Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home
Libyan Writer Al-Mahmoudi
الكاتب الليبي المحمودي

الخميس 3 مارس 2011

الحلقة الأولى الحلقة الثانية

حق طرابلس على أخواتها (1)

المحمودي 

إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله. 

أما بعد.

قبل عدة أشهر في مقال لي بعنوان "مفاهيم يجب أن تُصحح حول مذبحة أبي سليم" قلتُ "وواقع الحال أن القبضة الأمنية الحديدية في هذه المدينة ـ طرابلس ـ أشد من غيرها، فغالب المراكز الأمنية الرئيسية جاثمة فوق صدرها". وقد يتصور كثير من الناس أن هذه القبضة الأمنية متمثلة فقط في المراكز والمعسكرات التي تغصّ بالمرتزقة من المحليين والأجانب على حد سواء، وهذا التصور لا يعكس الصورة كاملة، فالقبضة الأمنية تمتد لتشمل المؤسسات المدنية كالجامعات والنوادي والملتقيات وغيرها، فما يُسمى بجامعة "الفاتح" على سبيل المثال يسيطر عليها المرتزقة ـ المحليين والأجانب ـ سيطرة كاملة، فأنت كطالب في هذه الجامعة تشعر وكأنك في إحدى المعسكرات العسكرية، وحسبك أن تعلم أخي الكريم أن مرتزقا "كسالم المشاي" كان رئيسا فعليا للجامعة! هذا المرتزق الذي أشرف على كثير من الإعدامات في حرم الجامعة كان في كثير من الأحيان يعتجر بعمامة خضراء يجوب أروقة وأقسام الجامعة كأنه زعيم عصابة إجرامية، وأما مسدسه الذي يضعه في إحدى جنباته فلا يُخطئه بصرك إطلاقا، ومن كان على شاكلة هذا المرتزق "سالم المشاي" هم من كان يتحكم في كل مفصل من مفاصل هذه الجامعة، أما المرتزقة الأجانب كالفلسطنيين وغيرهم فلا يختلف حالهم عن إخوانهم المحليين في السيطرة الكاملة على هذا الصرح العلمي، هذا نموذج بسيط لكيفية سيطرة المرتزقة على طرابلس. والجزء الأخطر في هذه القضية ليس ما تقدم، إنما ما كتم أنفاس طرابلس هو ما قام به القذافي من جلب أسافل وأراذل الناس من سائر المدن والقرى والقبائل الليبية ومكنّ لهم في طرابلس، فاستولى هؤلاء الأراذل على عامة المناطق والأحياء الحساسة في المدينة (كشارع بن عاشور، وحي الأندلس، والسياحية، وميزران، وطريق المطار...إلخ). وهؤلاء الأراذل هم في حقيقة حالهم موالون للقذافي تمام الولاء، وكذلك أُغدق عليهم من الأموال والسلاح ما لا يحلم به الطرابلسيون حتى في أحلامهم، فتحولت بيوت هؤلاء المرتزقة إلى ثكنات عسكرية مدججة بكامل الأسلحة، وكانت لهذه الميليشات اليد الطولى في المدينة، فهي القانون ولا قانون غيرها، فاستحلوا بعد ذلك بيوت وأراضي وأموال الطرابلسيين، وكل ما تقدم ذكره رأيته بعيني وسمعته بأذني ولم يحدثني به أحد. أضف إلى ما تقدم، الحشود الهائلة، والتعزيزات المكثفة لقوات المرتزقة التي انتشرت في شوارع المدينة منذ اندلاع الثورة المباركة، فقد ذكر الشيخ الصادق الغرياني أثناء مداخلته في الجزيرة أنه بمعدل كل 100 متر يوجد مدرّعة عسكرية، وتواجد هذه الحشود في هذه المدينة منطقي جدا!!، إذ لا يخفى على أحد أن رؤوس الأفاعي وأئمة المرتزقة وزوجاتهم وأبنائهم يتخذون من قلب هذه المدينة مقرا لهم تنطلق منه سراياهم الشريرة إلى سائر ربوع البلد.

