Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home
Libyan Writer Mahmoud Ahmed Abousowa
الكاتب الليبي محمود أحمد أبوصوة

الخميس 21 اكتوبر 2010

تاريخ ليبيا المفترى عليه

 

ملاحظات منهجية حول كتاب الدكتور المولدي الأحمر

 الجذور الاجتماعية للدولة الحديثة في ليبيا

الفرد والمجموعة والبناء الزعامي للظاهرة السياسية

 

محمود أحمد أبوصوة

أستاذ التاريخ الوسيط ـ جامعة الفاتح

 

لم يحظ تاريخ ولاية طرابلس/  ليبيا الحديث ببعض الاهتمام  إلا في فترة متأخرة، تحديدا منذ القرن التاسع عشر*؛ فبالإضافة لعمل شارل فيرو الذي أنجز ما بين عامي 1883 و 1884، والذي تطرق فيه لتاريخ البلاد (ولاية طرابلس) من سنة 642 م، إلى سنة 1879، نوهت العديد من كتب الرحلات (على سبيل المثال لا الحصر كتاب جوستاف ناختيجال**) بتاريخ الصحراء "الليبية" وببعض مدنها في ذات الفترة تقريبا ؛ وخلال الاحتلال الإيطالي أنجز أتوري روسي بحثا مطولا عن تاريخ طرابلس (ليبيا) منذ الفتح حتى عام 1911؛ ولكن الكتابة وبشكل مكثف عن تاريخ ليبيا اقترنت وإلى حد كبير بمرحلة ما بعد الاستقلال. وأقول بشكل مكثف إذ أن البداية الحقيقية لكتابة تاريخ ليبيا تعود إلى عشية استقلال البلاد؛ ففي هذه الفترة، فترة ما بعد الحرب العالمية الثانية والتي أصبحت فيها جميع الدول العربية مهيأة أكثر من أية فترة سابقة للمطالبة بالاستقلال، شرع بعض الليبيين كغيرهم من أبناء المنطقة العربية  في كتابة تاريخ البلاد من منظور لم يكتف أصحابه بإدانة أعمال المحتل فضلا عن دوره في تجزئة البلاد وتخلفها فحسب، بل والمساهمة أيضا في كتابة تاريخية من نوع خاص، كتابة تفترض وجود كيان ليبي تعود نشأته الأولى إلى مرحلة ما قبل الاحتلال بكثير.

فالمتمعن على سبيل المثال في دافع الأستاذ مصطفي بعيو لكتابه تاريخ ليبيا / لوبيا يخلص إلى أنه كان في الأساس دافعا "وطنيا" ؛ ففي مقدمة عمله الذي نشر في عام 1947 يقول الأستاذ بعيو أنه كثيرا ما كان يشعر بالخجل "إذا حان درس التاريخ وتناول الحديث مختلف الموضوعات" إذ كان علي، يقول الأستاذ بعيو " أن أعيها وأن أعرفها في الوقت الذي كنت أجهل ما يجب أن أعرفه من تاريخ بلادي ولو بتلك الصورة العامة التي كانت تعطى لنا في المرحلة الثانوية"[1]. لذلك قرر وفور التحاقه بقسم التاريخ بكلية الآداب بالقاهرة تخصيص جزء من اهتماماته لتاريخ ليبيا؛ وما أن أنهى المرحلة الجامعية حتى تكونت لديه معرفة لا بأس بها بتاريخ ليبيا مكنته في مرحلة لاحقة من إعداد كتاب عن تاريخ ليبيا الشامل. والمتصفح لهذا العمل تشده العديد من المشاهد التي تؤكد حرصه على كتابة تاريخ بلاده من منظور قطري/ وطني؛ من ذلك، وعلى الرغم من أن الكتاب نشر في مصر وأن الأستاذين عبد الحميد العبادي ومحمد عبد الهادي شعيره قدما له، فإنه لم يكتف بالتطرق لتاريخ ليبيا منذ أقدم العصور من منظور قطري فحسب، بل وحرص أيضا وبشجاعة تحسب له على دعم فكرة مشروعية ضم واحة الجغبوب للأراضي الليبية.

وبعد الاستقلال مباشرة، وبسبب اقتران التاريخ بالشأن السياسي، إذ أن من بين أشهر تعريفات علم التاريخ أنه علم يبحث في سياسات الماضي (History is past politics) شمر الجميع، من أجانب وعرب وليبيين، عن ساعد الجد وأنجزوا العديد من الدراسات الخاصة بتاريخ ليبيا السياسي. هذا وفي الوقت الذي اكتفى الإيطاليون، فترة الاحتلال، بصياغة تاريخ ليبيا السياسي ضمن تاريخ الوافد، وهي ذات الرؤية التي اقترحتها مدرسة الاستشراق الفرنسية من قبل لدراسة تاريخ دول المغرب/ شمال أفريقيا، فإن جهودهم في مرحلة ما بعد الاستقلال اقتصرت على إرسال البعثات العلمية للتنقيب عن الآثار الرومانية/ البيزنطية. وبسبب علاقة ليبيا بالقوتين العظميتين بريطانيا و أمريكا حظي تاريخ ليبيا السياسي بمزيد من الاهتمام من كتاب وأكاديميين من هذين البلدين. فدولة الاستقلال كانت في أمس الحاجة لأعمال تضفي الشرعية على رأس الدولة، وتزوده بمعطيات تضفي المزيد من المصداقية على مؤسسات دولته. ولكن العديد من هذه الأعمال، التي تشكو من عيوب منهجية مختلفة أقلها إعادة صياغة تاريخ ليبيا ضمن تاريخ الوافد، لم يكتف أصحابها بلفت النظر إلى تواضع الاهتمام بالتاريخ الليبي في السابق فحسب، بل وشددوا أيضا على أهمية النفط في جميع مرافق الحياة.

