Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home
Libyan Writer Al-Mahmoudi
الكاتب الليبي المحمودي

الإربعاء 6 يناير 2010

الرد على شبهة "شك الرسول في عائشة وقصة مارية القبطية"

المحمودي

إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره ونستهديه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله.

أما بعد:

هذه الشبهة في الحقيقة هي السؤال الأول والثاني من أصل عشرين سؤالا كان قد جمعها المهرج وتحدى أهل الإسلام بأن يجيبوه عليها ، وكما ذكرت في مقال سابق لي ليس مرادي الرد على هذا المهرج ـ علم الله ـ فهو عندي في حكم الأموات ، لكنني كنت في صدد الإعداد للإيات القرءانية التي أوحاها الله إلى نبيه عليه الصلاة والسلام والتي تتحدث عن أمور غيبية في بحثي (إيراد الدلائل والبراهين على صدق نبوءة خاتم الأنبياء والمرسلين) ، فكان من ضمن هذه الأيات، الأيات التي تتحدث عن حادثة الإفك، فتذكرت أن المهرج قد شاغب على حديث الإفك بكلام لا يستقيم علميا فأردت أن أرد على هذا الشغب للفائدة.

يقول المهرج في مقاله (فاسألوهم إن كانوا ينطقون) الكلام التالي [وبالمناسبة هذا الكلام موجه "لكاتب" إسمه خالد الغول! ولا أدري هل أجابه هذا الكاتب على تسائله هذا أم لا؟!! أم أن الفروسية والبطولة إلا على المحمودي الذي تنهال علي ظهره السهام من كل صوب وحدب؟!].

وقبل الجواب على هذه الشبهة لابد من بيان النقاط التالية:

1.  مما لا يختلف فيه مسلمان أن النبي صلى الله عليه وسلم بشر يشترك مع سائر البشر في جميع الصفات البشرية ، فهو يغضب ، ويرضى ، ويحزن ، ويفرح ، ويستحي ، ويشرب ويأكل ويمشي في الأسواق...إلخ غير أن الله عصمه من أن يرتكب منكرا من القول وزورا خلافا لسائر البشر من غير الأنبياء ، ولو أنه سهى أو غفل عن شيئ نزل القراءن مباشرة لتقويمه كما في قصة عبس وتولى وغيرها. ودعنا نأخذ مثالين لبيان هذه المشاعر والأحاسيس: 

أ‌.   كيف تتصور أخي الكريم مشاعر وإحساس النبي صلى الله عليه بعد أن هدأة معركة أحد وانقشع غبارها وهو يرى سبعين من أصحابه مجندلين فوق التراب وبعضهم قطع أنفه وبقرت بطنه...إلخ وكثير من أصحابه جرحى والدماء تسيل من أطرافهم؟!! لا يختلف عاقلان في أن النبي صلى الله عليه وسلم قد غمر قلبه من الحزن وأعتصر قلبه من الألم ما لا يعلم كنهه إلا الله ، وهو في هذا لا يختلف عن سائر البشر إطلاقا ، ولو جلس بجوار النبي صلى الله عليه وسلم أحد من أصحابه في هذا الموطن لما وجد من اللطف واللين كما لو جلس معه في غير هذا الموطن. 

ب‌.  ثبت في الصحيحين وغيرهما في قصة توبة الله على الثلاثة الذين تخلفوا عن غزوة تبوك قول كعب بن مالك رضي الله عنه (... فلما سلمت على رسول الله صلى الله عليه وسلم ، قال لي ووجهه يبرق من السرور ‏:‏ أبشر بخير يوم مر عليك منذ ولدتك أمك...) ، فقطعا هذا الموقف الذي جعل وجه رسول الله صلى الله عليه وسلم يبرق من السرور لا يقاس إطلاقا على موقفه الأول ولو جلس بجوار النبي صلى الله عليه وسلم أحد من أصحابه في هذا الموطن لوجد من اللطف واللين والبشر والسرور ما لا يقدر أحدنا وصفه. وأرجو أن تحفظ هذا أخي الكريم فسنحتاجه قريبا. 

