Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home
Libyan Writer Al-Mahmoudi
الكاتب الليبي المحمودي

الاربعاء 18 يونيو 2008

الحلقة الأولى    الحلقة الثانية    الحلقة الثالثة

الدرر البهية في بيان بعـض فضائل شيخ الإسلام ابن تيمية
(2 من 3)

المحمودي

إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره ، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا ، من يهده الله فلا مضل له ، ومن يضلل فلا هادي له وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له ، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله.
أما بعد
لم أجد لنفسي موضع قلم بين التراجم التي ذكرها العلماء في فضل ومكانة شيخ الإسلام ابن تيمية ، فقد بين فضله ومناقبه العلماء والفقهاء والقضاة وأئمة المذاهب ممن وافقه أو خالفه!! ولذلك سوف أقتصر على نقل كلامهم في بيان فضائله " وإذا حضر الماء بطل التيمم ".. ولو لم يكن لشيخ الإسلام من المناقب إلا أن يكون من بين تلاميذه جهابذة الإسلام لكفى ، كابن كثير إمام المفسرين، والذهبي مؤرخ الإسلام والحافظ المزي إمام من أئمة النقل والرجال والحديث وابن عبدالهادي علم التحقيق، وابن القيم الإمام العلم.. وخلق كثيرون.
يقول الحافظ محمد بن أحمد بن عبدالهادي في (العقود الدرية من مناقب شيخ الإسلام ابن تيمية):
انبهر أهل دمشق من فرط ذكائه، وسيلان ذهنه، وقوة حافظته، وسرعة إدراكه. واتفق أن بعض مشايخ العلماء بحلب قدم إلى دمشق، وقال: سمعت في البلاد بصبي يقال له: أحمد بن تيمية، وأنه سريع الحفظ، وقد جئت قاصداً، لعلي أراه، فقال له خياط: هذه طريق كتّابه، وهو إلى الآن ما جاء. فاقعد عندنا، الساعة يجيء يعبر علينا ذاهباً إلى الكتّاب (مدرسة صغيرة لتحفيظ القرآن). فجلس الشيخ الحلبي قليلاً، فمر صبيان، فقال الخياط: هذاك الصبي الذي معه اللوح الكبير: هو أحمد بن تيمية. فناداه الشيخ. فجاء إليه. فتناول الشيخ اللوح منه، فنظر فيه ثم قال له: امسح يا ولدي هذا، حتى أملي عليك شيئاً تكتبه، ففعل، فأملى عليه من متون الأحاديث أحد عشر، أو ثلاثة عشر حديثاً، وقال له: اقرأ هذا، فلم يزد على أن تأمله مرة بعد كتابته إياه. ثم دفعه إليه، وقال: اسمعه عليّ، فقرأه عليه عرضا كأحسن ما أنت سامع. فقال له: يا ولدي، امسح هذا، ففعل. فأملى عليه عدة أسانيد انتخبها، ثم قال: اقرأ هذا، فنظر فيه، كما فعل أول مرة. ثم أسمعه إياه كالأول. فقام الشيخ وهو يقول: إن عاش الصبي ليكونن له شأن عظيم. فإن هذا لم يُرَ مثله.
يقول الذهبي (كان كنزاً لا نظير لـه) وكان من أذكياء العالم المعدودين .
وكان يقول" لو حلفت بين الركن والمقام لحلفت إني ما رأيت بعيني مثله ولا والله ما رأى هو مثل نفسه في العلم".
قال ابن عبد الهادي ـ رحمه الله ـ لم يبرح في ازدياد من العلوم ، وملازمة للاشتغال ، وبث العلم ونشره ، والاجتهاد في سبيل الخير ، وحتى انتهت إليه الإمامة في العلم والعمل والزهد والورع والشجاعة والكرم والتواضع والحلم والإنابة والجلالة والمهابة .."

