Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home
Libyan Writer Al-Mahmoudi
الكاتب الليبي المحمودي

الإربعاء 23 مارس 2011

الحلقة الأولى الحلقة الثانية

الإعلام وأثره على الأحداث (1)

المحمودي

إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله.

أما بعد.

كثير من الأحداث الجسام التي تعصف بدنيا الناس اليوم يساهم في صناعتها بشكل كبير جدا الإعلام بوسائله المتعددة، وهذا الأمر لا يقتصر على زماننا هذا فقط، بل هو معروف حتى في الأزمان الغابرة، فإذا كان الإعلام اليوم له أذرع مختلفة كالفضائيات والمواقع والمجلات والجرائد والنشرات...إلخ فإن الإعلام في الزمن الغابر كان يعتمد بشكل أساسي على الشعر والخطابة ونحو ذلك، وأنا أتحدث هنا على المجتمعات العربية سواء كانت هذه المجتمعات في زمن النبي صلى الله عليه وسلم أو في زمن ما قبل بعثته عليه الصلاة والسلام، فالشعر ـ مثلا ـ كان هو الذي يؤجج الحروب والثارات والنعرات، وهو نفسه ـ أي الشعر ـ الذي يؤلف بين القبائل، ويحث على مكارم الأخلاق، كالكرم والوفاء وإلى غير ذلك من الأمور التي يصنعها الشعر في ذلك الزمان، وقد كانت تلك المجتمعات تهتم اهتماما عظيما بالشعر (الإعلام) فمن تمام مكونات القبيلة وركائزها التي لا تقوم بدونها وجود شاعرٍ يسجل مفاخرها ويذوذ عنها في المجالس والندوات. وقد بُعث النبي صلى الله عليه وسلم وكان هذا الجهاز الإعلامي (الشعر) هو الوسيلة التي ترسم الأحداث وتؤثر فيها تأثيرا كبيرا، فما كان من النبي صلى الله عليه وسلم إلا أن استغل هذه الوسيلة الإعلامية (الشعر ونحوه) خير استغلال، وقد ورد في السيرة مواقف كثيرة تدل على هذه القضية، وسأكتفي بموقف واحد من هذه الموقف للإستدلال على هذه القضية.

من الوفود المهمة التي وفدت على النبي صلى الله عليه وسلم وفد بني تميم، وقبيلة بني تميم كما ذكرت في غير مناسبة من أكبر القبائل العربية على الإطلاق، فهذا الوفد أراد أن يستغل إعلامه خير استغلال، فتجهز سادتهم وشعرائهم وخطبائهم بأفضل ما عندهم من الشعر والخطابة ثم دخلوا على النبي صلى الله عليه وسلم، فقام خطيبهم عُطَارِدُ بْنُ حَاجِبٍ قائلا "الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي لَهُ عَلَيْنَا الْفَضْلُ وَالْمَنُّ، وَهُوَ أَهْلُهُ، الَّذِي جَعَلَنَا مُلُوكًا، وَوَهَبَ لَنَا أَمْوَالًا عِظَامًا...إلخ". فأدرك النبي صلى الله عليه وسلم أن هذا الوفد جاء مفاخرا مستغلًا جهازه الإعلامي، فما كان منه عليه الصلاة والسلام إلا أن واجههم بنفس الجهاز الإعلامي "فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِثَابِتِ بْنِ قَيْسِ بْنِ الشَّمَّاسِ قُمْ، فَأَجِبْ الرَّجُلَ فِي خُطْبَتِهِ " فقال ثابت " الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي السَّمَوَاتُ وَالْأَرْضُ خَلْقُهُ، قَضَى فِيهِنَّ أَمْرَهُ، وَوَسِعَ كُرْسِيَّهُ عِلْمُهُ، وَلَمْ يَكُ شَيْءٌ قَطُّ إلَّا مِنْ فَضْلِهِ، ثُمَّ كَانَ مِنْ قُدْرَتِهِ أَنْ جَعَلَنَا مُلُوكًا، وَاصْطَفَى مِنْ خَيْرِ خَلْقِهِ رَسُولًا، أَكْرَمَهُ نَسَبًا، وَأَصْدَقَهُ حَدِيثًا، وَأَفْضَلَهُ حَسَبًا، فَأَنْزَلَ عَلَيْهِ كِتَابَهُ وَأْتَمَنَهُ عَلَى خَلْقِهِ، فَكَانَ خِيرَةَ اللَّهِ مِنْ الْعَالَمِينَ، ثُمَّ دَعَا النَّاسَ إلَى الْإِيمَانِ بِهِ...إلخ".