2.  من الأمور التي إتفق عليها أهل الإسلام ـ السُنة ـ قاطبة أن العصمة ليست إلا للنبي صلى الله عليه وسلم فقط ، وكل من أتى بعده فهو معرض للخطأ والزلل والوقوع في الكبائر والصغائر على حد سواء ، ويستوي في هذا أصحابه وزوجاته رضي الله عنهم جميعا ومن جاء بعدهم ، وقد (بينت هذه القضية في مقال سابق لي) فراجعه متكرما. 

3.  قصة حادثة الإفك (ثابتة في الصحيحين وغيرهما) فالنقولات التي سننقلها والتي نقلها المهرج أخي الكريم ثابتة ، ومن باب الأمانة العلمية التي يفتقدها كل من حاورتهم أو رددت عليهم في هذا الموقع (يستوي في ذلك المسلمين والمرتدين) أنقل كلاما أخرا ذكره المهرج في مقاله (فجعلنا عاليها سافلها) لتوضيح هذه القضية:

ولنا على ما تقدم التعليقات التالية

1.  أذكر القارئ الكريم بما ذكرته في المقدمة من أن الرسول صلى الله عليه وسلم بشر كسائر البشر وله إحساس ومشاعر كسائر الناس والذي نزل به وبأهل بيته من الإفك والبهتان لو نزل على جبل لجعله دكا ، فهو رأى بأم عينه ـ كما رأت كل المدينة ـ عائشة رضي الله عنها قادمة على ظهر جمل من قبل الصحراء يقودها رجل غريب عنها ، وهو سمع ـ كما سمعت كل المدينة ـ  الذين يتحدثون إفكا وزورا عن زوجته عائشة ، وهو يعلم ـ كما تعلم كل المدينة ـ أن الله لم يعصم أحدا من أن يقع في هذا الأمر ، وهو في ظنه أن عائشة في هودجها فما الذي جعلها تتأخر وتأتي مع هذا الرجل (الصحابي الكريم صفوان بن المعطل) وووو...إلخ كل هذه القرائن أمام رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو لا يعلم الغيب ، ألا يورث هذا هما وغما يُفطر القلب؟!! ، والله الذي لا إله غيره إن الإنسان الذي يعرف معنى العرض لو أبتلى بعُشر هذا لما وجد للحياة طعما ولأصبح نهاره سوادا كالحا ، فكيف برسول الله صلى الله عليه وسلم الذي هو أشد الناس غيرة على عرضه؟!! ولكنه إمتحان من الله عظيم أُمتحن به رسوله صلى الله عليه وسلم ، يقول ابن القيم في زاد المعاد (.. فرجعت عائشة إلى منازلهم وقد أصابت العقد فإذا ليس بها داع ولا مجيب فقعدت في المنزل وظنت أنهم سيفقدونها فيرجعون في طلبها والله غالب على أمره يدبر الأمر فوق عرشه كما يشاء...). ويقول ابن القيم أيضا معلقا على موقف علي بن أبي طالب بعد أن إستشاره رسول الله صلى الله عليه وسلم في أمر عائشة فأشار بطلاقها (...فعلي لما رأى أن ما قيل مشكوك فيه أشار بترك الشك والريبة إلى اليقين ليتخلص رسول الله صلى الله عليه وسلم من الهم والغم الذي لحقه من كلام الناس...) ، ويقول الحافظ ابن حجر رحمه الله (..وهذا الكلام الذي قاله علي حمله عليه ترجيح جانب النبي صلى الله عليه وسلم لما رأى عنده من القلق بسبب القول الذي قيل وكان صلى الله عليه وسلم شديد الغيرة فرأى علي أنه إذا فارقها سكن ما عنده من القلق بسببها إلى أن يتحقق براءتها فيمكن رجعتها..). 

2.  بناء على ما تقدم فإن الكرب الذي حلّ بالنبي صلى الله عليه وسلم لو وُزع على أهل الأرض لكفاهم ومع ذلك لم يصدر من النبي صلى الله عليه وسلم تجاه عائشة لا تصريحا ولا تلميحا بأنه شك فيها ، غاية ما في الأمر أن عائشة رضي الله عنها لم تجد الحنان واللطف التي كانت تجده في العادة ، وهي معذورة في هذا لأنها لا تعلم بالذي حل بالنبي صلى الله عليه وسلم ، وبهذا يتضح لك معنى قول عائشة (يريبني في وجعي أني لا أرى من رسول الله اللطف الذي أرى منه حين اشتكي) وقوله عليه الصلاة والسلام (كيف تيكم) ، أما قول عائشة (ولم يجلس عندي منذ قيل ما قيل) فهو محمول على الغالب ، أي لم يعد يجلس عندي كثيرا كالسابق ، وهذا مستعمل إلى يوم الناس هذا ، فإنك أخي الكريم لو كنت معتادا على رؤية صديق لك في كل يوم ثم فجأة صرت لا تراه إلا في كل أسبوع مرة فقد يكون سؤالك كالتالي (وينك يا راجل معاش شفناك؟) ، وأنت قطعا تقصد أنك لم تعد تراه كالسابق أي كل يوم.    

