Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home
Libyan Writer Mohammed al-Asfar
الكاتب الليبي محمد الأصفر


محمد الأصفر

Sunday, 1 October, 2006

أتا تورك(*)

محمد الأصفر

غلاف رواية "يا نا عـلي"
ليبيا للنشر ـ القاهرة 2006م
محمد الأصفر في درنة ، صيف 2005
عـدسة : عـبدالحكيم عامر الطويل

غزت إيطاليا ليبيا عام 1911م .. غزتها عن طريق البحر .. انسحبت الحاميات التركية الضعيفة إلى الدواخل .. في درنة غادرت الحامية التركية قلعتها على شاطئ البحر إلى سفح بومنصور وربوة ظهر الحمر .. تنادت القبائل الليبية وانضمت إلى هذه الحامية الصغيرة .. لتبدأ المقاومة وحرب التحرير .. تلاشى العداء بين الحكام الأتراك في درنة وقبائل البلاد .. صارت المسألة مسألة دين .. فالغازي مسيحي كافر قدم إلى البلاد من وراء البحار .. هو عدو للاثنين .. بعد معركة يوم الرحيل التي انتصر فيها المجاهدون الليبيون على جحافل الطليان وصل تخوم درنة الضابط التركي القدير أنور باشا صحبة كوكبة من الضباط والجنود الأتراك من بينهم رئيس أركانه الضابط المعروف مصطفى كمال (أتاتورك).
شكر أنور باشا المجاهدين على جهودهم وبطولاتهم في معركة يوم الرحيل وسرّه الانتصار .. شعر أنه مع مجاهدين حقيقيين لن يخذلونه أو يعصون أوامره ..
نظم أنور باشا المقاومة في درنة وطبرق والجبل الأخضر .. درّب أدوار (معسكرات) المجاهدين على ما توافر لديه ولديهم من سلاح .. هم جيدون شجعان يجيدون ركوب الخيل والتصويب من وضع الحركة .. يتقدمون ولا يرون أمامهم سوى الجنة .. درَّبهم أنور باشا وضباطه على الخطط العسكرية الحديثة .. وعلى أصول السوق والتعبئة .. لم يقتصر اهتمام أنور باشا على الأمور العسكرية .. اهتم أيضا بالأمور المدنية ذات العلاقة .. فتح مدرسة لتعليم أبناء المجاهدين في كل دور .. أسس مستشفيات ميدانية .. صك عملة حفاظا على الهويّة الوطنية والإسلامية .. درّب الصغار على الأعمال المساعدة البسيطة مثل نقل قرب الماء للمقاتلين ونقل البريد بين الأدوار ومساعدة النساء في تمريض الجرحى .. شجع الفنّ فكانت الأغاني النابعة من حناجر البدويات خير معين لصمود الرجال في الميدان .. أثناء المعركة النساء تغني فتلتهب الحماسة في النفوس ويتحول المقاتلون إلى عمالقة لا يهابون الجبروت .. غناء بدوي مرزقاوي تركي .. كل نبرة منه تؤجج الروح وتجعلها تتسامى وتنسى نفسها.
كل من في الدور يتدرب بحماس .. الروح المعنوية عالية جدا .. في السماء السابعة .. في سدرة المنتهى .. على لجّة الماء .. في الجنة.
أنور باشا هذا محبوب من كل القبائل .. نسيت القبائل صراعاتها حول الكلأ والماء .. نست أيضا عداءها القديم للأتراك .. فتغاضت عن ممارساتهم البشعة في تحصيل الضرائب .. الآن عدوهم واحد .. الآن يقاتلون من أجل الحياة ومن أجل نصرة الدين .. الذي جعل أنور باشا مقبولا لجميع القبائل .. عبيدات .. براعصة .. حاسة .. وغيرهم هو مباركة المجاهد سيدي أحمد الشريف الذي خصّه بعدّة رسائل تطلب من المجاهدين الالتفاف حوله والانصياع لقيادته .. اجتمعت القبائل للجهاد في بومنصور وظهر الحمر بكامل أفرادها وحيواناتها .. نصبت خيامها على سفوح الجبال وفي الوديان .. لم يتركوا في مضاربهم شيئا .. حيّ على الجهاد .. الله أكبر .. الله أكبر .. هذا ما بقي في أمكنتهم الأصلية من أصداء.
الرجال على الجبهة والنساء والأطفال في خيامهم بالخطوط الخلفية .. كان المعسكر مثل الدولة .. له إدارة ومسؤولون .. الصلاة تقام في أوقاتها .. المرافق تفتح في ساعة معينة وتقفل في ساعة معينة .. في الحرب النظام أساس الحياة وجالب للنصر .. في الأدوار يحتفلون بالأعياد الدينية والوطنية .. في هذه الأعياد تقام المسابقات الرياضية .. خاصة سباق الخيل (الميز) الذي اشترك فيه أبرز فرسان القبائل .. أقيم السباق بمناسبة عيد السلطان العثماني .. وحضره أنور باشا ومصطفى كمال وكوكبة من الضباط والأعيان والضيوف .. والصحفيون من مصر وفرنسا .. حضرته أيضا الممرضة الفرنسية الجميلة التابعة للهلال الأحمر التي تقدم خدمات إنسانية جليلة للجميع .. فاز بالسباق فارس عملاق من قبيلة البراعصة اسمه أبوجرد .. قلده أنور باشا وسام النصر وصفق له الجميع وغنّت له حسناوات البادية أعذب غناء متمنيات الزواج منه .. كان بعضهن يصرخن ويهمسن آه لو يركب عليّ هالعتربي ( العملاق ) ليلة وحدة بس.
في الليل يتسامر المجاهدون على ضوء القمر .. يتسامرون ويراقبون التخوم منتبهين لأي اختراق إيطالي فجائي.