من ذلك أن جون رايت (John Wright)· الصحفي الإنجليزي الذي عاش في طرابلس وعمل بها مراسلا لجريدة (Sundy Ghibli) في الستينيات فترة ما قبل الثورة*، يذكر بأنه لم يعثر على كتاب واحد يغطي تاريخ ليبيا العام رغم وجود عدد من الأعمال التي تغطي جزءا من تاريخها، ككتاب (Haynes) عن آثار طرابلس، أو كتاب (Evans-Pritchard) عن السنوسية، أو كتاب (Kubar) عن صناعة النفط. هذا ويضيف في تمهيد الكتاب بأن التجارب السياسية التي عرفتها ليبيا في فترة الاحتلال وتحديدا بين سنتي 1911- 1951، فضلا عن التطور الدستوري الذي رعته الأمم المتحدة بعد الحرب العالمية الثانية، على أهميتهما لا يمكن مقارنتهما بالحدث المركزي الذي عرفته البلاد بعد الاستقلال، ويعني بذلك حدث اكتشاف النفط واستغلاله. إن النفط، يقول رايت، أضفى على تاريخ البلاد المعاصر أهمية أكبر بكثير من تطور هذه الأمة السياسي منذ الاستقلال[2]. ليس هنا مجال الرد على وجهة نظر رايت التي يشاطره فيها معظم من كتب بعده عن ليبيا من الأمريكيين والبريطانيين[3] في مرحلة ما بعد الاستقلال، فالوقفة هذه لا هدف لها سوى التنبيه إلى أن تاريخ ليبيا السياسي عرف نموا مطردا منذ العقد السابع للقرن المنصرم.

 في هذه الفترة، وقبلها أيضا، وسواء كان السبب ظهور النفط واستغلاله أو غيره من الأسباب، فإن عددا غير قليل من الباحثين العرب كانوا قد كرسوا جهودهم وأبحاثهم لدراسة تاريخ ليبيا السياسي. والأعمال كثيرة ولا يمكن حصرها في هذا السياق، لذلك سأكتفي بالتنويه ببعض العناوين التي تؤكد أولوية تاريخ البلاد السياسي حتى قبل ظهور النفط[4]. بالتأكيد إن الاهتمام بتاريخ ليبيا بعد ظهور النفط شهد تطورا ملحوظا، من ذلك أن الأعمال العربية الصادرة بعد عام 1963 لم يتضاعف عددها فحسب، بل وتنوعت مواضيعها أيضا[5]. ولكن النفط بمفرده لا يفسر حالة النهوض هذه، فالعامل السياسي، أي قيام دولة الاستقلال وبعث العديد من المؤسسات العلمية (الجامعة الليبية مثلا في عام 1955) كان، في اعتقادي، أهم بكثير من بقية العوامل. ففي ظل هذا المناخ سعت جميع رموز الدولة، من سنوسيين ورؤساء قبائل وزعامات سياسية حضرية وريفية، إلى إضفاء الشرعية على مطالبها من خلال مجموعة من الوسائل أبرزها، في اعتقادي، المساهمة في كتابة التاريخ الليبي الذي كتبوا بعضه أو أوكلوا مهمة كتابة بعضه الآخر للأقارب والأنصار والمؤيدين[6]؛ والأمثلة كثيرة أذكر منها في هذه العجالة ما كتبه الشيخ الطاهر الزاوي (جهاد الأبطال في طرابلس الغرب، وعمر المختار، وجهاد الليبيين في ديار الهجرة)، وما كتب عن سليمان الباروني (سليمان الباروني في أطوار حياته[7]، وسليمان الباروني زعيم المجاهدين الطرابلسيين[8]، وصفحات خالدة من تاريخ الجهاد الليبي[9])، وما كتب عن رمضان السويحلي (رمضان السويحلي البطل الليبي الشهيد بكفاحه للطليان [10]).  

وفي ذات المرحلة، أي في العقد السادس من القرن العشرين، وفي المرحلة اللاحقة أيضا أنجز العديد من الليبيين عددا لا بأس به من الأعمال التي كرست لتاريخ البلاد السياسي؛ وفي حين اهتم البعض بنشأة الحركة السنوسية وببعض رموزها (محمد الطيب الأشهب[11])، فإن العديد من الأعمال اللاحقة لم يكتف أصحابها بالتأسيس للدولة الليبية الحديثة انطلاقا من التجربة القرمانلية فحسب (عمر بن إسماعيل[12])، بل وبالتركيز على مرحلة الجهاد التي لم تحض كثيرا باهتمام دولة الاستقلال. والجميع يعلم أن البيان الأول للثورة الليبية لم يكتف بالتشديد على أهمية تلك المرحلة فحسب، بل وعلى الدور الذي أداه  أهم رموزها؛ بناء عليه أسست الدولة مركز جهاد الليبيين في عام 1977 وأوكلت إليه مهمة إعادة كتابة تاريخ البلاد بصفة عامة وتاريخ مرحلة الجهاد بشكل خاص*. إن العمل الذي أنجزه المركز في مجال كتابة تاريخ ليبيا هو إنجاز كبير ويستحق التنويه، ويكفي أن يلقي المرء نظرة على قائمة الأعمال التي نشرت منذ التأسيس فضلا عن عدد الأعمال والوثائق المختلفة التي قام بترجمتها منذ النشأة حتى يتبين له حجم هذا الإنجاز وأهميته في مجال كتابة تاريخ ليبيا لمرحلة ما بعد الاستقلال.