***

بدأت أحداث ثورة 17 فبراير المباركة، وانطلقت شرارتها من مدينة بنغازي المجاهدة، وهبت بنغازي برجالها ونساءها وشيبها وشبانها تهتف بهتافات العز في وجه الظلم والطغيان، فما كان من الأوغاد إلا أن واجهوا هذه الأصوات برشاشات مضادة للطائرات، وسقط أول كوكبة من الشهداء على ثرى بنغازي الطاهر، وفي أقصى غرب البلاد انتفضت مدينة الزنتان لتقطع كل الطريق على كل من ادعى أن انتفاضة بنغازي كان دافعها الإنفصال عن البلاد، ثم توالت الإنتفاضات، وتسارعت وثيرة الأحداث في البيضاء ودرنة وطبرق...إلخ. لكن كل ما تقدم ما كان ليوقف أنهار الدماء التي تسيل على مدينة بنغازي، واستمر الحال على ما هو عليه حتى حدث الزلزال، وهذا الزلزال هو (مداخلة الشيخ العلامة الصادق الغرياني)، نجم طرابلس وهلالها، في قناة الجزيرة حيث أطلق فتواه بوجوب الخروج لإيقاف حمام الدم الذي تتعرض له بنغازي، فكانت هذه المداخلة علامة فارقة، فخرجت طرابلس عن بكرة أبيها، خرجت الحشود كالسيل العرم بالرغم من القيود والأغلال التي كبّلتها لتزلزل الطاغية وتهز عرشه وتميد به أرضه التي يقف عليها، هذا الزلزال الذي حدث في طرابلس لم يكن يتوقعه الطاغية إطلاقا، هذا الزلزال الذي حدث في طرابلس هو الذي أربك كتائب المرتزقة وحال بينهم وبين استخذام الطيران والصواريخ وسائر الأسلحة العابرة للحدود، وإلا ما كان القذافي ليتورع عن قصف جميع المدن بالطائرات، بل بالأسلحة الكيماوية وغيرها، كما فعل حافظ الأسد مع مدينة "حمأ" وكما فعل صدام حسين مع مدينة "حلبجة" وسائر مدن الجنوب العراقي، ولكن كما قلت الزلزال الذي حدث في عقر دار المرتزقة وتحت أقدامهم تحديدا هو الذي أربكهم وخلط أوراقهم، وفي هذه الفترة تحديدا تحررت مدن الشرق كاملة ومعها الزاوية ومصراتة وغيرها، ولذلك كانت ردة فعل المرتزقة إزاء طرابلس عنيفة جدا، حيث وبدون مقدمات تم قصف المتظاهرين بالطائرات والأسلحة الثقيلة، فسقط مئات الشهداء والجرحى، وغرقت طرابلس في الدم لتوقف عن أخواتها من المدن الأخرى نزيف الدم، فما توقفت أنهار الدماء في المناطق الأخرى إلا بعد انتفاضة طرابلس المباركة.

فإذا كانت سائر المدن تدفن شهداءها وتصلي عليهم.. فطرابلس اليوم لا تعرف أين شهداءها ولا تهتدي إلى قبورهم سبيلا.

إذا كانت سائر المدن تداوي جرحاها وتواسيهم .. فطرابلس اليوم يُختطف جرحاها من المستشفيات ومن الطرقات ولا يُدرى إين صاروا ولا إلى أي شئ سيكونون.

إذا كانت سائر المدن تتناقل أخبارها كثير من وسائل الإعلام .. فطرابلس اليوم تعيش تكتيما إعلاميا ليس له نظير.. فوالله الذي لا إله غيره لقد اتصلنا بالثقات من إخواننا في طرابلس فيقول أثناء المكالمة يوجد أمامهم خمسة عشر جثة ملقاة على قارعة الطريق.. وقد ذكرت منظمة التضامن الحقوقية أن عدد الشهداء ستة آلاف شهيدا منهم ثلاثة آلاف من طرابلس.. ويحدثني آخر بأن له قريبا من ضباط الجيش يقوم باتصالات بأصدقائه وأقاربه ليحدثهم عن الهدوء والأمان في ليبيا وكل هذه الإتصالات تحدث تحت تهديد السلاح.

