Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home
Libyan Writer Al-Mahmoudi
الكاتب الليبي المحمودي

الجمعة 17 سبتمبر 2010

الحلقة الأولى الحلقة الثانية الحلقة الثالثة الحلقة الرابعة الحلقة الخامسة الحلقة السادسة
الحلقة السابعة الحلقة الثامنة الحلقة التاسعة الحلقة العاشرة الحلقة 11 الحلقة 12
الحلقة 13 الحلقة 14

الفتح الإسلامي "لليبيا".. حقائق وأكاذيب (3)

المحمودي 

إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله.

أما بعد:

لا يزال بن مادي يستهبل ويستعبط ويتفنن في ذلك وهو القائل "...أفريقيا هي المكان الذي وقف فيه الإنسان على قدمين!!، وفيها بدأ المشي الثنائي بدل الرباعي!!، أفريقيا هي المكان الذي الذي بدأ فيه حجم الدماغ في الإزدياد!!، أفريقيا هي المكان التي تمت فيه التحولات الجسمانية للإنسان!!، هذه الأدلة مجتمعة تثبت أن أفريقيا هي المكان الذي فيه بدأ الإنسان الحديث أو الكامل النضوج في الظهور..." انتهى (1).

وهذا الكلام أخي الكريم كما قررنا في غير مناسبة مخالف للقرآن، وكفر وإلحاد بإجماع المسلمين، ولا يخالف في هذا الأمر مسلم عرف دين الإسلام، وهذا الكلام هو نص كلام بن مادي وليس تهمة أو نقل مشوه أو مزور، هذا الكلام فقط لمن لايزال يتسائل عن البيّنة والدليل..إلخ. وكلام بن مادي السالف هو الذي أقمنا عليه الحكم تجاهه، ولم أتكلم يوما من الأيام عن بن مادي بما أعرفه عنه شخصيا. لكن دعني اليوم أخي الكريم أحدثك بما أعرف عن بن مادي، حيث أن بن مادي أكثر لنا من التمسكن وتذكيرنا وتخويفنا بالله ومراقبة الله..إلخ. ولا أريدك أخي الكريم أن تُقيم أحكاما على نقلي هذا، بل أريدك أن تبذل جهدا بسيطا للتأكد من صحة كلامي هذا من عدمه.

 ذكر الأخ أبو ضياء (2) في إحدى مقالاته أن محمد مادي نطق بكلمة كفرية في أحد بيوت الإخوة الليبيين في أمريكا فما كان من صاحب البيت إلا أن طرده من بيته بسبب هذه الكلمة، وكما هو معلوم العالم اليوم صار كالقرية الصغيرة، ويمكن بجهد بسيط عبر وسائل الإتصال المتاحة التأكد من هذه القصة، فما كان مني إلا أن بدأت في اتصالاتي هنا وهناك حتى وصلت بفضل الله إلى صاحب القصة نفسه والذي وقعت القصة في بيته والذي طرد بن مادي بسببها.

"فوالله الذي لا إله غيره ولا رب سواه لقد حدثني صاحب البيت الذي طرد بن مادي من فيه إلى أذني ليس بيني وبينه واسطة ولا ترجمان بأن محمد مادي جلس في بيت هذا الأخ قرابة 5 ساعات متتالية يقرر الكفر والإلحاد بأدلته ويطعن في الإسلام ومقدساته وقال في بيت هذا الأخ بأنه لا يؤمن بجنة ولا نار ولا بعث بعد الموت ولا حساب ولا عقاب ولا بالأنبياء والمرسلين ولا ولا..إلخ فما كان من صاحب البيت الطيب إلا أن طرده، وقد قال صاحب البيت حرفيا بأنه لم يسمع إلحادا في حياته لا من اليهود ولا النصارى ولا من غيرهم مثل ما سمعه من بن مادي، وصاحب البيت لا يعرف "حكيم" إطلاقا، ولا يعرف بن مادي قبل هذا اللقاء ولا بعده إنما كان اللقاء الوحيد بينهما والذي تم عبر وسيط ثالث، ثم في صباح اليوم الثاني ذهب صاحب البيت إلى جمع من المسلمين وحذرهم من بن مادي وطلب منهم أن يحذروا منه كل الليبيين".

