Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home
Libyan Writer Al-Mahmoudi
الكاتب الليبي المحمودي

Friday, 13 May, 2008

الحلقة الأولى    الحلقة الثانية    الحلقة الثالثة    الحلقة الرابعة    الحلقة الخامسة

فصل الخطاب في بيان مخالفة فلم الرسالة للصواب (5)

المحمودي

إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره ونستهديه ، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا ، من يهده الله فلا مضل له ، ومن يضلل فلا هادي له وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له ، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله. أما بعد.

المشهد التاسع

كانت هناك بعض الأحداث بين غزوة بدر وغزوة أحد ، كغزوة السويق وسرية زيد بن حارثة التي اعترضت قافلة قريش يقودها صفوان بن أمية وغير ذلك من السرايا والبعوث وهذه الأحداث وإن كانت مهمة إلا أننا لا نستطيع أن نأتي على كل ما أسقط من الفلم بل سنكتفي بالغزوات الكبرى كالأحزاب وغيرها ، ومن ضمن هذه الأحداث مقتل كعب بن الأشرف اليهودي ، وحيث أن الفلم لم يتطرق إلى اليهود إطلاقا ، أحببنا أن نبين للقارئ الكريم نمادج من معاملة النبي صلى الله عليه وسلم لهذه الطائفة التي لا تحسن العيش إلا في ظل المكر والخداع ونقض العهود..إلخ.

كعب بن الأشرف من أثرياء اليهود وكان شاعرا بليغا، لما بلغه مقتل صناديد الكفر في بدر قال والله لباطن الأرض خير من ظاهرها ، هؤلاء أشراف العرب وملوك الناس ، ثم ذهب عدو الله إلى مكة يحرض المشركين على القتال ويذكرهم قتلاهم في بدر وينشد الأشعار ويبكي ، يثير حفائظ المشركين ويذكي حقدهم ، وقد روى الإمام أحمد ابن عباس قال: لما قدم كعب بن الأشرف مكة قالت قريش: ألا ترى هذا الصنبور المنبتر من قومه يزعم أنه خير منا ونحن أهل الحجيج وأهل السدانة وأهل السقاية. قال: أنتم خير. قال فنزلت "إن شانئك هو الأبتر ونزل أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُواْ نَصِيبًا مِّنَ الْكِتَابِ يُؤْمِنُونَ بِالْجِبْتِ وَالطَّاغُوتِ وَيَقُولُونَ لِلَّذِينَ كَفَرُواْ هَؤُلاء أَهْدَى مِنَ الَّذِينَ آمَنُواْ سَبِيلاً أُوْلَئِكَ الَّذِينَ لَعَنَهُمُ اللّهُ وَمَن يَلْعَنِ اللّهُ فَلَن تَجِدَ لَهُ نَصِيرًا".

ولم يكتف بذلك بل رجع إلى المدينة وأخذ يقول الأشعار التي تؤذي المسلمين ونسائهم غاية الإيذاء ، ولازال كذلك حتى ندب النبي صلى الله عليه وسلم الصحابة إلى قتله ، والقصة ثابتة في الصحيحين وغيرهما وخلاصتها أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (من لكعب بن الأشرف؟! فإنه آذى الله ورسوله). قال محمد بن مسلمة: أتحب أن أقتله يا رسول الله؟ قال: (نعم). قال: فأتاه، فقال: إن هذا –يعني: النبي صلى الله عليه وسلم - قد عنّانا وسألنا الصدقة! قال: وأيضاً؟! والله لتملنه! قال: فإنا قد اتبعناه فنكره أن ندعه، حتى ننظر إلى ما يصير أمره! قال: فلم يزل يكلمه حتى استمكن منه فقتله. فهذه قصة هذا اليهودي الحاقد وهذا هديه صلى الله عليه وسلم مع من كان هذا حاله ، فإن كعب بن الأشرف حتى بموازين الأمم المتحدة!! يعتبر مجرم حرب ، وذلك للدور الخبيث الذي قام به من تحريض المشركين وتأليبهم على قتال المسلمين ، وكذلك الأذية البالغة التي أنزلها بالمسلمين ونسائهم.