3.  ولو كان الأمر كما يقول هؤلاء الجهلة ما الذي يمنع النبي صلى الله عليه وسلم من أن يواجه عائشة مباشرة وفي اليوم الأول؟!! فلم يثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم أن عاتب عائشة رضي الله عنها حتى عتابا لطيفا ، ولو قال لها مثلا لماذا تأخرت عن الجيش وجئت مع هذا الرجل؟! لفهمت عائشة مباشرة الأمر ، ولكن لم تحدث أي إشارة من النبي صلى الله عليه وسلم لهذا الموضوع ، ولذلك لم تدرك عائشة سر عدم ملاطفة النبي صلى الله عليه وسلم لها ، ولو أشار ولو إشارة خفية لأدركت الأمر في الحال ، ولم تعلم عائشة رضي الله عنها بالأمر إلا من صحابية أخرى (أم مسطح) ، يقول الحافظ رحمه الله (وفي رواية ابن إسحاق وقد انتهى الحديث إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وإلى أبوي ولا يذكرون لي شيئا من ذلك). 

4.   تقول عائشة رضي الله عنها (..فَقَدِمْنَا الْمَدِينَةَ فَاشْتَكَيْتُ حِينَ قَدِمْتُ شَهْرًا..)  فمن تمام حسن خلقه عليه الصلاة مراعاته لحال زوجته المريضة التي لو فاتحها في مثل هذا الأمر العظيم لازدادت حالتها سوء ، يقول الحافظ ابن حجر في شرحه لهذا الحديث معلقا على هذه الجملة (وأنه لا ينبغي لأهل المريض أن يعلموه بما يؤذي باطنه لئلا يزيد ذلك في مرضه..). 

5.  وتأكيدا لما تقدم تقول عائشة رضي الله عنها في نفس الحديث (فَقال رسول الله صلى الله عليه وسلم وَهُوَ عَلَى الْمِنْبَرِ: " يَا مَعْشَرَ الْمُسْلِمِينَ مَنْ يَعْذِرُنِي مِنْ رَجُلٍ قَدْ بَلَغَنِي أَذَاهُ فِي أَهْلِ بَيْتِي فَوَاللَّهِ مَا عَلِمْتُ عَلَى أَهْلِي إِلاَّ خَيْرًا وَلَقَدْ ذَكَرُوا رَجُلًا مَا عَلِمْتُ عَلَيْهِ إِلاَّ خَيْرًا وَمَا كَانَ يَدْخُلُ عَلَى أَهْلِي إِلاَّ مَعِي") ، فها هي عائشة رضي الله عنها تنقل لنا بكل وضوح قول النبي صلى الله عليه وسلم ( فوالله ما علمت على أهلي إلا خيرا) ، فهنا النبي صلى الله عليه وسلم يُقسم على عفة وطهارة زوجته ، وهذا القسم أمام الناس (وهو على المنبر). 

6.  فقوله صلى الله عليه وسلم ( فوالله ما علمت على أهلي إلا خيرا) يُعرف عند الأصوليين "بالمنطوق" ، أما تفسير عائشة رضي الله عنها لتصرفات النبي صلى الله عليه وسلم فيعرف عند الأصوليين "بالمفهوم" ، ومن المعلوم الذي لا يخفى على صاحب هذه الشبهة أن المنطوق مُقدم على المفهوم ، ولبيان هذه القاعدة أضرب هذا المثل (لو قال لك أبنك ، " قال لي أخي الأكبر أنه سيذهب إلى المسجد " ، فقوله هذا مقدم على قول أبنك الأخر " رأيت أخي الأكبر متجها نحو المسجد " ، وذلك أن قول الأخير يحتمل أن يكون الأخ الأكبر متجها نحو المسجد لكنه يريد السوق الذي يلي المسجد ، خلافا لقول الأول الذي لا يحتمل التأويل). 