فأنا هنا أخي الكريم لا أنقل لك هذا الكلام لتقبله دون تمحيص، لكنني أطلب منك إذا كان يعنيك الله ورسوله شيئا أن تتثبت منه ولو كلفك السفر هنا وهناك كما فعلت أنا!، فالقصة مشهورة في ولاية كالفورنيا الأمريكية وأهل الخير موجودون هناك ولمن أراد التأكد فالأمر ليس صعبا ولا مستحيلا!. كما أنني أعتب على الأخ أبي ضياء حيث أنه ذكر أن بن مادي طُرد من البيت بسبب كلمة قالها، والحقيقة أن بن مادي جلس يُؤصل للكفر والإلحاد لمدة 5 ساعات تقريبا إلى أن خرج مطرودا، ثم ذكر الأخ أبو ضياء في مقال آخر بعد مراسلته لبن مادي الكلام التالي "أما الحادثة التي ذكرتها، ففيها بعض الحق وبعض الباطل بناءً على ما ذكره لي الأخ مؤحمد مادي، ولن أزيد على ذلك، خاصة و أن الأشخاص الذين حضروها ووقعت معهم في ليبيا، ولم أتمكن من التحدث معهم بعد".انتهى.

وعتبي على الأخ أبي ضياء حفظه الله أنه كان عليه أن يتثبت من الأشخاص الذين في ليبيا قبل أن يبرئ ساحة بن مادي ولا يكتفي بكلام بن مادي فقط، وأنا أقول للأخ أبي ضياء لقد يسر الله لي الحديث مع صاحب البيت نفسه ومع الذي طرد بن مادي نفسه، وأعيد مرة أخرى من فيه إلى أذني بلا واسطة ولا ترجمان وحدثني بما حدثكم به أعلاه، ولمن أراد أن يتأكد عليه ببذل الجهد والتضحية ببعض الوقت، فإن أحدنا لو قُتل أخوه ثم حامت شبهة حول شخص ما لفعل كل جهده وبذل كل ماله ووقته للتأكد من صحة هذه الشبهة.

ولو قال قائل أليس الأصل في المسلم السلامة؟!! ويجب علينا أن لا ننقب على الناس وأحوالهم؟!! فأقول نعم هذا الكلام صحيح، وهذا الأصل في المسلم، لكن إذا نطق إنسان بكلام كفري ـ كالذي في بداية المقال ـ عند ذلك يكون هذا الإنسان قد فتح على نفسه بابا كان مغلقا، ومن حقنا بعد ذلك أن ندخل هذا الباب لنرى ما وراءه، وهذا الذي فعلناه تحديدا، فصرنا ننظر في سيرة محمد مادي في كندا وأمريكا..إلخ فوجدناها متطابقة مع ما قرره الملحد "حكيم". وعلى كل حال موضوعنا أكبر وأعمق من أن نحصره في بن مادي أو حكيم، الموضوع صار ظاهرة ـ الإلحاد الأمازيغي ـ يراها حتى الأعمى، وتتحدث عنها الصحف والقنوات، فبالتالي بحثتنا هذا للرد على الظاهرة، أما الأفراد فما هم إلا بيادق تعبث بها أصابع خفية في لعبة قذرة يغض الطرف عنها أصحاب المآرب الشخصية والمنافع الجهوية الذين ليس لهم همّ إلا أنفسهم، وما تخفي صدورهم أكبر!.

كلمة أخيرة لبن مادي ومن معه، والله إنني لعلى بينة من أمري، فلا وقت لدي لشغبكم، فبالتالي على هذا الموضوع السلام ولا تعليق لدي عليه بعد اليوم، وعليكم أن تحشدوا طاقاتكم في موضوع الفتوحات فهذا الذي يقوم عليه مشروعكم.