المشهد العاشر

غزوة أحد من أبرزغزوات النبي صلى الله عليه وسلم وفيها من العبر والفوائد الشيء الكثير، وليس هنا مكان بسطها وبيانها، فمن أراد أن يتوسع في هذا الموضوع فليراجع كتب السير فقد تعرض العلماء لهذه الغزوة بالتفصيل ، وخاصة العلامة ابن القيم في كتابه العظيم زاد المعاد ، والذي يهمنا في هذا المقام هو كيفية عرض فلم الرسالة لهذه الغزوة العظيمة.

إن المتأمل في هذه الغزوة ليدرك للوهلة الأولى أن هذه الغزوة ـ حسب عرض الفلم ـ قائمة على ثلاثة محاور يدركها المشاهد دون مشقة وعناء!!

المحور الأول: إظهار هند بنت عتبة على أنها رأس الحربة في هذه الغزوة ، فهي التي تحرض الجيش فتقف على صهوة جوادها بين الجيشين وتلقى الأشعار ويهتف لها الجيش المشرك بأعلى صوته ، ولما سقط لواء المشركين كانت هند هي التي أخذته وأعطته للفارين من المشركين ، وتحث الفارين من المشركين على الثبات ، مع أن الذي ورد في كتب السيرأن الذي حمل لواء المشركين بعد سقوطه هي عمرة بنت علقمة الحارثية ، قال ابن إسحاق ‏‏:‏‏ وقال حسَّان بن ثابت في شأن عمرة بنت علقمة الحارثية ورفعها اللواء ‏‏:‏‏

إذا عضل سيقت إلينا كأنها * جداية شرك معلمات الحواجب
أقمنا لهم طعنا مبيرا منكلا * وحزناهم بالضرب من كل جانب ‏
فلولا لواء الحارثية أصبحوا * يباعون في الأسواق بيع الجلائب

فلم تكن هند كما قلنا المرأة الوحيدة الحاضرة في هذه الغزوة فقد حضر كثير من المشركات مع جيش المشركين، وكذلك حضر مجموعة من الصحابيات مع جيش النبي صلى الله عليه وسلم ونحن لا ننفي أن هندا رضي الله عنها خرجت مع قومها للإنتقام ، لكن الذي ننفيه هو أنها لم تكن تختلف عن قومها في هذه القضية ، فالكل خرج للإنتقام ، بل إن بعض المشركين بلغ به الحنق والغيظ والغل وحب الإنتقام إلى محاولة إغتيال النبي صلى الله عليه وسلم ، وهو بلا ريب مبلغ لم تبلغه هند بنت عتبة!! أو على الأقل لم يثبت عندنا بأسانيد صحيحة ولا حتى ضعيفة!! ولكن كما قلنا من قبل هكذا أراد الروافض إظهار هند ، فكان لهم ما أرادوا عليهم من الله ما يستحقون.