يقول الحافظ عمر بن علي البزار:
وأما ذكر دروسه فقد كنت في حال إقامتي بدمشق لا أفوتها وكان لا يهييء شيئا من العلم ليلقيه ويورده بل يجلس بعد أن يصلي ركعتين فيحمد الله ويثني عليه ويصلي على رسوله صلى الله عليه وسلم على صفة مستحسنة مستعذبة لم اسمعها من غيره ثم يشرع فيفتح الله عليه إيراد علوم وغوامض ولطائف ودقائق وفنون ونقول واستدلالات بآيات وأحاديث وأقوال العلماء ونصر بعضها وتبين صحته أو تزييف بعضها وإيضاح حجته واستشهاد بأشعار العرب وربما ذكر اسم ناظمها وهو مع ذلك يجري كما يجري السيل ويفيض كما يفيض البحر ويصير منذ يتكلم إلى أن يفرغ كالغائب عن الحاضرين مغمضا عينيه وذلك كله مع عدم فكر فيه أو روية من غير تعجرف ولا توقف ولا لحن بل فيض الهي حتى يبهر كل سامع وناظر فلا يزال كذلك إلى أن يصمت وكنت أراه حينئذ كأنه قد صار بحضرة من يشغله عن غيره ويقع عليه إذ ذاك من المهابة ما يرعد القلوب ويحير الأبصار والعقول وكان لا يذكر رسول الله قط إلا ويصلي ويسلم عليه ولا والله ما رأيت أحدا اشد تعظيما لرسول الله ولا احرص على أتباعه ونصر ما جاء به منه حتى إذا كان ورد شيئا من حديثه في مسألة ويرى انه لم ينسخه شيء غيره من حديثه يعمل به ويقضي ويفتي بمقتضاه ولا يلتفت إلى قول غيره من المخلوقين كائنا من كان وقال رضي الله عنه كل قائل إنما يحتج لقوله لا به ألا الله ورسوله ، وكان إذا فرغ من درسه يفتح عينيه ويقبل على الناس بوجه طلق بشيش وخلق دمث كأنه قد لقيهم حينئذ وربما اعتذر إلى بعضهم من التقصير في المقال مع ذلك الحال ولقد كان درسه الذي يورده حينئذ قدر عدة كراريس وهذا الذي ذكرته من أحوال درسه أمر مشهور يوافقني عليه كل حاضر بها وهم بحمد الله خلق كثير لم يحصر عددهم علماء ورؤساء وفضلاء من القراء والمحدثين والفقهاء والأدباء وغيرهم من عوام المسلمين.

ويقول أيضا:
ولقد كان إذا قريء في مجلسه آيات من القرآن العظيم يشرع في تفسيرها فينقضي المجلس بجملته والدرس برمته وهو في تفسير بعض آية منها وكان مجلسه في وقت مقدر بقدر ربع النهار يفعل ذلك بديهة من غير أن يكون له قارئ معين يقرأ له شيئا معينا يبيته ليستعد لتفسيره بل كان من حضر يقرأ ما تيسر ويأخذ هو في القول على تفسيره وكان غالبا لا يقطع إلا ويفهم السامعون أنه لولا مضي الزمن المعتاد لأورد أشياء أخر في معنى ما هو فيه من التفسير لكن يقطع نظرا في مصالح الحاضرين ولقد أملى في تفسير (قل هو الله أحد) مجلدا كبيرا، وقوله تعالى (الرحمن على العرش استوى) نحو خمس وثلاثين كراسة ولقد بلغني انه شرع في جمع تفسير لو أتمه لبلغ خمسين مجلدا.

ويقول أيضا:
أخبرني الشيخ الصالح تاج الدين محمد المعروف بابن الدوري انه حضر مجلس الشيخ رضى الله عنه وقد سأله يهودي عن مسألة في القدر قد نظمها شعرا في ثمانية أبيات فلما وقف عليها فكر لحظة يسيرة وانشأ يكتب جوابها وجعل يكتب ونحن نظن انه يكتب نثرا فلما فرغ تأمله من حضر من أصحابه وإذا هو نظم في بحر أبيات السؤال وقافيتها تقرب من مائة وأربعة وثمانين بيتا وقد ابرز فيها من العلوم ما لو شرح بشرح لجاء شرحه مجلدين كبيرين هذا من جملة بواهره وكم من جواب فتوى لم يسبق إلى مثله.

وسأله رجل عن مسألة في الحج: من حج الفريضة وأراد أن يحج مرة أخرى هل يحج أو يتصدق بهذا المال؟ فكان رأيه أنه يحج ولا يتصدق خلاف (الفتوى المشهورة) لكن الشاهد أن السائل سأله شعراً، فأجاب شعراً، وهذا موجود في مجموع الفتاوى ومطلعها يقول السائل :

ماذا يقول أهل العلـم في رجــل ... أتاه ذو العرش مالاً حج واعتمـرا
فهزه الشوق نحو المصطفى طربـاً ... أترون الحج أفضل أم إيثاره الفقـرا
أم حجه عن والديه فيه برهمـــا ... ماذا الذي يا سادتي ظهـــــرا؟
فافتوا محباً لكم فديتكمـــــوا ... وذكركم دأبه إن غاب أو حضــرا

