنان عض إصبع أمه وناغى بمناغاة ملحونة .. كلما ناغى صمت كل من في البيت .. بل في حي بومنصور .. واستمعوا للكناري البشري القادمة روحه من براحات العجيلات .. من الماء الفوّار .. من روضات الصالحين قاطعي التبيعة (النحس) سيدي بوعجيلة ومريديه هناك .. قال بعضهم هذا مطرب .. وقال آخرون هذا شيخ يجوّد القرآن .. وقال شيخ الزاوية الرفاعية عندما يكبر سأزوجه ابنتي وأضمّه إلى فريق المنشدين .. وقال هو أنا شاعر .. كلماتي مطر .. وأوزاني عطر منفوث بلا انتظام كدروج أبي التي سيبنيها لأرجلكم ذات يوم ... عندما ينقطع المطر أو يتأخر تصنع الفتيات خيالا من أعواد التين تجمعن الخرق المهملة وتخطن للخيال ثوبا متعدد الألوان مثل رواق بيوت الربيع .. تدور الصغيرات والصبيان يتقدمهن عبد السلام ومنصور وعدة صبيان حلوين رائعين وتزغرد لهم جدتهم الحاجة حليمة الشريفية وتدلق عليهم رشاش ماء منعش وينطلق الموكب من أمام الزاوية العروسية منشدا:
يا زرافا حطي الرافا .. ..................
الزريعة بددناها .. حن عليها يا مولاها
والزريعة في السواني .. حن عليها يا فوقاني
والزريعة تحت الطوب .. حن عليها يا مطلوب
ينحدر إلى الأسفل .. ينشد قليلا عند طاحونة العجيلي المائية ثم ينعطف يسارا في شارع ضيق يضعه أمام ضريح سيدي بودربالة .. ينشد أمامه قليلا أيضا ثم يأخذ اتجاه اليمين مع زنقة سيدي بومنصور الورانية .. ينحدر منها منشدا متلقيا رشاشات الماء من ربّات البيوت تفاؤلا بهطول المطر .. ينتهي من الشارع فيتجول في مقبرة الصحابة مارا من أمام أضرحة زهير وعبد الله ويتوقف طويلا أمام قبر القاضي أبي منصور .. المسمى باسمه الحي .. هذا الصحابي لا يحلف به أي درناوي حانثا أبدا .. حتى وهو في حالة سكر فله مكانة عظيمة في القلوب .. يخرجون من ناحية الصحابة ويتوجه الموكب ناشدا بأشد حماس من ذي قبل يقوده عبد السلام العجيلي الصغير بصوته الرخيم صاعدا إلى أعلى مع زنقة بومنصور القدامية .. نساء هذه الزنقة تدلق عليهم ماءً مخلوطا بماء الورد من مراشش عطرية يستخدمها الشيوخ في الحضاري .. يستمر الموكب حتى يعود إلى الزاوية ليجد الأطفال أطباق الحلوى والكعك في انتظارهم تقدمها لهم الراهبة إسبيرانسا .. لقد ولد مولود جديد للتو في حي بومنصور .. إسبيرانسا هذه قابلة وراهبة إيطالية اتخذت درنة وطنا لها .. أشرفت على ولادة اغلب أطفال درنة .. كل درناوي يقول أمي إسبيرانسا .. النساء مع أصابعها وتربيتاتها وابتسامتها ونيّتها الطيبة لا تتعسّر ولادتهن و لا يحسسن بألم .. قبل أن تتوفى طلبت هذه الراهبة دفنها هنا .. في هذا التراب الليبي الدرناوي .. وعندما توفيت سار في موكبها كل أهل درنة .. دفنوها في مقبرة نصارى قرب البحر .. كانت ميتة وذكراها ترد على المشيعين الطيبين .. شكرا عويلتي .. بارككم الرب .. أحد الشيوخ الدراونة كتب في الجريدة مقالا كفر فيه كل من سار في جنازة هذه الأم الإنسانية العظيمة .. الأستاذ المتنور رمضان الفيتوري رد عليه بمقال يدحض زعمه .. وتشكلت لجنة رفعت الأمر للأزهر الشريف .. الذي بدوره أيد تشييع هذه الأم وأفتى بالحلال فلم يكفر أحدا من المشيعين .. يشاع أيضا أنها أسلمت في آخر أيامها .. والمهم هو أن الأجنة الخارجة من أرحام بطون درنة لم تتكلم .. لم تمت .. لم تلمسها أصابع ملحدة أو وثنية أو قاتلة .. تخرج من الرحم صارخة مبتسمة .. متشبثة بأصابع إسبيرانسا .. إنها الفطرة .. إنه الله .. إنه الناموس الرباني الذي جعل أينما تولي روحك فثمة نيّة طيبة.
عند المصب الأم يجلس العشاق .. يشربون ويرسلون عبر بريد الماء رسائل حب إلى نسوة يغتسلن .. أوراق تين عريضة منقوشة بالقلوب وبالحروف الأولى من الأسماء أو بعقارب الساعات .. يرسلون ورودا مقطوفة جيدا ومربوطة إلى بعض بخيوط نباتية ملونة .. يضعونها على صفحة الماء .. الماء يحملها عبر الممر الجبلي إلى حيث الجابية .. تجدها من تجدها .. تفكك طلاسمها وتعي لغتها وترتقي أعلى غرفة الجابية تلوّح بمحرمتها الشولاكي مشيرة للحبيب أن الرسالة وصلت والموعد مضبوط على نجوم الليل .. فيرسل من كان هناك ثمرات تين وعناقيد عنب وتوت .. يحملها الماء برفق وأمانة وعناية .. تيار الماء كائن طيب .. يحمل فواكه العشاق .. يحاشيها الأشواك وحواف الصخور الحادة .. تستقبلها العاشقة في الجابية وتصيح في زميلاتها: شوفو خير ربي .. شوفوا الماء شنو جابلي .. وتغني:
اليوم يا امي جاني المرسول .. ومرسول الغالي مقبول
جاني في البيت ..
شعلت فتيلة وجبت الزيت ..
وحليت حزامي وعطيت ..
أنا صغيرة ما قدرت انقول ..
جاني في داري ..
وحشمني قدام صغاري
ويا لولا ما يقولوا جاري
هفن راسه بالساطور
وتنهي الأغنية بزغرودة وتشاركها الزميلات الزغاريد ويشتركن في التهام الثمار المغسولة وهي تجري.
كانت النساء ترتاد هذه الجابية لغسل أجسادهن وملابس أسرهن من دون أن يحملن معهن زادا .. فالماء يحمل الغذاء ببراءة أو بنيّة .. الماء يحمل الطهارة والحب والانتعاش وكل شيء .. وعند المساء يجتمع فتية بومنصور الرائعون في غرفة الجابية أو كما يسمونها غرفة السكير .. يجلسون على حافتها .. يمرجحون أرجلهم داخل الماء .. ومن هناك عند النخيلات .. خلف قبة الجبل المنحدرة جنوبا .. يضع لهم الأصدقاء الثمار في الماء ومع وصول أول عنقود عنب يقفز العجيلي في ماء الجابية .. يعترض المصب بشبّاك من أعواد القصب .. يصطاد الثمار القادمة مع التيار .. يقدمها للأصدقاء .. قبل الأكل يتفقدون بعضهم .. ربما هناك غائب عن الجلسة .. يصيح العجيلي .. منصور .. منصور .. وينك يا خيي .. تعال .. تعال .. فيطل منصور بمندافه من وراء شجرة ليمون .. يصعد إليهم .. يأكلون ويحمدون الله ثم يقفون أعلى غرفة الجابية متأملين النجوم والقمر والفضاء السماوي المنعش و البيوت الواطئة أسفل الجبل في بومنصور والمغار والبلاد والجبيلة .. ومع كل إشارة يغادر واحد منهم إلى أن يخلو المكان ويغيب الكلام ويهدأ الضحك ولا يعاد يسمع سوى خرير الماء وصفير الحشرات الليلية .