***

نبدأ بحول الله وقوته في هذه الحلقة بتأصيل قضية الفتوحات الإسلامية، وهذا التأصيل سيكون عبارة عن عدة محاور، وكل هذه المحاور مترابطة ومتداخلة، ولا يمكن فهم الموضوع فهما جيدا إلا بعد الإنتهاء من هذه المحاور كلها:

المحور الأول: الفرقان بين أولياء الرحمن وأولياء الشيطان (3)

قبل مبعث محمد صلى الله عليه وسلم كان المجتمع العربي ـ قوم محمد صلى الله عليه وسلم ـ عبارة عن تكتلات قبلية هنا وهناك، وكانت القبيلة العربية بالنسبة للفرد كالماء للسمك، فمن لم يكن في قبيلة تحميه فسيكون مستباح الحمى في ذلك المجتمع الذي فلسفته يلخصها الشاعر بقوله:

ومن لم يذد عن حوضه بسلاحه ... يهدم ومن لا يَظلم الناس يُظلم

والفرد في القبيلة العربية يعتبر ككل القبيلة، فأي اعتداء أو إهانة أو هجاء..إلخ لأي فرد من أفراد القبيلة في أي مكان وفي أي زمان يعتبر اعتداء على القبيلة كاملة، وبالتالي ستحشد القبيلة كل طاقاتها لرد هذا الإعتداء، وقد قامت الحروب وشُنت الغارات بسبب كلمة أو بيت شعر قِيل في فرد من أفراد بعض القبائل.

في هذا المجتمع القبلي أرسل الله رسوله العربي محمدا صلى الله عليه وسلم وأنزل عليه الفرقان (تبارك الذي نزل الفرقان على عبده ليكون للعالمين نذيرا). فانقسم ذلك المجتمع العربي القبلي بعد بعثته عليه الصلاة والسلام إلى معسكرين، معسكر الإيمان والذي يمثله محمد صلى الله عليه وسلم لوحده!، ومعسكر الكفر والذي يمثله باقي البشر! إلا بقايا من أهل الكتاب، ثم بدأ النبي صلى الله عليه وسلم في دعوة ذلك المجتمع العربي القبلي الجاهلي إلى معسكره الجديد ـ الإيمان ـ وبدأ النُّزاع من القبائل العربية يستجيبون لهذه الدعوة الجديدة حتى اجتمع مع النبي صلى الله عليه وسلم مجموعة من المؤمنين العرب، وبدأت بعد ذلك الأوامر الربانية تشكل هذا المجتمع الجديد تشكيلا جديدا، قال الله تعالى (قل يا أيها الكافرون لا أعبد ما تعبدون ولا أنتم عابدون ما أعبد ولا أنا عابد ما عبدتم ولا أنتم عابدون ما أعبد لكم دينكم ولي دين) وقال تعالى (لا تجد قوما يؤمنون بالله واليوم الآخر يوادون من حاد الله ورسوله ولو كانوا آباءهم أو أبناءهم أو إخوانهم أو عشيرتهم أولئك كتب في قلوبهم الإيمان وأيدهم بروح منه ويدخلهم جنات تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها رضي الله عنهم ورضوا عنه أولئك حزب الله ألا إن حزب الله هم المفلحون). وغير ذلك من الآيات التي قطعت كل الأوصال والوشائج القبلية، وشيّدت علاقة إيمانية جديدة قائمة على الحب في الله والبغض فيه.

وبناء على ما تقدم احتدمت المعركة بين المجتمع الإيماني الجديد وبين أبناء عمومتهم وإخوانهم وأباءهم وأبنائهم وأعمامهم وأخوالهم...إلخ من المجتمع الجاهلي القبلي، فثارت ثائرة هذا المجتمع الجاهلي ومارس على المجتمع الإيماني الجديد كل أنواع الإضطهاد من قتل وتشريد وتحريق ومصادرة أموال..إلخ. وقد عُرض على إمام المعسكر الإيماني عليه الصلاة والسلام كل المغريات ليترك دعوته ولكنه ظل صامدا ثابتا ثبوت الجبال الرواسي.