أدرك وفد بني تميم أن هذه الجولة ليست في صالحهم فانتقلوا إلى الجولة الثانية، وهذه الجولة هي المفصل الأساسي في حسم هذه المعركة الإعلامية، فَقَامَ الزِّبْرِقَانُ بْنُ بَدْرٍ شاعر بني تميم فقال:

نحن الكرام فلا حي يعادلنا... منا الملوك وفينا تنصب البيع

وكم قسرنا من الأحياء كلهم... عند النهاب وفضل العز يتبع

ونحن يطعم عند القحط مطعمنا... من الشواء إذا لم يؤنس القزع

في قصيدة طويلة ذكر فيها مفاخر قومه، فلما انتهى من قصيدته قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِحَسَّانَ بْنِ ثَابِتٍ قُمْ يَا حَسَّانُ فَأَجِبْ الرَّجُلَ فِيمَا قَالُ فَقَامَ حَسَّانٌ شاعر الإسلام فأجابه على البديهة:

إن الذوائب من فهر وإخوتهم... قد بينوا سنة للناس تتبع
يرضى بها كل من كانت سريرته... تقوى الإله وكل الخير مصطنع
قوم إذا حاربوا ضروا عدوهم... أو حاولوا النفع في أشياعهم نفعوا
سجية تلك فيهم غير محدثة... إن الخلائق فاعلم شرها البدع
إن كان في الناس سباقون بعدهم... فكل سبق لأدنى سبقهم تبع

لا يفخرون إذا نالوا عدوهم... وإن أصيبوا فلا جور ولا هلع
كأنهم في الوغى والموت مكتنع... أسد بحلية في أرساغها فدع
خذ منهم ما أتوا عفوا إذا غضبوا... ولا يكن همك الأمر الذي منعوا

في قصيدة عصماء أذهلت بني تميم، وأدركوا أنهم قد أُحيط بهم وسُقط في أيديهم، فما كان منهم إلى أن قال زعيمهم الأقرع بن حابس " إن هذا الرجل لمؤتى له، لخطيبه أخطب من خطيبنا، ولشاعره أشعر من شاعرنا، ولأصواتهم أعلى من أصواتنا، ثم أسلموا فأجازهم رسول الله صلى الله عليه وسلم فأحسن جوائزهم".

وهذه قصة فيها من الفوائد الشئ الكثير ولا يسعني في هذا المقال إلا الإقتصار على ما له علاقة بالأحداث الجارية في بلادنا:

أولا: لا يخفى على أحد من العقلاء أن محمدا صلى الله عليه وسلم أفصح الناس وأبلغ الناس، وما نطق ابن أنثى بمثل ما نطق به محمد صلى الله عليه وسلم، وهذه ليست أماني أو أوهام نروجها، بل هي حقيقة شهد بها المنصفون من سائر الملل والنِحل من مفكرين وعلماء وأدباء وباحثين وغيرهم. ومع ذلك، في هذا الموطن سكت هو ليقدّم شاعره وخطيبه كي ينافحا عن الإسلام!!. ولو أنك تتأمل أخي الكريم في حال هذا الوفد فستجده تجهز من قبل أن يخرج من دياره كي يخوض معركة إعلامية متمثلة في الشعر والخطابة، فأراد النبي صلى الله عليهم أن يسقيهم من نفس الكأس الذي جاؤوا به، فأذهلتهم خطبة ثابت، وألجمهم شعر حسان، فأسلموا مذعنين.

يخوض القذافي حربا لا هوادة فيها على الشعب الليبي، فمع آلة الخراب والدمار العسكرية التي وجهها إلى صدور إخواننا العُزّل، هناك آلة أخرى لا تقل ضراوة عن آلة الحرب هذه، تلكم هي الألة الإعلامية، فلم يترك هذا الإعلام وسيلة ساقطة ولا خطة هابطة إلا واستعملها لبث الدعاية التي تخدمه، وبالمقابل ـ وللأسف ـ ليس لدينا ما يرد على إعلامه المُغرض، ويكاد يكون شبه إجماع بين المتابعين للقضية الليبية ـ ليبيين وغيرهم ـ على أن الأداء الإعلامي للمجلس الوطني الإنتقالي ضعيف بل وضعيف جدا، وحتى لا يستعجل المستعجلون ويرمونني بعظائم الأمور!، أقول بأن هذا هو الظاهر الذي نراه ولسنا ها هنا في مقام اللوم، فالله أعلم بظروفهم، فحسبهم أن يكونوا في خضم المعركة، لكن هذا التغول الإعلامي ضد إخواننا لابد من مجابهته، وقد نلتمس العذر في أي تقصير إعلامي ولكن هناك صورة يجب علينا جميعا أن نقف عندها مليًّا.