كل يذهب إلى عشيقته أو حبيبته ومنهم من يذهب إلى فتيات شوارع حشيشة أو الفنار أو زنقة البحر .. الكل يذهب إلا المغونن الذي يعود إلى بيته في باطن بومنصور بخطوات وئيدة واثقة .. فهو لا يذهب إلى حبيبته .. لكنها تهبط إليه .. تسكن خفقة نجمة في السماء .. ينام في سقيفة البيت .. ما إن تراه مستلقيا حتى تتدلى إليه كعنقود توت ناعس أسكرته الفراشات .. تتمسح على خديه ولحيته المحنـّاة .. تنزلق إلى شفتيه تنظفهما من سواد التبغ .. تصعد إلى جبهته .. يستيقظ المغونن .. يجدها نائمة بجانبه فيعانقها وينسى العالم.
للماء في بومنصور قيمة كبيرة .. كل السكان تفتـّحوا على هديره.. الماء ينبع من عين بومنصور وراء الجبل .. يسير عبر سواقٍ طبيعية محوّرة .. يدخل كل البيوت .. الوالي محمد بيْ هو من نظم حركة الري بهندسة عجيبة .. وعيّن مسؤولا يسمى وكيل الساقية .. يوزع الماء على البساتين في حصص متساوية .. لا بيت محروم من الماء ولا شجرة تبيت عطشى .. المنطقة لها علاقة كبيرة بالماء .. وفلسفة الماء وعلم الماء .. حفر الآبار لا يتم عشوائيا .. هناك عدة طرق في اختيار موقع الحفر .. يأخذ الخبير فتح الله الصايغ عود رمان .. يمسك طرفيه عرضيا بسبابتيه .. سبابات تجد الماء .. يمسك العود بلمسة خفيفة ويسير متقدما حامدا وشاكرا وداعيا الله .. عندما يكون هناك ماء قريب في الأرض .. العود يميل من الطرف المقطوع تلقائيا فيتوقف ويحس أن الله قد فتح جوف خيره .. ويعلّم المكان بنبشة دائرية بعود الرمّان ثم يبدأ الحفر .. بعد أمتار قليلة يجد الماء .. إنها حكمة ربنا .. العود يميل إلى غذائه .. إلى أصله .. هو مغناطيس نباتي .. هناك حنان متبادل بين الخضرة والبلل .. حنان لا نفهمه .. آه لو انتشر بيننا يا حبيبتي .. سأبقى أنا الماء في الأرض وأنت عود الرمان .. لكن من يمشي بك .. أين هي السبابات النظيفة الطاهرة في هذا الزمان .. كُـوني الماء وأنا سأحتمل قذارتهم وخبثهم .. أنا عود الرمان في شجرة الحياة .. اقطعيني أيتها الحبيبة لأبدأ البحث .. أنت لا تستطيعين الإمساك بمنجل وقطعي .. أنت عاجزة .. عاجزة .. إذا سأنتظر الرياح .. فقط التقطيني وارمي بي في منطقة بومنصور .. هناك كل الناس تحب الرمان .. هناك لا يضعون أعواد الرمان في مواقد النار إنما في الجنة الحانية.

أكتب الآن في مقهى صغير اسمه مقهى العتيق في ساحة وكالة الطرابلسي .. ساحة جميلة على الطراز الأندلسي .. تتوسطها نافورة ماء وتحف جوانبها شجيرات البرسيانا والدفلي والجهنمية .. تفتح إلى داخل الساحة حوالي عشرة دكاكين أغلبها مقفل .. العامل منها ثلاثة محلات فقط .. مقهى صغير يديره ليبي شاب .. يقدم القهوة المزبوط والشاي الأخضر بالنعناع .. مطعم سيدي عبد الكريم الطرابلسي .. وهو كهل أبيض الشعر .. وسيم الوجه .. صارم الملامح .. يعد للزبائن شطائر لذيذة محشوة بالتونة وجبن الشرائح ومهروس الفلفل وحبيبات الزيتون .. بين المقهى والمطعم يوجد محل أثري قديم بابه أخضر من النوع المسمى بوخوخة .. مدخله على هيأة قوس وهو محل للطب الشعبي .. صاحبه الدوّاء الحاج محمد كحّيل .. يرتاده عدّة شيوخ وحتى شباب رياضيون .. يعرّون ظهورهم المنهكة من البرد .. فيضع لهم الحاج المغائث وهي علب معدنية بحجم طاسة الشاي توقد داخلها نارا وتكفأ على الظهر بإحكام فيمتص اللهب المحتضر داخلها قبل أن يخبو بعضا من فسادة الدماء.
تناولت شطيرة تونة حارة ساخنة وطلبت من النادل قهوة مزبوط وكوب ماء .. أنا حزين لأن الشطيرة لذيذة وزوجتي آمال وابنتي مهجة ليستا معي .. وغدا ربما سأغادر درنة .. أو يقفل هذا المطعم الحرس البلدي الذي بدأ يحوس بكثافة في السوق .. الشطيرة لذيذة والأكل كان بمفردي .. مطعم الأستاذ عبد الكريم الطرابلسي دكان قديم جدرانه من طين وسقفه برميلي مغطى بسعف النخيل .. أثاثه بسيط .. مقاعد من أعواد القصب والجريد .. يعمل واقفا ويبادل الزبائن الكثيرين السلامات والابتسامات .. الدكان مزدحم وهو يعمل لوحده .. يقطع قليلا من رأس رغيف الخبز .. يشق بطنه .. يلحّسه بمهروس الفلفل .. يحشوه بالتونة المخلوطة بزيت الزيتون وشرائح الطماطم .. ثم يزيل غشاء البلاستيك عن شريحة الجبنة ويضعها في الرغيف .
الزبائن كثر .. جلهم شباب ليبيون من أصحاب محلات سوق الظلام ومن سكان البلاد والجبيلة وبومنصور وحتى من الجهات البعيدة في نواحي إمبخْ وشيحة وباب طبرق والساحل الشرقي.
لا يعطل أحدا .. صاحب شطيرة واحدة لا يجعله ينتظر طويلا .. يمنحه شطيرته ونظرة شهامة للآخرين .. يعمل بخفة ومهارة ما شاء الله عليها .. يعمل كعاشق يعامل حبيبته بود .. لا زيت يسيل من الشطيرة .. لا اعوجاج في شق بطنها .. البنطلون أبيض نظيف .. القميص أزرق بلون السماء .. الشعر حليق .. النظارة قهوية شفافة .. الأظافر مشذبة .. محارم الورق مصطفة فوق بعضها .. وسفر التقديم لامعة موردة ترى فيها وجهك.
الزبائن تتناول إفطارها ثم تغسل أيديها بماء النافورة الظليلة بفروع برسيانة الورد الأحمر الممتدة دونما انتظام .. الحرس البلدي يحوس يخالف الدكاكين يقفلها بأقفال برونزية ذات شكل مربع .. في المكتب طلب الضابط من فرد حرس بلدي قفل مطعم الطرابلسي .. فرْدُ الحرس البلدي رفض .. هدده الضابط بإنزال الرتبة والطرد .. والسجن .. لكنه رفض تنفيذ الأمر .. قال فلأطرد من الحرس البلدي فلأسجن .. ليس مهما .. مطعم أثري نظيف مثل هذا لن أقفله .. لا تعني لي الأوراق شيئا أمام إجادة الصنعة .. هذه المحلات هي وجه البلاد .. لماذا نقفلها أو نسبب لها القلاقل .. الراجل يعمل وماشي حالة تمام .. مأكولاته نظيفة .. وزبائنه يحبونه .. والمدينة تحبه .. تخيل ساحة الطرابلسي من دون مطعم عبد الكريم أو من دون دكان الحاج محمد كحيل .. ستكون بائسة .. أنا أحب الوطن .. أنا لا أزرع البؤس والكآبة في أزقتنا العتيقة .. علينا أن نمنح هذا المطعم والدكاكين التي مثله جائزة .. لا أن نقفلها .. أنا رافض .. لم أرفض أمرا يتعلق بأمن الوطن .. رفضت أمرا من الممكن تدارسه وتبديله .. نحن لسنا في حرب .. نحن في مرحلة بناء .. العراقة لا بد أن نحافظ عليها .. لا نمس أي شي جميل بسوء .. عندما أقفل هذا المطعم .. كيف سأفطر فيه في اليوم الثاني .. لن يعد لي سي عبد الكريم الشطيرة بحب .. سيقدم لي طعاما بشعا .. اعذرني أيها الضابط .. هناك أمور خارجة عن إرادتي .. حتى إن أرسلت أحدا غيري سأحاول أن أثنيه عن الذهاب .. هؤلاء الحرفيون مبدعون .. حتى الأخ القائد معمر القذافي يطالب دائما بتكريمهم وتشجيعهم.

