Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home
Libyan Writer Al-Mahmoudi
الكاتب الليبي المحمودي

الخميس 13 يناير 2011

الحلقة الأولى الحلقة الثانية الحلقة الثالثة الحلقة الرابعة الحلقة الخامسة الحلقة السادسة
الحلقة السابعة الحلقة الثامنة الحلقة التاسعة الحلقة العاشرة الحلقة 11 الحلقة 12
الحلقة 13 الحلقة 14

الفتح الإسلامي "لليبيا".. حقائق وأكاذيب (13)

المحمودي 

إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله.

أما بعد:

الوسطية المُفترى عليها!

تناولتُ في الحلقة الماضية قوله عليه الصلاة والسلام "وجُعل رزقي تحت ظل رمحي" وهذا حديث ثابت صحيح، قد ورد في عدة مصادر من كتب الحديث كما في (موسوعة الحديث). وكونه ورد في عدة مصادر أخي الكريم لا يعني ضرورة أنه صحيح بطبيعة الحال، ولكن هذا الحديث صححه جهابذة العلماء والمحدثين كالذهبي والحافظ العراقي والعلامة الألباني وأحمد شاكر والحافظ ابن حجر والشيخ ابن باز والعثيمين وغيرهم. وذكرتُ في الحلقة الماضية أيضا أن بنت سلطان استدلت بهذا الحديث في برنامج الإتجاه المعاكس الذي يُذاع في قناة الجزيرة، وهذا الحديث "وجعل رزقي تحت ظل رمحي" يُسبب الهم والغم لأصحاب المنهج "الوسطي" المزعوم، والتيار "المعتدل" الموهوم. فهؤلاء أخي الكريم جعلوا لأنفسهم وسطية تخالف في معظمها الوسطية التي جاء بها محمد صلى الله عليه وسلم، وليتهم وقفوا عند هذا الحد، بل هؤلاء إذا تعارضت "وسطيتهم" مع الوسطية التي جاء بها محمد صلى الله عليه وسلم قدموا "وسطيتهم" على نصوص الكتاب والسنة.

وحتى لا يكون كلامنا عارٍ عن الدليل، دعونا أيها الإخوة نأخذ هذا المثال، يقول يوسف القرضاوي في رده على وفاء سلطان "...حينما استدلتْ بحديث استدلت بحديث ضعفه العلماء، الرسول قال جُعل رزقي تحت حد سيفي، هذا حديث ضعيف ما كان الرسول يرتزق من السيف ولو قرأت القرآن لعرفت أن ‏القرآن يحرم قتل النفوس... كل الغزوات التي غزاها الرسول صلى الله عليه وسلم كان هو المجني عليه..." انتهى.

تجد كلامه هنا: http://www.safeshare.tv/v/VwKklEVPuV4

وهذا الرجل ـ يوسف القرضاوي ـ قوله عند بعض الجماعات وبعض المسلمين مقدم على قول الله ورسوله، وقد يستغرب البعض هذا الكلام، لكن والله الذي لا إله غيره هذا الذي رأيناه وعايشناه عمليا، ولا أحد على وجه الأرض يقول لك ـ نظريا ـ أني أقدم قول القرضاوي على قول الله ورسوله، لكن عند التطبيق العملي يختلف الأمر تمام الإختلاف ـ كما لا تجد من يقول لك أنا جهوي، ولكن عند التطبيق العملي تجد أكثر الناس جهوية الذين يلعنون الجهوية!! ـ فالقرضاوي عامة فتاويه وعامة ما يقوله في الجزيرة وغيرها مخالف للكتاب والسنة الظاهرة الواضحة ومع ذلك حين مناقشة الأتباع تخرج التبريرات والتحليلات و"الترقيعات" التي لا تخطر لك على بال. أعود لكلام القرضاوي لفحصه وتمريره على الوسطية الحقة لننظر هل كلامه هذا هو الوسطية أم أن الرجل زُين له سوء عمله فرأه حسنا؟!.