يحاول القذافي جاهدا أن يُصور للعالم ـ وخاصة العربي والإسلامي ـ على أن الغارات والقصف الذي تقوم به قوات التحالف على قواته على أنه عدوان صليبي على الإسلام!!، وقد يتصور كثير منا أن هذا الكلام لن يجد آذانا صاغية، وقد أتفق مع هؤلاء على المدى القصير باعتبار أن صور القتل وبشاعته التي قام بها القذافي في حق المدنيين لاتزال ماثلة في الأذهان، لكن هذه الصور ستتلاشى تدريجيا كلما طال أمد الحرب، وكلما استمرت قوات التحالف في القصف لتتحول الصورة عند كثير من الناس داخل ليبيا وخارجها لصورة عدوان صليبي تسانده مجموعة من المعارضة العميلة ضد الشعب الليبي العربي المسلم.

وقد يعتقد بعض القراء أن هذا أمر مستبعد جدا، لكنني أقول لهؤلاء راجعوا أحداث التاريخ، فهناك حقائق وثوابت كثيرة جدا تغيرت مع مرور الزمن إلى عكس ما كانت عليه، ولعل ذلك العميل الذي كان يتمرغ في العمالة والخيانة مع الطليان والإنجليز طول حياته ثم صار بقدرة قادر الملك الصالح بل والحاكم التّقي الذي يجب على الأجيال أن تستلهم العبر والدروس من حياته خير دليل على مرادنا. فعلينا والحالة هذه الحرص كل الحرص على بيان حقيقة ما يجري في ليبيا، والحقيقة أن إخواننا خرجوا من ديارهم لا يملك أحدهم إلا لسانا وشفتين، فقابلهم القذافي بأبشع وسائل القمع، بل دخل معهم مباشرة في حرب مفتوحة، ففتح الأبواب على مصراعيها للمرتزقة يعيثون في الأرض فسادا، ووصفهم بأبشع الأوصاف (مهلوسين، جرذان...إلخ) فسالت الدماء وانتشر الخراب والدمار في كل مكان، فكان لزاما على إخواننا أن يستعينوا بمن يكون قادرا على مساعدتهم في التصدي لتغول القذافي ومرتزقته الإرهابيين. فهذه هي حقيقة الصورة، ولكن لكي تظل هذه الصورة ماثلة في الأذهان فتحتاج إلى تكاثف من الجهود عظيم، ومن أعظم الأمور التي تساعدنا للحفاظ على هذه الحقيقة هو إصدار أشرطة وثائقية موثقة تُأرّخ للحدث وتوثقه يوما بيوم، مع إظهار القتلى والجرحى الذين سقطوا برصاص كتائب القذافي، كذلك التركيز على خطابات القذافي (الأب والإبن) الدموية، والتي تتوعد الليبيين بحمامات الدم ثم يتم نشر هذه الأشرطة على أكبر نطاق ممكن بدأ من الفضائيات وانتهاء بالمواقع كاليوتيوب وغيره، والغفلة عن هذه القضية قد تكلفنا خسران القضية من أصلها والله الموفق.

ثانيا: تأمل أخي الكريم في موقف النبي صلى الله عليه وسلم مع هذا الوفد، فلم يتخاطب معهم إطلاقا إنما التزم الصمت تماما، ومع التزامه الصمت التام إلا أن النتائج كانت كما أراد النبي صلى الله عليه وسلم، فما أن انتهى هذا الحوار بين وفد بني تميم وبين أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا وأعلن الوفد جميعا إسلامهم، فهذا الوفد أدرك أن هؤلاء الأتباع (حسان وثابت) لا يمكن أن يكونوا أتباعا لشاعر أو خطيب بل لابد أن يكون هذا المتبوع فوق الشعر والخطابة.

فمن الحكمة التي يجب أن يلتزم بها القائد في بعض الأحيان أن لا يخوض في كل الأحداث تعليقا وتفسيرا، بل يجب على القائد أن يكون منضبطا في تصرفاته وتصريحاته لاسيما في المُلمات والمواقف العصيبة، ولعل هذه الكلمات تصل للمستشار مصطفى عبد الجليل حفظه الله، فمع كثرة تعليقاته ومواقفه المُوفقة إلا أن له أحيانا بعض التعليقات والمواقف المترددة التي لا تليق به كقائدٍ في هذه المرحلة الحرجة، وهذه نصيحة دافعها الإحترام والتقدير ولا غير ذلك والله الموفق.

المحمودي

الثلاثاء17/4/1432 هـ - الموافق 22/3/2011م

Almahmoudi08@yahoo.com 


الحلقة الأولى الحلقة الثانية

Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home