قال عروة بن الزبير: جلس عمير بن وهب الجمحي مع صفوان بن أمية في الحِجْر، بعد مصاب أهل بدر بيسير, وكان عمير بن وهب شيطانًا من شياطين قريش، وممن كان يؤذي رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه، ويلقون منه عناء وهو بمكة، وكان ابنه وهب بن عمير في أسارى بدر، فذكر أصحاب القليب ومصابهم، فقال صفوان: (والله ما في العيش بعدهم خير). قال له عمير: صدقت، أما والله لولا دَيْنٌ علي ليس عندي قضاؤه، وعيال أخشى عليهم الضيعة بعدي، لركبت إلى محمد حتى أقتله، فإن لي فيهم علة, ابني أسير في أيديهم. قال: فاغتنمها صفوان بن أمية فقال: عليّ دينك أنا أقضيه عنك، وعيالك مع عيالي أواسيهم ما بقوا، لا يسعني شيء ويعجز عنهم، فقال له عمير: فاكتم علي شأني وشأنك. قال: أفعل. قال: ثم أمر عمير بسيفه، فشحذ وسُمَّ، ثم انطلق حتى قدم المدينة ، فبينما عمر بن الخطاب في نفر من المسلمين يتحدثون عن يوم بدر، ويذكرون ما أكرمهم الله به، وما أراهم في عدوهم، إذ نظر عمر إلى عمير بن وهب وقد أناخ راحلته على باب المسجد متوشحًا سيفه، فقال: هذا الكلب عدو الله عمير بن وهب، ما جاء إلا لشرٍّ وهو الذي حرش بيننا، وحزرنا للقوم يوم بدر. ثم دخل عمر على رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: يا نبي الله هذا عدو الله عمير بن وهب قد جاء متوشحًا سيفه.قال صلى الله عليه وسلم: «فأدخله عليَّ» قال: فأقبل عمر حتى أخذ بحمالة سيفه في عنقه فلبَّبَه بها، وقال لمن كان معه من الأنصار: ادخلوا على رسول الله صلى الله عليه وسلم فاجلسوا عنده واحذروا عليه من هذا الخبيث، فإنه غير مأمون. ثم دخل به على رسول الله صلى الله عليه وسلم، فلما رآه رسول الله صلى الله عليه وسلم وعمر آخذ بحمالة سيفه في عنقه قال: «أرسله يا عمر، ادنُ يا عميرُ». فدنا ثم قال: انعموا صباحًا، وكانت تحية أهل الجاهلية بينهم، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «أكرمنا الله بتحية خير من تحيتك يا عمير، بالسلام تحية أهل الجنة» فقال: أما والله، يا محمد إن كنت بها لحديث عهد. فقال: «فما جاء بك يا عمير؟» قال: جئت لهذا الأسير الذي في أيديكم فأحسنوا فيه. قال: «فما بال السيف في عنقك؟» قال: قبَّحها الله من سيوف! وهل أغنت عنا شيئًا؟!! قال: «اصدقني ما الذي جئْتَ به؟» قال: ما جئت إلا لذلك. قال: «بل قعدت أنت وصفوان بن أمية في الحجر، فذكرتما أصحاب القليب من قريش، ثم قلت: لولا دينٌ عليَّ وعيالٌ عندي لخرجت حتى أقتل محمدًا، فتحمل لك صفوان بن أمية بدينك وعيالك، على أن تقتلني له، والله حائل بينك وبين ذلك». قال عمير: أشهد أنك رسول الله، قد كنا يا رسول الله نكذبك بما كنت تأتينا به من خبر السماء، وما ينزل عليك من الوحي، وهذا أمر لم يحضره إلا أنا وصفوان، فوالله إني لأعلم ما أتاك به إلا الله، فالحمد لله الذي هداني للإسلام، وساقني هذا المساق، ثم شهد شهادة الحق, فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «فقهوا أخاكم في دينه، وعلموه القرآن، وأطلقوا أسيره ففعلوا». ثم قال: يا رسول الله إني كنت جاهدًا على إطفاء نور الله، شديد الأذى لمن كان على دين الله عز وجل، وأنا أحب أن تأذن لي فأقدم مكة فأدعوهم إلى الله وإلى رسوله، وإلى الإسلام، لعل الله يهديهم, وإلا آذيتهم في دينهم كما كنت أوذي أصحابك في دينهم، قال: فأذن له رسول الله صلى الله عليه وسلم فلحق بمكة وكان صفوان بن أمية حين خرج عمير بن وهب، يقول: أبشروا بوقعة تأتيكم الآن في أيام، تنسيكم وقعة بدر، وكان صفوان يسأل عن الركبان، حتى قدم راكب فأخبره بإسلامه، فحلف أن لا يكلمه أبدًا، ولا ينفعه بنفع أبدًا. انتهى

فهذه القصة لا تهم الروافض ، الذي يهمهم هو كيفية النيل من هند ـ أم معاوية بن أبي سفيان ـ رضي الله عنهم أجمعين ، ومن شدة مكر القائمين على فلم الرسالة ومن ورائهم الروافض الذين يمدونهم في الغي ثم لا يقصرون أن المرأة الوحيدة التي ظهرت في هذه الغزوة هي هند وهند فقط!!! فهل كانت هند هي المرأة الوحيدة التي خرجت مع صفوف المشركين؟!! ثم أليس قد خرج مع المسلمين نسوة ضربوا أروع الأمثلة في التضحية والفداء منهم أم عمارة نسيبة بنت كعب الأنصارية والتي تحدث عن نفسها فتقول " خرجت أول النهار إلى أحد، وأنا أنظر ما يصنع الناس ومعي سقاء فيه ماء فانتهيت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو في أصحابه والدولة والربح للمسلمين ، فلما انهزم المسلمون انحزت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فجعلت أباشر القتال وأذب عن رسول الله صلى الله عليه وسلم بالسيف وأرمي بالقوس حتى خلصت إلي الجراح . فرأيت ـ الراوية أم سعد بنت سعد بن ربيع ـ على عاتقها جرحا له غور أجوف فقلت : يا أم عمارة من أصابك بهذا ؟ قالت أقبل ابن قميئة وقد ولى الناس عن رسول الله صلى الله عليه وسلم يصيح دلوني على محمد ، فلا نجوت إن نجا فاعترض له مصعب بن عمير وأناس معه فكنت فيهم فضربني هذه الضربة ولقد ضربته على ذلك ضربات ولكن عدو الله كان عليه درعان .

