Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home
Libyan Writer Al-Mahmoudi
الكاتب الليبي المحمودي

الخميس 31 مارس 2011

وإنا على فراقك يا أبا رافع لمحزونون

المحمودي 

إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله.

أما بعد.

سألني أحد إخواني يوما، يا فلان هل غيّب الموت أحد إخوانك أو أحبابك في الغربة؟! فأجبته بالنفي، ولكنني قلتُ له قد فارقتُ أحبابا كُثر حينما كنتُ في البلد، فقال لي، إنك إذا لم تُجرب لوعة الفراق بعدُ!، لم أكثرت كثيرا بما قال، مضت الأيام والسنون على هذه الكلمات إلى أن فاجئني خبر مقتل أبي رافع (1) عليه رحمة الله ورضوانه، فتذكرتُ كلمة أخي الأول، فوالله الذي لا إله غيره لقد تثاقلت قدماي وعجزت أن تحملني بعد سماعي للخبر مما اضطرني للجلوس بل والله ألقيتُ بنفسي على كنب بجواري وأنا أشعر أن على صدري كأمثال الجبال الرواسي، وليس ذلك جزعا من أقدار الله ـ علم الله ـ فما فتر لساني من الإسترجاع والإحتساب، ولكنه الضعف البشري ومكانة أبي رافع في نفسي.

صحبتُ أبا رافع أكثر من عشر سنوات، وهذه الصحبة لم تكن صحبة سطحية، بل كانت صحبة وأخوة قوية، فقد جاورتُ أبا رافع، وسافرتُ معه، وتعاملتُ معه بالدرهم والدينار، وهذه الأمور الثلاثة هي التي جعلها الفاروق عمر بن الخطاب موازينا تُعرف بها أخلاق الرجال، فعلم الله ما رأيتُ من أبي رافع إلا أنه رجل يُحب الله ورسوله، نحسبه كذلك والله حسيبه ولا نزكي على الله أحدا، حريص غاية الحرص على طاعة الله، قلما دخلتُ المسجد إلا وأبو رافع جالسا عن يميني أو شمالي تاليا لكتاب الله، حريصا على ذكر الله، لا يفوته المكوث في المسجد من بعد صلاة الفجر إلى أن تشرق الشمس، وكثيرا ما كنتُ ألحظه بعد صلاة الفجر فأجده ممسكا بمصحفه وهو نائم من شدة الإعياء ومع ذلك لا يفارق المسجد إلا بعد شروق الشمس، وكذلك لا يُفارق المسجد بين صلاة العصر والمغرب في الغالب، سمح النفس، كريم الشمائل، فوالله ما سمعتُ منه يوما كلمة مؤذية، ولا تصرفا منفّرا، ما قصدته يوما في شئ ما فتعذّر أو قال لا، كثير الصمت، كثيرا ما يذكر ذنوبه وتقصيره في جنب الله، لطالما قال لي يا فلان كيف نلقى الله على هذا الحال؟! يا فلان كيف سيرضى الله عنا ونحن على تفريطنا هذا؟!، أما قيام الليل والتهجد فقد جمعتني به ليالي وأيام في طاعة الله، فإذا سمعتَ تاليا للقرآن في جوف الليل في أي زاوية من زوايا المسجد فاعلم أن أبا رافع في محرابه يُناجي الرحمن.

ومع ذلك، كان أبو رافع رحمه الله صاحب دعابة، خفيف النفس، حريصا كل الحرص على خدمة إخوانه، أُطلق عليه من قِبل إخوانه لقب "وزير السياحة!" حيث كان رحمه الله في فترة الصيف يقوم بترتيب الرحلات الترفيهية للعائلات لتخفيف وطأة الغربة على إخوانه المغتربين، أما الشاي الأحمر فتلك جلسة لا يتخلف عنها غالب الإخوة على مدار السنة لما لأبي رافع من مهارة عالية في صناعة الشاي الأحمر على وجه التحديد.

كانت حساسية الربيع تُغلق أنف أبي رافع على مدار السنة، وكان نتيجة لذلك يتجنب كل الأمور التي تثير هذه الحساسية كالغبار، والأزهار ونحو ذلك، ولكنه كان يستثني العطور من هذه المهيجات، كنت معه يوما فأخذ العطر وعطر به أسفل ملابسه، فلما سألته لماذا تفعل هذا؟! فقال لي أتعطر حتى يجد إخواني ريحا طيبة مني، أما أنا ـ أبورافع ـ فلا أشم رائحة العطر إطلاقا.