ولكن الإضافة الحقيقية في مجال كتابة تاريخ ليبيا، رغم جهود مركز الجهاد المادية والمعنوية في هذا المجال، تشكلت من تيارين أساسيين، الأول خارجي، وله علاقة بالطلبة الليبيين المبعوثين للخارج الذي عادوا إلى ليبيا وبشكل مكثف منذ مطلع الثمانيات من القرن الماضي؛ إن عودة هؤلاء وعلى الرغم من أنها لم تتم دفعة واحدة، فإنها أسهمت كثيرا في تحرير تاريخ البلاد بصفة عامة وتاريخها الحديث بشكل خاص من الجمود الذي فرضته كتابات مرحلة الاحتلال (روسي، ودي أغسطيني، على سبيل المثال لا الحصر). إن قيام العديد من هؤلاء بالترجمة والتحقيق والكتابة في تاريخ ليبيا، فضلا عن إشرافهم على الرسائل العلمية أنتج مجموعة متكاملة ومتنوعة من الأدبيات لا يمكن لأي باحث أن يتجاهلها ؛ أما التيار الثاني، وهو تيار داخلي وله علاقة بالأول  تشكلت أهم ملامحه من رسائل الماجستير التي أعدها طلاب التاريخ بالجامعات الليبية تحت إشراف الأساتذة الليبيين وغير الليبيين في العقود الثلاثة الماضية وتولى مركز الجهاد نشر العديد منها وتوزيعها. والمجال هنا لا يسمح في حقيقة الأمر للتنويه بكل ما كتبه أفراد هذا التيار أو ذاك، ولكن الأمر الجدير بالإشادة أن من بين الأعمال التي تستحق الذكر في هذا السياق عمل الدكتور صلاح الدين حسن السوري الذي ينتمي صاحبه للتيار الأول. والأهمية التي أعلقها شخصيا على جهده أنه لم يشكل قطيعة من حيث التناول في مجال كتابة تاريخ ليبيا السياسي وفق مقاربة امبريقية (empirical) مع جهد من سبقه من الباحثين فحسب، بل ومهد الطريق أيضا لكل من تطرق لتاريخ الدولة في  ليبيا في الفترة اللاحقة.

إن اللافت للنظر في عمل الدكتور صلاح السوري أنه لم يكتف بوصف المؤسسات السياسية المختلفة للدولة الفتية فحسب، بل وقام بما هو أهم، أي أنه قام بتحليل الخلفية الاجتماعية  للقيادات السياسية التي تولت إدارة مؤسسات الدولة المختلفة في الفترة(1952- 1969)؛ إن تركيزه على خلفية هؤلاء الاجتماعية من منظور غير أحادي، إذ أن الخلفية المقترحة تضمنت عناصر متنوعة شملت الديني والقبلي والأسري والإداري والتعليمي، قدم  صورة حيوية وجد معقدة لمجتمع تعمدت الدراسات السابقة على تبسيط مشهده العام وتصنيفه تصنيفا تقليديا يكاد ينحصر في ثنائيات جامدة (A static dichotomy). إنه وبفضل عمله هذا أصبح من الممكن الحديث عن تاريخ سياسي من نوع خاص؛ إن المجال هنا لا يسمح بالاستطراد، فمهمة هذا التنويه هي فقط من أجل التأكيد على أن عمل السوري لا تكمن أهميته في كيفية التناول فحسب، بل وفي الريادة أيضا*. ولكن وعلى الرغم من أهمية عمله فإن الأعمال اللاحقة، باستثناء عمل الدكتور علي عبد اللطيف حميدة، اكتفت بالإشارة إلى المعلومات التي تضمنها هذا العمل متجاهلة جهده العلمي الرصين والمميز. في هذا السياق يمكن التنويه بعمل الباحثة الأمريكية (Lisa Anderson). بكل تأكيد إن عملها، ورغم كل ما يمكن أن  يؤخذ عليه، شكل هو الآخر قطيعة مع كل ما كتبه الغربيون عن تاريخ ليبيا السياسي من قبل. بناء عليه، وبالنظر إلى أن هذه الورقة تتعلق بمراجعة كتاب الدكتور المولدي الأحمر الذي يبحث في  موضوع جذور الدولة الليبية الحديثة فقد رأيت التنويه بعمل أندرسون الذي رأى النور بعد عمل  السوري، وقبل نشر عمل الدكتور علي عبد اللطيف حميدة الذي صدر قبل ظهور كتاب الأحمر.

