Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home
Libyan Writer Al-Mahmoudi
الكاتب الليبي المحمودي

الثلاثاء 12 ابريل 2011

حينما يصبح "الفقيه" مُفتيا!

المحمودي 

إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله.

أما بعد.

قبل أن تضع الحرب أوزارها، وقبل أن تجف دماء الشهداء، بل قبل أن يُوارى كثير من الشهداء في قبورهم، وقبل أن يتشافى الجرحى من جراحهم، وقبل أن يعود المُختطفون إلى بيوتهم، وقبل أن يُفك الأسير من أسره، وقبل أن يختفي آثار الدمار والخراب من بلادنا، وقبل أن تُفك القيود عن مدننا المحاصرة، وقبل أن يتنسم الناس نسائم الحرية، يبشرنا المبطلون بخارطة طريق لليبيا ما بعد القذافي، ليبيا أيها الإخوة التي يبشرنا بها هؤلاء مجرد "زريبة" تجمع قطيعا ليس له همّ إلا البطن وما بين الفخدين!، وليس في الأمر مبالغة كما يتصور البعض، بل هو طرح يطرحه ممن يظن بنفسه الظنون كما سنبينه لاحقا.

قبل أن نلج إلى صلب الموضوع لابد من الإشارة إلى شئ مهم كثيرا ما يستخذمه المبطلون بشتى أنواعهم وأشكالهم، يستوي في ذلك "علماء السوء والضلال" ودعاة الفجور والإنحلال. يتمسح الجميع بمصطلح "الوسطية"، وهذا المصطلح مُحبب للنفوس، وتستبشر به القلوب، ولذلك تجد الجميع يحاول جاهدا احتكار هذا المصطلح لنفسه، حتى "عادل إمام" الممثل المشهور والذي يُجاهر بمعصيته على شاشات التلفاز رأيته مرة في إحدى مقاطع "اليوتيوب" يحتكر هذا المصطلح لنفسه، ويقول نحن جميعا مع الإسلام الوسطي المعتدل ونرفض إسلام التطرف والغلو!!، وكما قلتُ، ليس هذا وأمثاله فقط من يمارس هذا الخداع، بل سبقهم إلى ذلك كثير من "علماء السوء وسدنة السلطان". وفقيهنا الذي سنتناوله في هذا المقال يسلك نفس مسلك عادل إمام، ويهتدي بنفس هدي يوسف القرضاوي وأتباعه الميامين!!.

يقول الفقيه متحدثا عن الوسطية من خلال رجلين من رجالات الوسطية التي يريدها الفقيه في مقال بعنوان شيخان وتلفاز ودستور "...واتابع للاثنين ـ سالم الشيخي وعلي الصلابي ـ ما يكتبانه في صحافة الانترنيت وما يسهمان به في النقاشات العامة فاجد انهما يمثلان الاسلام في شكله الانساني المتسامح الجميل البعيد عن الغلو والتطرف والتشدد..". ويقول أيضا "... وهؤلاء الاثنان ـ الصلابي والشيخي ـ يسيران على طريق دين الوسطية، باشراقاته وتجلياته المبهجة للبشرية التي تبشر بالخير والحب ووتحترم الاختلاف والتنوع...".