فأجاب رحمه الله :
نقول فيه بأن الحـج أفضل مـن ... فعل التصدق والإيثــار للفقـــرا
وحجه عن والديه فيــه برهمـا ... والأم أسبـق بالبـر الـذي حضـرا
لكن إذا الفرد خص الأب كان إذا ... هو المقدم فيمـا يمنــع الضــررا
كما إذا كان محتاجاً إلى صلــة ... وأمه قد كفاها من بـرى البشـَـرا
هذا جوابك يا هذا موازنــــة ... وليس مفتيك معدوداً من الشــعرا

قال الشوكاني : قال الذهبي : " وكان أبيض أسود الراس واللحية قليل الشيب ، شعره إلى شحمة أذنية كأن عينيه لسانان ناطقان ربعة من الرجال ، بعيد ما بين المنكبين ، جهوري الصوت ، فصيحا ، سريع القراءة ، تعتريه حدة لكنه يقهرها بالحلم.

الشيخ كمال الدين بن الزملكاني رحمه الله ـ من أقران ابن تيمية ومن خصومه المنصفين ـ
يقول ابن كثير عن ابن الزملكاني " شيخ الشافعية بالشام وغيرها، انتهت إليه رياسة المذهب تدريساً وإفتاء ومناظرة، ويقال نسبه السماكي نسبة إلى أبي دجانة سماك بن خرشة والله أعلم ".
يقول بن الزملكاني عن ابن تيمية: اجتمعت فيه شروط الاجتهاد على وجهها، وأن له اليد الطولى في حسن التصنيف وجودة العبارة والترتيب والتقسيم والتدوين، وكتب على تصنيف له هذه الأبيات:
ماذا يقول الواصفون له ... ومحاسنه جلّت عن الحصر
هـو حجـة لله قاهـرة ... هو بيننا أعجوبة الدهــر
هو آية في الخلق ظاهرة ... أنوارها أربت على الفجـر
وبالجملة كان رحمه الله من كبار العلماء وممن يخطئ ويصيب ولكن خطؤه بالنسبة إلى صوابه كنقطة في بحر لجي، وخطؤه أيضاً مغفور له...
وكان يقول: كان إذا سُئل عن فنٍّ من العلم ظن الرائي والسامع أنه لا يعرف غير ذلك الفن ، وحكم أن أحداً لا يعرفه مثله وكان الفقهاء من سائرالطوائف إذا جلسوا معه استفادوا في مذاهبهم.
الحافظ جلال الدين السيوطي:
ابن تيمية الشيخ الإمام العلامة الحافظ الناقد الفقيه المجتهد المفسر البارع شيخ الإسلام، علم الزهاد، نادرة العصر، تقي الدين أبو العباس أحمد المفتي شهاب الدين عبدالحليم بن الإمام المجتهد شيخ الإسلام مجد الدين عبدالسلام ابن عبدالله بن أبي القاسم الحراني.
أبو الحسن السبكي قاضي القضاة رحمه الله وهو من خصومه أيصا
ومما وجد في كتاب كتبه العلامة قاضي القضاة أبو الحسن السبكي إلى الحافظ أبي عبدالله الذهبي في أمر الشيخ تقي الدين المذكور: أما قول سيدي ـ الذهبي ـ في الشيخ فالمملوك ـ يعني نفسه ـ يتحقق كبر قدره. وزخارة بحره. وتوسعه في العلوم الشرعية والعقلية. وفرط ذكائه واجتهاده. وبلوغه في كل من ذلك المبلغ الذي يتجاوز الوصف. والمملوك يقول ذلك دائماً. وقدره في نفسي أكبر من ذلك وأجل. مع ما جمعه الله له من الزهادة والورع والديانة. ونصرة الحق. والقيام فيه لا لغرض سواه. وجريه على سنن السلف. وأخذه من ذلك بالمأخذ الأوفى. وغرابة مثله في هذا الزمان. بل من أزمان. ابن حجر العسقلاني صاحب كتاب فتح الباري شرح البخاري وكتاب التهذيب وهو الذي لقب بأمير المؤمنين في الحديث كتب ابن ناصر الدين الدمشقي كتاباً سماه الرد الوافر رداً على من زعم من متعصبي الأحناف أنه لا يجوز تسمية ابن تيمية بشيخ الإسلام وأنه من فعل ذلك فقد كفر!! ذكر فيه أكثر من بضع وثمانين إماماً من أئمة المسلمين كلهم سمى ابن تيمية بشيخ الإسلام ونقل نقولهم من كتبهم بذلك، ولما قرأ الحافظ بن حجر رحمه الله هذا الكتاب الرد الوافر كتب عليه تقريظاً هذا نصه:
الحمد لله، وسلام على عباده الذين اصطفى.
وقفت على هذا التأليف النافع، والمجموع الذي هو للمقاصد التي جمع لأجلها جامع، فتحققت سعة اطلاع الإمام الذي صنفه، وتضلعه من العلوم النافعة بما عظمه بين العلماء وشرفه، وشهرة إمامة الشيخ تقي الدين أشهر من الشمس، وتلقيبه بشيخ الإسلام في عصره باق إلى الآن على الألسنة الزكية ويستمر غداً كما كان بالأمس، ولا ينكر ذلك إلا من جهل مقداره، أو تجنب الأنصاف، فما أغلط من تعاطي ذلك وأكثر عثاره، فالله تعالى هو المسؤول أن يقينا شرور أنفسنا وحصائد ألسنتنا بمنه وفضله، ولو لم يكن من الدليل على إمامة هذا الرجل إلا ما