في العشية عدت إلى المكان ذاته.. دخلت دكان الحاج محمد كحّيل .. قلت له أشعر بدوخة .. أجلسني على مقعد من الجريد .. عرّى قميصي وكفأ على ظهري أربع طاسات .. أول مرة شعرت بألم اللهب الحارق الفظيع .. ألم كألم الكي .. بعدها لم أعد أشعر بالألم .. واستغرقت في متابعة حكاياته عن درنة وعن ذكريات الصبا الجميل .. قدّم لي طاسة شاي أخضر .. قال هذا ليس كشاي المقاهي .. كانت طاسة معتدلة الحلاوة والمرارة .. طاسة على شفير المذاق وتماس اللذاعة .. طاسة بنكهة البردقوش .. نكهتها مازالت عالقة في حبر قلبي .. بعد ربع ساعة نزع عن ظهري طاساته الأربع المدمّاة .. أغمضت عيني بشدة فقد شعرت بألم عظيم .. ألم كألم فراقي لسميرة ذات عشية مسروق نسيمها .. مسح لي مكان الحرق بمنديل مطهر ودعا لي بالشفاء .. لم أرَ الطاسات الأربع المخضلة بدم الفراق الفاسد .. واراهما عني بحزم .. وإذا طلبت رؤيتهما كان قد انتهى .. لقد غطسهما في دلو الماء الذي تورد.
في شارع الكنيسة يوجد بيت درنة الثقافي .. مبنى أثري من طابقين .. سابقا كان كنيسة .. ساحة العبادة حوّرت إلى مسرح .. في الشارع نفسه توجد الزاوية العيساوية المشيدة عام 1625م .. بجانبه مغسلة وخياط ومعطرة ومحل عصافير .. في إحدى الشوارع الفرعية المقابلة يوجد كنيس اليهود .. الآن حوّر إلى زاوية تتبع الطريقة التيجانية .. في شارع آخر يتفرع من شارع الكنيسة يوجد الجامع العتيق أو الكبير .. به شعرة من شعرات رسول الله صلى الله عليه وسلم .. أهديت إليه من السلطان بإسطمبول .. اختفت الشعرة في العقود القريبة الماضية .. السفاح موسيليني سبق أن زار هذا الجامع الكبير وأهداه ساعة حائطية وبعض المال .. الجامع الكبير مسجد جميل تعلوه عدة قباب .. أعتقد ثماني أو عشر .. لم أتعود على عد القباب الأكثر من اثنتين .. بنيانه عالٍ شامخ رفع على أعمدة إغريقية ورومانية جلبت من مدينة سوسة أبولونيا القريبة.
زنقة سيدي على الوشيش وزنقة الجامع العتيق وزنقة كنيس اليهود وزنقة زقاق صوّان كلها تفضي إلى سوق الظلام .. في هذه الشوارع بقية باقية من بيوتات قديمة مصانة حديثا .. عرائش العنب القديمة مازالت تدلي بسوالف حكاياتها من واجهات وشرفات المباني .. أشجار التين الضخمة تجدها في كل شارع .. فروعها المورقة تمتد بغنج التمطي وتتمايل صانعة للمارة سحابة ظل معطر .. ولبلبة شجر مرغبة في المسرّات .
بيت درنة الثقافي أو الكنيسة سابقا أو أي شيء مستقبل بناء جميل .. أنا الآن في باحته المستطيلة .. تحيطني أصص الزهور والنباتات الصبّارية .. أصص ذات جمالية .. جرّة بها وردة واحدة .. زير بني ضخم تتدلى الورود على شحمتي أذنيه وفوهته .. مصبوبات جبسية تنفر منها حشائش كثة.
في منتصف الباحة حوض حجري تنبثق منه نخلة طويلة ترتفع معوجة بقدر وكأنها ترقص متجاوزة طول البناء ذي الطابقين .. نخلة ذات سعف أخضر ناصع وعراجين مثقلة بالثمار.
تنبثق من الحوض أيضا شجيرة ياسمين تلتف على خصر النخلة صاعدة عدّة أمتار إلى أن تغيّر مسار علوها حبال تفضي بها للالتفاف على إحدى عرصات الجوانب المربعة.
فرقة مسرحية تجري التجارب في الداخل .. ممثلة شابة تخرج من المسرح .. تقرئني السلام وتصافحني .. تعود إلى المسرح وتعود إلي بطاسة شاي أخضر بالبردقوش.
أرتشف الشاي متأملا الجمال النباتي في النخلة والوريدات والشجيرات والجمال الفلكي في السماء الزرقاء والجمال البشري في الصبية المنتظرة فراغي من رشف الطاسة .. الوقت أصيل .. والجو تمام التمام .. الفتاة الدرناوية دخلت قلبي .. وقلبي منحها حفنة دقات .. قد نلتقي يوما ما .. ففي ذاكرتها رشفي .. وفي ذاكرتي ابتسامتها المغناة .. وفي قلبي مكان لها .. لقد منحها قلبي كحواء حفنة انبساط .. لن أبقى في هذا البيت الثقافي أكثر من ذلك .. سأخرج أذرع أزقة صوان ودربي وأعود عبر شارع وسّع بالك إلى سوق الظلام .. ألج زنقة العطارين الآن ـ اليهود سابقا ـ أنحرف يمينا وأدخل زنقة الجامع العتيق .. أدخل سوق الظلام مجددا وأخرج من بابه الجنوبي .. أعود إلى شارع الكنيسة عبر زنقة سيدي على الوشيش .. أتجاوز الزاوية العيساوية القديمة يساري عائدا إلى زنقة اليهود.. أشم رائحة طبخهم الشهية .. أنير ظلمات سبتهم الذي ذهب .. تاريخهم في درنة طويل .. القدر أتى بهم إلى هنا .. تاجروا وعاشوا .. وانصهروا مع الليبيين في نسيج إنساني رحيم .. لا أعرف بالضبط متى أتوا درنة .. أنا لا أحب الضبط والضباط.. أحب الضابطات فقط وأكره المضابط بأنواعها .. حتى الساعات لا أضعها في يدي ولا على الكوميدينو .. والأيام لا أحسبها في عمري .. لا أدري متى أتوا درنة وقد أخمّن أنهم وطؤها في القرن الأول الميلادي .. إبّان ثورة اليهود على المستعمر الروماني .. التي قمعها أباطرة الرومان سريعا بمذبحة رهيبة طالت حتى الأهالي الليبيين الذين لا ذنب لهم .. هناك يهود هربوا من المذبحة والتجؤوا إلى الكهوف والكهف الكبير بباطن بومنصور .. الذي صار فيما بعد زاوية سنوسية .. يقولون إنه كان معبداً يهودياً .. يقولون أيضا إنه كان به حواريون مسيحيون .. والآن هو مسجد تحت مسمى ليس بعيدا عن مونولوج الأديان السماوية .. هو الآن مسجد القدس .. المدينة التي تلتقي فيها الديانات التوحيدية الثلاثة .. وكل شيء جائز .. ولا أستطيع استبعاد شيء .. فهذا الكهف الواسع المتعدد المغارات بقعة تعبد شريفة ترحب بكل العبادات .. وتستوعب كافة الاعتقادات التعبدية التوحيدية .. المسألة هي مسألة تاريخ فقط.. وصولة وجولة .. فالدين الذي تضرب معه .. أي تكون الأيام معه يتخذها معبدا له .. ويسميها وفق شرعته .
