Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home
Libyan Writer Al-Mahmoudi
الكاتب الليبي المحمودي

السبت 18 أبريل 2009

حينما تصبح مقولة (وذن من طين ووذن من عجين) مهربا وملاذا

 

المحمودي

إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره ونستهديه ، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا ، من يهده الله فلا مضل له ، ومن يضلل فلا هادي له وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له ، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله
أما بعد.

وسائل النشر والتواصل بين الناس التي أحدثتها الثورة الثقافية في هذا العصر لاسيما المواقع المفتوحة كان لها بلاشك من الإيجابيات ما لا يخفى ، لكن من جانب أخر كان لها من السلبيات أضعاف تلك الإيجابيات ، ولست في هذا المقال بصدد تعداد هذه السلبيات ، إنما أردت فقط أن أشير إلى إحداها.

من هذه السلبيات أن باب الكتابة قد فتح على مصراعيه ، وصار الحال كما يدعو أحدهم (يكتب من شاء ما شاء..، وبالمناسبة هذه المقولة من أدق التعريفات التي قرأتها لمعنى الفوضى!!) وليست القضية فيما يكتب ـ بضم الياء ـ ولا من يكتب ، ولكن القضية أن عامة من يكتب لا يتحمل مسؤلية ما يكتب ، فهذا يصدر حكما عاما في أمة من الناس بأنهم لا يجيدون القراءة ولا يملكون عقولا تمكنهم من فهم الأبجديات دون أدنى دليل ولا برهان ، وأخر يقدم لقرائه تاريخا مشوها بعد أن أتى على قراطيس التاريخ فأبدى بعضها وأخفى كثيرا منها ، وثالث ورابع..إلخ.    

الكاتب أخي الكريم الذي يكتب مقالا في الغالب يريد أن يوصل لقرائه من خلال مقاله فكرة ما ، وهذه الفكرة قد تكون سياسية أو إجتماعية أو لا دينية أو أخلاقية أو فتوى دينية أو ..إلخ ، وهذه الفكرة أو الأطروحة التي تطرح في مثل هذه المقالات ليست فكرة مقدسة (1) أو معصومة من الخطأ ، بل هي فكرة من نتاج بشري قابلة للصواب والخطأ ، وبالتالي على الكاتب أن يكون متهيأ لأي نقد لهذه الفكرة.

وهذا النقد له صورتان لا ثالث لهما ، إما أن يكون نقدا علميا قائما على أدلة منطقية أو عقلية أو تاريخية أو دينية..إلخ ، وإما أن يكون نقدا مجردا من الأدلة وهذا النقد ـ المجرد ـ له صور شتى ، كسب الكاتب أو الإستهزاء به أو بمقاله..إلخ ، وهنا يجب التنبيه على أن الفرق بين هاذين النقدين أو الضابط الذي به نفرق بينهما ، هو القدر من الأدلة (2) التي تكون في مقالة الناقد.

أما الحالة الأولى من النقد ـ القائمة على الدليل ـ فليس أمام الكاتب في هذه الحالة إلا أحد خيارين لا ثالث لهما، إما أن يدافع عن فكرته بمزيد من الأدلة والتوضيح ، ويدعم مقاله بمزيد من البيان والشروحات ، وإما أن يعتذر أو يتراجع عن هذه الفكرة أو الأطروحة إن كان عاجزا عن الدفاع عنها ، وهذا بالضبط الذي يحدث في المجالس العلمية كالمؤتمرات والندوات وورش العمل ، ولا يصح بحال من الأحوال ولا يستقيم إعمال المثل القائل (وذن من طين ووذن من عجين) أو كما أسميه أنا في مثل هذه الحالة(مخرج الطوارئ،emergency exit )، إذ اللجوء إلى هذا المثل ـ باب الطوارئ ـ ما هو إلا هروب من النقد العلمي ودليل على الإفلاس ، وأما الحالة الثانية من النقد ـ القائمة على غير الدليل ـ  فهذه الحالة ليس أمام الكاتب إلا خيارا واحدا وهو إعمال المثل القائل (وذن من طين ووذن من عجين).

هذا هو المعيار والمعيار الوحيد لمعرفة ما إذا كانت هذه المقولة (وذن من طين ووذن من عجين) قد استعملت في محلها الصحيح أم لا ، أما سائر الأعذار الواهية التي تتقنها بمهارة (النخبة المزعومة) لتستر ضعف حجتها ، وسوء منطقها ، فما هي إلا فرارا من حجج الخصوم ، ومزيدا من التحصينات حول ذواتهم ومقالاتهم المقدسة التي لا تقبل النقد بحال!!.

والحق أخي الكريم يقبل أيا كان قائله (3) ، مؤمنا كان أو كافرا ، مع النظام كان أم مخالفا ، معلوما كان أم مجهولا ، ذكرا كان أو أنثى ، فالعبرة بالقول لا بالقائل ، وهذا منهج إسلامي أصيل قررته الشريعة ، فقد قبل النبي صلى الله عليه وسلم الحق حين نطق به الشيطان ، فقال لأبي هريرة رضي الله عنه (صدقك وهو كذوب) ، وقال الله جل جلاله على لسان بلقيس (قالت إنّ الملوك إذا دخلوا قرية أفسدوها وجعلوا أعزة أهلها أذلة) فعقب الله على قولها هذا مقرا له وهي كافرة (وكذلك يفعلون) ، وغير ذلك من الأدلة.  

والذي دعاني للكتابة في هذا الموضوع أنني رأيت وبشكل سافر تزاحم مثير للدهشة من قبل بعض كتاب (النخبة المزعومة) على باب الطوارئ!!، فكم من أفكار طرحت في كثير من مواضيعهم ليست قائمة على دليل ولا برهان، ولكن ما أن يعترض عليهم معترض حتى تراهم يهرعون إلى باب الطوارئ ، ويلتزمونه إلتزام الرضيع لثدي أمه، وكلما حاصرتهم الأدلة والبراهين كلما ازدادوا إلتصاقا بذاك الباب!!