نبه عليه الحافظ الشهير علم الدين البرزالي في تاريخه: أنه لم يوجد في الإسلام من اجتمع في جنازته لما مات ما اجتمع في جنازة الشيخ تقي الدين، وأشار إلى أن جنازة الإمام أحمد كانت حافلة جداً شهدها مئات ألوف، ولكن لو كان بدمشق من الخلائق نظير من كان ببغداد أو أضعاف ذلك، لما تأخر أحد منهم عن شهود جنازته، وأيضاً فجميع من كان ببغداد إلا الأقل كانوا يعتقدون إمامة الإمام أحمد، وكان أمير بغداد وخليفة ذلك الوقت إذا ذاك في غاية المحبة له والتعظيم، بخلاف ابن تيمية فكان أمير البلد حين مات غائباً. وكان أكثر من بالبلد من الفقهاء قد تعصبوا عليه حتى مات محبوساً بالقلعة، ومع هذا فلم يتخلف منهم عن حضور جنازته والترحم عليه والتأسف (عليه) إلا ثلاثة أنفس، تأخروا خشية على أنفسهم من العامة.
ومع حضور هذا الجمع العظيم فلم يكن لذلك باعث إلا اعتقاد إمامته وبركته لا بجمع سلطان ولا غيره، وقد صح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: [أنتم شهداء الله في الأرض] (رواه البخاري ومسلم). ولقد قام على الشيخ تقي الدين جماعة من العلماء مراراً بسبب أشياء أنكروها عليه من الأصول والفروع، وعقدت له بسبب ذلك عدة مجالس بالقاهرة وبدمشق، ولا يحفظ عن أحد منهم أنه أفتى بزندقته ولا حكم بسفك دمه مع شدة المتعصبين عليه حينئذ من أهل الدولة، حتى حبس بالقاهرة ثم بالإسكندرية، ومع ذلك فكلهم معترف بسعة علمه وكثرة ورعه وزهده، ووصفه بالسخاء والشجاعة، وغير ذلك من قيامه في نصر الإسلام، والدعوة إلى الله تعالى في السر والعلانية، فكيف لا ينكر على من أطلق أنه كافر، بل من أطلق على من سماه شيخ الإسلام الكفر، وليس في تسمية بذلك ما يقتضي ذلك فإنه شيخ في الإسلام بلا ريب، والمسائل التي أنكرت عليه ما كان يقولها بالتشهي ولا يصر على القول بها بعد قيام الدليل عليه عناداً، وهذه تصانيفه طافحة بالرد على من يقول بالتجسيم والتبري منه، ومع ذلك فهو بشر يخطئ ويصيب، فالذي أصاب فيه وهو الأكثر يستفاد منه ويترحم عليه بسببه، والذي أخطأ فيه لا يقلد فيه، بل هو معذور لأن أئمة عصره شهدوا له بأن أدوات الاجتهاد اجتمعت فيه، حتى كان أشد المتعصبين عليه، والقائمين في إيصال الشر إليه، وهو الشيخ كمال الدين الزملكاني شهد له بذلك، وكذلك الشيخ صدر الدين ابن الوكيل الذي لم يثبت لمناظرته غيره، ومن أعجب العجب أن هذا الرجل كان أعظم الناس قياماً على أهل البدع من الروافض والحلولية والاتحادية، وتصانيفه في ذلك كثيرة شهيرة، وفتاويه فيهم لا تدخل تحت الحصر، فيا قرة أعينهم إذ سمعوا بكفره، ويا سرورهم إذا رأوا من يكفر من لا يكفره، فالواجب على من تلبّس بالعلم وكان له عقل أن يتأمل كلام الرجل من تصانيفه المشتهرة، أو من ألسنة من يوثق به من أهل النقل، فيفرد من ذلك ما ينكر فيحذر منه على قصد النصح، ويثني عليه بفضائله فيما أصاب من ذلك كدأب غيره من العلماء، ولو لم يكن للشيخ تقي الدين من المناقب إلا تلميذه الشهير الشيخ شمس الدين بن قيم الجوزية صاحب التصانيف النافعة السائرة التي انتفع بها الموافق والمخالف، لكن غاية في الدلالة على عظم منزلته، فكيف وقد شهد له بالتقدم في العلوم، والتميز في المنطوق والمفهوم، أئمة عصره من الشافعية وغيرهم! فضلاً عن الحنابلة، فالذي يطلق عليه مع هذه الأشياء الكفر، أو على من سماه شيخ الإسلام، لا يلتفت إليه، ولا يعول في هذا المقام عليه، بل يجب ردعه عن ذلك إلى أن يراجع الحق ويذعن للصواب، والله يقول الحق وهو يهدي السبيل، وحسبنا الله ونعم الوكيل.
ابن دقيق العيد المحدث الفقيه المشهور الذي عده السيوطي مجدد القرن السابع في منظومته
( تحفة المهتدين بأخبار المجددين) قال فيها :
والسابع الراقي إلى المراقي ... ابن دقيق العيد باتفاقِ
لما رأى ـ ابن دقيق العيد ـ شيخ الإسلام ابن تيمية انذهل وتعجب وقال: رأيت رجلاً العلوم كلها بين يديه يأخذ ما يريد ويدع ما يريد ثم تكلم ورآه يناظر ويلقي دروساً في التفسير فازداد عجبا وذهولاً منه
وقال: ما ظننت أن الله بقي يخلق مثلك