الجيش الإيطالي كله متحصن بالساحل قرب بوارجه وسفنه .. والمجاهدون على قمم الجبال المحيطة بدرنة .. الإيطاليون في مدى رمايتهم لكن سلاحهم قصير المدى وضعيف .. يتسامرون ويحكون في أمور شتى .. منهم من يحكي عن الزرع ومنهم من يحكي عن الرعي والتجارة .. ومنهم من يحكي عن الجهاد والحرب .. ومنهم من يحكي عن الحب .. وآه من الحب .. كل مجموعة ولها مهمومة تطرقها بمتعة .. في بعض حلقات الحكي يوجد مثقفون .. درس بعضهم في جامعات وجوامع إسطمبول .. بعضهم درس في الزيتونة أو القرويين أو الأزهر .. بعضهم درس في مدرسة الفنون والصنائع بطرابلس .. ما إن بدأت الحرب حتى عاد معظم طلبتنا وأساتذتنا من الخارج كل إلى مدينته وقريته منخرطين في أدوار الجهاد.
أكثرهم عاد لكن منهم من بقي في تركيا تنفيذا للأوامر العسكرية فحارب مع الأتراك في الحرب العالمية الأولى معتبرين أن دولة الإسلام لا تفرق بين أرض وأرض وأن جيش السلطان واحد نداءه الله أكبر.
هؤلاء الفتية الدارسون في إسطمبول والعائدون لساحات الجهاد في بلادهم ليبيا كانوا مقربين من أنور باشا ومن قائد أركانه مصطفى كمال .. كثيرا ما يستشيرهم وكثيرا ما يطلب مساعدتهم في الترجمة وفي تدوين الأوامر والرسائل .. وفي عدة أمور أخرى تحتاج إلى قدراتهم العلمية .. بعد الانتهاء من العمل يعودون إلى مضارب قبائلهم في الأدوار .. وبعد صلاة العشاء يجتمعون كما كل ليلة للسمر والحوار .. كان حديثهم جله أدبياً .. ينشدون الأشعار لبعضهم خاصة شعر المعلقات .. يستهويهم الملك الضليل امرؤ القيس .. ينشدون له معلقته ويستغرقهم التجلي في الظلام إذ يستمعون إلى هدير البحر وأمواجه صافعة بوارج الطليان دون جدوى .. يترك منشد الشعر وصف الفرس ويقفز إلى وصف البحر في المعلقة فيغني بلحن عثماني هادئ:
وليل كموج البحر أرخى سدوله .. عليّ بأنواع الهموم ليبتلي
يتمتعون أيضا بقصائد عنترة وزهير .. وأحد الطلاب يصعد سدّة الحديث فينقله إلى الإيمان بالله وإلى الله والرسول الكريم .. فيتلوا لهم من القرآن آيات بينات بصوته الرخيم وعندما يؤمّنون لتلاوته يضيف لهم يا إخوتي يعجبني هذا البيت من الشعر .. هذا البيت الذي أشاد به رسول الله صلى الله عليه وسلم .. يصمت الجميع وينشد بيت للشاعر لبيد بن ربيعة العامري:
ألا كل شيء ما خلا الله باطل ... وكل نعيم لا محالة زائل
ويضيف أحد الحاضرين جميل البيت وكل نعيم لا محالة زائل إلا نعيم الجنة .. هكذا قال علي كرّم الله وجهه على ما أعتقد .
ويصيح الجميع الله اكبر .. الله أكبر ..
لكن الحديث عن الأدب والدين ليس هو الغالب .. فأحدهم يخفف وتيرة الحماسة والإيمان والقتال قليلا فيستدرجهم نحو الإيمان الصوفي والقتال التأملي عبر أشعار ابن الفارض وابن عربي والحلاج وجلال الدين الرومي وأبي العلاء المعرّي فيعم الهدوء ويرتقي الإحساس بالكلمات وتمتزج أنفاسهم بآهات يبثها الليل من جنان ظلامه .
أكثر من مرة جالسهم رئيس الأركان مصطفى كمال وحاورهم في مثنوي جلال الدين الرومي .. لكن مصطفى كمال لا يميل إلى الأدب كثيرا .. نقاشه معظمه يتحمس ويطول إن تطرق للسياسة والإصلاح وهموم الأمة المزمنة .. استعرض معهم آراء مصلحين وأدباء .. تناقشوا طويلا في مخطوطات عبدالرحمن الكواكبي ومحمد عبده وجمال الدين الأفغاني ومحمد فارس الشدياق وشكيب أرسلان وحتى إبراهيم الأجدابي وابن غلبون والثعالبي .
كان مصطفى كمال يصمت ويستمع لآراء الفتية بتركيز ثم يبتسم .. يحكك لحيته الصغيرة ولا يبدي رأيا متجنبا الانحياز والاستحسان ..
صرامة عسكرية تكسو وجهه وبريق غامض ينطلق من عينيه .. في هذه الجلسات الأدبية يتخلى قليلا عن صرامته وملامحه الجامدة .. يبتسم قليلا .. يستمع أكثر مما يتكلم .. يكتفي بهزة رأس علامة الاستماع والاستحسان .. وإن لم يفهم ما قيل يطلب إعادة الحديث مرة أخرى وتوضيح المنغلق منه بكلمات تركية .. عند منتصف الليل يلقي مصطفى كمال أوامره النهائية ويعود إلى خيمته .. يمكث فيها قليلا .. ويخرج بملابسه المدنية يتفقد الحراسة في الربوات المهمة ويختلف إلى خيمة الممرضة الفرنسية .. يمكث بها ساعة أو ساعتين فقط .. يتسامر معها ويشاركها تناول عدة كؤوس من النازلي أو اللاقبي .
عند الفجر يكون مستيقظا مرتديا ملابسه العسكرية ليبدأ عمل يوم جديد .. يحدث ذلك معظم الليالي .. الفتية يرون المشهد ويبتسمون من دون اكتراث .. لكن الشفشة .. آه من الشفشة .. كان يتألم كثيرا .. احتمل أول مرة وثاني مرة وثالث مرّة منعته من الوشاية تشبعه بأحاسيس الجهاد واستماعه للأحاديث الدينية طوال اليوم .. وفي اليوم الرابع لم يحتمل .. لابد أن يبص وإلا مات .. إنه مدمن .. مريض .. لكل إنسان مأزق ولكل إنسان شذوذ علينا أن نحترمه .. هو بطولته وأسطورته انحسرت في هذه المواهب الإصبعية .. استجمع خبرته الماضية وشق طريقه صوب خيمة أنور باشا في الوقت نفسه الذي دخل فيه مصطفى كمال على الممرضة .. أريد أن أثبت الجريمة .. هكذا قال الشفشة في نفسه .. بعد محادثات أقنع الحراس بإيقاظ أنور باشا وأخبره بالأمر .. قال له أنور باشا في الحرب القلم مرفوع .. ولا أرى هذا الأمر قد مثل خطورة على سلامة الجيش .. هذا الوقت من ساعات راحة رئيس الأركان .. يمكنه أن يقضيه حيثما يشاء .. وأنت أخبرني هل رأيت عملية الزنا .. هل رأيت دخول السلك في ثقب المرود كما ينص قضاء الفقهاء وأين الأربعة شهود ؟.. اذهب سلم خوي .. خلي الناس في حالها .. إن كنت وطنياً وشجاعاً تسلل إلى قوات الطليان وأحضر لنا معلومات عنها.. انتهت المقابلة وتصبح على خير .. وبخ ضباط الحراسة الشفشة وأحضروا مبخرة كبيرة مليئة بالجاوى والفاسوخ بخروا بها خيمة أنور باشا وما حولها ..