وعن أنس رضي الله عنه قال " لما كان يوم أحد انهزم الناس عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ولقد رأيت عائشة بنت أبي بكر وأم سليم رضي الله عنهما وإنهما لمشمرتان- أي قدم سوقهن- تنقزان (وقال غيره: تنقلان) القرب على متونهما (أي ظهورهما) ثم تفرغانه في أفواه القوم فتملآنها ثم تجيئان فتفرغان في أفواه القوم.

فلماذا لم تظهر هذه الجوانب المضيئة في فلم الرسالة؟!!

والجواب أخي الكريم هو أن القائمين على إنتاج فلم الرسالة أرادوا لذهن المشاهد ألا يتشتت في التركيز إلا على امرأة واحدة وهي هند بنت عتبة وما تقوم به من أعمال بغيضة في هذه الغزوة.

المحور الثاني:هو جعل قيادة الجيش المسلم لشخصيات معروفة ومحددة من الصحابة وهم حمزة وزيد بن الحارثة وعمار بن ياسر وبلال بن رباح ، والمتأمل في كل الغزوات يجد تركيزا ملحوظا على عمار بن ياسر رضي الله عنه ، ففي هذه الغزوة لما أشيع أن النبي صلى الله عليه وسلم قد قتل صاح عمار رضي الله عنه قائلا " إن كان رسول الله صلى الله عليه وسلم قد قتل فقوموا وموتوا على ما مات عليه " ، وهذا كما لا يخفى غير صحيح على الإطلاق ، فإن لهذه الكلمات قصة ، وقائل هذه الكلمات أنصاري صدق ما عاهد الله عليه ، يقول أنس رضي الله عنه غَابَ عَمِّي أَنَسُ بْنُ النَّضْرِ عَنْ قِتَالِ بَدْرٍ فَقَالَ يَا رَسُولَ اللَّهِ غِبْتُ عَنْ أَوَّلِ قِتَالٍ قَاتَلْتَ الْمُشْرِكِينَ لَئِنْ اللَّهُ أَشْهَدَنِي قِتَالَ الْمُشْرِكِينَ لَيَرَيَنَّ اللَّهُ مَا أَصْنَعُ فَلَمَّا كَانَ يَوْمُ أُحُدٍ وَانْكَشَفَ الْمُسْلِمُونَ قَالَ اللَّهُمَّ إِنِّي أَعْتَذِرُ إِلَيْكَ مِمَّا صَنَعَ هَؤُلَاءِ يَعْنِي أَصْحَابَهُ وَأَبْرَأُ إِلَيْكَ مِمَّا صَنَعَ هَؤُلَاءِ يَعْنِي الْمُشْرِكِينَ ثُمَّ تَقَدَّم.. الحديث. وفي رواية لما انهزم الناس؛ لم ينهزم أنس بن النضر رضي الله عنه، وقد انتهى إلى رجال من المهاجرين والأنصار قد ألقوا بأيديهم، فقال: ما يجلسكم؟ فقالوا: قتل رسول الله صلى الله عليه وسلم . فقال: فما تصنعون بالحياة بعده؟ فقوموا فموتوا على ما مات عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم ، ثم استقبل المشركين، ولقي سعد بن معاذ، فقال: يا سعد! واهاً لريح الجنة، إني أجدها من دون أحد. فقاتل حتى قتل، ووجد به بضع وسبعون ضربة، ولم تعرفه إلا أخته، عرفته ببنانه".