7.     أما قولها (..لَقَدْ عَلِمْتُ لَقَدْ سَمِعْتُمْ هَذَا الْحَدِيثَ حَتَّى اسْتَقَرَّ فِي أَنْفُسِكُمْ وَصَدَّقْتُمْ بِهِ..) فتفسيره كالتالي: 

أ‌.   هذا الخطاب من عائشة رضي الله عنها موجه للنبي صلى الله عليه وسلم وأبي بكر الصديق وأم رومان (أم عائشة) كما هو منصوص عليه في الحديث ، أما النبي صلى الله عليه وسلم فقد بينا بالدليل القاطع موقفه وقسمه أمام الناس أنه لا يعلم عن عائشة إلا خيرا ، وهذا هو (المنطوق). 

ب‌.  أما صديق هذه الأمة أبوبكر رضي الله عنه فقد قال الحافظ ابن حجر (وفيه تثبت أبي بكر الصديق في الأمور لأنه لم ينقل عنه في هذه القصة مع تمادي الحال فيها شهرا كلمة فما فوقها إلا ما ورد عنه في بعض طرق الحديث أنه قال والله ما قيل لنا هذا في الجاهلية فكيف بعد أن أعزنا الله بالإسلام) ، وهذا نص صريح (المنطوق) في أن الصديق الأكبر لم يراوده الشك في إبنته قط. 

ت‌.  أما أمها (أم رومان رضي الله عنها) ، فتقول عائشة في نفس الحديث (فَقُلْتُ لِأُمِّي يَا أُمَّتَاهْ مَا يَتَحَدَّثُ النَّاسُ قَالَتْ يَا بُنَيَّةُ هَوِّنِي عَلَيْكِ فَوَاللَّهِ لَقَلَّمَا كَانَتْ امْرَأَةٌ قَطُّ وَضِيئَةٌ عِنْدَ رَجُلٍ يُحِبُّهَا وَلَهَا ضَرَائِرُ إِلاَّ كَثَّرْنَ عَلَيْهَا) وفي رواية (فَقَالَتْ أُمِّي مَا جَاءَ بِكِ يَا بُنَيَّةُ فَأَخْبَرْتُهَا وَذَكَرْتُ لَهَا الْحَدِيثَ وَإِذَا هُوَ لَمْ يَبْلُغْ مِنْهَا مِثْلَ مَا بَلَغَ مِنِّي فَقَالَتْ يَا بُنَيَّةُ خَفِّفِي عَلَيْكِ الشَّأْنَ فَإِنَّهُ وَاللَّهِ لَقَلَّمَا كَانَتْ امْرَأَةٌ حَسْنَاءُ عِنْدَ رَجُلٍ يُحِبُّهَا لَهَا ضَرَائِرُ إِلاَّ حَسَدْنَهَا وَقِيلَ فِيهَا) ، فهذا موقف أمها كان واضحا وجليا (المنطوق). 

ث‌.  وكما بينا أن (المنطوق) مقدم على (المفهوم) ، فعائشة رضي الله عنها هي التي فهمت من تصرفات النبي صلى الله عليه وسلم وأبويها هذا الفهم ، يقول الحافظ ابن حجر عليه رحمة الله ورضوانه معلقا على قول عائشة (اسْتَقَرَّ فِي أَنْفُسِكُمْ وَصَدَّقْتُمْ بِهِ) يقول (قالت هذا وإن لم يكن على حقيقته على سبيل المقابلة لما وقع من المبالغة في التنقيب عن ذلك وهي كانت لما تحققته من براءة نفسها ومنزلتها تعتقد أنه كان ينبغي لكل من سمع عنها ذلك أن يقطع بكذبه لكن العذر لهم عن ذلك أنهم أرادوا إقامة الحجة على من تكلم في ذلك ولا يكفي فيها مجرد نفي ما قالوا والسكوت عليه بل تعين التنقيب عليه لقطع شبههم..). 