عند الفجر تسلل الشفشة إلى المدينة ووصل خطوط الطليان لكن افتضح أمره .. بص عليه شفشة آخر في طور التتلمذ .. شمه سريعا فخاف على حظوته عند المستعمر .. قبض عليه المصوعية اليابسون وناكوه ثم أرادوا قتله فورا لكنه صرخ قائلا أريد السيد نقولا هارون .. معي معلومات مهمة عن المخربين الليبيين والأتراك .. حملوه إلى بيت نقولا هارون .. ونقولا هارون هذا هو قبطي مزيّف وصل درنة في نهاية العصر العثمانى الثانى وهو عميل كبير للقوات الأجنبية.. استقبله نقولا .. ونكث له الشفشة كل الجوال .. قال له لا أحب الليبيين المجاهدين .. أحب الطليان والمصوعية الحلوين اليابسين .
في المعركة التالية تكبد المجاهدون خسائر كبيرة في الأرواح .
ليس الأدب والسياسة هما محور الحديث لدى هؤلاء الشباب .. أيضا يتحدثون كثيرا عن الشعر الشعبي وعن التغزل في جميلات ليبيا الرائعات وتزداد آلامهم كلما فكروا في الجيش الإيطالي الذي لو انتصر عليهم سيستبيح هذه الحسناوات .. قبل الحرب كان في مضارب كل قبيلة بيت جلاس وهو صالون أدبي بالمفهوم الحديث .. يسمح فيه بالتقاء الفتيان بالفتيات والحديث عن الأدب والشعر .. فينشدون الأشعار ويغنون القصائد .. ويعزفون على الناي أو المزمار .
البقاء في هذا البيت يتم بمباركة أهل الفتاة .. وغالبا ما يكون البيت بيت الفتاة .. تستمر الجلسات ساعات طوال .. كثير ما توافق في هذا البيت فتى وفتاة .. أحبا بعضهما وتزوجا .. لا يهم أن يكون الملتقون من عائلة واحدة أو من قبيلة واحدة .
بيت الجلاس بيت جميل .. خيمة موردة نظيفة مفروشة بجلود الخراف البيضاء .. مؤركة بأرائك وثيرة .. تفصل بينها وسائد ناعمة .. في الزوايا تجد طنافس جلدية عالية موشاة بالأصداف .. في منتصف الخيمة مبخرة بخورها يضوّع باستمرار .. أمام الخيمة موقد صغير للقهوة والشاي .. خيمة مريحة هادئة .. لكن غير ميسر دخول بيت الجلاس لكل فتى .. لابد للفتى أن يلفت إليه الأنظار .. أن يكون نجما أو شاعرا أو عازف مزمار أو غناي شجي لأغاني العلم .. أو ابن شيخ قبيلة .. كل ما يحدث في بيت الجلاس ينتشر بين القبائل على هيأة غناء .. قد يهزم الفتى أمام الفتاة فيلحقه العار المعنوي ويتحول إلى طرفة تهكمية تستعرض في الجلسات .. وقد تهزم الفتاة فيتعاطف معها الكل ويستحلبون لها المبررات .. وإن كان اللقاء الأدبي متعادلا .. بيت شعر ببيت شعر .. أحجية بأحجية .. فيكون الأمر جميلا .. وغالبا في هذه الحالة التعادلية ما تعشق الفتاة الفتي .. خاصة إن كانت ضاربة روحها بعصبة أي متكبرة ومغرورة لنسب أو مال أو جمال أو شذوذ .. وآنذاك على الفتى أن يحطم هذه المرعوبة البيضاء المدخنة بفأس التجاهل وعدم الانصياع لتزداد أسهمه في قلوب فتيات أجمل وأنقى في النجوع البدوية الأخرى .. في هذه البيوت عاشت حكايات وماتت حكايات .. وتداولت الذاكرة عبق الدفء والشعر والفروسية والمروءة .. وانتقشت التواريخ الماضية والقادمة في ذاكرة الوجدان .. كلما عقد بيت الجلاس يدعون له عدة شعراء مشهورين للتحكيم ولإثراء الجلسة بقصائدهم الجديدة .. ذات مرّة في آواخر الثلاثينيات حضر الشاعر كليمنتي أربيب جلسة لبيت جلاس في إحدى ضواحي سوسة .. كانت الفتاة الكريتلية جميلة جدا .. خداها بلون المشمش في أوج نضجه .. ذكّرت كليمنتي بالفتاة التي التقاها في أسواق بنغازي مع أمها .