يقول "حكيم" في تهاوي الأصنام

القارئ المنصف لسيرة النبي صلى الله عليه وسلم لن يجد أدنى عناء في اكتشاف أن النبي صلى الله عليه وسلم قد عُرضت عليه جميع المغريات على أن يتراجع عن دعوته ولكنه رفض ذلك كله، والمواقف والأحداث أصعب من أحصرها في هذا المقال، أما ما ذكره "حكيم" عن هذه الرواية فأقول وبالله التوفيق:

هذا الحديث بهذا اللفظ ضعفه الشيخ الألباني رحمه الله فعلا، ولكن هناك رواية صحيحة حسنها الشيخ الألباني في نفس الصفحة التي ضعف فيها هذه الرواية!! وفي نفس الصفحة التي ينقل منها "حكيم" تقول هذه الرواية "جاءت قريش إلى أبي طالب فقالوا: أرأيت أحمد؟ يؤذينا في نادينا، وفي مسجدنا فانهه عن أذانا، فقال: يا عقيل، ائتني بمحمد فذهبت فأتيته به، فقال: يا ابن أخي إن بني عمك زعموا أنك تؤذيهم في ناديهم وفي مسجدهم فانته عن ذلك، قال: فلحظ رسول الله صلى الله عليه وسلم ببصره (وفي رواية: فحلق رسول الله صلى الله عليه وسلم ببصره) إلى السماء فقال: ما أنا بأقدر على أن أدع لكم ذلك، على أن تشعلوا لي منها شعلة، يعني الشمس، فقال أبو طالب: ما كذب ابن أخي، فارجعوا".

وقد حسن إسناد هذا الحديث أيضا الحافظ ابن حجر رحمه الله في المطالب العالية بزوائد المسانيد الثمانية كما هو موضح في الملحقات المرفقة (2).

الفارق الوحيد بين الروايتين هو أن في الرواية الضعيفة قال لقريش ضعوا الشمس في يميني، أما الرواية الصحيحة فطلب منهم أن يأتوه بشعلة من الشمس!! فهل ترى فرقا بين الأمرين أخي الكريم؟!! وهل كانت قريش لتستطيع أن تأتي بشعلة من الشمس؟!!. أما قضية الركاكة من عدمها فدع عنك هذا الباب فلست من أهل اللغة والبلاغة حتى تنصب نفسك حكما على اللغة العربية، ليس لأنك أعجمي!! بل لبضاعتك المزجاة في هذا الباب وكما هو الحال بالنسبة لي أيضا، فتقيم مثل هذا الكلام لغويا يحتاج إلى الراسخين في اللغة العربية وليس ضرورة أن يكونوا عربا!.

على كل حال أعود لأصل الموضوع، نكّلت قريش العربية! بأبناءها العرب أشد التنكيل حتى اضطرتهم إلا الفرار إلى المدينة النبوية حيث استقبلهم المؤمنون الجدد (الأنصار) وعاملوهم معاملة الأخ لأخيه، فقاسموهم أموالهم وديارهم. ثم استمرت قريش العربية في عداوتها للنبي صلى الله عليه وصحابته العرب حتى وقعت غزوة بدر التي كانت معركة الأخ لأخيه والأبن لأبيه وابن العم لابن عمه والخال لابن أخته وكل هؤلاء كانوا عربا، وكان من قدر الله أن تحصد السيوف العربية المؤمنة سبعين من رؤوس وزعماء العرب المشركين. ثم إلتقى الجمعان مرة أخرى ـ في أُحد ـ فكان من قدر الله أن تحصد السيوف العربية الكافرة سبعين من سادات الصحابة العرب . واستمرت المواجهة بين العرب حتى استقر الأمر على ظهور المؤمنين على الكافرين.

ولنا على ما تقدم التعليقات التالية:

1.  لا أريد أن أسترسل في سرد تفاصيل القصص والأحداث والوقائع التي دارت بين العرب (المؤمنين) والعرب (الكافرين)، فهي معلومة ظاهرة، ولو أردت أن أكتب عن هذا الموضوع لكتبت المجلدات، فحسبك أخي الكريم أن عمر بن الخصاب رضي الله عنه بعد أن أسر المسلمون سبعين من قريش أن كان رأيه فيهم "ولكني أرى أن تمكنا فنضرب أعناقهم ، فتمكن عليا من عقيل فيضرب عنقه ، وتمكني من فلان - نسيبا لعمر – فأضرب عنقه ، فإن هؤلاء أئمة الكفر وصناديدها " كما في صحيح مسلم.