لا فرق بين بيعة وكنيسة وجامع .. كلها واحات سلام وجنان بركة .
زنقة اليهود بالمدينة القديمة بدرنة ليست عريضة .. طويلة ومتعرجة .. عرضها كعرض زنقة أربع عرصات بحارة طرابلس .. في المعبد كان كتابهم المقدس التلمود المكتوب على ورق البردي و الملقب بالزغير .. في الأربعينيات من القرن العشرين اختفى الزغير .. حزن اليهود في درنة وبكوا .. فهو لهم بمثابة القرآن لنا .. يقولون إنه سُرق .. ويقولون إنه أخذه ناحوم .. والعلم طبعا عند ربي .. لكن سرقة الكتب المقدسة جريمة شنيعة والعبث بها أشد إجراماً وشناعة .. يقولون إنه أخذه ناحوم .. وناحوم هذا تاجر يهودي بزغ نجمه بعد انتهاء الحرب العالمية الثانية .. كان ينتقل بين نجوع ومدن بنغازي والجبل الأخضر ودرنة وطبرق .. يؤجر العمال ويحرض الناس العوام الليبيين على جمع الرابش (الحديد والنحاس ومخلفات الحرب العالمية الثانية من حطام دبابات وطائرات وبوارج وقنابل وصواريخ).. الناس تجمعها له وهو يشتريها منهم مباشرة أو بواسطة وسطاء محليين جشعين بدراهم معدودة ويصدرها في بواخر ضخمة إلى أمريكا وأوربا .. وقيل إلى الصهاينة في فلسطين المحتلة لتُصنّع من جديد ويُضربُ بها العرب والمسلمون.
كثير من القبائل الليبية القادمة من غرب الوطن اشتغلت في جمع الرابش مثل العجيلات والرياينة .. كان الرياني وهو يفكك القنبلة يناجيها قائلا:
يا اتعشي بيّا يا انتعشا بيك.
وهذا دليل على الثمن البخس الذي يمنحه ناحوم لهؤلاء البؤساء الجياع .. يخاطرون بحياتهم في سبيل وجبة عشاء بائسة يمنّ بها تاجر جشع على أبناء الوطن.
كثير من هؤلاء الليبيين الفقراء قضت عليهم الألغام والقنابل الغادرة .. منهم من تشوّه وفقد أحد أطرافه .. الصديق إصويلح فقد ذراعه وإحدى عينيه .. هو لا يلم الخردة أو يفكك الألغام والقنابل لاستخراج النحاس والبارود .. لكنه يرعى غنمه في وديان لملودة .. وذات رعوي هاجم قطيعه ذئب أشقر شرس فتصدّى له بهراوته الغليظة .. ركض خلفه حتى ابتعد .. قطيعه نجا من الافتراس وهو عاد منتصرا منتشيا ناظرا صوب النجع ومتخيلا وقع الخبر على محيّا حبيبته وهي تحكي لصويحباتها حبيبي إصويلح قتل الذئب .. وفجأة كرّ الذئب ومعه ثلاثة ذئاب أخرى فتصدى لها إصويلح وكلبه السلوقي .. ركضوا خلفها .. هشم رأس أحدها والثلاثة الباقية هربت لاهثة تتقي نيوب السلوقي .. وهو عائد إلى القطيع يختصر الطريق من درب غير مطروق داس على لغم .. استشعر غدر النار تحت قدميه .. لم يرفع رجله .. هذه اللحظات تحتاج إلى تركيز شديد .. بعد أن عاد إليه الهدوء صفر للسلوقي .. التقت نظراتهم .. عيون أربع ترقص رقصات الحياة وتتلألأ بفعل الشمس مضيئة سبيل النجاة .. صفر إصويلح للسلوقي صافرة استغاثة .. وبانحناء رأسه إلى الوراء وإلى الأسفل فهم الكلب الأليف والمدرب عمله .. حفر بمخالبه خلف إصويلح نبيشة صغيرة .. حفر بجنون وحرص .. لكن الحفرة ليست عميقة .. ليست كافية للنجاة .. عمقها نصف متر فقط .. صفر كقبر فقط .. صفر له إصويلح صافرة متقطعة خاصة .. لابد له من إحضار نجدة من النجع .. أوصاه بلغة إنسانية أن لا يجعل حبيبته تراه .. لو رأت الكلب وحيدا في النجع ستصرخ معتقدة أن إصويلح في مأزق خطير .. تسلل السلوقي إلى النجع ورفع رواق خيمة ابن العم بريدان الذي فهم الأمر وتبع السلوقي بمعداته .. بدأ الحفر خلف إصويلح .. عمق ما حفر الكلب وبعد دقائق صار العمق متراً ونصف والعرض مترين .. ابتعد بريدان والسلوقي .. بريدان يقرأ القرآن والسلوقي صامت يتأمل صاحبه إصويلح .. إصويلح يقرأ القرآن ويدعو الله كثيرا .. ويدعو لحفظ حبيبته ويدعو بالخير للنجع ولكل الناس .. وفي لحظة تجلٍّ تصاعد الدعاء وانكفأ إصويلح إلى الوراء واقعا في الحفرة وناض مع انكفاءته اللغم موزعا شظاياه في الأرجاء .. شظية اختارت الهبوط أسفل .. كان هبوطها أسرع من انكفاءته .. بترت يده .. وأخرى صغيرة فقأت عينه .. بقية الشظايا الصغيرة تناثرت على وجهه وجسمه محدثة خدوشا وجروحا سهلة أزالها بريدان بأوراق الخروع والتين .. ولحس الكلب حرقانها بلعابه النقي .. أعيد إصويلح إلى النجع على ظهر فرس .. وأكمل إسعافه ومداواته هناك .. أغرقت ذراعه المبتورة في زيت زيتون ساخن .. وضُمّخت لأسابيع بعسل النحل .. عينه عصبت بمحرمة الحبيبة الفائحة فتلاشى ألمها وأضاءت .. أكتب في مكتبة الصحابة والآن ارتفع آذان صلاة الظهر .. الله أكبر .. الله أكبر .. كانت حبيبته تشرف على تمريضه .. تفطره بيض الحجل والترفاس وتطعمه مرق الجداء الربيعية .. وتشربه لبن النوق الطازج ونقيع الحلبة وسحلب القصب.
والآن ها هو يتذكر بحسرة .. مهما عوّض من مال لن يساوي ذراعه المفقودة ونور عينه المنتزع منه عنوة .. من حق أطفاله أن يعانقهم بذراعين .. من حقه أن يصفق لهم عندما ينجحون في المدرسة .. اللعنة على الحرب وعلى الألغام وعلى البارود .. إصويلح رفض كل التعويضات المادية .. يريد التعويض الحقيقي .. يريد أن تكون بلاده حرة دائما وقوية .. لا يعبث أي مستعمر بترابها ويفخخه بالقنابل والألغام .. إصويلح يتألم الآن .. لكنه يصبر على القضاء والقدر .. هو الآن يعيش حياة سعيدة في درنة .. في شقة على شاطئ البحر .. صحبة زوجته الطيبة وأطفاله الرائعين .. يقود سيارته بيد واحدة ويرى الطريق بعين واحدة .
