Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home
Libyan Writer Al-Mahmoudi
الكاتب الليبي المحمودي

الإثنين 14 مارس 2011

من صنع لكم معروفا فكافئوه

المحمودي 

إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله.

أما بعد.

بعد موت أبي طالب وخديجة رضي الله عنها ـ سندي رسول الله صلى الله عليه وسلم ـ اشتد أذى قريش للنبي صلى الله عليه وسلم مما اضطره للهجرة إلى الطائف، وفي الطائف هنالك استقبله أهلها شر استقبالٍ، حيث سلطوا عليه سفائهم وصبيانهم، فخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم من الطائف وقد ضاقت عليه الأرض بما رحبت بعد أن تنكّر له القريب والبعيد، ولم يجد رسول الله بُدٌ من الرجوع إلى مكة، فأرسل إلى عدد من زعماء قريش على أن يُجيروه فرفضوا جميعا إلا رجلا واحدا ".. فبعث إلى المطعم بن عدي، فقال المطعم نعم، ثم تسلح ودعا بنيه وقومه فقال: البسوا السلاح، وكونوا عند أركان البيت، فإني قد أجرت محمداً، ثم بعث إلى رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم أن أدخل، فدخل رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم ومعه زيد بن حارثة حتى انتهى إلى المسجد الحرام، فقام المطعم بن عدي على راحلته فنادى يا معشر قريش، إني قد أجرت محمداً فلا يهجه أحد منكم، وانتهى رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم إلى الركن فاستلمه، وصلى ركعتين، وانصرف إلى بيته، ومطعم بن عدي وولده محدقون به بالسلاح حتى دخل بيته..". هذا الموقف العظيم ـ وغيره من المواقف ـ من المطعم بن عدي لم ينسه له رسول الله صلى الله عليه وسلم، وكيف ينساه وهو سيد الأوفياء، فبعد انتهاء غزوة بدر ووقوع سبعين من المشركين في الأسر، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "لو كان المطعم بن عدي حياً ثم كلمني في هؤلاء النتنى لتركتهم له".

ولي على هذا الموقف بعض التأملات أوجزوها في النقاط التالية:

-  المطعم بن عدي كان مشركا حينما أجار النبي صلى الله عليه وسلم، وقطعا الدافع الذي جعله يُجير النبي صلى الله عليه وسلم لم يكن رجاء الثواب من عند الله، فهو لا يؤمن بالبعث والحساب بعد الموت، لكن مع ذلك تمنى النبي صلى الله عليه وسلم لو كافئه على عمله هذا، وهذا مصداقا لقوله عليه السلام "من صنع لكم معروفا فكافئوه". فهنا النبي صلى الله عليه وسلم أطلق ولم يقيد، فكل من صنع لنا معروفا، سواء كان مسلما أو كافرا، سواء كان مرائيا أو مخلصا، سواء كانت له مصلحة وراء هذا المعروف أم لم تكن، كل ذلك لا يؤثر، بل علينا أن نكافئه على معروفه هذا استجابة لأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم. (وهذه نقطة لها ما بعدها، وسأعود إليها بعد هذه النقطة التالية). 

-  تأمل أخي الكريم في حال هؤلاء الأسرى الذين أسرهم رسول الله صلى الله عليه وسلم في غزوة بدرٍ، فهؤلاء هم أئمة الكفر وصناديد الشرك، هؤلاء هم الذين أذاقوا رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه ألوان العذاب، فهم الذين سحلوهم في طرقات مكة الحارقة، وهم الذين قتلوا كثيرا منهم، وهم الذين شتموهم، وهجروهم، واتهموهم بالكذب والجنون، ثم طردوهم واستحلوا أموالهم، وحرضوا عليهم القبائل، وأخيرا خرجوا لقتالهم ولكنهم وقعوا في الأسر، ومع ذلك كان النبي صلى الله عليه وسلم على استعداد لإطلاق سراحهم جميعا، دون محاكمة أو "متابعة جنائية!!" مقابل أن يرد الإحسان للمطعم بن عدي فقط!.

قبل أيام أطلق المستشار مصطفى عبد الجليل ـ رئيس المجلس الوطني الإنتقالي ـ دعوة مفادها أن يغادر القذافي البلاد في غضون ثلاثة أيام على أن لا يُلاحق جنائيا، ولما سُئل عن الدافع لدعوته قال "حقنًا للدماء"، فاشتد عليه الإعتراض والنكير حتى تراجع عن دعوته هذه، ولو أننا سألنا هؤلاء المعترضين عن سبب اعتراضهم لما كان لهم من جواب إلا التشفي والإنتقام من القذافي، وهذا مبرر شرعي لا غبار عليه، فالقذافي اقترف من الموبقات في حق الشعب الليبي ما يجعل قلب الإنسان يمتلئ غلا وحقدا عليه، لكن في المدلهمات العظيمة والنوازل الجسيمة التي تنزل بنا علينا أن نترفع عن كل ما من شأنه أن يحول بيننا وبين التفكير السليم، علينا أن ننظر للأمور بعين التدبر والتأمل، وعلينا أن نُقدم المصلحة الكبرى (حقن دماء الليبيين) على المصلحة الصغرى (الإنتقام من القذافي). فحقن دماء الليبيين أولى بما لا يقارن من التشفي من القذافي وأعوانه، فليرحل "في ستين داهية" ولا لسفك قطرة دمٍ واحدة، ومن هنا تعلم أخي الكريم أن كثيرا من المواقف التي تتبناها الأغلبية ليس من الضرورة أن تكون موافقة للصواب والله الموفق (1). 

