Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home
Libyan Writer Al-Mahmoudi
الكاتب الليبي المحمودي

الأحد 21 نوفمبر 2010

أبو رغال.. بين الأمس واليوم

المحمودي

إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله.

أما بعد

حينما أراد إبرهة الحبشي صاحب الفيل الشهير هدم الكعبة تطوّع رجل من ثقيف ـ من مدينة الطائف المعروفة ـ يقال له أبو رغال ليدله على بيت الله الحرام، وليسلك به أيسر المسالك التي تعينه على إنجاز مهمته "فخرج أبرهة ومعه أبو رغال حتى أنزله المغمس ـ مكان معروف بين مكة والطائف ـ فلما أنزله به مات أبو رغال هنالك، فرجمت قبره العرب، فهو القبر الذي يرجم الناس بالمغمس" (1). وفِعْلُ أبي رغال هذا لم يكن معهودا عند العرب إطلاقا، إنما هي سابقة تفرّد بها أبو رغال، ولذلك "يشار إلى أبي رغال في كتب التاريخ العربي باحتقار وازدراء لأنه لم يعرف عن العرب في ذلك الحين من يخون قومه مقابل أجر معلوم، ويطلق لقب أبو رغال على كل من خان قومه لمصلحته الخاصة" (2). وهذا الأمر مشهور عند العرب، وثقافة سائدة بينهم، يقول جرير:

إذا مات الفرزدق فارجموه... كرجمكم لقبر أبي رغال

مهمة أبي رغال هذه لم يُكتب لها النجاح، فقد أهلك الله الرجل في رحلته هذه ودُفن في قارعة الطريق، وأهلك الله أيضا إبرهة وجيشه بالطير الأبابيل، لكن لو أن الله أمد لأبي رغال في العمر، ونجح إبرهة في هدم الكعبة، هل كان أبو رغال ليتألم لهذه الكارثة التي أحلّها بقومه؟! أم أنه سيعود لوطنه فرحا مسرورا ليمارس هوايته المفضلة التي ربما تكون صيد الطيور فوق جبال الطائف، أو لعب التنس والقولف في فنادق القاهرة وعلى شواطئ الإسكندرية؟!.

***

‏‏‏من الواضح أن أبا رغال بالأمس كان يملك خبرة ودراية تامة بالطرق الموصلة إلى بيت الله الحرام، فهو خبير بتشعب الطرق، ومضائق الوديان، ومواطن الآبار ونحو ذلك، وإلا لما حدثته نفسه بأن يقوم بهذه المهمة، فقيادة جيش كبير من الأحباش فيه مجازفة ومغامرة قد تأتي على رأس أبي رغال فتجتثه من إصله إن هو أخطأ بهم السير أو أضل بهم الطريق. فأبو رغال إذا استغل هذا الموروث المعرفي الذي ورثه عن قومه نتيجة المخالطة والترحال ليطعن قومه "العرب عموما" بما معه من خبرات موروثة عنهم، أما أبو رغال اليوم فهو أيضا يملك موروثا معرفيا، وكمًّا هائلا لا يُستهان به من الخبرات والمعلومات، وهذا الموروث تراكم في عقل أبي رغال نتيجة التنقل والترحال بين نصوص الكتاب والسنة، ونتيجة التنقل والترقي في مناصب بعض الجماعات والتنظيمات الإسلامية و "الوطنية" وغيرها، ونتيجة التنقل والترحال هنا وهناك لحضور المؤتمرات والندوات والإعتصامات والمظاهرات، ولكن يأبى أبو رغال اليوم إلا أن يسلك مسلك أبيه بالأمس فيسدد الطعنات لمن كانوا له بالأمس كالأب الحاني، تارة في ثوب خبير في الجماعات الإسلامية، وتارة في ثوب النقد المعرفي، وتارة في ثوب محاربة الفقيه، وتارة في ثوب مصلحة الوطن، وتارة في ثوب ليبيا الغد، وتارة.. وتارة.. وتارة.

***

أبو رغال كغيره من العرب مولع بحب الوطن، وربما كانت له أشعار وكلمات تعكس مدى حبه لوطنه وقومه، لكن تأمل أخي الكريم في القفزة الهائلة والنقلة المدهشة التي قام بها أبو رغال حينما لاحت له في الأفق تحقيق مصلحة ذاتية، كل تلك الشعارات والأهداف من حب الوطن والقوم والقبيلة والتراب جعلها أبو رغال في لحظة حاسمة تحت قدمه، وصار حبشيا! مخلصا في جيش إبرهة وربما يرطن رطانة الأحباش ويحث العرب على تعلم الحبشية وهو الذي كان يتغنى بالأمس بعروبته ومفاخر قومه، وأبو رغال يعلم علم اليقين أن هذا الفعل المشين سيبقى في تاريخه وسيُسجل في صحائفه ومع ذلك لم يبال بذلك لأن قوة الشهوة ـ حب الظهور أو حب الرئاسة أو الحصول على ثناء من إبرهة أو جمع دراهم معدودات ..إلخ ـ أخذت بفؤاده وأعمت بصره، فهو بالتالي لا يبالي بما ستقوله العرب فيه، وما سيسجله التاريخ في صحائفه.