فكما ترى أخي الكريم فهذا الموقف العظيم من هذا الصحابي الجليل أنس بن النضر أبى الحقد الرافضي ـ الشيعي ـ إلا طمسه ، بل لم يكتفوا بطمس هذه الحقيقة ، فنسبوها إلى الصحابي الجليل عمار بن ياسر ، وما ذلك إلا لاعتقادهم بأن عمار بن ياسر كان من شيعة علي رضي اله عنه ، وعمار رضي الهإ عنه برئ منهم ومن اعتقاداتهم الباطلة.

المحور الثالث: الإهمال التام لسائر المهاجرين والأنصار في هذه الغزوة فلم يذكر أحد منهم لا تصريحا ولا تلميحا. وهذا أمر ظاهر في جميع جزئيات الفلم إلا أن عدم ذكرهم في غزوة أحد يثير الإستغراب والإستهجان في ءان واحد!! وذلك أن غزوة أحد برزت فيها بطولات لبعض الصحابة لا يمكن لأي منصف أن يتجاوزها ، وحيث أن المحنة والإبتلاء ، والتضحية والفداء والثبات في هذه الغزوة تجلى من بعد وقوع الخطأ من الرماة ومخالفتهم لأمر النبي صلى الله عليه وسلم سوف نتناول هذه الغزوة من هذا الحدث ، ونبين المواقف العظيمة التي وقفها الأبطال:

عندما ترك الرماة مواقعهم ،ونزلوا من على الجبل ،وقد خالفوا بذلك أمر النبي صلى الله عليه وسلم الواضح الصريح بعدم تركهم مواقعهم حتى يأتيهم أمره صلى الله عليه وسلم ،إنتهز خالد بن الوليد هذه الفرصة بحكم خبرته العسكرية وحنكته المنقطعة النظير ،ولاغرو في ذالك فهو الفارس الذي لايشق له غبار جاهلية وإسلام ، ووقائعه مشهودة مع الفرس والروم والمرتدين ، حتى أن نبي الله سماه (سيف الله المسلول ) وحسبك من خالد وحنكته أنه لم يهزم في معركة قط!!

فحينما نزل الرماة من على الجبل إنكشف الجيش الإسلامي ،وصار مكشوفا للعدو ،ولم يكن هذا الإنكشاف ليخفى على خالد بن الوليد ،فألتف من خلف جبل الرماة هو وفرسانه ،وانقض على الجيش الإسلامي الذي لم يكن يتوقع مثل هذا الإنقضاض ، فما هي إلا لحظات حتى كانت السيوف والرماح مشرعة من خلف ظهور المسلمين ، واستحر القتل فيهم ، وصاح خالد وفرسانه صيحة سمعها المشركون الفارون من المعركة ، فلما رأى الجيش المشرك المنسحب إلتفافة خالد التاريخية تعاضضوا وتجمعوا حول رايتهم وشدوا الكرة على المسلمين ، فوقع المسلمون بين كفي الكماشة ، فتحول النصر إلى هزيمة ، ودارت رحى الحرب ، وبلغت القلوب الحناجر ، وركب الجيش بعضه بعضا ،وعمت الفوضى في المسلمين ، فرمي النبي صلى الله عليه وسلم بالحجارة فوقع لشقه، وأصيبت رباعيته اليمنى السفلى، وكُلِمَتْ شفته السفلي، وتقدم إليه عبد الله بن شهاب الزهري فَشَجَّه في جبهته، وضربه بن قَمِئَة بالسيف ضربة عنيفة شكا لأجلها أكثر من شهر، ثم ضرب على وجنته صلى الله عليه وسلم ضربة أخري عنيفة كالأولي حتى دخلت حلقتان من حلق المِغْفَر في وجْنَتِه ، وصاح الشيطان أن محمدا قد قتل ، حتى بلغ ببعض الصحابة رضوان الله عليهم من شدة الكرب أن ألقى بسلاحه وجلس!! وبلغ بالبعض الأخر أن فر لايلوي على شئ حتى دخل المدينة ، هناك تنادى الأبطال الأشاوس وتجلت قدرات بعض الصحابة القتالية ، ممن باعوا أنفسهم لله وعلى رأسهم قائد المسلمين الأعلى نبي الله صلوات الله وسلامه عليه وصحابته الأبرار من المهاجرين والأنصار ، الذين تنادوا لنصرة الإسلام ، وركوب الصعاب ، وإقتحام الموت الأحمر ، فكان مما أدركه صلى الله عليه وسلم بأن الوضع سيزداد سوءا اذا بقي بهذا الحال فعليه تغيير هذا الوضع وكسر الطوق الذي طوقهم به الكفار، فمضى رسول صلى الله عليه وسلم ومن معه من الصحابة الذين ثبتوا في المعركة يشقون الطريق نحو الجبل حتى صعدوا الجبل.