ــ  من رحمة الله بالشعب الليبي في هذه الثورة المباركة أن هيأ له قناة الجزيرة لتنقل ثورته للعالمين، ولولا ذلك لذُبح الشعب الليبي من الوريد إلى الوريد ولن يسمع بمحنته أحدٌ، وقناة الجزيرة كما لا يخفى هي تبع لدولة قطر وأميرها حمد بن خليفة، والسؤال هو، هل كافأنا دولة قطر وأميرها والجزيرة على ما قدموه لنا من معروف؟! والجواب الذي لا يخفى على أحد أننا لم نفعل شيئا من ذلك، ولعل سائل يتسائل هنا، وما الذي نستطيع فعله ونحن في مثل هذه الظروف؟!. والجواب، ليس من الضروري أن يكون رد المعروف شئ مادي كالدرهم والدينار، فهناك أمور كثيرة يمكن أن نرد بها المعروف، فمن المعلوم أن الملوك والسلاطين ونحوهم يحبون المدح والفخر، فما الذي يمنع إخواننا في المدن المحررة من إطلاق اسم حمد بن خليفة على أحد الشوارع الكبيرة في تلك المدن؟! هل مازلنا بحاجة لشارع باسم "جمال عبد الناصر" مثلا؟! ما الذي قدمه لنا جمال عبد الناصر مقابل ما قدمه لنا حمد بن خليفة؟! وحتى تتصور حقيقة ما يقدمه لنا حمد بن خليفة أريدك أن تتصور لو أنه أمر قناة الجزيرة بعدم تغطية الأحداث في ليبيا، هل تصورت الأمر؟! (ولا يعنيني إطلاقا دوافع حمد بن خليفة والجزيرة لتغطية الأحداث في ليبيا) ستُمسح قرى كاملة ولن يسمع بها أحدٌ، وأنا أقترح استبدال "ميدان الجزائر" الذي في طرابلس بعد فتحها "بالميدان القطري" مع احترامنا لإخواننا الجزائريين، لكن عليهم أن يعلموا أن حكومتهم شاركت في قتل الليبيين، وكذلك الحال بالنسبة لقناة الجزيرة، فلا يكفي الهتاف تحيا الجزيرة فقط، بل علينا أن نترجم هذا الهتاف إلى عمل، فعلى سبيل المثال، كل فريق الجزيرة الذي ينقل الحدث في ليبيا اليوم يجب أن تكون لهم مزايا خاصة، كمنحهم الإقامة الدائمة في ليبيا، وصرف امتيازات خاصة لهم، كالعلاج المجاني والتعليم المجاني لهم ولعائلاتهم (2)، وكل ما تقدم يجب أن يكون على الملأ بل ويُقام له مهرجان افتتاح وتتلى فيه البيانات ويُنقل عبر وسائل الأعلام المختلفة وهذا أمر أرى أننا تأخرنا كثيرا في فعله ولا يحتمل التأخير أكثر بل علينا تنفيذه في أسرع وقت ممكن، فكل ما تحقق من إنجازات على أرض الوطن فشطره للجزيرة. وإذا فعلنا ذلك ستكون سابقة انفرد بها الليبيون دون جيرانهم ـ تونس ومصر ـ وسيكون لها أثر إيجابي عليهم وعلى ثورتهم المباركة في العاجل والآجل (فياليت قومي يستعجلون) فهل جزاء الإحسان إلا الإحسان؟!.   

المحمودي

الأحد8/4/1432 هـ - الموافق 13/3/2011م

Almahmoudi08@yahoo.com 

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

1. وأنا في الحقيقة أتحفظ على هذه الدعوة لا من حيث الأصل والمبدأ لكنني أتحفظ عليها لأنني أعلم علم اليقين أن القذافي لا يستجيب لمثل هذه الدعوات، فهو والعياذ بالله يرى نفسه "إلها يُعبد" فهو في مخيلته فوق أن يُفاوضه أو يُراجعه أحد، وتحفظي تحديدا هو أن القذافي سيفهم هذه الدعوة على أنها ضعف واستجداء، وما أراه فهمها إلا هكذا. 

2. يجب إكرام الأخ المصور علي حسن جابر رحمه الله، وأنا أعلم أن القطريين ليسوا بحاجة للأمور المادية، ولكن لو أن المتحدث باسم المجلس الإنتقالي أو غيره أعلن عن بعض المكافآت لزوجة علي جابر وأبنائه، مثل التعهد بكفالة العلاج والتعليم في أي بقعة من بقاع العالم وعلى مدى الحياة ونحو هذه الأمور سيكون فيها مردود إيجابي علينا كلنا، وسيعكس للعالم كله وليس للقطريين فقط أصالة أخلاقنا ووفاءنا لمن أحسن إلينا.


Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home