1.  بيّنا لك أخي الكريم أن الحديث ثابت صحيح كما هو موضح أعلاه، لكن لو سلمنا جدلا بأن الحديث ضعيف، كيف سنرد على سيرة النبي صلى الله عليه وسلم كلها؟! إذ من المعلوم الذي لا يخفى على عامة الناس أن غزوات الرسول صلى الله عليه وسلم كثيرة جدا، وهذه مسألة تجاوزت حد التواثر ـ راجع شبهة رفيق أدناه! ـ ومن المعلوم أيضا أن النبي صلى الله عليه وسلم في عامة هذه الغزوات يعود معه بغنائم كثيرة جدا، كالغنائم التي أخذها من اليهود في المدينة والغنائم التي أخذها من الطائف وخيبر ووإلخ وهذا أمر تجاوز حد التواثر أيضا، وكذلك أمر الفئ والغنائم مذكور في القرآن نفسه، وللرسول صلى الله عليه وسلم نصيب مفصل في القرآن من هذه الغنائم والفئ. 

والسؤال هو، هب أن الحديث ضعيف كما يزعم القرضاوي، كيف نرد على هذه الأمور التي تجاوزت حد التواثر، والتي هي معلومة للقاصي والداني؟! وكل هذه الغنائم وصلت للنبي صلى الله عليه وسلم من تحت السيف، أي نتيجة المعارك والغزوات، فالحديث حتى لو سلمنا أن سنده ضعيف فسيرة النبي صلى الله عليه وسلم كلها تشهد له بالصحة!. 

فأما أتباع الوسطية الحقة وليس المفتراة فقد أجبنا على هذا الإشكال في الحلقة الماضية، ولا نجد في أنفسا حرجا ولا ضيقا ولا غضاضة من تكرار قوله عليه الصلاة والسلام "وجُعل رزقي تحت ظل رمحي" بل إننا نعتقد أن هذا الرزق الذي وصل للنبي صلى الله عليه وسلم تحت ظل رمحه هو أحل الحلال، أما غيرنا ممن يزعم أنهم يسلكون منهج الإعتدال والوسطية فننتظر ردهم على هذا الإشكال وأرجو أن لا يطول انتظارنا!. 

2.  وأما قوله "القرآن يحرم قتل النفوس" فإن القرآن يقول (فإذا لقيتم الذين كفروا فضرب الرقاب حتى إذا أثخنتموهم فشدوا الوثاق فإما منا بعد وإما فداء حتى تضع الحرب أوزارها). والآيات والأحاديث التي تدعو إلى قتل الناس ـ صنف معين من الناس قد بيناه في الحلقة الماضية ـ كثيرة جدا، فلا أدري حقيقة كيف يريد أن يُخفي القرضاوي الشمس بعين الغربال؟!. 

3.    وأما قوله " كل الغزوات كان الرسول عليه الصلاة والسلام ‏هو المجني عليه". 

 فهذه والله أيضا من المضحكات المبكيات!، تأمل أخي الكريم في حال هذا الرجل، فبدلا من أن يلتفت إلى نفسه وفهمه وتصوره لدين لله ووسطيته المزعومة فيتهمها، يترك ذلك كله ثم يأتي بتحليلات وتفسيرات يُخالف ما هو متواثر ومعلوم للقاصي والداني. 

ولنسلم له جدلا أن كل غزوات النبي صلى الله عليه وسلم كانت دفاعا عن النفس (مجنى عليه)، فماذا نفعل في فعل الصحابة جميعا الذين غزو المشرق والمغرب؟! هل الأمازيغ والأكراد والهنود والأحباش...إلخ اعتدوا على أبي بكر وعمر وعثمان وعلي ووإلخ رضي الله عنهم حتى قاموا بغزو تلك البلاد كلها؟!. وها هنا سؤال مهم جدا، إما أن يكون أبو بكر وعمر وعثمان وعلي وسائر الصحابة خالفوا القرآن وأوامر النبي صلى الله عليه وسلم فقاموا بغزو الدول والممالك من عند أنفسهم دون دليل شرعي يستندون إليه، وإما أن القرضاوي يفصل الأيات والأحاديث على حسب مقاييس ومعايير وسطيته المزعومة؟!.  

وهنا نقطة أخرى مهمة جدا أرجو أن تتأملها، كثيرا ما أدعو في مقالاتي إلى اتباع الكتاب والسنة بفهم سلف الأمة من الصحابة ومن سار على نهجهم، وكثير هم الذين يدّعون ـ نظريا ـ أنهم يتبعون هذا المنهج، لكن عند التطبيق العملي يتباين الناس أشد التباين، فهنا القرضاوي فهم من غزوات النبي صلى الله عليه وسلم أنها دفاع عن النفس (مجني عليه)، لكن الصحابة رضي الله عنهم جميعا لم يفهموا هذا الفهم، بل الذي فهموه هو الذي فصلناه في الحلقات الماضية، ولذلك تدفقوا نحو البلدان لإخضاعها لسلطان الإسلام، فهنا أخي الكريم أنت بين فهمين لهذه الغزوات التي قام بها النبي صلى الله عليه وسلم، فهم القرضاوي وفهم الصحابة، ثم الأمر متروك إليك لأي السبيلين وأي الوسطيتين تتبع!. 