2.  ما أردت من هذا المحور إلا أن أصحح مفهوما سائدا بين كثير من الناس، وهذا المفهوم قد روّج له أعداء الإسلام منذ قرون طويلة عبر المستشرقين وأبواقهم المحليين، هذا المفهوم المغلوط هو أن العرب غزوا أو فتحوا بلاد الآخرين، وهذه الكلمة وإن كان ظاهرها الرحمة! إلا أن باطنها السم الناقع!. فالحقيقة أن العرب فعلا هم الذين فتحوا بلاد المسلمين، لكن أي عرب هؤلاء الذين فتحوا بلاد المسلمين؟!!، فكلمة عرب كلمة عامة يدخل فيها العرب اليهود والعرب النصارى والعرب المشركين والعرب الصابئة...إلخ، فهؤلاء الأعداء يريدون من وراء الترويج لهذه الكلمة أن يُصورا قضية الفتوحات الإسلامية على أنها معارك بين العرب وبين غيرهم من الأمم (الأمازيغ في حالتنا هذه).

ولتقريب الصورة سأضرب هذاالمثل، تصور أخي الكريم لو أن جامعة كامبردج أعلنت عن رغبتها في قبول (عشرة) باحثين من كافة أنحاء العالم، ووضعت شروطا وضوابط دقيقة جدا لقبول هؤلاء الباحثين (كسنوات الخبرة، وكثرة نشر الأبحاث العلمية، والمشاركة في المؤتمرات العلمية...إلخ). فقدّم الباحثون من جميع أنحاء العالم طلباتهم وسيرهم الذاتية إلى الجامعة فبلغت آلاف الطلبات، بعد فرز الطلبات فاز (عشرة) فقط من الباحثين بهذه الوظائف، لكن كان من قدر الله ـ وهذا الشاهد ـ أن هؤلاء الباحثين العشرة كانوا كلهم عربا!!.

فهنا الجامعة ستتعامل مع هؤلاء الباحثين على أنهم باحثين متميزين لا على أنهم عربا، فسيقال وصل الباحثون المتميزون، وهذا سكن الباحثين المتميزين، وهذه اللوائح خاصة بالباحثين المتميزين...إلخ. ولا قيمة لكونهم عربا من عدمه في هذه القضية إطلاقا، فهؤلاء العرب لم يستحقوا هذا التكريم كونهم عربا، إنما استحقوا هذا التكريم لكونهم حققوا شروط القبول التي حددتها جامعة كامبردج، وأرجو أن يكون هذا واضحا عندك أخي الكريم.

نعود إلى العرب الفاتحين الآن:

-    فهؤلاء العرب الفاتحين أخي الأمازيغي ما خرجوا من الجزيرة العربية حتى ابتلاهم الله وزلزلهم زلزالا شديدا بشتى المحن والزلازل، ابتلاهم بالقتل، والفقر، والخوف، والجوع، ونقص الثمرات، وهجر الأولاد والديار...إلخ فما كان منهم إلا الإمتثال والسمع والطاعة لله ولرسوله.

-    هؤلاء العرب الفاتحين أخي الأمازيغي ما خرجوا من الجزيرة العربية حتى عُرضت عليهم مغريات الدنيا كلها على أن يتركوا دعوتهم الربانية، ولكنهم رفضوا ذلك من أجل إيصال كلمة الله للناس جميعا [راجع قصة النبي صلى الله عليه وسلم مع قريش المذكورة في بداية هذا المقال وغيرها].

-    هؤلاء العرب الفاتحين أخي الأمازيغي ما خرجوا من الجزيرة العربية حتى عضدتهم الأسياف، ورمتهم العرب عن قوس واحدة [راجع غزوة الأحزاب].

-    هؤلاء العرب الفاتحين أخي الأمازيغي ما خرجوا من جزيرة العرب حتى أسالوا أنهارا من دماء أبناءهم وإخوانهم وأعمامهم وأخوالهم في ذات الله ولم تأخذهم في الله لومة لائم، ثم لما انتهوا من أقاربهم توجهوا بأسيافهم إلى سائر القبائل العربية فأعملوا فيها السيف حتى أقاموا راية الإسلام في جميع ربوع الجزيرة العربية.