أبوحيان صاحب تفسير البحر المحيط
قال في قصيدة مشهورة:
لما رأينا تقي الديــن لاح لنــا ... داع إلى الله فـرد ماله وزَرُ
على محياه من سيما الألي صحبوا ... خير البرية نور دونه القمـرُ
حبر تسربل منه دهره حبـــرا ... بحر تقاذف من أمواجه الدررُ
قام ابن تيمية في نصر شــرعتنا ... مقام سيد تيم إذ عصت مضُر
كنا نحدث عند حبر يجئ بهـــا ... أنت الإمام الذى قد كان يُنتظرُ

عبادته وورعه وزهده في الدنيا
قال الحافظ أبي عمر بن علي البزار رحمه الله:
أما تعبده رضي الله عنه فإنه قل أن سمع بمثله، لأنه كان قد قطع جل وقته وزمانه فيه، حتى إنه لم يجعل لنفسه شاغلة تشغله عن الله تعالى ما يراد له من أهل ولا من مال. وكان في ليلة متفرداً عن الناس كلهم، خالياً بربه عز وجل، ضارعاً، مواظباً على تلاوة القرآن العظيم. مكرّراً لأنواع التعبدات الليلية والنهارية. وكان إذا ذهب الليل وحضر مع الناس بدأ بصلاة الفجر يأتي بسنّها قبل إتيانه إليهم. وكان إذا أحرم بالصلاة يكاد يخلع القلوب لهيبة إتيانه بتكبيرة الإحرام. فإذا دخل في الصلاة ترتعد أعضاؤه حتى يميد يمنة ويسرة. وكان إذا قرأ يمد قراءته مداًّ كما صحّ في قراءة رسول الله صلى الله عليه وسلم. وكان ركوعه وسجوده وانتصابه عنهما من أكمل ما ورد في صلاة الفرض. وكان يخف جلوسه للتشهد الأول خفة شديدة، ويجهر بالتسمية الأولى حتى يسمع كل من حضر. فإذا فرغ من الصلاة أثنى على الله عز وجل هو من حضر بما ورد من قوله [اللهم أنت السلام.. الحديث]. ثم يقبل على الجماعة، ثم يأتي بالتهليلات الواردات حينئذ. ثم يسبّح الله ويحمده ويكبره ثلاثاً وثلاثين، ويختم المائة بالتهليل. كما أورد، وكذا الجماعة، ثم يدعو الله تعالى له ولهم وللمسلمين أجناس ما ورد. وكان غالب دعائه (اللهم انصرنا ولا تنصر علينا، وأمكر لنا ولا تمكر علينا، وأهدنا ويسّر الهدى لنا، اللهم اجعلنا لك شاكرين، لك ذاكرين، إليك راغبين، لك مخبتين، إليك راهبين، لك مطاويع. ربنا تقبل توباتنا، وأغسل حوباتنا، وثبت حججنا، واهد قلوبنا، واسلل سخيمة صدورنا) يفتتحه ويختمه بالصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم.
ثم يشرع في الذكر. وكان قد عرفت عادته لا يكلمه أحد بغير ضرورة بعد صلاة الفجر. فلا يزال في الذكر يسمع نفسه، وربما يسمع ذكره من الروحانية، مع كونه في خلال ذلك يكثر من تقليب بصره نحو السماء. هكذا دأبه حتى ترتفع الشمس وتزول، وقت النهي عن الصلاة.
وقال أيضا رحمه الله
وإذا رأى منكراً في طريقه أزاله، أو سمع بجنازة سارع إلى الصلاة عليها، أو تأسف على فواتها، وربما ذهب إلى قبر صاحبها بعد فراغه من سماع الحديث، فصلى عليه. ثم يعود إلى مسجده، فلا يزال تارة في إفتاء الناس، وتارة في قضاء حوائجهم حتى يصلي الظهر من الجماعة، ثم كذلك بقية يومه. وكان مجلسه عاماً للكبير والصغير، والجليل والحقير، والحر والعبد، والذكر والأنثى. وقد وسع كل من يرد عليه من الناس. يرى كل منهم في نفسه أن لم يكرم أحداً بقدره. ثم يصلّي المغرب، ثم يتطوع بما يسره الله. ثم أقرأ عليه من مؤلفاته أنا أو غيري، فيفدنا بالطرائف، ويمدنا باللطائف، حتى يصلي العشاء ثم بعدها كما كنّا وكان: من الإقبال على العلوم إلى أن يذهب هوي من الليل طويل. وهو في خلال ذلك كله، في النهار والليل، لا يزال يذكر الله تعالى ويوحده، ويستغفره.