والمشكلة الكبرى أخي الكريم ليست في أن يسلك الإنسان هذا المسلك من "الوسطية" المزعومة، إنما الطامة الكبرى أن يزين الشيطان هذه الوسطية لمعتنقيها حتى تصبح عندهم هي الحق المبين ومن خالفهم هم المتشددون والمنغلقون، وهم الذين لا يفقهون الواقع ونحو ذلك، ولذلك نجد القرضاوي في كل ما أتيح له ـ وما أكثرها! ـ من قنوات إعلامية ومواقع ومؤتمرات ولقاءات يشن الغارات على "المنغلقين" و "المتشددين" و "المتعصبين" ومقصوده هم أهل الحق وأهل الوسطية الحقة وليست المُفتراة والله المستعان عما يصفنا به "الوسطيون". 

وحتى لا يتهمني من يُقدم قول القرضاوي على قول الله ورسوله بأنني أنتقص "العلماء"، أقول إن ما أقوم به هنا هو دفاعا عن الله ورسوله من "وسطية" القرضاوي المزعومة، ولو لم أفعل ذلك لانتفض أحد صبيان الملحدين وليس فرسانهم ولمسح البلاط بالقرضاوي على النحو الذي بيناه أعلاه ثم مشى متبخترا في جنبات هذا الموقع شاهرا سيفه مناديا أهل الإسلام "أين علمائكم يا أهل الإسلام؟!" ولكم في تجربة "حكيم" الأولى عبرة يا أولي الألباب. 

4.  وهنا تعليق على هامش هذه النقطة، على نقيض ما ذهب إليه القرضاوي من محاولته لنفي صحة الحديث، هناك من يريد أن ينسب إلى الإسلام ما ليس فيه (كما فعل رفيق في شبهته الأخيرة) حيث نقل عن القرطبي قوله "لا تَسُبُّوا أصحابي فإن أصحابي أسلموا من خوف الله وأسلم الناس من خوف السيف". وهذا الذي نقله "رفيق" ليس بحديث ولا أثر ولا أي شئ، إنما قول قاله القرطبي في تفسيره، فحينما رجعتُ إلى تفسير القرطبي لم أجد سندا لهذا "الحديث"، لا سندا متصلا ولا منقطعا، وهذا (تفسير القرطبي بين يديك) أخي الكريم لعلك تطلب من "رفيق" يبين لك صحة هذا "الحديث" وسنده ونحو ذلك، كما أرجو بالمناسبة أن تذكره بقصة النبيذ أيضا!. ثم من جانب آخر، هذا "الحديث" المزعوم كل نصوص القرآن والسنة وسيرة النبي صلى الله عليه وسلم وشهادة المستشرقين والعلماء الغربيين تخالفه، قال الله تعالى (لا إكراه في الدين) وقال تعالى (لكم دينكم ولي دين). فهل حدث في تاريخ الإسلام كله أن أُكره إنسان على قبول الإسلام بحد السيف؟! نتتظر "رفيق" لعله يأتينا بحادثة واحدة أسلم فيها إنسان واحد بسبب أن النبي صلى الله عليه وسلم أو أبا بكر أو عمر أو عثمان أو علي رضي الله عنهم أشهر في وجهه السيف؟!. وسأعود إلى "رفيق" في المقال القادم أو الذي يليه إن شاء الله. 

***

ثامنا: توقف بنا الحديث في الحلقة الماضية على قضية "وجُعل رزقي تحت ظل رمحي" وحتى لا تنقطع الأفكار بعضها عن بعض نستمر في تناول فقرات هذا المحور "السيف" عبر هذه الفقرة "الثامنة".