بادئ ذي بدء إن ما يجمع بين عمل كل من ليزا أندرسون وعلي عبد اللطيف والمولدي الأحمر أنها في الأساس أطروحات دكتوراه ظهرت بعد أطروحة الدكتور صلاح الدين السوري وتولت فيما بعد بعض المؤسسات الخاصة والعامة نشرها. وأوجه الشبه  في حقيقة الأمر لا تنتهي عند هذا الحد، فالأعمال الثلاثة تطرقت إلى بناء الدولة الحديثة في ليبيا من منظور التغيرات الاجتماعية التي أفرزت في ذات الفترة تقريبا كيانا سياسيا/ دولة لها خصوصية ميزتها إلى حد ما عن غيرها من دول المغرب العربي. مرة أخرى، إن التنويه بهذه الأعمال في هذا التمهيد هو فقط من أجل لفت النظر إلى أن المرحلة الجديدة والخاصة بمعالجة مسألة الدولة الحديثة في ليبيا تشكلت كما هو حال كتابة تاريخ ليبيا السياسي في المراحل السابقة من ثلاث تيارات، واحد محلي (السوري، وحميدة)، و آخر خارجي/غربي (أندرسون) وثالث عربي (الأحمر). هذا وفي حين كان تكوين السوري الأكاديمي تاريخيا، والأحمر في مجال علم الاجتماع، فإن تكوين حميدة، وبدرجة أقل أندرسون، كان في مجال العلوم السياسية[13].

 لا أعلم  على وجه التحديد متى ناقشت ليزا أندرسون أطروحتها، قد يكون التاريخ في واحد من فصول عام 1981، ولكن الأمر الأكيد أن صدورها في كتاب كان في عام 1986؛ والطبعة التي عدت إليها هي الطبعة الثانية/ الورقية التي صدرت في عام 1987[14]. إن هذا العمل والذي تصدى لمناقشة بناء الدولة الحديثة في ليبيا من منظور يولي التغيرات الاجتماعية أهمية خاصة قسمته المعنية إلى مجموعة من الأبواب عددها خمسة؛ تناولت في الباب الأول مواضيع عامة تتعلق بنظرية/ منهج الأوربيين الخاص بماضي شمال أفريقيا، و في الباب الثانيعلاقة الإصلاح بتشكل الدولة في القرن التاسع عشر. أما بقية الأبواب فقد تم التطرق فيها وفق العناوين التالية ‘إلى مواضيع:1- تونس في ظل الاحتلال، الاستمرارية والتعزيز؛ 2 ليبيا تحت الحكم الإيطالي، التوقف والتفكك؛ 3- ليبيا وتونس بعد الاستقلال، نتائج تكوين الدولة وتحطيمها.

 ليس هنا مجال مناقشة عمل أندرسون، ولكن طبيعة مراجعة عمل الأحمر تستدعي التنويه بأطروحة هذه الأخيرة؛ وأطروحتها باختصار شديد تتكون من شقين رئيسيين واحد يصب في تيار نظرية التحديث الأمريكية، أما الثاني، والمرتبط عضويا بالأول، فله علاقة بطبيعة الاحتلال الفرنسي والإيطالي التي لم تؤثر في تكوين الدولة الحديثة في تونس وليبيا فحسب، بل و في جل سياسات هاتين الدولتين في النصف الثاني من القرن العشرين. وعلى الرغم من أن عملها شكل قطيعة مع الأعمال الغربية السابقة، فإن وقوعه بين فكي هاتين الفرضيتين جعلاه يعجز عن تفسير العديد من مظاهر النشأة المبكرة للدولة من منظور أكثر ديناميكية؛ وهذا القصور الذي يمكن عزوه من ناحية للمنهج الذي اعتمدته، ولتكوينها القانوني/ الدبلوماسي من ناحية أخرى، جعلها لا توفق، رغم إعلانها في مطلع الدراسة بأنها ستبحث في نشأة الدولة من خلال التغيرات الاجتماعية، في تحليل هذه التغيرات تحليلا حيويا يقدم رؤية بديلة عن القراءات الفرنسية السابقة* ؛ ففي هذا العمل كما في غيره من الأعمال التقليدية ما تزال القوالب التقليدية/ الجامدة هي المهيمنة؛ فوفقا لهذا المنهج لا يمكن فهم التاريخ الاجتماعي لليبيا على سبيل المثال، فضلا عن أهم التغيرات الداخلية إلا من خلال عامل القبيلة وزعاماتها ؛ والأسوأ من ذلك أنه في ظل هكذا تناول يتم التلميح، تارة، والإشارة الصريحة، تارة أخرى،  إلى اقتران النظام القبلي بالنظام البدوي!! أما التغيرات الأهم، ومن منظور مدرسة التحديث، فهي التي تأتي من خارج البلاد؛ ففي القرن التاسع عشر وضعت الدولة العثمانية من خلال التنظيمات أسس الدولة الحديثة الأولى؛  أما في المرحلة الثانية التي عرفت فيها مؤسسات الدولة الحديثة تطورا أكبر فإن الفضل في ذلك يعود إلى الإيطاليين الذين احتلوا ليبيا في مطلع القرن العشرين.