ج‌.  وقول الحافظ ابن حجر (بل تعين التنقيب عليه ـ عن حقيقة هذه الفرية ـ لقطع شبههم) هو الذي يفسر سؤال النبي صلى الله عليه وسلم لعلي بن أبي طالب وأسامة بن زيد وبريرة رضي الله عنهم جميعا في شأن عائشة.  

ح‌.  أخيرا ، تصور أخي الكريم لو جاءك صديق من أصدقائك ممن تثق فيه وقال لك " أمك ماتت اليوم " ، فمهما أوتيت من القوة والصبر والتجلد ومهما ظهر على وجهك من علامات عدم التأثر كأن تبتسم أو تستمر في حديثك...إلخ إلا أن الحزن والألم مهما دافعته إلا أنه قد إستقر في قلبك (هذا إذا كنت من بني آدم أما إذا كنت من أتباع داروين فلا علم لي بمشاعرهم على وجه الدقة!) ، فكذلك الحال حينما يتحدث الناس عن عرضك وشرفك وأنت لا تملك ما تدفع به هذا الحديث فمهما كانت ثقتك في زوجتك إلا أن أثر هذا الحديث سيستقر في قلبك مهما دفعته ، ولا يعني هذا أنك صدقته أو تيقنت به والله الموفق. 

8.  أما قول عائشة رضي الله عنها (والله لا أقوم إليه ولا أحمد إلا الله) ، فقد علق على هذه الكلمات شيخ الإسلام العالم العامل قامع المبتدعة وناصر السنة ابن القيم عليه شأبيب الرحمة والرضوان بكلام يكتب بماء الذهب أنقله لك أخي الكريم (ومن تأمل قول الصديقة وقد نزلت براءتها فقال لها أبواها : قومي إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالت (والله لا أقوم إليه ولا أحمد إلا الله) علم معرفتها وقوة إيمانها وتوليتها النعمة لربها وإفراده بالحمد في ذلك المقام وتجريدها التوحيد وقوة جأشها وإدلالها ببراءة ساحتها وأنها لم تفعل ما يوجب قيامها في مقام الراغب في الصلح الطالب له وثقتها بمحبة رسول الله صلى الله عليه وسلم لها قالت ما قالت إدلالا للحبيب على حبيبه ولا سيما في مثل هذا المقام الذي هو أحسن مقامات الإدلال فوضعته موضعه ولله ما كان أحبها إليه حين قالت لا أحمد إلا الله فإنه هو الذي أنزل براءتي ولله ذلك الثبات والرزانة منها وهو أحب شيء إليها ولا صبر لها عنه وقد تنكر قلب حبيبها لها شهرا ثم صادفت الرضى منه والإقبال فلم تبادر إلى القيام إليه والسرور برضاه وقربه مع شدة محبتها له وهذا غاية الثبات والقوة).

فلو سأل سائل (لماذا لم ينزل الوحي مباشرة ليبرئ عائشة من هذا الإفك؟)

يقول ابن القيم جوابا على هذا السؤال (...أن هذا من تمام الحكم الباهرة التي جعل الله هذه القصة سببا لها وامتحانا وابتلاء لرسوله صلى الله عليه وسلم ولجميع الأمة إلى يوم القيامة ليرفع بهذه القصة أقواما ويضع بها آخرين ويزيد الله الذين اهتدوا هدى وإيمانا ولا يزيد الظالمين إلا خسارا واقتضى تمام الامتحان والابتلاء أن حبس عن رسول الله صلى الله عليه وسلم الوحي شهرا في شأنها لا يوحى إليه في ذلك شيء لتتم حكمته التي قدرها وقضاها وتظهر على أكمل الوجوه ويزداد المؤمنون الصادقون إيمانا وثباتا على العدل والصدق وحسن الظن بالله ورسوله وأهل بيته والصديقين من عباده ويزداد المنافقون إفكا ونفاقا ويظهر لرسوله وللمؤمنين سرائرهم ولتتم العبودية المرادة من الصديقة وأبويها وتتم نعمة الله عليهم ولتشتد الفاقة والرغبة منها ومن أبويها والافتقار إلى الله والذل له وحسن الظن به والرجاء له ولينقطع رجاؤها من المخلوقين وتيأس من حصول النصرة والفرج على يد أحد من الخلق ولهذا وفت هذا المقام حقه لما قال لها أبواها : قومي إليه وقد أنزل الله عليه براءتها فقالت (والله لا أقوم إليه ولا أحمد إلا الله هو الذي أنزل براءتي). وأيضا فكان من حكمة حبس الوحي شهرا أن القضية محصت وتمحضت واستشرفت قلوب المؤمنين أعظم استشراف إلى ما يوحيه الله إلى رسوله فيها وتطلعت إلى ذلك غاية التطلع فوافى الوحي أحوج ما كان إليه رسول الله صلى الله عليه وسلم وأهل بيته والصديق وأهله وأصحابه والمؤمنون فورد عليهم ورود الغيث على الأرض أحوج ما كانت إليه فوقع منهم أعظم موقع وألطفه وسروا به أتم السرور وحصل لهم به غاية الهناء فلو أطلع الله رسوله على حقيقة الحال من أول وهلة وأنزل الوحي على الفور بذلك لفاتت هذه الحكم وأضعافها بل أضعاف أضعافها

