Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home
Libyan Writer Ahmed el-Magenni
الكاتب الليبي أحمد الماقني

Friday, 23 June, 2006

في ذكرى أربعـينيته...

حسين مازق ... رجل من زمن الرجال

أحمد الماقنّي

الوطن يشمخ بعزّة رجاله. وحسين مازق أحد أبرز رجالات ليبيا الأعزاء...
كيف سينظر التاريخ لرجل بحجم حسين مازق؟ كيف سنقوِّم تجربته - نحن الذين عاصروه؟ وكيف ستنظر الأجيال التي حرمت من مجايلة تجربته السياسية؟ هل المهم عالمه السياسي أم تداخلات هذا العالم مع عالمه الخاص ومع خصائص شخصيته؟
الزمن الجاحد فقط هو الذي لا ينصف رجالاته ورموزه ويشوه تاريخهم وينكر عطاءاتهم...
الوطن يشمخ حتماً بعزّة رجاله، هم الذين يكتبون أمجاده. ورجالات عهد اليسر كثر. لقد عملت آلية حكمهم على إبراز رموزها، من رجال الجهاد ومناضلي حقبة الدفاع عن حق الوطن في الإستقلال، والأوفياء الذين أسسوا دولة الإستقرار والنماء. عهود من تخصيب الإرادات والقامات والعطاءات. ورث أولئك الرجال دولة تئن تحت حوافر الفقر والتخلف والأمراض، ولكنهم لم يعرفوا الوهن والعجز تصدوا لكل الأزمات بعزائم صلبة ولاّدة للإرادات التي لا تعرف المستحيل.
برز حسين مازق من بين رجالات ذلك العهد كشخصية اكتسبت بمواقفها وحنكتها ووفائها كل مقومات رجل الدولة - والياً ورئيس حكومة ثم وزيراً لخارجيتها- في أشد الظروف السياسية التي مرّت بليبيا وبالأمة العربية. وعبر تلك الساحات والمواقع السياسية ظل بأصالته إبن البلد المتواضع، المهموم بقضايا مجتمعه. مقولة واحدة لم تُلصق على جدار ولم تُعلق كتميمة على صدور المطبوعات ولكنها بقت محفورة في أعماق رجال ذلك العهد الفتي تؤكد لهم أن " المحافظة عـلى الإستقلال أصعـب من نيله"أرسوا فوقها دعائم دولتهم... فكان الدستور العصري اللبنة الأساسية لبناء دولة سيادة القانون والذي من تجاويفه ولدت القوانين المنظمة لبقية الأحكام التي احترمت كرامة المواطن ورسّخت عوامل أمنه وحافظت على حُسن الجيرة لحدوده، فحموا بذلك الحقوق السيادية للوطن والمواطن.
الدولة التي ولدت من رحم مجتمع لا زالت تتحكم فيه مفاهيم العلاقات القبلية برز فيها حسين مازق كشخصية حضارية، تعاملت مع التطورات التي شهدتها ليبيا بفكر عصري طوَّر آليات ومؤسسات الدولة، لتواكب حركة النمو التي تفاعل في بوتقتها المجتمع، حيث انصهرت في تنّورها الإجتهادات والصراعات والرؤى، لتخلق نسيجاً اجتماعياً متجانساً ومنسجماً مع طموحات المواطنين. فالوالي لولايةٍ مشتتةِ الأهواءِ والإنتماءاتِ والولاءاتِ، استطاع إحكام السيطرة على بؤر المصالح وتحجيم التناقضات، لينعم بعدها المجتمع بكيان وطني متآخي لا طبقي، يسوده الوئام ويحتكم للمصلحة الوطنية، فتعامل مع الهيئتين التنفيذية والتشريعية بعقلية متحضِّرة، تؤمن بأن المعارَضة ضرورية لبناء المجتمع الديمقراطي، الذي تُحترَم فيه الآراء المتصارعة، وتتوارى فيه روح السيطرة الفردية، مجتمع الفرد للكل والكل للفرد. فكثر السجال الذي عرّى الكثير من عيوب الدولة فحفَّز الإجتهادات والبحث عن الحلول