 ولكن ولأن الدولة في إيطاليا كانت ذات طبيعة خاصة، مقارنة بغيرها من دول أوربا الغربية ذات الباع  الطويل في مجالي الاستعمار والدولة القومية، فضلا عن أن الاحتلال لليبيا حدث في مرحلة متأخرة وجد قصيرة، فإن التأثير الأوربي على بنية المجتمع الليبي الفوقية كان جد محدود. هذا من ناحية، ومن ناحية أخرى ولأن الخلفية الاجتماعية لزعامات ليبيا يغلب عليها الطابع البدوي "الرافض بطبعه للدولة ولمؤسساتها" فإن التجربة الليبية الحديثة كانت تتجاذبها قوتان واحدة محلية في غاية التواضع، وثانية خارجية، ولكنها، رغم  أوربيتها،  متواضعة هي الأخرى، وبالتالي فإن تأثيرها لا يمكن أن يقارن بتأثير فرنسا. مع ذلك، ورغم خصوصية الاحتلال الإيطالي، لم يتردد الباحثون الغربيون من غير الفرنسيين في فرض تأويل محبط على تاريخ ليبيا لا يرفع من شأن التأثير الغربي فحسب، بل والأخطر من ذلك يحقر التجربة المحلية؛ وهذا التأويل المأزقي كان قد فرض في السابق على غيره من دول المغرب (الجزائر على وجه التحديد)، وهو تأويل مستمد من المقولة الفرنسية  الشهيرة "إما حضارة وعبودية، وإما حرية وبربرية" (Civilisation et servitude, ou liberté et barbarie).  وهذه المقولة بالمناسبة  كان قد صدر بها (Gaston Bouthoul) الطبعة الثانية لمقدمة ابن خلدون[15]. بناء عليه فإن أندرسون المتأثرة بهذه الصورة النمطية لا تجد غضاضة في وصف المرحلة الممتدة من 1951 إلى 1980 بأنها مرحلة تم فيها تفادي الدولة (The State avoided in Libya).

بعد صدور كتاب أندرسون بأقل من عقد ظهر كتاب الدكتور علي عبد اللطيف حميدة "المجتمع الليبي والدولة والاستعمار في ليبيا (دراسة في الأصول الاجتماعية والاقتصادية والثقافية لحركات وسياسات التواطؤ ومقاومة الاستعمار 1830- 1932) ببيروت عن مركز دراسات الوحدة العربية وذلك  في عام 1995. يتكون هذا الكتاب، الذي هو في الأصل أطروحة دكتوراه قدمت لجامعة واشنطن بسياتل بالولايات المتحدة الأمريكية في عام 1990، من أزيد من 200 صفحة، قسمه المعني إلى خمسة فصول ومقدمة وخاتمة. مرة أخرى، إن التنويه بهذا العمل لا علاقة له بمضمون الكتاب أو بأطروحته، بل هي مجرد إشارة أردت بها لفت النظر إلى أن الاهتمام بتاريخ ليبيا السياسي قبل أطروحة صلاح الدين السوري[16] ، وقبل نشر أطروحتي ليزا أندرسون وعلي عبد اللطيف حميدة  كان يتمحور أكثر حول النظام السياسي[17]، أما ظاهرة تكوين الدولة في حد ذاتها فإنها، حسب علمي، لم تحظ بدراسة متخصصة قبل أعمال هؤلاء. لذلك وبصرف النظر عن كل ما يمكن أن يوجه لهذا العمل أو ذاك من نقد أو قصور، فإن تصديهم لتاريخ الدولة الحديثة في ليبيا من منظور مغاير، منظور الخلفية الاجتماعية المتنوعة للقيادات السياسية بالنسبة للسوري،  والتحديثي بالنسبة لأندرسون، ومنظور الاقتصاد السياسي بالنسبة لحميدة والذي زاوج بينه وبين منهج التاريخ الاجتماعي، تستحق جميعها التنويه إذ أنها أضافت الكثير للباحثين اللاحقين في مجالي العلوم السياسية والتاريخ.

من جديد، إن الوقفة هذه لا يقصد بها مراجعة هذا الكتاب أو ذاك، ولكن، ولأن العمل الثالث، عمل حميدة على وجه التحديد، خص تاريخ ليبيا الحديث بمفرده بتحاليل تناقش العديد من القضايا ذات العلاقة  ببنية المجتمع، فضلا عن بدايات التكوين الطبقي وتكوين الدولة، فقد رأيت من المناسب التنويه وفي اختصار شديد ببعض ملامح أطروحته. فالتنويه بعمله قبل الشروع في مراجعة كتاب الدكتور المولدي الأحمر هي عملية جد مهمة؛ فالعملان، وبصرف النظر عن خلفية صاحبيهما الأكاديمية/ الوطنية، تصديا بعد عمل السوري وأندرسون وبشكل أكثر مباشرة لموضوع تكوين الدولة تأسيسا على الخلفية الاجتماعية لليبيين/ ليبيا *؛ لذلك فإن أهمية التنويه بعمل حميدة في هذا السياق لا تكمن في  مسألة تجاوزه لمنهج أندرسون فحسب، بل وفي مساهمته أيضا المهمة والتي من المفترض أن تمهد الطريق لكل من أراد الخوض في تاريخ ليبيا/ الدولة الليبية الحديثة من منظور اجتماعي[18].