تأقلم مع الوضع .. صار يمارس حياته بصورة طبيعية متجاهلا ما فرضه عليه جنون البارود من ألم ومتاعب .. يجالسني كلما التقيته.. نتجاذب حكايات طويلة جميلة عن الحب وغناوي العلم في النجوع .. وعندما نملّ من هذه الحكايات أو نشبع منها نفتح التلفاز على قناة الجزيرة الرياضية .. نشاهد مباراة كرة قدم لفريق برشلونة أو ريال مدريد .. نتابع اللمحات الفنية لللاعب البرازيلي رونالدينهو .. نعجب بشعره المتهدل وبابتسامته الأمازونية الساحرة .. أحاسيسه تزداد رهافة عندما يضيّع هدفا أو يخطئ في تمريرة لزميل .. يكسوه أسى وحزن لذيذ .. حسرة وليس ندما .. يشاركنا ابنه الظريف الجلسة ويشاكس أباه قائلا : الدنيا حظوظ .. رونالدينهو يا باتي إصويلح قدماه قادتاه إلى المال والمجد وأنت قدماك قادتاك إلى الألغام.

الناس من الفقر تلم خردة الحرب .. وناحوم يصدرها ويجمع المال .. وبعد أن صدّر كميات ضخمة من المعدن غادر البلاد تاركا الألغام مزروعة مكانها تحصد الناس منذ ذلك الزمن حتى الآن .. عندما غادر كان تلمود اليهود الزغير قد اختفى .. ربما يكون قد أخذه معه وباعه لإحدى المنظمات الصهيونية المتطرفة .. ففي عرف التجار يجوز بيع أي شيء .. فالتجّار دينهم المال ولا شيء غيره .. في زنقة اليهود هطلت دموع كثيرة .. عندما ضاع الزغير بكت نساؤهم وخبطن صدورهن بعنف .. لكن الدموع الكثيرة جداً هطلت عندما أحبّت إحدى بناتهم شاباً مسلماً درناوياً جميلاً ولتتزوّج منه اضطرت أن تترك دينها اليهودي وتعتنق دين الإسلام .. أرجوحة الحب المجنونة نقلتها من دين سماوي إلى دين سماوي آخر .. سماء تلعب بالمشاعر .. وسحابة تسبح بالعاشقين .. القلب انتقل من دين إلى دين .. فأين المشكلة إذن؟ .. زفت هذه العروس فوزية في عربة وبجانبها عريسها الدرناوي .. الطبول تحفهما والتصفيق والزغاريد صاخبة حولهما .. والأحاسيس المتعاطفة تبرقش آمالهما بخفقات الطزاجة .. العرس جميل .. والموكب حي .. لكن الأغنية التي يرددها الموكب كانت في غير محلها .. فعلا أغنية تؤلم القلب وتجرح الروح .. كانوا يغنون:
طيّح سعدك يا رحمين ..
فوزية فازت بالدّين.
كان رحمين يسمع الغناء من نافذة بيته .. يعانق زوجته ويبكي بحرقة وقهر .. يتمنى الآن أن ينتزع ابنته من الموكب .. لو غنوا للحب لما تأثر .. لكن لماذا طيّح سعدك يا رحمين ؟ .. وما ذنب بخت رحمين وسعده ..؟ .. هل لأنه أنجب بنتا جميلة أحبّت المكان وما عليه بصدق فتجاوزت الشعائر إلى شعائر أخرى منبجس نورها من المشكاة نفسه.. إنها العنصرية المقيتة والتعصب الأعمى الحقير .. يحدث مثل هذا في مباريات كرة القدم وفي الانتخابات وفي كل شيء أركانه اثنان .. هذه الأحاسيس المتطرفة هي التي قادت أكثر من مرة إلى الحروب العنصرية والتطهير العرقي .. أنا أحب رحمين هذا لأنه بكى وأحب كليمنتي لأنه أنشد شعرا ليبيا إبداعيا وأحب أخته للاهم لأنها تعزف على الماكينة أغاني اللباس وأحبّ الشاعر خالد النجار لأنه يقرأ روحي .. وأحب سميرة لأنها تعجبني .. وأحب مبروك لأنه عشق الورق والحبر وساح وراء المخطوطات وأحب الضابط المصوعي لأنه عاد إلى رشده ونبذ الحرب .. وأحب الشفشة لأن وجوده في الحياة ضرورة .. وماذا لو كانت هذه الرواية من دون شفشة .. سينقصها شيء حتما .. وأحب كل الكلمات التي أكتبها هنا وهناك وفي كل زمان ومكان وأحب كل شمس مشرقة .. وأحب الفتاة الدرناوية التي ناولتني كوب الشاي بالبردقوش .. وأحب كوندليزا رايس .. الفتاة السمراء النحيفة ذات النظرة الثاقبة والابتسامة الموسيقية.. أحب أصابعها العازفة على البيانو مذ كان عمرها أربع سنوات .. ضلوعي أصابع بيانو.. لو تلمسها لصخبت الدنيا بالألحان .. اعزفي على أنين روحي لحنك الأبدي .. لحن الحياة أو الموت لا يهم .. جبهتك جميلة .. وراءها جنة من كل شيء .. عصافير أجنحتها من عسل وفراشات تسبح في الماء .. ابتسمي لهذا العالم الذي أنا فيه .. وامطري أرضه بشآبيب الإبداع .. أنت أيتها الفزانية الطيبة .. يا تمرة سائحة من النضج .. لقد كبلوك فيما مضى وجرّوك صوب العالم الجديد .. وها أنت من جديد تطلين وتعودين إلى أرضك الأم البكر .. أرض الماء والصحراء .. تتركين فولاذك ونياشينك وأضواءك وتعزفين بأصابعك على أضلاع أفريقيا الناتئة لألحان الشبع .. لا صوت تصدره الأضلاع .. إنها تأكل الآن .. أظافرك تقطع لها اللحم وأصابعك تهرس لها البطاطس المحلاة .. تبتلع من دون مضغ .. فطعامك طيب طري .. المعدة تجذبه سريعا من الأفواه.. روحك المحنّاة كريمة .. تقدم الشراب زلالا دافئا .. وتقدم الألحان صافية من النشاز .. داخل البيانو زوبعة من طبول وعواصف من مزامير .. وصرخات تقاوم الأصفاد والأغلال.. وصرخات فرحة بالخلاص .. اقتربي مني الآن .. لا أريد طبع قبلة .. فقد مللت التعبير بتقريرية الشفتين .. أحبُّ فأقبل .. أفٍ .. أكاد أتقيأ .. اقتربي أيتها السميراء المستصاغة .. سأعبر بطريقة تختلف .. أريد أن أوسمَ خدك بوشوم مستعرضة وطولية .. سأوسم جبينك وحسب بعلامة تانيت .. مثلث صغير ضيع قمته في بحار العرق فصار كسراب يمارس التمارين الليبية .. المثلث كي يصغر ويصير بؤرة لابد أن تقصر أضلاعه .. أن يعود كما كان نقطة ضئيلة لا يغويها التمدد .. نواة نور .. دائما أجد نقطة حبر .. نقطة عسل .. نقطة ماء .. ولم أجد أبدا مثلثات مبتلة.
ويا للحظ المتسكع في حدائق الأمنيات .. كوندليزا رايس تسمعني الآن .. أو بالأحرى تقرؤني .. وتعود بوابل الحروف إلى الوراء .. لتلملم بالموضوع .. مشاغلها كثيرة .. لكن للقلب دائما أولوية استذكار .. فمنه تنطلق حرائق الدقات .. أنا الممزق الآن .. أيتها الجميلة السمراء ألا رتقتي جرحي .. آه يا كوندليزتي الغالية .. يا ترنيمة بوحي .. وشهيتي الظامئة .. وجداني يسبح في جحيم النواقص .. وجداني الآن ينقصه ملح .. ووجدان كوندليزا رايس ينزف الملح المغـنـَّي الشافي لأعصابي .. سلكها الأسمر رتقني وأذابني على أنغام درناوية .. وإذ هدأت الأمواج منحـتـني حفنة لوز يتحمص .. قالت لي أدقـقـها في مهراس همك وسفها لقاح صبر سرمدي .. فغرت فاهي وابتسمت أسأل .. من أين يا كوندليزتي تعلمتِ كل هذه الوصفات الإبداعية ..