كان الفتى الذي يحاور هذه الإكريتية من بدو برقة وتحديدا من دواخل سلوق .. كلماته جديّة خشنة جافة .. بلاغتها جيدة وعميقة لكنها ليست طريّة .. سرعان ما هزمته بموج بحر سوسة وأصيلها المحتار بين الانحياز للبحر أو الجبل .. لم يثرها لهيده على الحصان وسبقه الجميع .. قالت له البحر .. البحر .. وقال لها أنا من أهل البر .. لا دراية لي بالبحر وتياراته .. أفهم في العجاج والغبار .. أفهم في القعمول والتمير وصيد الجرابيع .. يا مرعي صب في القطرة اميّة وراه ينتق الجربوع من عندك .. قالت له أنا عذراء بنت بحر .. عليك ببنات البر والغابة .. الغناوي تتناقل بينه وبينها بتلك المعاني السابقة .. عجز عن الغوص واستخراج اللآلئ فأعلن الاستسلام مبكرا قبل انتهاء المعركة كما في لعبة السيزا .. مفسحا الطريق لغيره من الشباب الحاضرين .. لكن لا أحد تقدم .. فهذه الإكريتلية بليغة جدا .. أبلغ من كلمة في نواة بيان .. كان كليمنتي يستمع لكلماتها الأخيرة .. تحكي قصة أجدادها .. البدوي البرقاوي فخر بقبيلته .. وهى فخرت بقبيلتها .. حكت عن أجدادها اليونانيين في جزيرة كريت .. حكت عن عقيدتهم الإسلامية الراسخة .. عندما أعاد اليونانيون أرضهم من الأتراك قتلوا كل الأتراك المسلمين في جزيرة كريت أما اليونانيون المسلمون فخيروهم بين التنصر أو الهجرة .. أهل هذه الفتاة المسلمة اختاروا الفرار بدينهم والهجرة في أرض الله الواسعة .. جاؤوا إلى سوسة الواسعة .. بولونيا ميناؤهم القديم .. سوسة الجميلة المتوسدة الجبل والوادي والمادة رجليها في حوض الملح ..
عاشوا في سوسة وانصهروا مع السكان الليبيين .. صاروا نسيجا واحدا .. عندما هاجمت إيطاليا ليبيا مستبيحة أرضها وعرضها انخرط هؤلاء الإكريت في الجهاد مع الليبيين وسقط منهم الشهداء الأبرار .. قال القاضي الإيطالي لأحد أسراهم أنتم أوروبيون أقرب لنا نحن الطليان من البرابرة العرب .. قال له الليبي الإكريتلي إنه الإسلام .. الحق .. الدين أقرب من المكان أيها المعتدون .. ونحن في الأصل ليبيون .. هاجرنا في زمن ما هربا من بطش الفراعنة ومن بعدهم الرومان .. كريت احتضنتنا .. أطعمتنا زيتونها وتينها وسقتنا لبن ماعزها الرشيق .. والحقيقة ليس الإكريتليون من حارب مع الليبيين فقط في حربهم ضد الطليان .. فهناك الأتراك الذين بقوا أو عادوا بعد إبرام تركيا معاهدة سلام ومصلحة مع إيطاليا متخلين عن مرتباتهم المجزية ورتبهم الكبيرة .. ولا ننسى اليهود بالطبع ففي معارك الجهاد ضد الطليان لهم بطولات ومغازي .. وهاهو ليبي يهودي من مواليد درنة يقاتل مع المجاهدين في معركة القرقف ويستشهد بشرف .. كان يقاتل ويغني لأمه المدفونة في مقبرة الموحشة اليهودية بدرنة .. يقول لها أنا قادم إليك الآن .. يطلق الرصاص صارعا الطلياني تلو الآخر .. يقاتل ويغني أغنيته التي بقيت حيّة حتى الآن وما بعد الآن .. يغني لأمه :
الوطن اللي جبتيني فيه
لبوبرطلّه ما نعطيه
هذه الفتاة الجميلة فخورة بأصلها وبجمالها وشعرها ودينها .. لم يتقدم كليمنتي لمبارزة هذه العناق أو المهرة شعريا رأفة بها وبطموحها العنفواني المندفع .. أشاد بها وسمّاها خنساء البنتبوليس لأنها مثل خنساء العرب .. فقدت أخوتها وأباها .. استشهدوا جميعا في الجهاد ضد الطليان المعتدين وبكتهم شعرا شعبيا يمزق القلوب بعبرات الصبر.
عندما انتهت الجلسة الشعرية بانتصارها على فتى سلوق التعيس طلب الحضور من كليمنتي إنشاد قصيدة .. لكن استوقفتهم قائلة الآن تناولوا العشاء أولا .. مد السماط .. قصعات من اللوح مليئة بالمثرودة ولحم الجداء المسلوق مع كؤوس لبن رائب .. بعد العشاء تناولوا طاسات الشاي المنكهة بالورد .. وبعد راحة قصيرة للتدخين استؤنفت القعدة الشعرية وكرر الحضور طلبهم من كليمنتي إلقاء قصيدة .. امتنع أولا واعتذر .. لكن نظرة من عيني الإكريتلية أرغمته على القبول .. بادل كليمنتي الفتاة النظرة ثم نقل بصره إلى فتية سوسة الجالسين الرائعين وقال مازحا لكنها قصيدة في جميلتكم .. ربما تغارون .. وضحك الجميع وصرخوا له عليك الآمان .. ومنحته الفتاة الإكريتلية زغرودة تشجيع .. فأنشد كليمنتي شعره وراء صدى الزغرودة مباشرة .. بل غنّاه صحبة زمّارة القصبة القصيرة ذات النبرة المجنونة التي لا هي صوت ناي ولا مزمار مألوف .. نبرة النبض والشجا والخفق والتحليق في الملكوت ..
غنى كليمنتي أربيب رائعته الحيّة الباقية :
سمار نوم الناس ما نا مَنـّا .. حزانى على لابس جديد الرّنا

مانحسبك تنسيني
بعد قولتك يا مناي تسوى عيني
ديني على دينك ودينك ديني
ندخل وراك النار دون الجنة

ما نحساب عقلك عادم
ولا تاخذي فيا كلام بنادم
ستين باني ما يكيدوا هادم
حجايج الخطا ساس الغلا هدّنة

وتصايح كل من في الجلسة وزغردت نساء النجع المنصتات من خلف الأروقة وتجاوب الطرب في أرجاء وديان الإنجيل والأثرون وراس الهلال .. وخرج القديسون بصلبانهم يحيون الإبداع ونما الترفاس والتفاح الذهبي والسلفيوم .. والأشجار ثقلت بالثمار فترنح ظلها وسال على جنون الشمس والزيتون منح زيته مجانا لكل فتائل الظلام .. وجميلة سوسة الإكريتلية لم تتمالك نفسها وجرت صوب الكهل كليمنتي تعانقه وتقبل جبينه وتقول لكل من في الخيمة والله لو ما هو يهودي ما اروّح معاه إلا الليلة .. تقصد تتزوجه ..