فالمتمعن في فصول كتابه الخمسة يخلص إلى أنه كان حريصا على قراءة أهم التغيرات، على عكس منهج التحديث الذي اعتمدته أندرسون، من زاوية/ منظور يغلب الدور المحلي؛ فهذا الأخير لم يؤثر في ظهور الطبقات في ليبيا فحسب (طبقة الفلاحين في الأرياف، وطبقة عاملة في المدن)، بل وفي ظهور الدولة  في مرحلة ما قبل الاحتلال الإيطالي. والدولة التي يؤرخ لجذورها حميدة هي دولة من نوع خاص، حتى وإن انتهت كغيرها إلى شكل من أشكال الدولة القطرية؛ والخصوصية المنوه بها، والمستمدة من المنهج الذي يعتمده تتمثل في ارتباط اقتصاد برقة وطرابلس وفزان، على التوالي، بأسواق مصر وتونس وبلاد السودان**. بناء عليه، فإن أية محاولة، يذكر حميدة نقلا عن رفعت أبوالحاج *، لفهم "التاريخ الاجتماعي للقرن التاسع عشر وكأنه داخل خطوط الدولة القطرية الحالية مخالف للدليل العلمي وفرض خرافات الدولة القطرية القومية على الواقع التاريخي"[19]. هكذا إذا، وبفضل تبنيه لرؤية جد حيوية، يخلص حميدة إلى أن هذه التغيرات أفرزت تعددية أغفلتها الدراسات التقليدية؛ إن هذه التغيرات الاجتماعية، أو العديد منها على الأقل، والتي تعود لمرحلة ما قبل القرن التاسع عشر، قادرة على تفسير، وبشكل مغاير، ردود أفعال رموز هذه الطبقة/ الفئة أو تلك من الاحتلال الإيطالي.

من جديد، إن الطريقة التي عالج بها حميدة تاريخ ليبيا الحديث، والتي تشكل محاولة جادة في مجال البحث عن منهج بديل يبحث به تاريخ ليبيا، تستدعي تنويه الباحثين اللاحقين بهذا الجهد. فمنظرو نظرية المعرفة يشددون على أن المعرفة في الأساس هي عملية تراكمية. صحيح أن خلفية حميدة علوم سياسية، وخلفية الأحمر علم اجتماع، ولكن محور العملين، كما سبقت الإشارة، هو البحث في الجذور الاجتماعية للدولة الحديثة في ليبيا. هذا من ناحية، ومن ناحية أخرى إن اختلاف التكوين العلمي أو التدريب الأكاديمي للأستاذين مهم ولكنه، وفي عالم لجوء الجميع الآن لنظم معرفية متعددة/ متداخلة، لم يعد يشكل عائقا لمن أراد البحث في أي فرع من فروع المعرفة الإنسانية. بل بالعكس، إن إهمال مؤسساتنا لضرورة التعاون بين النظم المعرفية المختلفة هو الذي يشكل عائقا لأي تقدم ممكن في مجالي العلوم الاجتماعية والإنسانية.  ليس هنا بكل تأكيد مجال بحث هذه المسألة، فلنرجئ الحديث عنها إذا، ولنشرع في عرض عمل الأحمر موضوع هذه الورقة. 

* * * 

صدر كتاب الدكتور المولدي الأحمر الجذور الاجتماعية للدولة الليبية الحديثة في ليبيا: الفرد والمجموعة والبناء الزعامي للظاهرة السياسية  ببيروت عن مركز دراسات الوحدة العربية في أكتوبر 2009؛ يقع هذا الكتاب في أزيد من أربعمائة صفحة (462) قسمه المؤلف إلى تسعة فصول تطرق في الأول منها إلى بعض المسائل النظرية (مدخل نظري: الصفحات 33- 74)؛ الفصل الثاني: ليبيا في القرن التاسع عشر (الصفحات: 75- 132)؛ الفصل الثالث: المجموعة الزعامية البدوية المحاربة (هؤلاء من غير البدو) (الصفحات: 133- 176)؛ الفصل الرابع: المجموعة الزعامية الدينية الطرقية (الصفحات: 179- 218)؛ الفصل الخامس: الزعامة العسكرية البيروقراطية الحضرية (الصفحات: 221- 260)؛ الفصل السادس:الإصلاحات العثمانية والبناء الزعامي للظاهرة السياسية (وهؤلاء هم البدو) (الصفحات:263- 302)؛ الفصل السابع: الاستعمار الإيطالي: البناء الزعامي للمجموعة السياسية وأسئلة الاحتلال (الصفحات: 305- 340)؛ الفصل الثامن:فرصة تحديث النسق: نحو احتكار إنتاج الزعامة (الصفحات :343- 388)؛ الفصل التاسع : محاولة في المقارنة بالحالة المغربية التحديث التاريخي لنموذج زعامي مهيمن: السلطان الشريف الإمام الملك (الصفحات: 391- 414).