-    هؤلاء العرب الفاتحين أخي الأمازيغي ما خرجوا من الجزيرة العربية حتى ضربوا الجزية على يهود ونصارى العرب [راجع قصة وفد نجران وغيرها].

-    هؤلاء العرب الفاتحين أخي الأمازيغي ما خرجوا من الجزيرة العربية حتى أدبهم ربهم فأحسن تأديبهم، وألزمهم كلمة التقوى وكانوا أحق بها وأهلها، فحرم عليهم الظلم والبغي والعدوان وإتيان الفواحش والموبقات، وألزمهم الطهارة والعفة، وأمرهم بالإحسان في كل شئ حتى للحيوانات "إذا ذبحتم فأحسنوا الذبحة وإذا قتلتم فأحسنوا القتلة، وليحد أحدكم شفرته وليرح ذبيحته".

-    وخلاصة القول أخي الكريم أن هؤلاء العرب الفاتحين لم يستحقوا هذا التكريم من رب العالمين كونهم عربا، إنما استحقوا هذا التكريم لكونهم حققوا الشروط التي حددها رب العالمين ليكونوا أهلا لحمل رسالته لأهل الأرض كافة، وقد اختار الله بني اسرائيل قبل العرب ليكونوا حملة رسالته ولكنهم سقطوا من أول الطريق وكفروا بنعمة الله عليهم كما سأبينه في الحلقات القادمة إن شاء الله.

***

المحور الثاني: الفاروق عمر بن الخطاب رضي الله عنه

من الأمور التي يجب فهمها قبل المُضي قُدما في موضوع الفتوحات الإسلامية، وخاصة فيما يتعلق بفتح "ليبيا" هو التأمل في سيرة إمام الفاتحين والقائد العام أو الأعلى للجيوش الإسلامية، فهذه الجيوش الإسلامية التي زحفت نحو بلادنا "ليبيا" ما خرجت من الجزيرة العربية حتى بايعت أميرا لها على السمع والطاعة في كل شئ إلا فيما حرم الله، فلو أن هذا الأمير أمر تلك الجيوش بالرجوع إلى الجزيرة العربية، أو عقد الصلح، أو عدم فتح مدينة معينة...إلخ لما وسع تلك الجيوش إلا السمع والطاعة.

يقول الفاروق " ولست أدع أحداً يظلم أحدا ويتعدى عليه حتى أضع خده على الأرض أما من آثر القصد والدين والعفاف فسيجد من الرحمة ما لا مزيد عليه؛ أضع خدي لأهل العفاف".

هذا هو عمر بن الخطاب وهذا منهجه شديد  في الحق لا تأخذه في الله لومة لائم، ومع ذلك رحيم بالضعيف والمسكين حتى إن المرأة الضعيفة لتأمره وتنهاه!. ولا أريد أن أتكلم عن زهده وتواضعه وفقره وشدة خوفه من الله ..إلخ فقد أُلفت الكتب وكتبت المجلدات في ذلك، إنما ألخص ما أريد أن أقوله إلى النقاط التالية:

-    عمر بن الخطاب رضي الله كان يُعيّن حكاما على البلدان والمدن المفتوحة، وكان شديد المحاسبة والمتابعة لهم، وكان يعين قادة الجيوش وكان شديد المراقبة والمتابعة لهم [وما خبر عزل سيف الله المسلول خالد بن الوليد عنا ببعيد]، وكان يحاسب أكابر الحكام والقادة من أجل أضعف إنسان في مملكته [كما سيأتي في الحلقات القادمة حول قصة القبطي الشهيرة] وكان يقول رضي الله عنه " أيما عامل ـ أي حاكم ـ لي ظلم أحداً فبلغني مظلمته فلم أغيرها، فأنا ظلمته" كما ذكر ذلك ابن الجوزي رحمه الله في كتابه مناقب أمير المؤمنين عمر بن الخطاب.

-    وإلحاقا بالنقطة السابقة فقد كان لعمر بن الخطاب جهازا خاصا بقيادة الصحابي محمد بن مسلمة رضي الله عنه لمتابعة الحكام واستبدالهم إن لزم الأمر.