والطرب يحدث في النفس سحرا لا سيطرة لنا عليه .. التي جرت صوب كليمنتي وقبلت جبينه أمام الملأ ليست الفتاة إنما إحساسها الصادق وذوقها الرفيع الذي غنى الأغنية وأبدعها وزمّر لها ليس كليمنتي أو عازف المزمار .. إنه السحر .. السحر المبدع المنغرس في ثمار الموهبة والنافث عطره أينما حل .
هؤلاء الفتية يحكون الآن عن لقاءاتهم تلك .. عن بيوت جلاس شبيهة لبيت سوسة الذي حضر فعالياته الشاعر كليمنتي .. يستذكرونها بلهفة وحنين .. الشعر الغزلي هو الغالب على أحاديثهم ..خاصة الشعبي منه .. وإذا رأوا مصطفى كمال قادما فيتحولون سريعا إلى الشعر الصوفي وخاصة شاعر الأتراك العظيم جلال الدين الرومي .. يبتسم مصطفى كمال ويفهم تواطئهم مع غربته فيجالسهم ويشاركهم شرب الشاي بالنعناع المعطش .. وبعد لحظات يستأنسون به فيقف أحدهم ويلبس طربوش تركي أحمر ويبدأ في الدوران ورأسه مائلا قليلا وذراعيه ممدودتين كأنه يطير مثل المولوية .. والآخر ينشد من أشعار جلال الدين الرومي وآخر يضرب الدف .. ومن منتصف المعسكر يرتفع رواق خيمة الآمر أنور باشا البيضاء ينهل من المشهد مليا ويبتسم .
الفتيان الذين درسوا في إسطمبول هم من يقومون بهذه الرقصة الصوفية .. يسّرون بها على قادتهم الأتراك .. في نهاية الوصلة يصفق مصطفى كمال وأنور باشا وكل من كان يستمع .. يشعل مصطفى كمال لفافته ويبدأ معهم حديثا جديا حول السياسة والإصلاح والأخطار المحدقة بالأمة الإسلامية .. يقلبون الأمور الراهنة بأفكارهم الغضة .. وفي النهاية يصلون جميعا إلى نتيجة واحدة ويشيرون إلى جبهة القتال ويذكرون سلاح الطليان المتفوق عليهم عددا ونارا .
طالب ليبي نبيه مفوّه يجيد التركية هو من يناقش الضابط كمال كثيرا .. أحيانا يحتدم النقاش بينهم .. تبرز في صدغيه العروق وتحمر في رقبته الأوداج .. أحيانا يكون هادئا بطيئا .. بين كل كلمة وكلمة برهة صمت وشساعة تأملات .. هذا الطالب من قبيلة العرفة .. عائلة الوكواك .. يقول له أصدقاؤه مازحين كيف من عائلة الوكواك وتتحدث عدة لغات من دون وكوكة .. هو يدرس في جامعة إسطمبول ويرتاد حلقات الدرس في جامع آيا صوفيا .. تفوّق في دراسته في مدرسة الفنون والصنائع وفي زاوية سيدي عبدالسلام الأسمر فأرسلته حكومة الباشا للدراسة في الأستانة .. أجاد التركية سريعا وغرق في دراسة كل ما وصلت إليه يديه من مخطوطات .. اعتكف في مكتبة إسطمبول ومتاحف توب كبي سافر إلى أنقرة وبورصة وأزمير .. وفي إحدى مكتبات إسطمبول التقى بها .. فتاة تركية تسكن منطقة لالالي .. معلمة قرآن وكتابة في مدرسة حديثة .. اسمها رابعة .. تحابا .. وتزوجا .. لكن عندما غزت إيطاليا ليبيا عاد في أول مركب إلى الإسكندرية ومن الإسكندرية برا إلى درنة .. ترك زوجته رابعة حاملا في إسطمبول .. ودعته بدموع ساخنة وابتسامة راضية .. زوجته جميلة .. بشرتها بيضاء نقية .. محرمتها وردية هافتة .. جلبابها قرنفلي .. كفاها رقيقتان طويلتا الأصابع .. أظافرها حادة تخبش الاقتراب بشدة .. قالت له لو ظروفي الصحية تسمح لسافرت معك للجهاد .. ما إن أضع حملي حتى ألتحق بك .. أنا في انتظارك هنا أو هناك أو في الجنة .. كانت مؤمنة وصبورة .. كانت عفيفة جميلة .. تدرس الطالبات مجانا وتعمل عشية في معمل حياكة جوارب لصالح إحدى الجمعيات الخيرية .. في الليل تقرأ الشعر مع مفتاح على ضوء القناديل .. حياة جميلة هادئة .. القدر لم يتركها تستمر .. ناكها .. حرّك بوارج وبواخر الطليان إلى وطن آمن .. لتنقلب معادلات السعادة في البعيد العثماني إلى شقاء ليبي قريب .. تركت الأجنة في البطون وسافرت النطف التي من المفترض أن تقذف سعادة إلى وطن الحرمان .. مفتاح الوكواك ليس قلقا على زوجته رابعة وعلى كل التركيات فإسطمبول آمان .. لا خطر يتهددها .. لكنه قلق على بنات بلاده البدويات العفيفات الجميلات ذوات أوشام الذقون الخضراء .. ذوات الصراخ العذب والغناء المفتت للألباب .. الطليان الهمج لن يتركوهن بسلام .. سيلوثون عفتهن ويقذون طهارتهن بعكارة لا تزول .. بعد سنوات من الجهاد حدث المحظور .. الكثيرات اضطررن لبيع أجسادهن من أجل الطعام .. خاصة في المعتقلات حيث زج الطليان فيها أغلب أبناء القبائل الليبية .. ساقوهم من أماكن بعيدة في ظروف مناخية قاسية حفاة جوعى .. شيوخ ونساء وأطفال ورجال .. من يتخلف في الطريق ويعجز عن المشي يقتله المصوعيّة الزوامل برفسات أحذيتهم وحراب بنادقهم الصدئة .
حشروا الناس في المعتقلات الرهيبة ليمنعوهم من تقديم الدعم للمجاهدين .. الحرب قذرة والجوع كافر لا يرحم .. أحد الرجال ماتت زوجته من الجوع .. ماتت ولديها أطفال صغار .. منهم من يرضع ومنهم من بدأ يمشي قليلا .. وجد الأب الصغار يبكون بحرقة .. يبكون حزنا على أمهم .. وبكاؤهم الأكثر كان من الجوع .. ولا طعام في الخيمة .. الطعام عند الطليان لا يخرج إلا عن طريق زبوبهم .. نظر هذا الأب في عيني ابنته الشابة الجميلة الناهدة ذات الستة عشر عاما وقال لها : يا بنت وكلِي خوتك !