حينما بدأ يُفكر في مشروع الزواج كان مقيما في دولة أوروبية أخرى ـ غير بريطانيا ـ فاتصل به "الوسيط" على أن يقدم إلى مانشستر البريطانية، فتجهز واستعد لرحلة هي الأولى من نوعها، فلما حطّ رحاله في مانشستر وحدث اللقاء بينه وبين خطيبته ـ والتي صارت زوجته لاحقا ـ دخل أبو رافع في عالم جديد غير العالم الذي كان يعيشه، فرجع لنا بغير الوجه الذي ذهب به، سألناه عن نتيجة اللقاء، فأجاب بأنه مبسوط جدا من اللقاء ولكن ما يكدر هذه السعادة عند أبي رافع أن العائلة ـ أصهاره ـ دخلت في مشاورات طويلة الأمد بشأن هذا الزواج، وبالتالي لم يخرج أبو رافع بجواب واضح من هذا اللقاء، كان من قدر الله أن أكون مرافقا له في رحلة رجوعه للبلد الذي جاء منه، وكان معنا أخ ثالث، وكان هذا الأخ بينه وبين أبي رافع من المزاح ما ليس بيني وبينه، وقد كان شرود الذهن، وكثرة التفكير، والسرحان، باديا على وجه أبي رافع ولا يستطيع دفعه إطلاقا، وكان أخونا الثالث لا يتوقف طول الطريق عن المزاح قائلا "يا أبا رافع ألهذه الدرجة؟! سقطت من الجولة الأولى بالضربة القاضة!، لم أكن أتصور أنك ضعيف لهذه الدرجة!" ونحوهذا المزاح، فكان أبو رافع لا يلتفت إلى أخينا الثالث لعلمه أنه يمزح، ولكنه رحمه الله كان يلتفت إلي ـ لعلمه أنني أدرك الحالة التي هو فيها ـ ويقول "يا فلان.. فتحوا علي الباب وخلوني معلق!!.. غير كان خلوني في حالي أحسن لي!!" يعني أنه كان مستريح قبل أن يُعرض عليه الزواج، لكن بعد أن رأى خطيبته وأعجب بها توقف الموضوع. على كل حال، تم هذا الزواج على بركة الله، ومن الطرائف أيضا، أن اليوم الذي سبق زواجه ذهبنا لشراء بعض الحاجيات من أطعمة ونحوها لتجهيز البيت، فلما رآني أخذت "الكورن فلاكس" لأضعه في سلة المشتريات قال لي "بالله عليك يا فلان لا تُريني وجه الكورن فلاكس بعد اليوم، فقد أمضيتُ أكثر من سنة وأنا أفطر وأتعشى عليه".

أترك شخصية أبي رافع المرحة لأعود إلى شخصيته الأخرى، لما خرج المسلمون  إلى معركة بدر أراد عمرو بن الجموح أن يخرج معهم فمنعه أبناؤه لكبر سنه وشدة عرجته فأصر على الخروج للجهاد فاستعانوا برسول الله صلى الله عليه وسلم فأمره بالبقاء في المدينة فبقي فيها فلما كانت غزوة أحد أراد عمرو الخروج للجهاد فمنعه أبناؤه، فلما أكثروا عليه ذهب إلى النبي صلى الله عليه وسلم يدافع عبرته ويقول "يا رسول الله إن بني يريدون أن يحبسوني عن الخروج معك إلى الجهاد، قال: إن الله قد عذرك. فقال: يا رسول الله، والله إني لأرجو أن أطأ بعرجتي هذه الجنة، فأذن له صلى الله عليه وسلم بالخروج، فأخذ سلاحه وقال: اللهم ارزقني الشهادة ولا تردني إلى أهلي، فقُتل عليه رضوان الله". لم تكن رجل أبي رافع عرجاء إنما كانت يده بتراء!!، فقد بُترت يده اليمنى في إحدى الصولات بين الحق والباطل، ولكنه أبى إلا أن يسلك مسلك سلفه وقدوته عمرو بن الجموح رضي الله عنه، وإني لأرجو الله أن يكون أبا رافع قد حط رحاله في الجنة بيده المبتورة

بل لم يكن قتل أبي رافع قتلا عاديا، إنما أصاب أبو رافع أفضل الجهاد فقد "سئل رسول الله عليه وسلم أي الجهاد أفضل ؟ قال من عُقر جواده وأهريق دمه" وهذا بالضبط الذي أصابه أبو رافع، فبينما كان ممتطيا جواده (سيارته) فوق جبال مدينة الزنتان يذوذ عن المستضعفين من الرجال والولدان والنساء أتته قذيفة دبابة لتصيبه إصابة مباشرة، فعُقر جواده (سيارته) وأُهريق دمه، فتناثر دمه وأشلاءه في كل مكان ولم يبق منه شئ إلا حذائه الذي عُرف به لاحقا. 

فرحم الله أبا رافع فقد كان شديد التمسك بالكتاب والسنة وما كان من المبتدعين، بل كان سلفيا على منهج الصحابة ومن سار على نهجهم في فهم النصوص، رحم الله أبا رافع الذي خرج من هذه الدنيا سالما! من أموال الطغاة وإغراءتهم، فلم يُلوث يده بالسحت، ولم يتخذ آيات الله مطية لنيل أعراضه كما فعل من لا خلاق له، رحم الله أبا رافع فقد كان صلبا! في دينه، مستبصرا بسبيل المجرمين، فلم يتخذه الطغاة مطية لتجيمل صورتهم القبيحة على حساب دماء وأشلاء الليبيين لهثا وراء مصلحة مزعومة، رحم الله أبا رافع فقد كان برغم كثرة صمته منارة! لمن أراد الحق ونصرته، ولم يكن يوما بوقا إعلاميا كاذبا يروج للباطل والبهتان. 

مضى أبو رافع إلى ربه غريبا وحيدا، مضى أبو رافع وقد قدم روحه فداء لدينه ووطنه، فلم يكن يرجو إلا رضى الله، ولذلك لم يكن حريصا على الظهور والشهرة كحال الذين يتلونون على حسب المصالح والمطامع، فتارة شيخا واعظا!!، وتارة داعية إصلاح وتوريث!!، وتارة ناشط سياسي ومعارض!!، بل كان أبو رافع منذ أن خرج من بلده فارا من ظلم القذافي وقهره مفاصلا للنظام مبغضا له، وكان هذا موقفه حتى لقي الله، فقد كان معارضا حقيقا ولم يكن معارضا متاجرا كحال كثير ممن يُطلق عليهم "معارضة المهجر"، فرحمك الله يا أبا رافع فإن العين لتدمع، و إن القلب ليحزن، ولا نقول إلا ما يرضي ربنا، وإنا على فراقك يا أبا رافع لمحزونون.

 

المحمودي

الأربعاء25/4/1432 هـ - الموافق 30/3/2011 م

Almahmoudi08@yahoo.com

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

1. أبو رافع اسم اشتهر به خليفة الحاجي رحمه الله


Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home