لا يتردد عاقل مهما كان توجهه وتصوره إلا ويستبشر حينما يقرأ مثل هذا الكلام عن الوسطية والإعتدال، لكن دعونا أيها الإخوة نُفسح المجال للفقيه نفسه ليفسر لنا معنى الوسطية التي يتكلم عنها، ليصبح بعد ذلك فقيها مفتيا، يقول الفقيه في مقال له بعنوان ليبيا الجديدة " ليطمئن اذن (1) كل من له شيء من الريبة ان ليبيا ستمضى في الاتجاه الصحيح، وليعلم علم اليقين ان الدين في ليبيا لم يكن في يوم من الايام دين تطرف وغلو، ويكفي العهد الملكي مثالا، فقد كان مليكه شيخ الطريقة السنوسية التي كانت احدى اقوى الحركات الدينية انتشارا في العالم العربي وافريقيا ومع ذلك اقام نظاما حرا يكفل للمواطن الحريات الخاصة والعامة وكانت المدن الليبية تشتهر بجمال مصائفها التي يقصدها السواح يرتدون فيها لباس البحر رجالا ونساء وتشتهر ببهاء حاناتها وملاهيها الليلية وتنتج انواعا من البيرة، هي بيرة اويا وانواعا من النبيذ تحظى بالشهرة والشعبية واقبال البلدان الاوروبية على استيرادها باعتبارها اجود ما كان ينتجه العالم من خمور، واقام الملك ادريس جامعة اهداها قصره الملكي قصر المنار في بنغازي ليكون مقرا لها، بدا فيها التعليم مختلطا بين النساء والرجال منذ مطلع الخمسينيات عندما كان هذا الاختلاط محرما في كثير من الدول ذات المظهر المتحضر المتقدم، هذا هو شكل الدين الاسلامي في ليبيا عند اكثر اهله حرصا عليه وصيانة له، فما بالك بمن هو اكثر تسامحا دينيا وليبرالية او علمانية من الملك السنوسي".

ولي على ما تقدم التعليقات التالية:

1.  قبل مناقشة الوسطية التي يبشرنا بها هذا "الليبرالي" لابد من الوقوف هنا على أمر كثيرا ما يجادلنا فيه مُحبي إدريس السنوسي، ورمونا بسببه بالجهوية والعنصرية، يكرر على مسامعنا بعض المتحمسين لعهد إدريس السنوسي بأن عهده عهد ذهبي لا مثيل له، وأنا لا أستغرب إطلاقا حينما أسمع هذا الكلام من أصحاب النفوس البهيمية، والغرائز الحيوانية، حيث يجدون في عهد إدريس ما يحقق شهواتهم، لكنني أستغرب جدا حينما أجد من ينتسب للتيار الإسلامي كفتحي الفاضلي مثلا وهو يُثني على إدريس السنوسي وربما اتخذ منك موقفا حادا بسبب بُغضك لشيخ الخونة وإمام العملاء!!.

 

2.  يصف هذا الليبرالي ما قام به إدريس السنوسي من مكتسبات، كالمصائف التي يرتدادها الرجال والنساء بلباس البحر!!، والملاهي والحانات الليلية!!، وبيرة "أويا" الشهيرة عالميا!!، وكذلك تبنيه لمشروع الإختلاط في الوقت الذي كان مستنكرا في دول أخرى!!، هذا واقع إدريس السنوسي كما يصفه "ليبرالي" يتوق إلى الجو الذي وفره "الملك الصالح!" لمواطنيه، إلى هنا يبدو المشهد منطقيا، ولا غرابة فيه إطلاقا، لكن العجب حينما يقول أحد دعاة الوسطية ـ بموازيين الفقيه طبعا ـ عن إدريس السنوسي "إن حياة هذا الرجل ـ إدريس السنوسي ـ لغنية بالعبر والدروس والمواعظ، التي تحتاجها الأجيال الصاعدة التي تستلهم من الماضي مايفيدها في حاضرها ومستقبلها وفق رؤية وتصور نابع من كتاب الله وسنة رسوله".

 

فهنا نحن أمام معادلة واضحة سهلة لا تحتاج إلى كثير تأمل وتفكير، إما أن يكون الفقيه يكذب وإما أن يكون الصلابي يكذب، أما أنا شخصيا فلا يراودني أدنى شك بأن الفقيه صادق في هذه القضية تحديدا، ومن باب احترام رأي القارئ أترك له الحكم على هذه المعادلة بنفسه، لكن مما ليس منه بد بأن أحد هذين الرجلين كاذب قطعا.