-    كان عمر من أزهد الناس في الدنيا، وربما صعد المنبر ليخطب بالناس وثوبه مرقع من كل جانب، وكان عامة أكله الخبز والزيت، لا عن فقر، كلا والله، فقد نُقلت إليه كنوز كسرى وقيصر (ودجاجات وعنزات من بلادنا!!) ولكن لعلمه أن الدنيا دار ممر والأخرة هي المستقر، ولعلمه وإيمانه بأن الله سيحاسبه على النقير والقطمير.

-    عمر رضي الله عنه كان من أعدل الناس، وهذه القضية أشهر من أن نورد لها الأدلة، وقد شهد له العدو قبل الصديق "عدلت فأمنت فنمت".

-    كان عمر رضي الله عنه قائد أقوى قوة على وجه الأرض في زمانه، فقد تحطمت في زمانه أقوى امبراطوريتين، فهذا يعني أنه لو أراد أن يفعل شيئا على وجه الأرض فلن يخشى أحدا على الإطلاق، ولن يحول بينه وبين تحقيق هذا الشئ مانع إطلاقا، وهذا يوصلنا إلى نتيجة حتمية وهي أن ما قام به عمر من أعمال جليلة كان مصدره الخوف من الله فقط.

-    فإذا كان رأس الدولة وإمامها بهذا الصلاح والتقوى وبهذا المقدار من العدل والإستقامة فلو قدر الله أن أحدا من أفراد الدولة مال ذات اليمين أو ذات الشمال لوجد من هو أشد منه قوة وأكثر جمعا يقوّم اعوجاجه، وهذا يقودنا إلى نتيجة أخرى ألا وهي أن الجيوش التي زحفت نحو "ليبيا" لفتحها كانت مُلجمة بلجامين، لجام التقوى، ولجام الخليفة العادل.

ولعلي أنقل موقفا واحدا من محاسبة عمر بن الخطاب لأمرائه، قال خالد بن معدان "استعمل علينا عمر بن الخطاب بحمص سعيد بن عامر الجُمحي، فلما قدم عمر حمص قال: يا أهل حمص، كيف وجدتم عاملكم؟ فشكوه إليه، وكان يقال لأهل حمص الكوفية الصغرى لشكايتهم العمال، قالوا: نشكوه أربعاً، لا يخرج إلينا حتى يتعالى النهار، قال: أعظم بها وماذا؟ قالوا: لا يجيب أحداً بليل، قال: وعظيمة، وماذا؟ قالوا: وله يوم في الشهر لا يخرج فيه إلينا، قال عظيمة وماذا؟ قالوا: يَغْنَط الغَنْطَة بين الأيام (أي يغمى عليه ويغيب عن حسه) فجمع عمر بينهم وبينه وقال: اللهم لا تفيّل رأيي فيه اليوم، وافتتح المحاكمة فقال لهم أمامه: ما تشكون منه؟ قالوا: لا يخرج إلينا حتى يتعالى النهار، قال: ما تقول؟ قال: والله إن كنت لأكره ذكره: ليس لأهلي خادم، فأعجن عجيني ثم أجلس حتى يختمر ثم أخبز خبزي ثم أتوضأ ثم أخرج إليهم فقال: ما تشكون منه؟ قالوا: لا يجيب أحداً بليل، قال: ما تقول؟ قال: إن كنت لأكره ذكره، إني جعلت النهار لهم وجعلت الليل لله عز وجل قال: وما تشكون منه؟ قالوا: إن له يوماً في الشهر لا يخرج إلينا فيه قال: ما تقول؟ قال: ليس لي خادم يغسل ثيابي ولا لي ثياب أبدلها، فأجلس حتى تجفّ ثم أدلكها ثم أخرج إليهم آخر النهار قال: ما تشكون منه، قالوا: يَغْنط الغنطة بين الأيام قال: ما تقول؟ قال: شهدت مصرع خُبيب الأنصاري بمكة وقد بضعت قريش لحمه ثم حملوه على جذعة فقالوا، أتحب أن محمداً مكانك؟ فقال، والله ما أحب أني في أهلي وولدي وأن محمداً صلى الله عليه وسلم يشتاكُ شوكة ثم نادى يا محمد فما ذكرت ذلك اليوم وتركي نصرته في تلك الحال وأنا مشرك لا أؤمن بالله العظيم إلا ظننت أن الله عز وجل لا يغفر لي بذلك الذنب أبداً فتصيبني تلك الغنطة فقال عمر: الحمد لله الذي لم يفيّل فراستي، فبعث إليه بألف دينار وقال: استعن بها على أمرك، ففرَّقها" انتهى كما في حلية الأولياء، وصفة الصفوة لابن الجوزي وغيرهما.