وهكذا إنحاز الفريقان وانتهت المعركة بهذا الشكل ، وقد يتصور القارئ الكريم أن إنحياز النبي صلى الله عليه وسلم من ميدان المعركة إلى صعود الجبل تم بيسر وسهولة ، وهذا بلا شك تصور خاطئ ، فهذا الإنحياز مع قصر مسافته إلا أنه قام على أصناف من التضحيات والبطولات والفداء الذي قام به أبطال من الصحابة ما يعجز القلم عن وصفه ، فقد تجلت منهم بطولات سجلها التاريخ في صحائفه تبقى نبراسا للأجيال التي تريد أن تقتدي بذالك الجيل الفريد.

روى مسلم عن أنس بن مالك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أفرد يوم أحد في سبعة من الأنصار ورجلين من قريش، فلما رهقوه قال‏:‏ ‏(‏من يردهم عنا وله الجنة ‏؟‏ أو هو رفيقي في الجنة ‏؟‏‏)‏ فتقدم رجل من الأنصار فقاتل حتى قتل ثم رهقوه أيضاً فقال‏:‏ ‏(‏من يردهم عنا وله الجنة، أو هو رفيقي في الجنة ‏؟‏‏)‏ فتقدم رجل من الأنصار فقاتل حتى قتل، فلم يزل كذلك حتى قتل السبعة، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لصاحبيه ـ أي القرشيين‏:‏ ‏(‏ما أنصفنا أصحابنا‏)‏ ‏.

وهذان القرشيان هما طلحة ابن عبيد الله وسعد بن أبي وقاص كما ثبت في الصحيحين عن أبي عثمان قال‏:‏ لم يبق مع النبي صلى الله عليه وسلم في بعض تلك الأيام التي يقاتل فيهن غير طلحة ابن عبيد الله وسعد بن أبي وقاص.

وفي رواية عند النسائي عن جابر قال لما كان يوم أحد وولى الناس كان رسول الله (صلى الله عليه وسلم) في ناحية في اثني عشر رجلا منهم طلحة فأدركهم المشركون فقال النبي (صلى الله عليه وسلم) من للقوم قال طلحة: أنا قال كما أنت فقال رجل أنا قال أنت فقاتل حتى قتل ثم التفت فإذا المشركون فقال من لهم قال طلحة أنا قال كما أنت فقال رجل من الأنصار أنا قال أنت فقاتل حتى قتل فلم يزل كذلك حتى بقي مع نبي الله طلحة فقال من للقوم قال طلحة أنا فقاتل طلحة قتال الأحد عشرحتى ضربت يده فقطعت أصابعه، فقال‏:‏ حَسِّ، فقال النبي صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏(‏لو قلت‏:‏ بسم الله، لرفعتك الملائكة والناس ينظرون‏)‏، قال‏:‏ ثم رد الله المشركين ‏.

فالمتأمل في موقف طلحة بن عبيد الله هذا يدرك في الحال مقدار الشجاعة والبطولة والفداء الذي قام به هذا الصحابي الجليل ،فقد قتل كل من حول النبي صلى الله عليه وسلم من الأنصار ،ولم يبق ألا طلحة رضي الله عنه ، فتقدم كالأسد الهصور وقاتل قتالا ما يكافئ عشرة من الأبطال الذين مر ذكرهم من الأنصار ، وما ذالك ـوالله أعلم ـ إلا لعلمه بأنه إذا قتل لخلص المشركون إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فاستمات في القتال ،وضرب بسيفه هامات الكفار ، ونفس الكرب عن سيد الأبرار..نزالا سجله التاريخ يعجز عن وصفه اللسان..ولا غرو في ذالك فهي تربية القرأن..ومازال في كر وفر تارة في الكفار وتارة يحمل رسول الله صلى الله عليه وسلم الذي اثخنته الجراح ، حتى بلغ به صخرة كداء شق على رسول الله صلى الله عليه وسلم الصعود عليها فقعد تحته طلحة فصعد النبي صلى الله عليه وسلم حتى استوى على الصخرة ثم قال النبي صلى الله عليه وسلم يقول أوجب طلحة ، أي وجبت له الجنة بسبب عمله هذا.