إظهار الله منزلته صلى الله عليه وسلم وأهل بيته عنده وأيضا فإن الله سبحانه أحب أن يظهر منزلة رسوله وأهل بيته عنده وكرامتهم عليه وأن يخرج رسوله عن هذه القضية ويتولى هو بنفسه الدفاع والمنافحة عنه والرد على أعدائه وذمهم وعيبهم بأمر لا يكون له فيه عمل ولا ينسب إليه بل يكون هو وحده المتولي لذلك الثائر لرسوله وأهل بيته) انتهى.

يقول المهرج في (تلاشي الأوهام وتهاوي الأصنام) الهراء التالي:

ولنا على ما تقدم من هذا الهراء التعليقات التالية:

1.  هذا الذي فعله النبي صلى الله عليه وسلم من سؤال عائشة وعلي وأسامة وأبوبكر وأمها والجارية لا يستغرق على أقصى تقدير بضع ساعات!! فلماذا يؤخره النبي صلى الله عليه وسلم شهرا كاملا ، ويترك الناس (رجالا ونساء) يخوضون في عرضه (حتى أعتصره الشك شهرا كاملا كما يقول المرتد) وهو قادر على حسمه في بضع ساعات؟!!!.

2.  هناك طرف آخر في هذه القضية ، وهو يعتبر نصف القضية ، وهو الصحابي (صفوان بن المعطل رضي الله عنه) لم يسأله النبي صلى الله عليه وسلم!!!! ، بل قال عنه النبي صلى الله وسلم (وَلَقَدْ ذَكَرُوا رَجُلًا ـ صفوان ـ مَا عَلِمْتُ عَلَيْهِ إِلاَّ خَيْرًا وَمَا كَانَ يَدْخُلُ عَلَى أَهْلِي إِلاَّ مَعِي) ، فهذه القضية لا يعلمها إلا شخصان (عائشة ، وصفوان) أما الباقي فلا يقدموا ولا يؤخروا في معرفة الحقيقة ، فلو ـ والعياذ بالله ـ وقع هذا الأمر حقيقة فلو شهد أهل الأرض قاطبة ببراءة عائشة فستظل الحقيقة لا يعلمها إلا عائشة وصفوان ، فكيف لا يسأل النبي صلى الله عليه وسلم صفوان الذي هو نصف القضية؟!!!.

3.  وهب أن النبي صلى الله عليه وسلم سأل صفوان ، فهذا لا يمنع أن يكون صفوان ـ والعياذ بالله لو وقع الأمر حقيقة ـ قد تحدث مع آخرين في هذا الموضوع ، وهذا يلزم ويحتم أن يسأل النبي صلى الله عليه وسلم الأخرين أيضا وهكذا إلى ما لا نهاية.