الخلاصة العامة:

اصطفى الله نبيه محمدا صلى الله عليه وسلم لتبليغ رسالته إلى أهل الأرض قاطبة، فاستجاب له من استجاب من قومه العرب، وكفر من كفر من قومه العرب، ثم قام سوق الصراع بين الإخوة وأبناء العمومة العرب، حتى كتب الله النصر للمؤمنين منهم، وخلال فترة الصراع بين الفريقين ابتلى الله المؤمنين بكافة الإبتلاءات فخرجوا من هذه الإبتلاءات كالذهب الخالص، فكانت هذه الفئة من المؤمنين أهلا لتبليغ رسالة الله لأهل الأرض، فخرجت هذه الفئة من جزيرة العرب بعد أن تربت تربية قرآنية على يد رسول الله صلى الله عليه وسلم، خرجت هذه الفئة من جزيرة العرب بعد أن بايعت أميرا لها شهد له العدو قبل الصديق بأن اسمه والعدل قرينان، فإذا ذُكر عمر بن الخطاب ذُكر العدل، وإذا ذُكر العدل ذُكر عمر بن الخطاب.

نتيجة حتمية يحتمها العقل والمنطق

فإذا ثبت أن هذا الجيش هكذا وصفه وهذا الأمير هذا حاله فهذا يقودنا إلى نتيجة حتمية وهي أن هذا الجيش لا يمكن أن يغدر أو يخون أو يأكل حقوق الناس بالباطل أو يتجاوز الحدود أو يأخذ دجاجات الأخرين بغير حق ويستحيل أن يبقر بطون الحوامل ولا أن يقتل الأطفال ولا أن يبيد الناس...إلخ ولقائل أن يقول وماذا عن الدجاجات والعنزات التي أُخذت من بلادنا هل تستطيع أن تنكر ذلك؟! أقول أنتظر أخي الكريم واصبر فإن للقصة فصولا ومحاورا ولازلنا نحن في بداية القصة.

المحمودي

الثلاثاء 5/10/1431 هـ - الموافق 14/9/2010 م

Almahmoudi08@yahoo.com

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

  1. تجده هنا: http://www.libya-watanona.com/adab/mahmoudi/mm180210a.htm
  2. تجده هنا: http://www.libya-watanona.com/letters/v2009a/v29feb10k.htm

وقد أشار إلى هذه القصة الأخ يوسف عيسى أيضا في أحد مقالاته، وعلم الله الذي لا تخفى عليه خافية إني لأعلم تفاصيلها قبل أن يذكرها الأخ يوسف، لكنني آثرت أن لا أتكلم حتى أسمع من صاحب القصة نفسه.

  1. هذا العنوان مأخوذ من عنوان كتاب لشيخ الإسلام ابن تيمية (الفرقان بين أولياء الرحمن وأولياء الشيطان). وهذا الكتاب من أوائل الكتب التي قرأتها لشيخ الإسلام، وهو كتاب عظيم لمن أراد أن يؤصل هذه المسألة.
  2. كلام الشيخ الألباني والحافظ ابن حجر تجده في الملحقات أدناه:

-          أشكرك أخي أحمد القزيري على كلماتك الطيبة، وكما يقال "الصراخ على قدر الألم!"

 

 

 


الحلقة الأولى الحلقة الثانية الحلقة الثالثة الحلقة الرابعة الحلقة الخامسة الحلقة السادسة
الحلقة السابعة الحلقة الثامنة الحلقة التاسعة الحلقة العاشرة الحلقة 11 الحلقة 12
الحلقة 13 الحلقة 14

Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home