الطليان في المعتقلات يجوعوننا وينيكون بناتنا ويقتلوننا .. ومن هذا الألم تستمد القصائد العظيمة شرعيتها ومعانيها الخالدة وحياتها الأبدية .. فنرى قصيدة دائمة النبض تقتات على هدير الذاكرة تقول نفسها عبر صرخات عذراواتنا المغتصبات .. تؤرخ مرضنا .. تنتجه وشما أخضر .. يمنحنا العزاء المحفز لنيل حرياتنا .. وينوح الشعر عبر أنين الشاعر في فجر الغبار والدمار الذي جلبه لنا الطليان متترسنين بشوفينية تاريخهم الوثني وأحلام أباطرتهم الرومان الشواذ .. لقد أنتجت هذه المداسة الأفكار الخالدة والقصائد العظيمة المدفون في أنسجتها قرابين أليمة من الألم والهوان والمرض .. القصيدة باقية طالة بجنونها الخلاق صادحة في هذا العالم الآن بعد مئات وآلاف وملايين السنين :
ما بي مرض غير دار العقيلة
وحبس القبيلة
وبعد الجبا في بلاد الوصيلة
وتحاور مفتاح مع مصطفى كمال كثيرا .. لازمه خيمته ورافقه في جولاته الاستطلاعية .. وشرب معه عدة كؤوس نازلّي سكبتها لهما الممرضة الفرنسية.. هوالوحيد الذي يستطيع أن يتجرأ ويقول فكاهة أمام رئيس الأركان مصطفى كمال .. وهم منتشون في حضرة الممرضة طلبت الممرضة فكاهة ليبية .. فقال لها مفتاح .. تخاصم ليبي مع زوجته الليبية .. صار كل منهما ينام في غرفة .. بعد عدة أيام من الحرمان شعر الزوج برغبة جنسية جامحة فأخذ يدعو في حجرته بصوت مسموع يا سيدي عبدالسلام جيبها ( احضرها ) يا سيدي عبدالسلام جيبها .. والزوجة أيضا رغبتها متأججة لكن ذات كبرياء .. ما إن سمعت المبادرة من زوجها حتى جرت نحوه وارتمت فوقه صارخة وين شايلني يا سي عبدالسلام اتركني يا سي عبدالسلام .
وضحك مصطفى كمال وارتمى على الفرنسية صارخا وين ناقلني يا سي عبدالسلام وتملصت الممرضة في خجل هامسة لم ادعُ إي مرابط .. مازلت زعلانة يا سي مصطفى .. لن أمنحك شيئا حتى تطرد الطليان من ليبيا .
في أوقات الجد يستعرض مصطفى كمال مع مفتاح الليبي الأفكار النيرة واتجاهات الحرية والديمقراطية في الأحزاب التركية الجديدة .. مفتاح لديه أفكار سياسية .. ومتعاطف جدا مع سياسات ومناهج حزب الاتحاد والترقي .. يقول لكمال .. في تركيا أدرس العلم .. في ليبيا الآن أجاهد .. ينتهي الجهاد أعود إلى العلم .. الجهاد علم متحرك .. العلم جهاد ساكن .. السكون تحرك في جنان الصمت .. والتحرك صخب جامد .. يقول كمال لم افهم منك شيئا أيها الفيلسوف .. لكن أختصر لك الأمر .. ما دمنا لم نمتلك أسلحة فعالة مثل أسلحة الطليان والألمان فلن ننتصر .. هذه الحرب التي نحن فيها خاسرة .. لديكم بصاصون كثيرون .. خونة ينضمون للجيش الطلياني ويبيعوننا في وضح النهار.. نظفوا دمكم أولا .. أنا هنا في ليبيا من أجل تنفيذ الأوامر العسكرية فقط .. لكن القوة غير متكافئة .. الطليان أقوى منا بكثير .. معظم وقتي استغرقه في تنظيم أفكاري المستقبلية .. خاصة السياسية .. في حي بومنصور أشعر بالراحة وبالقدرة على التركيز .. رائحة التين تغذي بحار حكمتي ورائحة الليمون تبعد عن روحي مسارب العفن .. المكان هنا هادئ .. كهوف مقدسة .. وماء عذب بارد نقي .. توت .. رمان زيتون .. تمر .. هذا المكان لم يخلق للحرب .. خلق للسلام .. هو واحة تأمل وراحة وتحصيل .. لكن الحرب .. للحرب نواميسها .. وأعود لأقول إن القوة غير متكافئة .. أنا لا أدعو للاستسلام .. أدعو لتطوير المقاومة بالعلم والتحصيل وامتلاك السلاح الرادع الذي سيقلب المعادلات .
ويوافقه مفتاح في كثير من أفكاره المنحازة للواقع .. بعد شهور من الحرب تخلت تركيا عن الصراع مع إيطاليا ووقعت معها معاهدة سلام .. غادر بموجبها أنور باشا ومصطفى كمال وكل الجنود الأتراك إلا قليلا منهم قرروا البقاء مع الليبيين ومواصلة الجهاد ..
أنور باشا غادر إلى وطنه ليلقى حتفه في معركة قرب بخارى .. ومصطفى كمال ابتسم له الحظ .. عاد إلى تركيا واشترك في عدة معارك على جبهة البلقان وانخرط في العمل السياسي صحبة الأحزاب التركية التي أطاحت بالسلطان .. ليصبح مصطفى كمال رئيس الجمهورية التركية .. فأسس تركيا الحديثة على أسس علمانية .. فصلت الدين عن الدولة .. وأبدت اهتماما كبيرا بالعلوم التطبيقية المادية .. متخلية عن كل التراث النظري القديم .. حتى الحروف العربية ألغاها واستبدلها باللاتينية .. تخلى عن كل العلوم الأخرى المنبثقة من الفلسفات القديمة ومن تعاليم الأديان بتفسيراتها المتشابكة والمختلفة مع روح العصر وظروفه .. قال لا أعرف شيئا سوى 1+ 1 = 2 .