غنت لي من اليسار إلى اليمين :
Ana boy men fazzan wa amy khadem (أنا بوي من فزان وأمي خادم)
Wally garaly ma graa leb nadam (واللي جرالي ما جرى لبنادم)
محمد أنا أحبك حبا قويا غير مرتجف .. حبا حقيقيا .. غـنٍ لي من حنين درنة شيئا يطاق .. درنة مني لو تدري حكايتي أيها الحبيب .. أنا الجنوبية القادمة للاغتسال بماء شلالها المبارك المقدس على ما أحدس وأظن .. شلال أجدادي العذب .. كل الماء قادم من الجنوب .. غن لي أغاني عن أسطورة سراج وسميرة ونخلتهما المسحورة في الجغبوب .. انثر حروفهما أمامي الآن .. ولا تخف أن يسحرك أبي إن عانقتني .. فأبي ليس بساحر .. وإن فعّله الشيطان فأيقونة جدي الصليب الفضي المدفون تحت تينة أمام كهف أبي منصور سيبطله .. كل خراء شفشي يحارب الحب مهزوم لا محالة .. ولن يفلح الساحر أو القوّاد حيث أتى .. لا تهزهز رأسك أمامي .. وبح بالأساطير .. في زمن بعيد جدا كان يعيش في الجغبوب أمير جميل شجاع اسمه سراج .. كان يلهب مشاعر العديد من الفتيات .. لكنه كان مغرما بجنون بساحرة أفريقية اسمها سميرة وهي ابنة ساحر قوي أسمر ..هذا الساحر رفض زواجها من سراج لأنه كان قد وعد بها رجلاً آخر .. لكن الشابين كانا يلتقيان سرا في الصحراء بعيدا عن الأنظار .. وفي أحد الأيام بينما كانا متعانقين فاجأهما والدها الساحر فغضب غضبا شديدا فحوّل الشاب سراج في لحظة العناق مع حبيبته إلى نخلة ملتوية جميلة جدا وانتظرت سميرة أن يعود حبيبها إلى حاله حتى يئست وذابت دموعا دافئة تبلل جذوره وحتى لا تفارق حبيبها تحوّلت إلى بحيرة مالحة يمكن رؤيتها حتى يومنا هذا بالقرب من النخلة الملتوية تلك .. وفي الليالي المقمرة تمر الرياح خلال القصبات وأمواج البحيرة عازفة ألحان حب شجيّة رائعة .. أنا استمعت إليها فروت لي الرياح هذه القصة.
غنِ لي يا حبيبي أغاني الجدود .. ففي درنة لي بواقٍ من بقاياي .. جدّي الكبير هبط من الأسطول لجلب عرجون موز للقبطان .. فتمّ أسره من السكان المحليين .. الذين كبلوه بحبال الحلفا وسجنوه في بئر جافة لأيام .. وذات صباح أخرِِجَ وعُرِِضَ على فقيه الجامع ليقول فيه كلمته وفق شريعة الإسلام .. ظنوه عبدا آبقا .. لكن جدي يعرف الهوسا و السواحلية وعدة لهجات أفريقية فهم بعضها الفقيه الأندلسي الحاج بوعزّوز .. استحلف جدّي الفقيه بالمسيح وذكّره بالملك المتسامح النجاشي الذي لا يظلم عنده أحد .. وأبرز له صليبا صغيرا فضيّا .. فخيّره بين الدخول إلى الإسلام أو البقاء على دين المسيح ودفع الجزية .. فاختار أن يبقى على دين المسيح وأن يدفع الجزية .. قادوه إلى إحدى كهوف حي بومنصور .. كهف كان به رهبان في زمن الإنجيلي مرقس وما بعده .. الصلبان المنقوشة على جدار الكهف مازالت تطل .. أمام الكهف شجرة تين ظليلة .. عاش جدي في الكهف سنوات .. يعمل طباخا ومترجما في الميناء والسوق .. في النهار يعمل وفي الليل يتعبّد في كهفه .. عرفه كل سكان حي بومنصور .. شاركهم أفراحهم وأحزانهم .. ألفته محلات درنة كلها .. يعرفه الكبير والصغير .. الكل يناديه بوسمرة .. الكل يحبه ويساعده .. وفي الأربعين من عمره اقتنع أن الإسلام والمسيحية واحد .. وأن الإسلام هو الدين الجديد .. نقاشه الديني الطويل مع الفقيه بوعزّوز والشيخ الديباني وانخراطه في متابعة الدروس في فناء مسجد الصحابة وحضوره لحلقات الذكر الصوفية ومشاركته في أعياد المسلمين كلها ساهمت في تغيير وجهة نظره لصالح الإسلام .. والشيء المؤثر جدا الذي كان سببا مباشرا في دخوله الإسلام هو معايشته لشهر رمضان بكافة آدابه وطقوسه .. أحب آذان المغرب .. وانتشى كثيرا بآذان الفجر المنعش بشطراته النيّرة .. الله أكبر .. الله أكبر .. أشهد أن لا إله إلا الله .. أشهد أن محمداً رسول الله .. حيَّ على الصلاة .. حيَّ على الفلاح .. الصلاة خير من النوم ..الله أكبر .. الله أكبر .. لا إله إلا الله.
شكرا شكرا يا كوندليزتي الغالية .. حضورك الآن عبر السطور الماضية أنعشني .. حصلت على بعض المال من أصدقائي الكتاب الدراونة الرائعين .. سأشترى قطنا وبودرة لابنتنا مهجة وعصير عنب وشكولاتة للدلوعة آمال .. سأواصل الآن الركض وراء الكلمات .. سأحب كل شيء .. سأحب الفتاة الدرناوية التي سقتني طاسة الشاي بالبردقوش في بيت درنة الثقافي.
في اليوم الثاني سألت الأصدقاء عن فتاة جميلة في بيت درنة الثقافي تشارك الفرقة تجاربها المسرحية .. قالوا لي لا توجد فتاة في الفرقة .. هل يعقل أن تكون هذه الفتاة عاشقة الدموع الحورية سميرة ؟! أم أنها كوندليزا رايس .. أم أنها الفاتنة فوزية اليهودية بنت رحمين .. أنا متأكد جدا من وجود فتاة .. وشاي أخضر بالبردقوش .. متأكد من وجود حب في قلبي .. متأكد مئتين في المليون ..
فقلبي قلب .. وليس مخلاة .

في هذه الكنيسة حدثت جريمة قديمة ربما عام 1903 إبّان الحكم العثماني لدرنة .. تمّ قتل الأب جيوستينو باشيني .. اتهم بقتله رجل أسود .. قبض عليه في طبرق .. وأرسل إلى سجن بنغازي ليموت بعد ستة أشهر .. إيطاليا اتهمت الأتراك بالتواطؤ في قتل هذا الراهب وجعلت هذا الأمر سببا من أسباب غزوها إلى ليبيا .. اتهم في قتل هذا الراهب أيضا اليهود من أجل تعميق الفتنة بين طوائف الأديان الثلاث .. لكن التحقيقات النزيهة التي أجريت فيما بعد أثبتت أن الرجل الأسود بريء وأن القاتل راهب آخر والسبب المنافسة على حب راهبة جميلة .. قبر هذا الراهب جيوسيني باشيتي مازال موجودا في جدار الكنيسة قرب المذبح مغطى بالرخام الأبيض يشهد الندوات والتراتيل وكل الزمن الراكض وراء لحظة الموت التي عاشها.