ذكرنا أخي الكريم في الخيار الأول "الإسلام" والخيار الثاني "الجزية" أن الجيش الإسلامي لا يجوز له ترويع ولا تخويف أهل القرى، ولا يجوز له أخذ أموالهم ودجاجتهم! وعنزاتهم!..إلخ، ولا يجوز له أيضا النظر إلى النساء، وكأنني بأؤلئك النسوة ينظرن إلى ذلك الجيش الإسلامي الراكع الساجد الكاف لبصره ويده كأنه جيش من ورق من كثرة خشوعهم وإخباتهم!. وهذا الإخبات والخشوع والتواضع أخي الكريم ناتج عن أوامر ربانية تأمرهم بذلك، وإلا سيتبين لك بعد قليل كيف سينقلب هؤلاء أنفسهم إلى أسود يقتحمون الموت الأحمر وهم يبتسمون!، وهذه الشجاعة كما قلتُ من قبل غريزة وفطرة تربّوا عليها منذ نعومة أظافرهم، ثم جاء الإسلام فأرخى لهذه الشجاعة العنان في مواطن الحرب والقتال، بل وعدهم بجنة عرضها السموات والأرض إن هم قُتلوا في ساحة القتال.

يقول حسان بن ثابت يصف هؤلاء الأبطال من الصحابة الكرام:

قوم إذا حاربوا ضروا عدوهم ... أو حاولوا النفع في أشياعهم نفعوا

سجية تلك فيهم غير محدثة ... إن الخلائق فاعلم شرها البدع

في إحدى المعارك الفاصلة مع الروم خرج ماهان قائد من قادات الروم فطلب خالد بن الوليد، فلما خرج خالد بن الوليد لملاقاته، قال هامان "قد علمنا أنه لم يخرجكم من بلادكم إلا الجهد والجوع فإن شئتم أعطيت كل واحد منكم عشرة دنانير وكسوة وطعاما، وترجعون إلى بلادكم، وفي العام القادم أبعث إليكم بمثلها". فما كان من ابن الوليد إلا أن أجابه بهذه الكلمات التي تزلزل القلوب "إنه لم يخرجنا من بلادنا الجوع كما ذكرت، ولكننا قوم نشرب الدماء، وقد علمنا أنه لا دم أشهى ولا أطيب من دم الروم، فجئنا لذلك".

ولما طلب رستم الفارسي مقابلة بعض المسلمين ذهب إليه ربعي بن عامر "ولرأسه أربع ضفائر قد قمن قياما كأنهن قرون الوعلة" بالله عليك تأمل في هذا الوصف لهذا الصحابي الجليل، والله إنني لأستحي أن أشبهه بالأسد! فإنه شرف للأسد كبير أن أُشبهه بربعي بن عامر وإخوانه رضي الله عنهم وأرضاهم، فلما دخل عليهم بالوصف المعروف المشهور شاهرا رمحه يخرق به البُسط التي وضعت أمامه " فقالوا ضع سلاحك فقال إني لم آتكم فأضع سلاحي بأمركم أنتم دعوتموني فإن أبيتم أن آتيكم كما أريد رجعت" فلما سأله رستم ما الذي جاء بكم، أجابه ربعي بقولته المشهورة "الله ابتعثنا والله جاء بنا لنخرج من شاء من عبادة العباد إلى عبادة الله ومن ضيق الدنيا إلى سعتها ومن جور الأديان إلى عدل الإسلام فأرسلنا بدينه إلى خلقه لندعوهم إليه فمن قبل منا ذلك قبلنا ذلك منه ورجعنا عنه وتركناه وأرضه يليها دوننا ومن أبى قاتلناه أبدا حتى نفضي إلى موعود الله، قال وما موعود الله قال الجنة لمن مات على قتال من أبى، والظفر لمن بقي.." كما في عند الطبري وغيره.

وقد ثبت في صحيح البخاري وفي كتاب البداية والنهاية لابن كثير واللفظ له "وقد كان فيمن شهد اليرموك الزبير بن العوام، وهو أفضل من هناك من الصحابة، وكان من فرسان الناس وشجعانهم، فاجتمع إليه جماعة من الأبطال يومئذ فقالوا: ألا تحمل فنحمل معك؟ فقال: إنكم لا تثبتون. فقالوا: بلى! فحمل وحملوا فلما واجهوا صفوف الروم أحجموا وأقدم هو فاخترق صفوف الروم حتى خرج من الجانب الآخر وعاد إلى أصحابه ثم جاؤوا إليه مرة ثانية ففعل كما فعل في الأولى، وجرح يومئذ جرحين بين كتفيه".