بعد قراءة هذا الكتاب الذي تفوق عدد صفحاته صفحات كتاب أندرسون (325 صفحة) و عدد صفحات كتاب حميدة (226 صفحة) خلصت إلى بعض الملاحظات التي أرى أنها قد تفيد القارئ قليلا  قبل مطالعة الكتاب، وربما ستفيده أكثر في حالة قراءته لها بعد مطالعة الكتاب. فموضوع هذا الأخير كما سبقت الإشارة لم يحظ باهتمام الباحثين إلا في فترة جد متأخرة وبالتالي فإن أي كتاب يصدر في مجال البحث في جذور الدولة الليبية الحديثة لن يكون جديرا بالقراءة فحسب، بل والمراجعة أيضا. وهذه الأخيرة عادة ما توضع للتعريف بالعمل من ناحية وباستعراض جوانب القوة والضعف فيه من ناحية أخرى. والعملية المزدوجة هذه والتي يقوم بها الباحثون يجب أن لا تتمحور حول تعظيم هذا العمل أو ذاك أو تحقيره، بل حول أهمية الحوار العلمي الذي يهدف أساسا إلى إثراء الموضوع وإن كان عن بعد، فضلا عن ضرورة لفت نظر المهتمين من أكاديميين وغير أكاديميين  إلى المناطق غير المطروقة؛ إن عملية المراجعة هي في الأساس عملية نقدية هادفة وبناءة، رغم صعوبة تقبلها، ولا أستثني نفسي، ولكنها مفيدة جدا في تطوير البحث العلمي في عالمنا الذي ما يزال المثقف فيه قبل رجل الشارع  لا يرفض تعددية الآراء فحسب، بل ويحاربها أيضا. بناء عليه، فإن الدعوة التي ما تنفك العديد من القوى الاجتماعية داخل المؤسسات الرسمية وخارجها تدعو إليها  تصب جميعها تقريبا في ضرورة  تدريب الجميع على ممارسة النقد العلمي؛ إن التخلي عن الرؤى التقليدية، المحلي منها والمستورد، والتسلح بالمنهج العلمي سوف لن يجنب الباحث المتخصص قبل غيره الوقوع في فخ التعميمات والأحكام المسبقة فحسب، بل وسيجعله أيضا أكثر وعيا بمسألة محدودية علمنا، فضلا عن نسبيته.

بناء على ما تقدم، سيتم التنويه في عجالة بأهمية هذا العمل وبجهد صاحبه أولا ثم التطرق لاحقا لبعض القضايا التي في حاجة، حسب اعتقادي، لإعادة نظر؛ فمن حيث الأهمية لا أعتقد أن اثنين يختلفان حول أهمية الموضوع الذي لم يحظ بعد باهتمام الباحثين العرب إلا عرضا وفي سياق الحديث عن هذه التجربة العربية أو تلك؛ لذلك فأن يختار الأحمر، الباحث التونسي في علم الاجتماع، تاريخ ليبيا الحديث كموضوع لأطروحته التي ستسهم بشكل أو بآخر في النقاش الدائر حول تكوين الدولة الحديثة في المنطقة العربية هو أمر لا يستحق التنويه بجهد صاحبه فحسب، بل والإشادة به أيضا. ولست في حاجة للتذكير بالجهد الذي يبذله المعد لأطروحة دكتوراه الدولة؛ فقد جرت العادة أن يمضي الباحث سنوات طويلة من أجل إنجازها، سنوات قد تتجاوز في كثير الأحيان العقد من الزمن؛ والمتمعن في قائمة المصادر والمراجع الجد متنوعة (علم اجتماع، تاريخ، علوم سياسية، أنثروبولوجيا، فلسفة تاريخ، اقتصاد) يخلص إلى أن الأحمر كان قد بذل جهدا كبيرا في جمع مادة هذه الأطروحة (حوالي 324 عمل) من أجل تفكيكها وإعادة تركيبها وفق فرضية اجتهد الباحث كثيرا خلالها من أجل المواءمة بين البعد النظري الذي يتبناه وبين مادة/موضوع الرسالة.

والحديث عن الجوانب الإيجابية للعمل يستدعي التنويه بلغة العمل الجيدة، فضلا عن إتقان صاحبه للغة الفرنسية، ومعرفته القرائية باللغتين الإنجليزية والإيطالية. والتنويه بأدوات المعني البحثية يتطلب التذكير أيضا بسعة إطلاعه على مادة الموضوع كما وكيفا؛ فالأعمال العربية التي عاد إليها الباحث والبالغ عددها حوالي 153 عملا، شكلت نسبة الأعمال الخاصة بليبيا فيها حوالي 71%. هذا وإن انخفضت نسبة الأعمال الخاصة بليبيا في الأعمال الأجنبية المكونة من 115 عمل فرنسي، و30 عمل إنجليزي، و16 عمل إيطالي، إلى 28.4%، فإن هذا الانخفاض في النسبة بين الأعمال التي أنجزت باللغة العربية وبغيرها من اللغات تحسب لصاحب العمل لا عليه؛ إذ من غير المعقول أن ينجز عمل عن تاريخ ليبيا في الألفية الثالثة ومجموع الأعمال العربية يكون أقل بكثير من غيرها من الأعمال التي أعدت بغير لغة الضاد.وأجدني مضطرا للتنويه في هذا السياق من جديد بعمل ليزا أندرسون؛ فالمتمعن في قائمة مراجعها يخلص إلى أنها وفي الوقت الذي لم تستعمل كتابا واحدا باللغة العربية في المواضيع المتعلقة بالقضايا النظرية أو بتاريخ شمال إفريقيا وتونس، فإن الأعمال العربية الخاصة بليبيا التي استعملتها لم يتجاوز عددها الستة، ثلاثة منها للشيخ الطاهر الزاوي، وعمل واحد لأحمد صدقي الدجاني، وعمل واحد لمحمود ناجي، ودراسة لعبد المولى الحرير. بناء عليه فإن القصور الذي يعاني منه عمل أندرسون والمنوه ببعض جوانبه سابقا لا يفسره كم المراجع المتعلقة بتاريخ ليبيا فحسب، بل ويفسره عدم  تنوعها أيضا. ولكن تجاوز الأحمر لهذا الجانب الجد مهم  واعتماده بشكل واضح على الأعمال العربية هل يعني نجاحه في تجاوز أطروحة أندرسون على سبيل المثال التي تشكل جوهر عملها من أدبيات غربية كثيرا ما تتضمن صورا انطباعية منتقاة مسبقا وبدقة ؟ قبل الإجابة عن هذا السؤال والتطرق للفرضية الأساسية التي تشكل سلك العمل الناظم، أرى من المناسب التذكير وفي عجالة ببنية العمل الرئيسية؛ فهذه الأخيرة تتكون في الأساس من جزأين رئيسيين تشكل الأول من الفصل الثالث والرابع والخامس، وهي الفصول التي ناقش فيها موضوع  المجموعة الزعامية البدوية المحاربة، والبدوية الطرقية، والعسكرية البيروقراطية الحضرية، وتكون الثاني من الفصل السادس والسابع والثامن، وهي الفصول التي تطرق خلالها الأحمر لمواضيع الإصلاحات العثمانية، والاستعمار الإيطالي، وفرصة تحديث النسق. أما بقية الفصول، الأول والثاني و التاسع فإن مهمتها تكاد تنحصر في التوضيح والمقارنة.