الذي تزوج فوزية بنت رحمين هو الأستاذ بريك .. اشترى لها أزياء جميلة من دكان شراكة يملكه اليهودي حواتو والليبي الحاج إصويدق .. دكان كبير في منتصف سوق الظلام .. يبيع مستلزمات الأعراس للطوائف الدينية الثلاث .. مع الملابس الفاخرة التي اشتراها الأستاذ بريك خاطت فوزية بيديها الماهرتين عدة أثواب ناعمة مزجت فيهن خصوصية الأزياء الليبية باليهودية .. أثواب تحمل ألوان درنة البهية .. أثواب تندلق من رقبتها لتصل أسفل قدميها محدثة تماوج شبيه بانهدار ماء الشلال بين ثنايا الصخر المعشوشب .. عندما لبست إحدى هذه الأثواب وتجولت به في زنقة اليهود وسوق الظلام ووكالة الطرابلسي غنى لها الفنان فتحي الشويهدي الجالس أمام مقهى بوشوشة أغنية:
تهتز من راسها حتى قدمها
حزامها حكمها
مشي العوج ما قبل حوتك قسمها
ابتسمت له ومنحته وردة فانشرح الشويهدي وقهقه وطلب نرجيلا تفاح وشايا أخضر وأوراقا للرسم .. لم يطلب ألوانا فالأجواء في ساحة وكالة الطرابلسي ملونة .. أزهار البرسيانا الحمراء تغازل أزهار الياسمين البيضاء وأزهار الجهنمية القرنفلية تلوّح لبقايا شمس الغروب الغاطسة في تشابيك عرائش العنب الدرناوية .. غمس قلمه في خلطة دمعه ونقش الجسد الطازج لفوزية الحالمة بفردوس قريب .. أول ما بدأ نقش سرتها ومن سرتها تفرعت الخطوط في كل أرجاء الجسد .. لم يعتبر نهاية شعرها الطويل هو نهايتها ولا أصابع قدميها هي نهايتها .. فتحي لا يؤمن بالقواعد .. كل قاعدة يعتبرها قابلة للتشقق والتصدع والتهاوي .. قاعدته سابحة .. لا يراها غيره .. يمسكها بيديه ويرمي بها على هيأة بيت شعر لإحدى حسناوات درنة أو اليهود أو المسيحيات .. يرمي بها علي هيأة ابتسامة .. على هيأة تخربيشة إبداعية على أوراق السماء .. دائما فتحي يجلس أمام الساقية قرب البحر .. الساقية القادمة من عين البلاد في المغار ومن عين بومنصور في الضفة المقابلة .. هذا المجرى المائي مليء بالحكايات والأسرار .. طعامه يأتيه عبر الماء .. عناقيد عنب .. أرغفة مبللة .. قطع بطيخ .. طعام مغسول طاهر .. أحيانا تأتي إليه نقود .. أو حُلّي .. فيلتقطها ويبحث عن أصحابها متتبعا مجرى الساقية في الاتجاه المعاكس .. يسلم النقود الضائعة أو الذهب إلى أصحابه .. وينال المزيد من الابتسام .. في مرة وجد كمشة جنيهات .. هو فقير ومنكسرة فيه .. يحتاج إلى بعض الخمر والشواء له وللأصدقاء .. لم يأخذ النقود على الرغم من حاجته .. لكن تتبع المجرى .. ليرى الغسيل من أي بيت قادم .. وجد آثار رغوة صابون في الحشائش الكثيفة عند موضع ما فطرق باب البيت .. فتحت له الباب مطلقة ثلاثينية جميلة .. تفضل .. مد لها النقود .. شكرته .. قالت له أخي عاد من العمل غسلت له بدلته العربية في الساقية من دون أن أفتشها .. شكرا لك .. أنت إنسان أمين .. هذه حصيلة عمله في الصحراء طيلة شهر .. ضيفته على كوب عصير برتقال .. وكانت جميلة للغاية مستحمة منذ قليل ومتعطرة بعطر شعبي فوّاح .. كانت متحررة بعض الشيء .. حضرية بنت بلاد .. مدت له بعض المال مكافأة على أمانته فرفض فتحي المال وقال لها اعطيني إحبيبة بس (قبلة) .. لم تعطه إحبيبة .. قالت له آسفة أيها العزيز .. أنا مرتبطة الآن .. ولن أخون .. ليتك جئت قبل شهر .. الآن العرس قريب .. وحرام .. خطيبي رجل طيب .. بكى فتحي وخرج سعيدا إلى مجرى الساقية في الأسفل يتلقى ما يجود به الماء من هبات .. غسل وجهه واستند على جذع كرموسة وغرق في سبات .. جاءته المرأة المطلقة نفسها في الحلم .. وضاجعته بعنفوان الظمأ حتى رفع راية الاستسلام .. لم تقبل منه الاستسلام وأعادت هجومها عليه مرة أخرى حتى نزح وأغمى عليه.
استيقظ من جفاف المني على شعر عانته وشدة هرشه للمكان ومن حرقان الشمس على جبهته العريضة فالشمس قد تحولت عن شجرة التين إلى قفاها الآخر.
خلع فتحي ملابسه ورمى نفسه في البحر المنعش عند مصب مياه السواقي العذب يغسل نفسه براحتيه غرفة من المياه المالحة وغرفة من المياه العذبة .. يغتسل ويغني .. ما أجمل الاغتسال بغرفتين لهما مذاقان مختلفان .. جلدي يحب السكر .. جلدي يحب الملح .. والخصيتان .. آه من الخصيتين .. تقودان إلى الجحيم وإلى الجنة .. سأجري بينهما قرعة .. أرميهما فوق وأنتظر أين سيقعان .. ويترك هذا العبث ويسترسل مع قصيدة أم كلثوم .. يرتفع صوته بأراك عصي الدمع شيمتك الصبر .. يغني حتى يشعر بألم في حنجرته .. يواصل الاغتسال وكد جلده بالطحالب الخضراء التي يعتقد أنها تزيد الجلد نضارة والخصيتين قوة ومتانة .. يغتسل ويتأمل أعلى الوادي في بومنصور .. يتوعده بغارة بعد منتصف الليل .. لكن عليه أن ينتبه وأن يخطط للأمر جيدا فإن ضبط إي مغامر داخل بومنصور بعد منتصف الليل فمصير مؤخرته يتحدد في ظلام الجبخانة.
لكن فتحي شاب خطير يغزو ولا يقع .. يتملص من المطاردين كالزئبق .. فهو من منطقة طَـب الكلب .. أو طبق الكلب .. الواقعة قرب زنقة البساتين في شارع البحر التاريخي .. طب الكلب هي جملة متعارف عليها بين الأشقياء كلما أرادوا اصطياد ضحية رجلاً , امرأة , صبياً , حيواناً .. عندما تدخل الضحية المنطقة المتشابكة بالأشجار يقول أحدهم طب الكلب .. فينقضون عليه ويُعمَل فيه أي شيء .. أحيانا تهرب الضحية وتلمس جدار جامع البساتين أي تستجير به فيتركها الأشقياء .. وتعتبر حرّة غير مطاردة ..
شارع البحر لأو شارع الحرية من الشوارع القديمة في مدينة درنة .. يفصله عن شارع وسع بالك الجسر القديم الذي يجعلك تعبر الوادي .. يبدأ شارع البحر من الميناء وينتهي في البياصة أمام شارع حشيشة وعمارة الأوقاف سينما الزنّي سابقا .. مازالت طرقاته تخبر عن عفسات حافية لبحارة يونانيين ومالطيين .. يخرجون من بواخرهم .. يمشون في شارع البحر يمتدون مع شارع وسّع بالك ينعطفون صوب شارع الفنار يضاجعون المومسات ومن جهة سوق الظلام يشترون الخبز وعناقيد العنب ويعودون عبر شارع البحر إلى الميناء .. مازال مشهدهم جليا في الذاكرات .. أذرعهم الموشومة العارية .. بشرتهم المحمرة المحترقة من الشمس .. قضمهم للخبز الطازج وهم عائدون.. فمهم يقضم قضمة خبز .. يدهم تمنح الفحم عدة حبيبات من عنقود العنب الباذخ .. يسيرون والخبز بأيديهم في متناول فمهم والعنب في اليد الأخرى يرتفع للفم كلما رأى كسيرة خبزة تُمضَغ .. فتحي من هنا .. ولم يأت من البادية ليقع في الفخ وينيكوه .. أضف إلى ذلك أنه لا يغتصب أي واحدة .. كل شيء يتم بالرضا .. وإن أحبتك فتاة .. أدخلتك ولو إلى غرفة أبيها.