وقال أيضا رحمه الله
وكان رضي الله عنه كثيراً ما يرفع طرفه إلى السماء، لا يكاد يفتر عن ذلك، كأنه يرى شيئاً يثبته بنظره. فكان هذا دأبه مدة إقامتي بحضرته. فسبحان الله ما أقصر ما كانت! يا ليتها كانت طالت. ما مرّ على عمري إلى الآن زمان كان أحبّ إليّ من ذلك الحين، ولا رأيتني في وقت أحسن حالاً منّي حينئذ، وما كان إلاّ ببركة الشيخ رضي الله عنه.
وكان في كل أسبوع يعود المرضى، خصوصاً الذي بالمارستان وأخبرني غير واحد ممن لا يشك في عدالته أن جميع زمن الشيخ ينقضي على من رأيته. فأي عبادة واجتهاد أفضل من ذلك؟ فسبحان الموفق من يشاء لما يشاء.
ولما تواعد أن يناظر بعض علماء الصوفية أصحاب الأحوال الشيطانية الذين يدعون أنهم يدخلون في النار ولا يحترقون يقول ابن تيمية عن نفسه : فأعددت في تلك الليلة ما ينبغي أن يعده السالك إلى الله. أي من الصلاة والقيام والذكر والإستغفار.. إلخ

وقال أيضا رحمه الله
وكان رضي الله عنه في الغاية التي ينتهي إليها في الورع. لأن الله تعالى أجراه مدة عمره كلها عليه. فإنه ما خالط الناس في بيع ولا شراء ولا معاملة، ولا تجارة، ولا مشاركة، ولا زراعة، ولا عمارة. ولا كان ناظراً مباشراً لما وقف، ولم يكن يقبل جراية ولا صلة لنفسه من سلطان ولا أمير ولا تاجر، ولا كان مدخراً ديناراً ولا درهماً ولا متاعاً ولا طعاماً ، وإنما كانت بضاعته مدة حياته، وميراثه بعد وفاته، رضي الله عنه، العلم اقتداء بسيد المرسلين وخاتم النبيين محمد صلى الله عليه وسلم وعلى آله وصحبه أجمعين، فإنه قال: [إن العلماء ورثة الأنبياء لم يورثوا ديناراً ولا درهماً ولكن ورثوا العلم فمن أخذ به فقد أخذ بحظ وافر].
قال ابن رجب في الذيل على طبقات الحنابلة وهي من (أحسن التراجم) عن شيخ الإسلام ابن تيمية يقول: (عُرض عليه قضاء القضاة ومشيخة الشيوخ فلم يقبل شيئاً من ذلك ، وسنه تقريباً فوق الثلاثين!!! عرضوا عليه هذه المناصب فأباها وترك الدنيا وقلاها).
وكانت تأتيه القناطير المقنطرة من الذهب والفضة والخيل المسومة والأنعام والحرث فيهب ذلك بأجمعه ويضعه عند أهل الحاجة في موضعه ولا يأخذ منه شيئاً ولا يحفظه إلا ليذهبه.
قال له الملك الناصر ذات يوم مع أنه كان يحبه ويجله لكنه سمع أنه قد يكون له مجد وله مكانه ومنزله كبيرة في قلوب الناس وقال : (ياابن تيمية بلغنا أنك إذا مكنت تطمع فيماً عندنا من السلطة والرئاسة فتبسم ابن تيمية وقال والله ما ملكك وملك آبائك وأجدادك يساوي فلسين عندي) .