وروي ابن حبان في صحيحه عن عائشة قالت‏:‏ قال أبو بكر الصديق‏:‏ لما كان يوم أحد انصرف الناس كلهم عن النبي صلى الله عليه وسلم، فكنت أول من فاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم، فرأيت بين يديه رجلاً يقاتل عنه ويحميه، قلت‏:‏ كن طلحة، فداك أبي وأمي، كن طلحة، فداك أبي وأمي، ‏[‏حيث فاتني ما فاتني، فقلت‏:‏ يكون رجل من قومي أحب إلي‏]‏ فلم أنشب أن أدركني أبو عبيدة بن الجراح، وإذا هو يشتد كأنه طير حتى لحقني، فدفعنا إلى النبي صلى الله عليه وسلم، فإذا طلحة بين يديه صريعاً، فقال النبي صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏(‏دونكم أخـاكم فقـد أوجب‏)‏، وقد رمي النبي صلى الله عليه وسلم في وَجْنَتِهِ حتى غابت حلقتان من حلق المِغْفَر في وجنته، فذهبت لأنزعهما عن النبي صلى الله عليه وسلم فقال أبو عبيدة‏:‏ نشدتك بالله يا أبا بكر، إلا تركتني، قال‏:‏ فأخذ بفيه فجعل ينَضِّـضه كراهية أن يؤذي رسول الله صلى الله عليه وسلم، ثم استل السهم بفيه، فنَدَرَت ثنية أبي عبيدة، قال أبو بكر‏:‏ ثم ذهبت لآخذ الآخر، فقال أبو عبيدة‏:‏ نشدتك بالله يا أبا بكر، إلا تركتني، قال‏:‏فأخذه فجعل ينضضه حتى اسْتَلَّه، فندرت ثنية أبي عبيدة الأخري، ثم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم‏:‏‏(‏دونكم أخاكم، فقد أوجب‏)‏، قال‏:‏ فأقبلنا على طلحة نعالجه، وقد أصابته بضع عشرة ضربة ‏.‏ وفي رواية ‏:‏ فأتيناه في بعض تلك الحفار فإذا به بضع وستون أو أقل أو أكثر، بين طعنة ورمية وضربة، وإذا قد قطعت إصبعه، فأصلحنا من شأنه‏.

ويكفي طلحة شهادة الصديق رضي الله عنه ، حيث قالت عائشة رضي الله عنها "كان أبو بكر الصديق إذا ذكر يوم أحد قال: ذاك يوم كله لطلحة..".

وعن عائشة رضي الله عنها قالت في قول الله تعالى "ٱلَّذِينَ ٱسْتَجَابُواْ لِلَّهِ وَٱلرَّسُولِ مِن بَعْدِ مَا أَصَـٰبَهُمُ ٱلْقَرْحُ لِلَّذِينَ أَحْسَنُواْ مِنْهُمْ وَٱتَّقَوْاْ أَجْرٌ عَظِيم" قالت لعروة: يا ابن أختي كان أبوك منهم: الزبير وأبو بكر لما أصاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ما أصاب يوم أحد وانصرف عنه المشركون خاف أن يرجعوا قال: (من يذهب في إثرهم؟) فانتدب منهم سبعون رجلاً قال: كان فيهم أبو بكر والزبير. كما في البخاري .

ولك أخي الكريم أن تراجع كتب السير والتراجم وتنظر في موقف كل من حمزة بن عبدالمطلب ، علي بن أبي طالب ،أبودجانة سماك بن خرشة ، مصعب بن عمير، عمرو بن الجموح ، عبدالله بن جحش ، حنظلة بن أبي عامر رضي الله عنه غسيل الملائكة ، الزبير بن العوام وغيرهم رضي الله عنهم جميعا.


الحلقة الأولى    الحلقة الثانية    الحلقة الثالثة    الحلقة الرابعة    الحلقة الخامسة

Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home