فهؤلاء هم المؤمنون حقا، الذين لا يقدمون شيئا ولا يؤخرون إلا بالكتاب والسنة، فاجتاحوا الأخضر واليابس، ودانت لهم الدنيا بأسرها في بضع سنين، ولما علم الله ما في قلوبهم من الصدق والإخلاص والإستجابة لله ورسوله سخر لهم الجبال والبحار والرياح والأمطار، يقول محمد إقبال شاعر الإسلام في عصره:

من الذي رفع السيوف ليرفع اسمك ... فوق هامات النجوم منارا

كنا جبالاً في الجبال وربما... سرنا على موج البحار بحارا

بمعابد الإفرنج كان أذاننا... قبل الكتائب يفتح الأمصارا

لم تنس إفريقيا ولا صحراؤها... سجداتنا والأرض تقذف نارا

ورؤوسنا يا رب فوق أكفنا ... نرجو ثوابك مغنماً و جوارا

كنا نرى الأصنام من ذهبٍ ... فنهدمها ونهدم فوقها الكفارا

لو كان غير المسلمين لحازها... كنزاً وصاغ الحِليَ والدِّينارا

تاسعا: ومع هذه العزة والشجاعة والشوق إلى جنة عرضها السموات والأرض إلا أن الله قد قيد هؤلاء الأبطال بقيود حتى أثناء المعركة، فيحرم عليهم قتل النساء، ويحرم عليهم قتل الأطفال، ويحرم عليهم قتل الشيوخ، ويحرم عليهم حرق البساتين، ويحرم عليهم هدم دور العبادة كالكنائس ونحوها، ويحرم عليهم الغذر، ويحرم عليهم الخيانة، ويحرم عليهم قتل الحيوانات كالدجاجات! والعنزات! والإبل..إلخ. وكل ما تقدم قد وردت عليه من الأدلة والبراهين في الكتاب والسنة ما لا يخفى على عوام المسلمين فضلا عن طلبة العلم وغيرهم.

عاشرا: أما فيما يتعلق بالغذر والخيانة ونقد العهود ونحو ذلك فهذا محرم على المسلم أبد الدهر، فلا يجوز للمسلمين الخيانة والغذر في السلم ولا في الحرب، فلو أننا أعطينا عهدا لبعض المحاربين فدخلوا بناء على هذا العهد في جيش المسلمين فلا يجوز قتلهم ولا إيذائهم ولا تخويفهم ولو كانوا بالأمس قد أصابوا من المسلمين إصابة عظيمة.

أما سائر الأمور الأخرى، كالدجاجات والعنزات والخيل والإبل وسائر الحيوانات فالأصل أنها لا تقتل ولكن إذا كان الكفار يستخذمونها وقودا للمعركة فهنا جاز قتلها بلا خلاف، وكذلك الأبار والأشجار والنباتات ونحو ذلك إذا كان الكفار يستخذمونها في الحرب أو كانت من الأمور التي يتقوى بها أهل الحرب، أو إذا كان قطعها أو حرقها يوهن عزائم الكفار الحربيين ويرهبهم ويخيفهم فيضظروا للإستسلام فهنا جاز قطعها أو حرقها، وكذلك ردم الآبار وهدم الأسوار ونحو ذلك، وهذا مما يقرره العقل والمنطق وقبل ذلك الشرع المُنزّل، ففي هذه الحالات التي تقدم ذكرها كل فريق من المتقاتلين (المسلمين والكفار) حريص كل الحرص على قطع رأس الفريق الآخر، فبناء على ذلك كل ما دون رؤوس البشر ـ كالدجاجات والعنزات والنخيل ونحو ذلك ـ فأمره هين، وبهذا ينهار قول "حكيم" الذي طالما كرره في مقالاته وهو قوله:

ومع ظهور بطلان هذا الكلام إلا أنني سأعلق عليه في هذه النقاط السريعة:

1.  كما أسلفنا أخي الكريم فإن الشجر وغيره الأصل فيه أنه لا يُقطع ولا يُحرّق، لكن إذا كان قطع هذا الشجر أو حرقه يُوهن كيد الأعداء أو يرهبهم أو يجعلهم يستسلمون أو نحو ذلك فجاز قطعه أو إحراقه، ولا أدري حقيقة لماذا هذا الإعتراض على قطع شُجيرات؟! فيهود بني النظير الذين أحرق رسول الله صلى الله عليه وسلم نخلهم قد هموا بقتل النبي صلى الله عليه وسلم (كما هو مقرر في كتب السير والمغازي). ثم لما فشلت خطتهم "..بعث إليهم رسول الله صلى الله عليه وسلم أن اخرجوا من المدينة، ولا تساكنوني بها، وقد أجلتكم عشرا، فمن وجدت بعد ذلك بها، ضربت عنقه...". فرفضوا الخروج من المدينة بعد أن أرسل إليهم المنافق ابن سلول سرا أنه سيدخل معهم الحصن وأنه سيقاتل دونهم ونحو تلك الوعود التي لا يتقن غيرها المنافقون في كل زمان ومكان، ثم لم يكتف اليهود بذلك بل "قاموا على حصونهم يرمون بالنبل والحجارة". فهؤلاء كما ترى أخي الكريم محاربون من الطراز الأول، فقطع رؤوسهم لا يختلف حوله عاقلان، ومن باب أولى هدم أسوارهم وحرق أشجارهم وردم آبارهم ونحو ذلك. 