 

وهنا نقطة مهمة أرجو أن تنتبه لها أخي الكريم، لماذا أشاد الفقيه بوسطية الصلابي وصاحبه؟! ونفس هذه الوسطية بالمناسبة كانت قبل عدة شهور محط نظر سيف القذافي وإعجابه!!، والجواب أخي الكريم بأن دعاة الوسطية المزعومة ليس عندهم ضوابط لهذه الوسطية، فمن الممكن جدا اليوم أن يكونوا يدا بيد مع المعارضة لاستئصال النظام بكل رموزه، وحينما يتبنى هؤلاء هذه الفكرة تكون هذه الوسطية هي التي يجب على الجميع أن يسلكها، ثم إذا لاحت في الأفق لهؤلاء مصلحة في تبني مشروع "سيف القذافي" صار هؤلاء دعاة إصلاح وتوريث، وحينما يتبنى هؤلاء هذه الفكرة تكون هذه الوسطية هي التي يجب على الجميع أن يسلكها، ولما فاجئتهم ثورة 17 فبراير إذا هم معارضون وناشطون سياسيون، وحينما يتبنى هؤلاء هذه الفكرة تكون هذه الوسطية هي التي يجب على الجميع أن يسلكها، فهذه هي الوسطية التي يرضى عنها الجميع وتتكيف مع مطالب الجميع، أما غير ذلك فهو غلو وتشدد!!.

 

والفقيه يرمي الكلام والأحكام دون أدنى مراعاة لعقل القارئ وإدراكه، يقول الفقيه ".. ولم يكن هذا الطريق بعيدا عن شيوخ عرفهم العالم العربي مثل عبد الرحمن الكواكبي الذي حارب الاستبداد والطغيان كما يفعل الشيخان الجليلان ـ الصلابي والشيخي ـ في منفاهما الذي ارتضياه بعيدا عن حكم الطاغية القذافي...". وأنا أسأل القارئ الكريم هل "الشيخان" ممن حارب الإستبداد والطغيان؟! والجواب متروك للقارئ وحده لتقرير الجواب المناسب لهذا التساؤل(2).

 

3.  نصل الآن إلى وسطية الفقيه التي يريد أن يرسمها لليبيا الجديدة، فبعد أن أشاد بالوسطيين والوسطية بين لنا ماهية الوسطية التي يريدها كما هو موضح أعلاه، ولمزيد من التوضيح للوسطية التي ينشدها الفقيه، يقول الفقيه ".. فقد راى العالم المظاهرات النسائية التي تخرج في عاصمة الثوار بنغازي ورأوا عددا من نساء بنغازي المتحضرات العصريات السافرات اللاتي يشاركن في المجلس ويخاطبن الصحفيين باعتبارهن ناطقات رسميات باسم المجلس..".

 

فإذا نستطيع مما تقدم أن نلخص أهم معالم الوسطية التي تتوق لها نفس الفقيه: 

-         يرتدي الرجال والنساء لباس البحر على الشواطئ العامة. 

-         توفير "البلاجات" التي تسبح فيها النساء بلباس البحر المسمى البكيني. (من مقال شيخان وتلفاز ودستور). 

-         فتح الحانات والملاهي الليلية.

-         تسويق وتصدير البيرة.

-         التعليم المختلط بين الرجال والنساء.

-        على النساء حتى يكن متحضرات عصريات لابد أن يكن سافرات، أما إذا كن متحجبات فذلك يعني أنهن متخلفات رجعيات عند فقيه الوسطية!.

إذا هذه هي الوسطية التي يدعو إليها الفقيه دون تجني ولا تعدي، وهي وسطية واضحة تُفسر نفسها ولا تحتاج مني إلى تفسير ولا إلى توضيح، أسألك بالله أخي الكريم هل هذه هي الوسطية التي جاء بها محمد بن عبد الله صلى الله عليه وسلم؟! هل هذه هي الوسطية التي أخبرنا عنها الله في القرآن (وكذلك جعلناكم أمة وسطا)، أما أنا فأشهد الله في عليائه بأن هذه وسطية بهيمية تليق بأصحاب النفوس الدنيئة، والأخلاق الهابطة، ولا تليق إطلاقا بشعب بذل نصف سكانه للدفاع عن أرضه إبان الإجتياح الإيطالي لبلادنا، وما يقارب عشرة آلاف شهيد في حكم القذافي "ولايزال الحبل على الجرار"، هذه الوسطية لا تليق إطلاقا بشعب يُعد من أكثر الشعوب الإسلامية حفظا للقرآن العظيم، هذه الوسطية لا تليق إطلاقا بشعب من صميم عاداته وتقاليده الحشمة والحياء، هذه الوسطية لا تليق إطلاقا بشعب عامة مكوناته قبائل ترى الشهامة والمروءة ومحاسن الأخلاق من أهم مكوناتها.