من ليبيا نهل مصطفى كمال أتاتورك أفكاره .. وشجاعته .. في ليل ليبيا تحت قمر بومنصور وظهر الحمر حسب حسبته .. ضرب أخماسه في أسداسه .. ورتب أفكاره .. مفتاح منحه مفتاح الجدل المثمر والتمحيص اليقيني .. حفزه بأسئلة مستفزة تنشد أقصى براحات الحقيقة من دون اتكاء على أي وتد أو مسلمة .
رائحة التين أضاءت فكره ورائحة الليمون طهرته من الملح الفاسد .. قدره جميل أن يأتي إلى ليبيا .. بلاد التاريخ والبركة .. بلاد السلفيوم والنخيل .. بلاد الخير والمطر والشمس والقمح .. في ليبيا لم ينقصه شيئا .. الممرضة الفرنسية تسرّيه .. والبدويات لم ينقطعن عن خدمته .. وخمرة النازلّي واللاقبي دائما في جرّته .. اللبن .. العسل .. السمن .. لو أخطأ مصطفى كمال قدره ولم يأت إلى هنا لمات في إحدى الحروب التي حاصرت السلطنة في آخر أيامها .. في ليبيا تمكن من التأمل وإعادة ترتيب الأفكار .. في ليبيا التقى فتية نابيهين وتنفس هواء الحكمة .. القدر به مقود يتغير فجأة .. يأتي بمصطفى كمال إلى ليبيا .. يعيده إلى تركيا .. سنوات قليلة ويصير أبو الأتراك أتاتورك ورئيس دولتهم .. قبل أن تبدأ الحرب العالمية الثانية يموت .. أكثر من حزن لموته هو أدولف هتلر .. لو كان أتاتورك حيا لانضمت تركيا للمحور ولانتصر المحور .. تركيا لها وزن استراتيجي .. ستمكن هتلر من الانتصار في جبهة روسيا القريبة منها وتمكنه من الانتصار في جبهة أفريقيا أيضا والسيطرة على قناة السويس .. لو قدر لأتاتورك أن يعيش حفنة سنوات لتغيرت خارطة العالم .. لن يحتل الصهاينة فلسطين .. عالم غريب عجيب .. دمار فوق دمار .. الضعيف دائما ضحية .. العرب سيكونون ضحية دائما في كل الحالات مادام المنتصر غيرهم .. عندما رفض من جاء بعد أتاتورك التحالف مع هتلر في حربه المجنونة صرخ هتلر قائلا : بعد موت أتاتورك لا يوجد في تركيا رجال .
هتلر كلامه صح .. هو سفاح ومجرم لكنه غير منافق .. بعد موت أتاتورك ازداد تمسح تركيا بالغرب الأوروبي والأمريكي .. من أجل الدخول للاتحاد الأوروبي أهدرت تركيا كرامتها .. صارت ذيلا مستقيما للغرب .. حورت في مناهجها .. عدلت قوانينها القضائية .. ضحت بأصدقائها العرب وقضيتهم الأم فلسطين .. لو طلبوا منها حتى أن تتنصر علنا فسوف تتنصر .. لو كان أتاتورك حيا الآن لما حدث ذلك .. هو يحب تركيا .. يريدها رأسا وليس ذيلا .. لكن نعود إلى القدر وحكمة ربنا .. ولوح الأزل .. والضبط الإلهي لنواميس الحياة .
غادر مصطفى كمال أتاتورك ليبيا في باخرة عبر ميناء بنغازي وبقي صديقه مفتاح في وطنه ليبيا يجاهد الطليان .. لم يعد إلى زوجته في تركيا .. فالوطن كان لديه أكبر من امرأة ونسل وأشسع من لذة طافية .. زوجته رابعة تفهم هذه الأمور .. تفهم قضيته الأم .. لو عاد إليها ناكصا على عقبيه قبل الانتصار على الطليان وطردهم من ليبيا الطاهرة لبصقت على وجهه ولاعتبرته جبانا مخنثا غير جدير بأنوثتها الصارخة النقية .
الأتراك معظمهم غادروا في سلام عبر البحر .. هم جنود وعليهم تنفيذ الأوامر .. وطنهم الأم مهدد جدا .. فالحرب العالمية الأولى بدأت وتركيا طرف أساس في الحرب ضد الحلفاء .
من بقي من الأتراك يشارك الليبيين جهادهم وجد كل تكريم .. زوجوه ومنحوه مالا وأرضا ورتبة عسكرية رفيعة .. منهم من استشهد ومنهم من امتدت به الحياة فعاش وأسرته في ليبيا ليبياً حتى الآن .
مفتاح حارب ببندقيته وقلمه وعلمه .. لم يترهبن .. فكر بواقعية .. مثل تفكير صديقه مصطفى كمال أتاتورك .. تزوج من امرأة بدوية كانت تقاتل معهم .. امرأة نفّاقة .. والنفّاقة هذه نظام ابتكره المجاهدون فقسموا الدور إلى مجموعات صغيرة تنفعهم في التنقل والاختباء وحرب العصابات .. وجعلوا مع كل مجموعة صغيرة امرأة تغسل لهم وتطبخ لهم وتمرضهم .. قد تكون النفّاقة أخت أحدهم أو أمه أو زوجته أو ابنته .. وقد تكون لا تمت لهم بصلة قربة .. كل مجموعة أربعة نفر ونفاقة أو خمسة نفر ونفاقة .. يقاتلون ويختبئون وينتقلون بسرعة من وادٍ إلى وادٍ حسب ظروف الحرب .. مفتاح أحب هذه النفاقة .. تكلم مع أفراد فرقته في الموضوع .. أحدهم صار مأذوناً شرعياً وأحدهم صار وليا للنفاقة .. والاثنان الآخران شهوداً .. دين سهل .. يتكيف مع الظروف .. لا تعقيد .. ولا أزمات .. تمّ الزواج والدخول بها في كهف صغير .. زفوها إليه وابتعدوا عنهما للقتال .. في اليوم الثاني عاد الرفاق بشاة ضأن هدية من أحد شيوخ المجاهدين .. شووا منها وقددوا الباقي وأطعموا من اقترب من الكلاب .
أنجب مفتاح من هذه النفاقة ولداً أسماه مبروكاً .. لأنه وجه بركة .. يوم مولده انتصر الليبييون في معركة كبيرة وغنموا مئات البنادق ومدفعين .. وتواصل الجهاد إلى أن تمّ أسر مفتاح نتيجة وشاية شفشوية .. حوكم بواسطة المحكمة الطائرة واستشهد شنقا .