4.  أخيرا ، وهذا يجعلك أخي الكريم تجزم وتقطع بلاشك ولا ريب بأن القراءن من عند الله جل جلاله ولو كان من عند الرسول صلى الله عليه وسلم لأنزل هذه الأيات من اليوم الأول [وهذه النقطة هي سبب هذا المقال كله]  

وبهذا نكون قد أتينا على الشق الأول من هذه الشبهة وهو قوله (شك النبي صلى الله عليه وسلم في عائشة رضي الله عنها) ، وأنت كما ترى أخي الكريم الشبهة مكونة من أربع كلمات (شك الرسول في عائشة) ولكن الرد عليها ما ترى لا ما تسمع ، والأن إلى الشق الثاني من هذه الشبهة:

* * *

ثبت في صحيح مسلم عن أنس بن مالك رضي الله عنه، أن رجلاً كان يُتهم بأم ولد رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لعلي : ( اذهب فاضرب عنقه ) ، فأتاه علي رضي الله عنه ، فإذا هو في ركيٌّ – أي بئر -  يتبرّد فيها ، فقال له علي : أخرج ، فناوله يده فأخرجه ، فإذا هو مجبوب ليس له ذكر ، فكفّ عليٌّ عنه ، ثم أتى النبي صلى الله عليه وسلم فقال : ( يا رسول الله ، إنه لمجبوب ماله ذكر ).

ذكرنا في أكثر من مناسبة أن المنهجية العلمية هي الأصل الذي يقوم عليه أي بحث ، ومن المنهجية العلمية أن تجمع كل الروايات المتعلقة بالقضية المراد بحثها ، وهذه القضية مقررة علميا لا تحتاج إلا مزيد من التقرير ، فإن هذا الحديث ورد من طريق أخر (صححه الشيخ الألباني وغيره) فيه زيادة مهمة ، عن علي قال ( أكثر على مارية أم إبراهيم ابن النبي صلى الله عليه وسلم في قبطي _ ابن عم لها _ كان يزورها ويختلف إليها ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لي : خذ هذا السيف فانطلق إليه ، فإن وجدته عندها فاقتله . فقلت : يا رسول الله أكون في أمرك إذا أرسلتني كالسكة المحماة لا يثنيني شيء حتى أمضي لما أرسلتني به ، أو الشاهد يرى ما لا يرى الغائب ؟ قال : ( فذكره ) [وفي رواية ذكرها الطحاوي وغيره قال صلى الله عليه وسلم : " بل الشاهد يرى ما لا يرى الغائب " ، المحمودي] ، فأقبلت متوشحا السيف فوجدته عندها ، فاخترطت السيف ، فلما اقبلت نحوه عرف أني أريده ، فأتى نخلة فرقى فيها ، ثم رمى بنفسه على قفاه ، وشفر برجليه ، فإذا هو أجب أمسح ، ما له ما للرجال ، قليل ولا كثير ، فأغمدت سيفي ، ثم أتيت النبي صلى الله عليه وسلم فأخبرته ، فقال : الحمد لله الذي يصرف عنا أهل البيت).

ولنا على ما تقدم التعليقات التالية:

1.  قصة عائشة تختلف إختلافا تاما عن هذه القصة ، وقياس قصة الإفك بهذه القصة من القياس الباطل الذي لا يستقيم عند أهل العقول السوية إطلاقا ، فعائشة رضي الله عنها رُميت بالإفك ـ الزنا ـ خلافا لمارية رضي الله عنها التي أتهم إبن عمها بإنتهاك حرمة رسول الله صلى الله عليه وسلم كما سنوضحه في الفقرة التالية. 

2.  العلة في قصة (مارية) التي بسببها إستوجب ابن عمها القتل هي إنتهاك حرمتة ، وهذا واضح وجلي في قول النبي صلى الله عليه وسلم لعلي (إن وجدته عندها فاقتله) ، ولذلك يقول علي رضي الله عنه (فأقبلت متوشحا السيف فوجدته عندها ، فاخترطت السيف ، فلما اقبلت نحوه عرف أني أريده) ، فهنا علي رضي الله عنه بمجرد أن وجده عندها [ولو وجده مصليا أو قارئا للقرءان وجب على علي رضي الله عنه قتله لإنتهاكه للحرمة ولكن لما وجده مجبوبا تركه مصداقا لقوله صلى الله عليه وسلم (يرى الحاضر ما لا يرى الغائب)] فعقد العزم على قتله (فاخترطت السيف، فلما اقبلت نحوه عرف أني أريده). 

3.  يقول شيخ الإسلام ابن تيمية في الصارم المسلول تأكيدا لهذا المعنى (فهذا الرجل امر النبي رسول الله صلى الله عليه وسلم بضرب عنقه لما قد استحل من حرمته ولم يامر باقامة حد الزنى لان حد الزنى ليس هو ضرب الرقبة بل ان كان محصنا رجم وان كان غير محصن جلد ولا يقام عليه الحد الا باربعة شهداء او بالاقرار المعتبر فلما امر النبي رسول الله صلى الله عليه وسلم بضرب عنقه من غير تفصيل بين ان يكون محصنا او غير محصن علم ان قتله لما انتهكه من حرمته...) انتهى.  