قارن أخي الكريم هذه المواقف العظيمة من هذا الإمام وبين ما يقوم به كثير من أدعياء العلم في هذا الزمان الذين ما ملوا من الطواف حول أبواب السلاطين من أجل الحصول على لعاعة من الدنيا
ولو أن أهل العلم صانوه صانهم ... ولو عظموه في النفــوس لعظمـا
ولكن أهانوه فهانوا ودنسوا ... محياه بالأطماع حــتى تجهـما

ورحم الله العالم الرباني ابن المبارك إذ يقول:

ياجاعـل العلم له بازيــاً ... يصطاد أموال السلاطين
احتلت للدينا ولــذاتهــا ... بحيلة تذهــب بالديـن
أين رواياتك في سـردهــا ... في ترك أبواب السلاطين
أين رواياتك فيما مضــى ... عن ابن عون وابن سيرين
وإن قلت أكرهت فما هكـذا ... زل حمار العلم في الطين

شدة تمسكه بالسنة
كان شائعاً بين الناس أن ابن تيمية يقول أنا أردكم إلى طريقة الكتاب والسنة وهم أصحاب عقليات وآراء وبدع وخرافات فقال له رجل مرة، وهذه ذكرها الصفدي في (الوافي بالوفياَت) وعدها من المستطرفات عن ابن تيمية ـ قال لـه أنت (تزعم أنك متتبع للسنة ونراك إذا أدبت بعض الناس عركت أذنه فمن أين لك هذه في السنة فقال له حديث ابن عباس في الصحيحين عندما بات عند خالته ميمونه رضي الله عنها وصلى مع النبي صلى الله عليه وسلم قال ابن عباس فكنت إذا أغفيت إغفاءة أخذ النبي صلى الله عليه وسلم بأذني وعركه) فانظر إلى شدة استحضاره.

حلمه وعفوه.. وحسن خلقه

كان القاضي ابن مخلوف المالكي قاضي قضاة المالكية من خصومه الأشداء قد أفتى فيه، وأفتى حتى بأنه (حلال الدم) وسجنه أكثر من مرة فلما ظفر بهم شيخ الإسلام، وتهيأت له الفرصة، أن ينتقم منهم عن طريق بعض الأمراء عفا عنهم وسامح ، وكان أحد الأمراء يريد البطش بهؤلاء لأنهم كانوا قد وقفوا مع أمير آخر ضده، فلما رد الله له ملكه وسلطانه قال لابن تيمية: أعطني فتوى فيهم وأنا أريحك منهم فقال (هؤلاء علماء الأمة ولن تجد أحسن منهم وأفضل وهم الناصرون لك أيام الملمات وأيام الشدائد) فيقول ابن مخلوف يعبر عن هذه النفسية الكريمة : (عجباً لابن تيمية قدرنا عليه فأدخلناه السجن وقدر علينا فحاجج عنا).

ومرة جاءه ابن القيم يبشره بهلاك خصم من خصومه الألداء الذي كان يتربص به، وكان يحقد عليه كثيراً، يبشره بأنه مات وهلك فغضب في وجه ابن القيم وانتهره وقال : (إنا لله وإنا إليه راجعون) وانطلق من ساعته إلى أهل بيت الميت وقد كان من خصومه فقال لهم : (عزاهم وأحسن عزائهم وقال اعتبروني خليفة لميتكم ونائباً عنه وأساعدكم في كل أمر تحتاجونه) حتى تعجب أهل الميت من هذه الأخلاق الجبارة وهم يعلمون شدة ذاك عليه رحمه الله ، وقد ذكر هذه القصة ابن القيم في بعض كتبه.