عبر فضاءات البحث العلمي، فبرزت قامات وطنية بهوياتها الإديولوجية المعروفة، وعُرضت أفكار من خلال وسائل إعلامية متعددة ، تحمل نقداً صارخاً من خلال رؤى تتفاوت في حدّتها ولهجتها وشراسة مواجهتها للسلطات المحلية والفدرالية، عبر الإتحادات والنقابات والمنابر الإعلامية والندوات الثقافية. ورغم ضراوة الصراع لم تدخل كلمة التخوين قاموس التعامل السياسي بين الأطراف المتصارعة فانتصرت بذلك قيم الولاء الوطني، بعيداً عن ممارسات القهر والقمع والإذلال والإقصاء، مرسّخةً بذلك أن كرامة الوطن من كرامة مواطنيه.
ظل رجل الدولة الفذّ حسين مازق مستوعباً كل تلك التفاعلات، وكل إملاءات الكرامة الوطنية. ومدركاً لضرورات التطوّر المدني رغم شح الموارد. فجاء التحرك بعقلانية نحو الإستثمار البشري في مجالات التعليم وبناء المؤسسات المدنية ، دون زعيق الشعارات الفارغة التي تسللت للدولة الفتية عبر الحدود متاجرة بالأوهام وانتصارات الحناجر... فكان بالمقابل خطاب الدولة الهادئ ينشد التطور والبناء وينشر الأمن والعدالة. فالحرم الجامعي يستضيف عمالقة الفكر والأدب والعلوم فيتفاعل معها الشباب، لتكتظ الساحة بالمواهب الخلاّقة التي فتحت أمامها مجالات قيادة الحراك الشعبي والسياسي. وكان لا بدَّ من الصدام، وكان لا بدَّ كذلك من الحكمة التي بمقدورها امتصاص آثار هذا الصدام، قاطعةً الطريق أمام النفوس المريضة، التي قد تؤجج لهيب الفتنة وتعمل على تأليب القوى ضد بعضها، مستهدفة الأمن الوطني، لإجهاض الصراع السلمي الذي أدّى في النهاية لتولّي الكفاءات الشابة الوصول إلى المراكز القيادية في اتخاذ القرارات المصيرية.
ومع تطورات كبيرة في الفلك السياسي الذي تدور فيه ليبيا، كان لا بدَّ من استثمار حنكة وخبرة ودهاء حسين مازق في التعامل مع المستجدات الشارخة لقوائم وأُطر الوضع السائد في ذلك الوقت. فخلال عامين من إدارته للقرار السياسي، استطاع أن يوجه الغليان الشعبي مجنباً الوطن مآلات كارثية.
وحينما رحل عن عالمنا، ترك لنا رصيداً وإرثاً لشخصية ثرية بحب ليبيا، وبإيمان قوي بحق ليبيا وطناً ومواطناً في الكرامة والعزة. رجلٌ عُرف عنه الشجاعة والبسالة، والتصدي للمواقف الصعبة، رجلٌ من أبرز صفاته الوفاء، فلم يساوم يوماً على موقف مبدئي، ولم ينحن لحظة متنازلاً عن معتقدٍ آمن به. كما ظل وفياً لقيم وثوابت حملها وهو السياسي الفذ، والمواطن العزيز والراعي الحنون. ترك الرجل تاريخاً حافلاً بالمواقف الوطنية، ولعلَّ من أبرزها إصراره على سيادة التراب الليبي، ففاوض من أجل إلغاء القواعد الأجنبية التي أخذت بعدها تستعد للرحيل ورحلت فعلا حين حان لها أن ترحل.
فقدت ليبيانا برحيله رمزاً من أعظم رموزها السياسية، كما خسرت التجربة الليبية حنكته وبراعته كربّان كان بإمكانه تجنيب الوطن الكثير من الأحداث العاصفة التي واجهته.
أبا نجيب عذراً إن تأخر تقديرنا لعظمة دورك في بناء وطننا الذي علمتمونا كيف نحبه ونعشقه، فحملناه معنا نقياً وسيظل أبداً نقياً.


Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home