إذا كانت سائر المدن يجتمع أهلها بعضهم مع بعض ويواسي بعضهم بعضا.. فطرابلس اليوم يُتخطف أبنائها من بيوتهم، ويُعتقل خيرة رجالها دون أن يشعر بهم أحد.

فحق طرابلس اليوم على أخواتها من المدن الأخرى عظيم، حق طرابلس اليوم على سائر المدن هو تحريرها من المرتزقة، وإعادة الأمن والبسمة لأهلها، ومواساتها في مصابها، والكف فورا عن عتابها ولومها أحيانا، بل وتوبيخها واتهامها بالتخاذل أحيانا أخرى.

***

كثر الأخذ والرد حول موضوع الإستعانة بقوات "أجنبية"، والحقيقة أنني لم أقرأ أو أسمع لأحد تناول هذا الموضوع بنوع من التأصيل الشرعي، فالغالبية ترى عدم جواز التدخل الأجنبي، وهناك من يرى جواز التدخل الأجنبي بلا تحفظ وهذا القول يتبناه عبد الهادي الشلوف وغيره، ولعلي أضع ضوابط هذا الأمر في نقاط مختصرة لعل الله ينفع بها:

أولا: أنا أستبعد جدا أن تتدخل أمريكيا ـ ومن دونها من باب أولى ـ تدخلا عسكريا في ليبيا، وأقصد بالتدخل هنا أي إنزال قوات برية على غرار ما حدث في العراق وأفغانستان لعدة أسباب منها باختصار:

-   أمريكيا منهكة جدا عسكريا جراء الحروب التي خاضتها في العالم الإسلامي، وهي من المنظور العسكري منهزمة ميدانيا في كل من أفعانستان والعراق..إلخ. 

-    الرأي الداخلي الأمريكي غير مهيأ للمزيد من الحروب الخارجية. 

-    الشعب الليبي بجميع أطيافه يرفض التدخل العسكري (أقصد هنا الإجتياح العسكري البري). 

-    أمريكيا في نظر الشعب الليبي هي الوجه الآخر لما يسمي "بـاسرائيل" فالشعب الليبي سيستحضر كل جرائم "اسرائيل" بمجرد أن يطأ أول جندي أمريكي أرض ليبيا. 

-    الدول المحيطة بليبيا كلها بلا استثناء ترفض دخول أي قوات أجنبية لليبيا، فما أن تطأ قدم أول جندي أرض ليبيا سيتدفق المصريون، والتونسيون، والجزائرون، بل وكثير من التشاديون والنيجيريون إلى ليبيا، حيث كل هؤلاء يرون أن لهم على أمريكا ثأرا ـ نتيجة جرائمهم في العالم الإسلامي ـ لابد من أخذه!!، أضف إلى ما تقدم أن كل الحدود الليبية في الوقت الراهن في حكم المفتوحة على مصرعيها للمتطوعين، فبناء على تقدم فأمريكيا أعقل من أن تُقدم على أمر خطير كهذا.

ثانيا: مما لا يشك فيه عاقل أن الغرب عموما لن يتدخل في ليبيا إلا من أجل مصلحته، فلن يتدخل الغرب من أجل الدماء التي تسيل على أرض ليبيا، ولا من أجل حقوق الإنسان، ولا من أجل القذافي، بل الغرب لا يتدخل إلا من أجل مصلحته، ولا يتدخل إلا إذا تبين له أنه ثمة مصلحة راجحة جراء تدخله هذا.