ولو أن برغوثا على ظهر نملة ... يكر على صفي (النخبة) لولت*

ولعل بعضهم يرى أن هذا الصنيع من حسن الخلق الذي يجب على الكاتب أن يتحلى به ، وهذا لعمر الله لمن عجائب هذه (النخبة المزعومة) التي لا تنقضي.

والحقيقة أن حال هذه (النخبة المزعومة) متفاوت أيضا ، فليس كلهم على حال واحد ، فعامتهم ـ الصلابي أنموذحا ـ قد التزم (الباب المذكور) لا يحيد عنه في كل الأحوال ، أما البعض الأخر ممن يملك بعض مهارات المناورة مع الخصوم ، يكون ملتزما (الباب المذكور) وعينه على مقالات خصومه (النقاد) فإذا وجد ثغرة أو ضعفا في مقال لأحدهم ترك الباب ودخل من خلال تلك الثغرة ليوجه عدة طعنات رخيصة ليس لكاتب ذلك المقال (الناقد) فقط ،  بل لعامة خصومه الذي يرفض أن يترك ذلك (الباب المذكور) لأجلهم ولو للحظات وقد بحت أصواتهم وهم ينادونه!! ثم يعود بعد هذه المناورة السريعة وهذا النصر المزعوم إلى بابه ، بل يوصي إخوانه بالتزام الباب!! إذ لا فائدة من الردود على هؤلاء باعتبارهم لا يملكون حجة كما برهن هو لهم شخصيا هذا الأمر.

 

وعلى كل حال مثل هذه المناورات المكشوفة لا تنطلي على أحد ، وعلى (النخبة المزعومة) أن تكون قادرة على الدفاع على ما تكتب ، فإن عجزت عن ذلك فلتترك الميدان لأهله وتكتفي بالجلوس على جنبات الميدان هذا فقط (من أجل راحة البال لنا ولهم .. وإحتراماً لوقت وذوق القارئ).

____________________________

 

1. حتى الأفكار والعقائد التي تطرح باسم الدين قابلة للنقد ما لم تقم على دليل صحيح وفهم صحيح ، وهذان الشرطان لابد منهما لقبول العقائد والأفكار الإسلامية ، فلو قال قائل أن عبدالسلام الأسمر شفاعته مقبولة عند الله والدليل قول الله (ألا إن أؤلياء الله لا خوف عليهم ولا هم يحزنون) قلنا له الدليل صحيح ولكن الفهم غير صحيح وبالتالي تكون هذه الفكرة الدينية مرفوضة ، ولكن لو قال قائل أن الزنا حرام والدليل قول الله (ولا تقربوا الزنا) قلنا الدليل صحيح والفهم صحيح وبالتالي تكون هذه القضية الدينية قضية مقدسة غير قابلة للنقد لأنها من الله وليست من أفكار البشر ، وقس على حرمة الزنا سائر المحرمات القطعية وكذلك الأوامر القطعية كإقامة الصلاة وصوم رمضان..إلخ.

2. بعض الكتاب يجد لنفسه مبررا بعدم الرد على منتقديه بدعوى أن مقاله ـ الناقد ـ يوجد به استهزاء أو سب ..إلخ وهذا ليس مبررا على الإطلاق ، فالعبرة كما قلنا بالأدلة التي يوردها ـ الناقد ـ لبطلان ما كتبه ـ الكاتب ـ ثم مفهوم السب والإستهزاء..إلخ يتفاوت من كاتب إلى أخر ، فقد يرى هذا الكاتب ما لا يرى غيره من الكتاب ، وأنا شخصيا أعتبر هذا القول ما هو إلا جسر موصل لذلك (الباب المقدس). والحقيقة أن (حكيم) الملحد دافع عن (أطروحاته = شبهاته) حتى أخر رمق ، ولم يلجأ إلى (باب الطوارئ) على الإطلاق مع شدة الحاجة إليه الناتج عن السب والشتم والإستهزاء الذي ناله من كثير من منتقديه ، وكان يجيب ـ بغض النظر عن صوابية أو بطلان جوابه ـ على غالب إن لم يكن كل ما يطرح عليه ، وهذا إن دل على شئ إنما يدل على أنه صاحب هدف وقضية يريد أن ينتصر لها ، وهكذا يفعل كل صاحب قضية وهدف.

3. وفي هذا رد على مزاعم (روبرت فسك الإفتراضي) الذي فهم (والعلة في فهمه) من إحدى مقالاتي (التي لا يقرأها!!) أنني أقف لصالحه!! ، شلت يميني وثكلتني أمي إن فعلت ذلك ، إنما غاية الأمر أننا نقبل الحق أيا كان قائله ، ولاحظ أخي الكريم أنني ما ذكرت اسمه ، فبالتالي لا يحتج علينا كونه لا يقرأ مقالاتي إلا للبحث عن اسمه فقط!!.

هذا البيت للشاعر الطرماح يهجو بني تميم ، فيه تصرف يسير لا يخفى.

وأنا على يقين من أن عامة القراء ليسوا بحاجة لبيان معنى هذا البيت إلا أننا معنا من لا يخفى عليكم ، فلهؤلاء أقول (يقول الشاعر لو أن فارسا من البراغيث!! امتطى ظهر نملة ثم أقبل قاصدا الخلص أو الصفوة من النخبة ـ الأدباء والشعراء والمفكرين والمحامين والسياسين والدعاة..إلخ ـ لولت هذه النخبة الأدبار فرارا من هذا الفارس المغوار!!.


Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home