في الجهة الأخرى من البحر كانت زوجته رابعة وابنته فيروز تتمشيان في باحة جامع آيا صوفيا .. تطعمان الحمام قصبا مكتنزا وتتأملان السحابات اللاتي بدأت تجتمع فوقهما وتمطر..
الحمام تناول الحب واحتمى بحواف قبب ومآذن مسجد آيا صوفيا .. ورابعة وفيروز دخلتا مصلّى النساء .. تسبِّحان وتدعوان وتتذكران مفتاح الفرج .. مفتاح الوكواك الليبي رب أسرتهما الصغيرة .. لم يطل الوقت حتى ارتفع آذان المغرب وتناولت رابعة تمرة حلّت بها صيامها .
مفتاح هو والد مبروك الذي يريد الذهاب إلى تمبكتو .. الذهاب إلى تمبكتو صعب .. أولا الجو حار .. والإبل لا نجيد ركوبها .. والطريق نجهلها .. والحداة قد يصمتون والإدلة قد يبيعوننا للسراب .. من لم يكن دليل ذاته فلا يسافر .. أخاف على حبيبتي من قطاع الطرق ومن القدر ومن الشمس اللاهبة .. أنا ابن مدينة وهي بنت واحة .. أبي شنقه الطليان .. أختي هناك في تركيا لا تعرف .. زوجة أبي رابعة أحسّت وأشفقت عن إخبار فيروز.. فيروز تبني على أبيها آمالا كبيرة .. عودته لها هي الجنة .. متأثرة به جدا .. قالت لأمها ماذا يحب أبي فأجابتها الكلمات .. من تلك اللحظة صارت الكلمة همها تترجمها وتغنيها وتحتفظ بها متلألئة في بلور ذاكرتها .. أبي مثقف كبير .. صاحب مصطفى كمال في ظهر الحمر وبومنصور .. فكره نيّر .. درس في طرابلس وإسطمبول .. تزوج أمي النفاقة .. أشعر أنني تكونت كليلة دخلتهما .. بي أنفاس الجبل وهو يهتز لذة ومرحاً .. في جسدي نبتت أعشاب عطرية ومن روحي سال العسل فأغرقني .. قبل أمي كان قد تزوج في إسطمبول من تركية جميلة .. رابعة العالمة معلمة القرآن .. في تركيا لي أخت اسمها فيروز .. زوجة أبي تأتيني في الأحلام .. لا تخاطبني بربيبي لكن بابني .. أختي أراها في كل الكلمات التي أقرأها .. أختي فيروز كلمة حب تحرق رماد البصائر .. تمطر ندى .. وتفوح ببخور كمبوديا المجنون .. ألعب مع اختي الشابة الجميلة .. أختي البيضاء .. الناهدة .. ماضغة اللبان .. المبتسمة .. الشامخة .. الحزينة إبان كل أصيل .. السائلة أمها .. متى يعود أبي مفتاح ؟! .. متى يعود ؟ .. أو أين أجده ؟ ..
فيروز جميلة جدا .. أب ليبي وأم تركية .. وإرث جيني مشترك .. الكلمة روحه والموسيقا دقات قلبه .. هي تحب اللوز الأخضر .. ليس لضعف في أسنانها .. لكن لأن اللوز الأخضر فاكهة شاعرية مثل ثمار التوت .
بعد الحلم بأختي وأمي زوجة أبي أعود إلى واقعي .. إلى حبيبتي وزوجتي فتاة الكفرة .. الفتاة الطين .. الرمل .. الحصباء .. ذات لون الكاكاو في مناطقها العارية وذات لون المرمر في المناطق المغطاة .. لقد تزوجنا منذ شهور .. ومازلنا نعد العدّة للسفر إلى تمبكتو .. الأحلام تزرع الخوف وتحثني على التراجع .. تدفعني عاليا إلى أختي العظيمة .. الأحلام التمبكتاوية تبتسم لي وتتوعدني بصحراء وردية .. جفافها عطش عطري وبللها فجر نقي .. وأنساق للحبيبة الكفروية .. فندخر زاد الرحلة .. درهم فوق درهم .. واتفقنا على عدم الحمل لمشقة الطريق .. استعملت طباً عشبياً يمنع الحمل .. وعندما سبب لها مضاعفات منعتها من تجرعه وقررت أن أقذف خارجا ..
فيروز تتعلم جيدا في إسطمبول .. دخلت الجامعة وتخرجت في قسم اللغة الإنكليزية .. وشرعت في ترجمة مثنوي مولانا جلال الدين الرومي للإنجليزية .. أمها رابعة تابعت عملها في المدارس والجمعيات الخيرية .. تعلم أن زوجها لن يعود .. لكن لم تتزوج ثانية .. لم ترغب في تحطيم صورة المثل في مخيلة ابنتها .. كانت لها أماً وأباً .. وكل شيء .
الطريق إلى تمبكتو طويلة كالسفر في الحياة نفسها .. جنين الرحيل ولد في مبروك .. وفي حبيبته .. يرضع من ثدي مبروك طموح وعنفوان اللبن ويرضع من ثدي حبيبته ريث ورزانة الحليب .. يحبو مستعينا بأذرع أربع وأرجل أربع .. يحبو على رمال الصحراء .. فيرى من البعيد حقيقة واقعة .. يمشي هكذا وجبينه إلى الشمس وأقدامه منغرسة في الأرض كآبار ماء حفرتها الرياح .. يجري أسرع من المهاري العاشقة .. كما الريح العاصفة .. قد يأخذ اتجاها مستقيما وقد يتعرج حسب الظروف وقد يجن فيتزوبع محدثا دوّامة جذرها في الأرض وثمارها دورات هوائية في السماء .. من بعيد ترى ومن قريب تطير بكل من أوقعه حظه فيها .. تدوره عاليا وترمي به وتتمدد في ارتخاء عائدة إلى كينونتها المنعشة المنطلقة .

محمد الأصفر
mohmadalasfar@yahoo.com
ليبيا
________________________

(*) فصل من رواية "يا نا علي" ، ليبيا للنشر ـ القاهرة 2006م


Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home