ثالثا: وبناء على ما تقدم، هل يجوز لنا تحقيق بعض مصالح الغرب مقابل القضاء على المرتزقة وزعيمهم الأوحد؟! والجواب نعم بلا شك ولا ريب وإليك الدليل، حينما حاصر عشرة آلاف مقاتل من المشركين المسلمين في مدينة رسول الله، رأى النبي صلى الله عليه وسلم رأيا نحن أحوج ما نكون إلى تدبره "...ودام الحصار على المسلمين قريبا من شهر ولم تكن حرب ثم رجع رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى عيينة بن حصن والحارث بن عوف ـ وهما من زعماء غطفان ـ أن يرجعا ولهما ثلثا ثمار المدينة...".

فأهل الحل والعقد في ليبيا اليوم إذا رأوا أن يعطوا أمريكيا بعض العقود وبعض الإمتيازات أو نسب معينة من عائدات النفط...إلخ على أن يُقدّم لهم الأمريكان بعض الخدمات التي تؤدي إلى انهاء المرتزقة وزعيمهم فكل ذلك جائز شرعا ولا حرج فيه ولهم في رسول الله صلى الله عليه وسلم أسوة حسنة، مع التذكير أن قطرة دم واحدة من ليبي هي أفضل عندنا من جميع آبار النفط فتدبروا يا أولي الألباب.

رابعا: ولكن هنا وجب التنبيه إلى أمر مهم جدا، وهو أن الإستعانة بالأجنبي لابد أن تنضبط بشرط لا تصح بدونه، وهذا الشرط هو أن يكون العدد والعتاد بالنسبة لليبيين أقوى وأكثر من القوات الأجنبية المستعان بها، فمثلا يجوز لنا أن نستعين بكثيبة من المظليين، ويجوز لنا أن نستعين بخبراء محدودين في حرب المدن أو حرب العصابات، وكذلك يجوز لنا أن نستعين ببعض الطائرات أو بعض السفن، بحيث أن تكون القوات المُستعان بها أقل بكثير من القوات الليبية (الثوار)، ويُشترط على هذه القوات مغادرة البلاد فور انتهاء هذه المهمة، فنكون قد حققنا مصلحة انهاء المرتزقة بأقل خسائر ممكنة، ونكون قد حققنا للغرب بعض مصالحه بشروط جائزة شرعا.

وهذا النوع من الإستعانة قد فعله النبي صلى الله عليه وسلم، ففي غزوة حنين استعان النبي صلى الله عليه وسلم بصفوان بن أمية وكان مشركا، واستعان النبي صلى الله عليه وسلم يوم الهجرة بدليل مشرك يدله على الطريق إلى المدينة وغير ذلك من الحوادث.

خامسا: قد يقول قائل بأننا لسنا بحاجة للغرب، وأنا أقول إن النصر كله بيد الله، وإن ينصرنا الله فلا غالب لنا، ولكن علينا في نفس الوقت أن نأخذ بجميع الأسباب المتاحة، فنحن أمام مرتزقة مسلحين بجميع الأسلحة المتطورة ومدربين أحسن التدريب، وبالمقابل نجد أن أهلنا لا يملكون إلا أسلحة تقليدية، فأنأ أرى:

لو أن الغرب قام بتزويد إخواننا بأسلحة متطورة، وأجهزة اتصالات ونقل ونحوها ثم وفّر لهم غطاء جويا، مقابل بعض الإمتيازات التي ذكرناها سابقا لكنا حققنا أهدافنا والتي من أهمها القضاء على رأس المرتزقة وتطهير طرابلس من رجزهم  بلا ضرر ولا ضرار، وهذا هو الأقرب لتحليل الأمور من منطلق العقل والحكمة بعيدا عن العاطفة الهياجة، أما الإعتقاد بأن انهاء حكم المرتزقة  يكون بمطالبة أهل طرابلس بالخروج للمظاهرات السليمة والإحتجاجات في وجه ذئب مفترس فما أراه إلا ضربا من ضروب الإنتحار.

المحمودي

الخميس 28/3/1432 هـ - الموافق 3/3/2011 م

Almahmoudi08@yahoo.com 

 


الحلقة الأولى الحلقة الثانية

Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home