شجاعته
قال أحد الأمراء بالشام قال له الشيخ يوم اللقاء في معركة شقحب مع التتر التي اهتزت لها بلاد الشام والتهبت منها مصر قال له الشيخ: (أوقفني موقف الموت) قال فسُقته إلى مقابلة العدو وهم ينحدرون كالسيل، تلوح أسلحتهم من تحت الغبار ثم قلت لـه: يا سيدي هذا موقف الموت، وضعه في مقدمة الصفوف، يعني أخطر موقف فوضعه هناك يجلس في أول الناس وليس في آخرهم كما يقول فقلت له هذا العدو من تحت الغبرة فدونك وما تريد يقول الأمير: فرفع طرفه إلى السماء وأشخص بصره وحرك شفتيه طويلاً ثم انبعث وأقدم على القتال ثم حال القتال بيننا وبينه فما ندري ما صنع ،وما عدت رأيته حتى فتح الله ونصر المسلمين وانهزم التتار.
قال الألوسي ـ رحمه الله ـ : " وأما شجاعته وجهاده فامر متجاوز للوصف فكان ـ رحمه الله ـ كما قال الحافظ سراج الدين أبو حفص في مناقبه : هو من أشجع الناس وأقواهم قلبا ما رأيت أحدا أثبت جأشا منه ولا أعظم في جهاد العدو منه كان يجاهد في سبيل الله بقلبه ولسانه ويده ولا يخاف في الله لومة لائم.
وأخبر غير واحد أن الشيخ كان إذا حضر مع عسكر المسلمين في جهاد يكون بينهم إن راي من بعضهم هلعا أو جنبا شجعه وثبته ووعده بالنصر والظفر والغنيمة وبين له فضل الجهاد والمجاهدين وكان إذا ركب الخيل يجول كأعظم الشجعا ، ويقوم كأثبت الفرسان وينكي العدو من كثرة الفتك بهم ويخوض بهم خوض رجل لا يخاف الموت وحدثوا أنهم رأوا منه في فتح عكا أموارا من الشجاعة يعجز الواصف عن وصفها ، قالوا : ولقد كان السبب في تملك المسلمين إياها بفعله ومشورته وحسن نظره.
ولما ظهر السلطان ابن غازان على دمشق المحروسة ، جاءه ملك الكرج ، وبذل له أموالا كثيرة جزيلة على أن يمكنه من الفتك بالمسلمين من أهل دمشق ، فوصل الخبر إلى الشيخ فقام من فوره ، وشجع المسلمين ورغبهم الشجاعة ، ووعدهم على قيامهم بالنصر والظفر والأمن وزوال الخوف ، فانتدب منهم رجال من وجوههم وكبرائهم وذوي أحلامهم ، فخرجوا معه إلى حضرة السلطان غازان ، فلما رأى الشيخ أوقع الله فه في قلبه هيبة عظيمة ، حتى أدناه منه وأجلسه ، وأخذ الشيخ في الكلام معه في عكس رأيه من تسليط المخذول ملك الكرج على المسلمين ، وأخبره بحرمة دماء المسلمين ، وذكره ووعظه فأجابه إلى ذلك طائعا وحقنت بسببه دماء المسلمين وحميت ذراريهم وصين حريمهم.
قال الشيخ كمال الدين بن الأنجا كنت حضارا مع الشيخ فجعل يحدث السلطان بقول الله ورسوله في العدل وغيره ، ويرفع صوته على السلطان ، ويقرب منه في اثناء الحديث ، حتى لقد قرب أن يلاصق بركبته ركبة السلطان والسلطان مع ذلك مقبل عليه بكليته مصغ لما يقول ، شاخص إليه لا يعرض عنه ، وإن السلطان من شدة ما أوقع الله في قلبه من المحبة والهيبة سأل من هذا الشيخ فإني لم أر مثله ، ولا أثبت قلبا منه ، ولا أوقع من حديثه في قلبي ولا رأيتني أعظم انقيادا لأحد منه ، فأخبر بحاله ، وما هو عليه من العلم والعمل ، فقال الشيخ للترجمان : قل لغازان أنت تزعم أنك مسلم ومعك قاض وإمام وشيخ ومؤذنون على ما بلغنا فغزوتنا وأبوك وجدك كانا كافرين ، وما عملا الذي عملت عاهدا فوفيا ، وأنت عاهدت فغدرت ، وقلت فما وفيت ، وجرت ثم خرج من بين يديه مكرما معززا بحسن نيته الصالحة من بذل نفسه في طلب حقن دماء المسلمين فبلغه الله ـ تعالى ـ ما اراده ، وكان أيضا سببا لتخليص غالب اسارى المسلمين من أيديهم ، وردهم على أهليهم وحفظ حريمهم وهذا من أعظم الشجاعة والثبات وقوة التجاسر.
وكان يقول ـ ابن تيمية ـ : لا يخاف الرجل غير الله إلا لمرض في قلبه ، فإن رجلا شكا إلى أحمد بن حنبل خوفه من بعض الولاة فقال : لو صححت لم تخف أحدا ، أي خوفك من أجل زوال الصحة من قلبك.


الحلقة الأولى    الحلقة الثانية    الحلقة الثالثة

Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home