فنحن هنا أمام أعداء غذروا بالمسلمين، فطُلب منهم مغادرة المدينة فرفضوا، بل تحصنوا خلف الحصون واستعدوا بالنبال والحجارة ونحوها، والسؤال هنا هو كيف يمكن للمسلمين إخراج هذه الأفاعي من جحورها؟! قال لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم احرقوا أشجارهم حتى يخرجوا خارج الحصون، ويكون أوهن لقلوبهم وعزائمهم، أليس هذا هو عين الصواب والحكمة؟!. 

2.  يقول ابن العربي ـ وليس ابن عربي كبير زنادقة الصوفية ـ في أحكام القرآن "المسألة الثانية اختلفت الناس في تخريب دار العدو وحرقها وقطع ثمارها على قولين:الأول أن ذلك جائز، قاله في المدونة. الثاني: إن علم المسلمون أن ذلك لهم لم يفعلوا، وإن ييأسوا فعلوا، قاله مالك في الواضحة، وعليه تناظر الشافعية، والصحيح الأول. وقد علم رسول الله صلى الله عليه وسلم أن نخل بني النضير له، ولكنه قطع وحرق ليكون ذلك نكاية لهم ووهنا فيهم، حتى يخرجوا عنها، فإتلاف بعض المال لصلاح باقيه مصلحة جائزة شرعا مقصودة عقلا" انتهى. و قال ابن كثير في تفسيره "وذلك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما حاصرهم ـ بني النظير ـ أمر بقطع نخيلهم إهانة لهم وإرهابا وإرعابا لقلوبهم". 

3.  أما نقله ـ مُقرا له ـ لقول اليهود "يا محمد قد كنت تنهى عن الفساد وتعيب من صنعه فما بال تقطيع النخل وتحريقها". أما تحريق النخل وتقطيعها فقد تمت الإجابة على هذا الإشكال، لكن الذي يهمني هنا هو اعتراف اليهود وإقرار "حكيم" بهذا الإعتراف بأن النبي صلى الله عليه وسلم كان ينهى عن الفساد ويعيب صانعه. فأما اليهود فقد ذكر الله في القرآن أنهم يعرفون أنه رسول الله عليه الصلاة والسلام، وأما "حكيم" فوالله لهو أعلم برسول الله صلى الله عليه وسلم وأعلم بأدلة نبوءته وصدقه وأمانته ووإلخ من كثير من دعاة المسلمين فضلا عن عوامهم، والسر وراء ذلك كما ذكرنا مرارا أن "حكيم" تربى على السلفية والوسطية الحقة فترة من عمره. 

4.  أما قوله "وقد أصاب هذا القول بعض الأنصار بالإرتباك...إلخ" فهنا يوجد كذب على الأنصار، فالخلاف الذي يتكلم عنه "الملحد" هنا إنما خلاف من نوع آخر!، فبعض الصحابة قالوا كيف نحرق الأشجار ونقطعها وهي ستصبح غنائم لنا؟! يقول ابن كثير في تفسيره " وقال مجاهد : نهى بعض المهاجرين بعضا عن قطع النخل ، وقالوا : إنما هي مغانم المسلمين . فنزل القرآن بتصديق من نهى عن قطعه ، وتحليل من قطعه من الإثم.."انتهى. 

يتبع إن شاء الله

المحمودي

الاثنين 5/2/1432 هـ - الموافق 10/1/2011 م

Almahmoudi08@yahoo.com

 


الحلقة الأولى الحلقة الثانية الحلقة الثالثة الحلقة الرابعة الحلقة الخامسة الحلقة السادسة
الحلقة السابعة الحلقة الثامنة الحلقة التاسعة الحلقة العاشرة الحلقة 11 الحلقة 12
الحلقة 13 الحلقة 14

Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home