أُذكر القارئ الكريم بأنني سبق وأن قلتُ في مقال لي بعنوان "كلمة حول حرية الكلمة" الكلام التالي " كل من قال علينا بفصل "الدين عن الحياة" فاعلم علم اليقين أخي الكريم واقطع وأنت غير شاك بأن قائل هذا القول يحمل فوق ظهره "طنجرة"، ومهما أقسمت له بالله وكررت له الإيمان المُغلظة على أنك تراها رأى العين فلن يُصدقك، بل سيتهمك بالظلامية والرجعية والجهل وعدو المعرفة ووإلخ، ولكن حسبك أنك تراها وإن أنكرها صاحبها وهي فوق ظهره!". انتهى. ويقول الفقيه " الحرية مكفولة للجميع، والدين لله والوطن للجميع". والباقي متروك للقارئ الكريم!. 

أخيرا، لابد من سؤال يليق بما عرضه الفقيه من إسفاف وانحطاط ونذالة، والسؤال هو، لو أن شابا في مقتبل العمر جاء إلى بيتك مرتديا ملابس البحر التي تليق بالرجال ثم استئذنك في اصطحاب ابنتك للبحر على أن تكون مرتدية ملابس البحر التي تليق بالنساء أكنت توافقه على طلبه؟!!. فإن كان الجواب بنعم، فأنت ديوث بنص حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم، حيث يقول إمام الوسطية " ثلاثة قد حرم الله عليهم الجنة : مُدْمِن الخمر ، والعاق ، والديوث الذي يُقِرّ في أهله الخبث". وإذا كان الجواب بلا، فقد انخرمت دعوتك من أصلها، إذ ما لا ترضاه لابنتك لا يرضاه الناس لبناتهم (3).

 

المحمودي

الاثنين 8/5/1432 هـ - الموافق 11/4/2011 م

Almahmoudi08@yahoo.com

 

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

1.   لعل الفقيه يقصد إذا وليس إذن!، وأنا لستُ فقيها ولا لغويا ولا نحويا حتى أصحح لمثل فضيلته ولم أزعم يوما هذا الزعم إطلاقا، لكنني فهمت من سياق الكلام هذا الفهم والله أعلم. 

2.   تعودنا دائما حينما يتعرض البعض للإنتقاد تنبري أسماء مستعارة لتحدثنا عن أن البعض تعرض للسجن من قبل القذافي ونحو هذا الكلام، فأقول ليس العبرة بما يتعرض له البعض في فترة من عمره، إنما العبرة أن يظل الإنسان ثابتا على مبادئه، وبالمناسبة يحدثني من ناقش المرتزق نعمان بن عثمان في قضايا تتعلق بقربه من النظام ونحو ذلك، فكان يجادلهم بنفس الحجة، حيث يقول بأنه قد رفع السلاح في وجه القذافي مبكرا وأن ما يمارسه اليوم نوع من أنواع المعارضة!! ولكن عقول كثير من الناس لا تستوعب هذا النوع من المعارضة!!!.

3.   وأرجو أن لا ينبعث دعاة الوسطية المزعومة ليذكرنا بالآيات والأحاديث الآمرة باللطف واللين، فأقول لهذا وأمثاله بأن هذه الآيات وتلك الأحاديث يمكن الإستدلال بها حينما يكون المدعو جاهلا أو غافلا، أما حينما يكون المدعو داعية فسق وإباحية فلا يناسبه إلا ما تقدم، كما لا يفوتني أن أذكر أخي الكريم د. محمد بالحاج (مصطفى عبد الله سابقا) أن ينتبه لبعض الإطلاقات التي في مقالاته، فإن له إحتراما وتقديرا عندنا لبعض الجهود التي يبذلها، فأرجو أن يضطرنا للرد عليه، أسأل الله له التوفيق والسداد.


Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home