4.  وقد ثبت (أن رجلا اطلع من جحر في حجر النبي صلى الله عليه وسلم ومع النبي صلى الله عليه وسلم مدرى يحك به رأسه فقال لو أعلم أنك تنظر لطعنت به في عينك إنما جعل الاستئذان من أجل البصر) ، فكيف بمن ينتهك حرمته؟!!!. 

5.  قال الشافعي في كتابه الأم ( وللمرأة الخيار في المجبوب وغير المجبوب من ساعتها ; لأن المجبوب لا يجامع أبدا والخصي ناقص عن الرجال...)انتهى. يقول المهرج في (طلبت يقينا): 

فهذا الرجل كما قال الشافعي (لا يجامع أبدا) أي حكمه حكم المرأة ، وما سمعنا قط في تلك الأزمنة إمرأة قبلت إمرأة أو ضمتها بشهوة أو...إلخ فحتى لو خطر على بال مارية القيام بهذا الأمر ـ والعياذ بالله ـ فهي ستطلب الرجال دون المجبوبين، أما أن تأتي المرأة المرأة (السّحاق) ، فهذا لا يُعرف في البشرية ـ على حسب علمي ـ إلا بعد داروين ونظريته المشؤومة التي قطعت الخلق عن الخالق والتي يروج لها الجهلة دون وعي ولا إدراك لأبعادها. 

الخلاصة: هناك فارق جوهري بين قصة عائشة وقصة مارية رضي الله عنهما ، فعائشة رضي الله عنها رميت بالزنا ، فهنا وجب التثبت في إقامة الحد (الشهود أو الإقرار أو...إلخ) ، أما مارية فقد كانت العلة في أمر النبي صلى الله عليه وسلم بقتل إبن عمها هو إنتهاكه لحرمة النبي صلى الله عليه وسلم ، وقياس القصتين على بعض من الجهل البين والله الموفق.

سوأل موجه لكل ليبي ملحد

تصور أخي الكريم لو أن شخصا ما إسمه (محمد) ولد من أبوين مسلمين وتربى تربية إسلامية وربما (سلفية!) ، لكن هذا الشخص (مادي) أي يحب المادة ، فحبه للمادة جعله يكفر بالله ورسوله ، فكون هؤلاء الملحدين يخوضون في عرض نبينا صلى الله عليه وسلم فنريد أن نوجه لهذا الشخص المفترض السوأل التالي :

هل للعرض أدنى قيمة عندك؟!! أو بصيغة أخرى لو مارست إبنتك البالغة من العمر 18 سنة الزنا ماذا سيكون موقفك من هذا الأمر؟!!

·   فإن قال الأمر عادي وهذا يتعلق بحريتها الشخصية قياسا على ما يقوله الملاحدة الغربيين ويمارسونه مع بناتهم واقعا عمليا ، قلنا له نريد منك أن تكتب لنا في إحدى مقالاتك بأنك تقر هذا الأمر ولا ترى فيه غضاضة ولا حرجا! 

·   وإن قال أرفضه ولا أقره لا في إبنتي ولا في غيرها ، قلنا له من أين جاءتك هذه القيمة؟!! قيمة الغيرة على العرض والشرف من أين إكتسبتها؟!! وليس أمامه إلا الإسلام العظيم الذي غرس فيه هذه القيمة العظيمة ، والتي تربي عليها من خلال المجتمع الإسلامي (الأب والأم والأقارب والجيران...إلخ) الذي تربى فيه (فهل جزاء الإحسان إلا الإحسان).    

أخيرا هذه (قاضية بريطانية أسلمت) لا تخفي إعجابها بحياة زوجات الرسول صلى الله عليه وسلم ، وأرجو أن تتأمل أخي الكريم سبب إسلامها ، دمت في حفظ الله ورعايته. 

المحمودي

الثلاثاء 19/محرم/1431 هـ - الموافق5/1/2010 م

Almahmoudi08@yahoo.com


Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home