شارع البحر اسمه شارع 17 أكتوبر وهو ذكرى احتلال الإيطاليين درنة وشارع الحرية .. لكن الاسم الراسخ في الذاكرة هو البحر .. وهل هناك أوسع من البحر أو أقوى.
في نهاية شارع الفنار توجد المنارة .. ويوجد ولي صالح اسمه سيدي بوعزة .. المنارة اسمها منارة سيدي بوعزة .. ما ضاعت سفينة رأت نورها .. الولي سيدي بوعزة مزار معروف .. تقصده الناس من المدينة وضواحيها حول الجبال .. خاصة أيام الأزمات والشعور بالضيق أو الخوف .. في روضته شموع تنصهر فوق بعضها وبخور ناره لا تنطفئ أبداً .. عندما ينجح الطلاب يأتون إليه بأُسرهم يعدون في باحته الشاي بالكاكاوية ويتعشون وقد يبيتون .. مكانه مكان مستور وآمان .. حتى أن البحر الذي وراءه مباشرة توجد به جابية طبيعية كبيرة تسبح فيها النساء من دون أن يجرؤ أي مخلوق على مراقبتهن .. الآن وراءه بالضبط على البحر .. يوجد إنسان حر .. يعيش حياته كما يريد .. يوجد الأستاذ رافع .. شاب وسيم .. كان متزوجا ببريطانية .. مكث في بريطانيا حوالي 25 سنة .. بعدها لعدة أسباب خاصة بالحكومة البريطانية وعلاقتها بالشرق الأوسط تمّ إبعاده إلى ليبيا .. لم يعش في بيوت عائلته العريقة الميسورة .. اختار البحر .. اختار حفرة طبيعية .. قرب مسبح النساء القديم .. في الليل يرمي الشباك .. وفي الفجر يجر رزقه إلى موقد حطب .. هو مستريح الآن .. سعيد .. عائلته تلح عليه أن يتزوج .. هو سعيد حر يوقد النار .. يشرب الشاي .. يشوي السمك .. الشمس تشرق أمامه وتغرب أمامه .. لا يريد بيع حريته للزواج .. يريد الحرية والغناء والرقص ومخاطبة السماء والبحر .. هو زوربا درنة .. زوربا الإنسان المتواضع الواقعي .. النابذ لكل شيء من زخرف الحياة ورتوشاتها .. رجل عشق الغربة والعزف والصمت والتأمل العميق.
في الماضي كان هناك الفنار وشارع الفنار وعاهراته الرائعات الطيبات وجابية النساء .. والآن جابية النساء لا ترتادها النسوة .. فالنسوة صرن يستخدمن الدوش والبانيو المليء بالرغاوى وصوابين التزلفيط .

الأثواب التي خاطتها العروس فوزية جميلة ومختلفة .. كل ثوب ينسيك الآخر .. وكلها برقشتها بأسلاك السمنطو اللامعة وجعلت لها أزرارا عاجية بيضاء كأسنانها .. ثوب الزفاف جعلت له زراً ذهبياً فقط على هيأة فراشة بملايين الأجنحة . العروس فوزية مثل أخت كليمنتي للاهم خياطة ماهرة .. لكن عريسها بريك ليس كعبد الهادي بونصرالله حبيب للاهم الذي غنّى لها عندما رآها جالسة إلى آلة الحياكة:
رينا بنت على ما كينا .. قبل اغوينا .. لكن في الدين تخاطينا
وغنى لها أيضا ..
لولا دينك يا للاهم .. بك ننساهم .. لولاف اللي بان خطاهم
العريس بريك ليس مثله .. عندما أحبها لم يجعل الدين حجر عثرة كما فعل بونصرالله .. اقترح عليها إجراء قرعة والكاسب يأتي إلى دين الآخر .. رميا ليرة ذهب إلى السماء وانتظرا سقوطها فلم تسقط .. نظرا إلى السماء الملتهمة لقرعتهما .. قال بريك لفوزية .. لا أفهم لغة النجوم .. ماذا يعني اختفاء الليرة الذهب ؟.. نظرت فوزية للسماء وقالت ولا أنا أفهم لغة النجوم .. وغمزته .. أفهم لغة العيون فقط .. لكن سأختصر الأمر .. أنا يا حبيبي بريك سأدخل دينك فالليرة الذهبية المفقودة لي .. السماء تقول لي اخسري الذهب يا فوزية ولا تخسري حبيبك بريك.
كثيرا ما تشاجر اليهود في درنة فيما بينهم فيدعون على بعضهم الله يعطيك الكبّارة .. وقد يدعون أيضا بالله يعطيك فقر المسلم اللي من العيد للعيد غالب في عيده .. يحكون عنهم أيضا أن اليهودي عندما يستيقظ صباحا يتناول ملعقة عسل نحل وينظر في ليرة ذهب ثم يخرج من البيت .. كل من يوبخه أو يشتمه يرد عليه الله لا يذوقك ما ذوقني ولا يوريك ما وراني .. هو شعب مثلنا له مميزات وعيوب .. هو من البشر ونحن من البشر .. بعض العائلات اليهودية لم تغادر ليبيا .. أسلمت وانصهرت في الشعب الليبي العظيم .. وجوههم مثل وجوهنا .. كلامهم مثل كلامنا .. يحبون مثلما نحب .. يكرهون مثلما نكره .. يأكلون الكسكسي والبازين مثلنا .. في مزرعة بللو الصغيرة كانت سهرة جميلة .. عدّة أصدقاء أدباء وفنانين يتسامرون ويشربون خمرة النازلّي .. الفنان الكبير شحات يعزف على آلة العود ويغني .. الجو رطب منعش والبهجة تشع في براءة وفطرة الوجوه .. قال الفنان شحات وهو يتجرع كوب كبير من النازلّي أنا من أصول يهودية .. اسمي شحات واسم الدلع شحتة .. شخصية مرحة ومحبة .. تأملته طويلا فرأيت على غضون جبهته سطور حب ليست من سراب .. سطور ماء كلها ندى فجر .. قال لا أشعر بأي ضيق من أصولي الإنسانية .. بل أفخر كما يفخر كل مخلوق بأصله الأم .. هو يعزف على العود والفنان فتحي الشويهدي يغني:
أعطني الناي وغنِ
فالغنا سر الخلود
وأنين الناي يبقى
بعد أن يفنى الوجود
أعاد شحات الكأس فارغة إلى الموزع المغونن وقال .. أحب أنين الناي .. أحب جضيضه الآسر .. جضي يا قصبة بومنصور .. جضي يا عيّاطة وليمزق ترنيمك جدران الجبخانة .. جضي واردمي إلى أبد الأبد مارشات الحروب .. سأخترع آلة جديدة .. أجعل ذراع العود نايا أهزهز أوتاره بأهداب الآهات .. أنا أكره الأصابع يا إخوتي .. أكرهها حتى وإن كانت عازفة للموسيقا .. الأصابع سراب اللحم وقار العظام .. سأكرهها لأنها تخنق .. تضغط أزرار الدمار .. سأعزف بالآهات ألحان دفئي .. ألحانا صوفية مباركة تلامس شغاف القلوب .. تنبع من خفقات البهاء والهدهدة .. تسقينا وتنعشنا وتحمّر خدودنا مثل خمرة النازلّي وصاح في صديقه المغونن صح أم لا يا مغونن ؟ .. فوقف المغونن يرقص في منتصف البراكة ويوزع أزهار الفلّ البيضاء على كل الحضور وما تبقى في يديه نثره للسماء.

محمد الأصفر
mohmadalasfar@yahoo.com
ليبيا
إقرأ المزيد من أعمال الكاتب محمد الأصفر في مدونته على الرابط التالي :
http://www.maktoobblog.com/alasfar-mohammad


Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home