وأبو رغال اليوم أشد قفزا وأكثر تلوّنا من أبي رغال الأمس، فإذا كان أبو رغال قد قفز قفزة واحدة فاليوم يقفز في كل عام مرة أو مرتين ثم لا يتوب ولا يرعوي، فتجده تارة إسلاميا متشددا يُحرض ـ من وراء جُدر ـ أتباعه! على الموت، ثم لما تبين له أن هذا الطريق لا يُحقق له رغباته وشهواته قفز في خندق آخر فصار معارضا يحث الأتباع على حضور المؤتمرات واللقاءات والمظاهرات والإحتجاجات ضد النظام، ثم لما تبين له أن هذا الطريق لا يُحقق له رغباته وشهواته قفز في خندق آخر ينوح فيه ويبكي ويذرف الدموع على الوطن ومصلحة الوطن ورقي الوطن وازدهار الوطن وتطور الوطن، ويدعو فيه إلى التسامح ونسيان الماضي وفتح صفحة جديدة يكون فيها الجميع شركاء في الوطن، وتراه باسطا كلتا يديه للنظام يستجديه ويغازله من طرف خفي لعله يحظى منه بلمسة حانية تطفئ بعض النيران التي يكتوي بها فؤاده، وأبو رغال دنئ في أخلاقه فأي فُتاتٍ يُلقى إليه سيكون به سعيد، وسيخرج عليكم أيها السادة في اليوم التالي معتجرا بعمامة خضراء محذّرا من خطورة الخونة عملاء الإمبريالية والصهوينة!. ولو لاح له في الأفق أن مصلحته وهواه لا يتحقق إلا أن يكون شيوعيا ماركسيا لرأيتموه غدا يشرح لنا بحماس منقطع النظير كتب كارل ماركس، وفي كل نقلة وقفزة يتستر أبو رغال بمظلة تناسب المقام، تارة بمظلة عسكرية، وتارة بمظلة ثقافية، وتارة بمظلة إعلامية، وتارة بمظلة إجتماعية وتارة.. وتارة.. وتارة. ولعلك تتعجب أخي الكريم وحّق لك أن تعجب، وأنا والله مثلك متعجب غاية العجب، كيف يكون لأبي رغال اليوم أتباع يهتدون بهديه ويستنون بسنته؟! كيف استطاع أبو رغال أن يسحر أتباعه ويجعلهم قطيعا يقفزون خلفه حيث قفز، الحسن عندهم ما رأه أبو رغال حسنا والقبيح ما قبّحه، عن قوله يصدرون وإلى رأيه يردون صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لاَ يَعْقِلُونَ؟!.

***

لو أنك تتأمل أخي الكريم في قصة أبي رغال فستجد أن أحدا من الناس لم يذكره بخير إطلاقا، لكن الذي شد انتباهي حقيقة أن إبرهة صاحب الفيل لم يُلق بالا بأبي رغال، فبالرغم من أنّ أبا رغال قد دفع حياته من أجل صاحب الفيل إلا أن صاحب الفيل كان أول من احتقر أبا رغال! فلم يكلف نفسه حتى وضع باقة من الزهور على قبره تحقيرا لشأنه، لأن صاحب الفيل يعلم ـ كما يعلم كل عاقل ـ أن من خان قومه، ومن شنق قومه، ومن عذب قومه، ومن سجن قومه، ومن أكل مال قومه، من أجل مصلحته الشخصية حقير ساقط لا يستحق الإحترام، فإذا كان هذا حاله مع قومه فكيف سيكون حاله مع صاحب الفيل.؟!. فإذا مهما تزّلف أبو رغال، ومهما دفع من ماء وجهه، ومهما بذل من التضحيات، ومهما سوّد من صحائف، وأضفى عليها هالة! من التمجيد والتقديس، وظن أنه صار من المصطفين!، ومع ذلك كله أول من ينظر إليه باحتقار وازدراء هو صاحب الخيمة نفسه.

***

هذه يا أخي الكريم بعض صفات أبي رغال يسر الله جمعها على عجالة، وإذا تأملت هذه الصفات جيدا فستشعر بوحشة وغربة شديدة من كثرة هذا الصنف بيننا، فإذا كان العرب الأوائل لم يخرج منهم إلا أبو رغال واحد ومع ذلك فزعوا منه فزعا شديدا، فرجموه، ولعنوه، وسبوه، وشتموه، وقالوا فيه الأشعار محذّرين، أما أبو رغال اليوم فهو الذي يُدير التعليم، والإعلام، وهو صاحب القرار، وهو الذي يُقسّم الأموال، ولقد صدق من قال:

أَلَسْـتَ تدْري يا أخي أنّ أبا رِغالْ
فيما مضى كان فريـداً
لا يُـرى لهُ مثالْ
لم يرضَ " مُشْـرِكٌ " سواه أن يكونْ
في زمرةِ التَّهـريجِ والْعبيدِ والأنْذالْ
لكِنَّـنا ونحن مسلمونْ
مُوَحِّـدونَ مُـؤمِنونْ
للهِ عابدونْ
أنَّى التـفَتَّ لليمينِ للشِّـمالْ
وجدْتَ فينا ويْــحهُم ألفَ أبي رِغالْ

المحمودي

السبت 14/12/1431 هـ - الموافق 20/11/2010 م

Almahmoudi08@yahoo.com

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

1. كما عند ابن اسحاق وغيره من أصحاب السير.

2. نقلا من موقع الويكيبيديا.


Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home