يقول الأحمر بأن فرضيته تقوم على "فكرة أن نشأة ما يسمى (الدولة الحديثة) في ليبيا خلال القرن التاسع عشر والنصف الأول من القرن العشرين جرت وفق ما كان يحدث من تغيرات على مستوى الشروط الاجتماعية المادية والذهنية التي يرتبط بها الفاعلون الاجتماعيون (كموضوع لها وكذات فاعلة فيها) ويبنون على أساسها الوحدات السياسية التي يمارسون من خلالها نشاطهم السياسي بأبعاده المادية والفكرية المختلفة" (الصفحة 15). مضيفا في الصفحتين 15 و16، بأن فرضية العمل، من الناحية الإجرائية، "تعني أن الوحدات الاجتماعية التي اعتبر الأنثروبولوجيون والمؤرخون أنها تشكل الأسس الأولية التي قام عليها نسيج الحياة الاجتماعية لسكان البلاد المغاربية في فترة ما قبل الاستعمار (العائلة، الدوار، المحلة، الزنقة، القبيلة، القرية، الطريقة الصوفية، البلاط..) ليست إلا مجموعات اصطناعية نسبية مختلفة الأشكال وغير ثابتة يلعب الأفراد في بنائها دورا يعادل الدور الذي تلعبه هي في تشكيلهم. وتأخذ هذه المجموعات صفتها الاصطناعية...من طابعها السياسي الذي يسهر على تغذية وصيانة ديناميته أفراد متميزون هم الزعماء الذين يختلفون في خصائصهم ومرجعياتهم وقوتهم وأهدافهم واستراتيجياتهم باختلاف المجموعات التي يتزعمونها. ومن ثم فإن الظاهرة السياسية هي قبل كل شيء بناء زعامي، ونعني بالبناء الزعامي للظاهرة السياسية أن تشكل المجموعات التي هي عماد النشاط السياسي يجري غالبا وفق مبادئ تقوم على بروز الزعيم... الذي يعمل بدوره على تمتين علاقة زعامية بمجموعة الأتباع والأحلاف والزبائن والمغلوبين التي يقودها. وفي المثال الليبي- وينسحب هذا بتفاوت على الحالة المغاربية- تنافست تاريخيا على بناء الظاهرة السياسية ثلاثة أصناف من الزعامات: في الريف الزعامة البدوية المحاربة والزعامة الدينية الطرقية، وفي المدينة الزعامة العسكرية البيروقراطية...وفي المثال الليبي وما شابهه من التجارب يشكل النموذج الزعامي تاريخيا أساس الظاهرة السياسية، وبالتالي أساس الدولة. ومن هذا المنظور فإن الدولة الزعامية كما تجلت في الحالة الليبية على الأقل إلى حدود الثلاثينيات من القرن التاسع عشر هي دولة تقودها مجموعة زعامية اكتسبت القدرة على جلب واحتكار أهم الموارد المادية والرمزية التي تسمح لها من ناحية أولى بإعادة إنتاج ذاتها كمجموعة زعامية تحتكر الدولة ومن ناحية ثانية بالتحكم النسبي في دينامية المجموعات السياسية المنافسة وذلك ضمن مساحة جغرافية سياسية ضبابية....لقد كانت هذه حالة ليبيا في بداية القرن التاسع عشر ويمكن القول إن كامل الفترة التي عاد فيها العثمانيون الأتراك- بعد انهيار الحكم القرمانلي في طرابلس سنة 1835- إلى حكم البلاد المباشر وكامل الفترة الاستعمارية الإيطالية التي امتدت من 1911 حتى الحرب العالمية الثانية كانت عبارة عن حرب ضد النموذج الزعامي الذي ذكرناه. وبما أن هذه المعركة كانت معركة مصالح أكثر منها معركة مبادئ فإن عنوانها الأساسي كان التكيف المتبادل بين النموذج السياسي الوافد في نسختيه العثمانية والأوربية الإيطالية، والنموذج الزعامي المحلي".

بناء على هذه الفرضية التي بذل جهدا كبيرا من الناحية" التنظيرية" على الأقل من أجل توضيحها، ولا أقول حسن توظيفها خاصة فيما يتعلق بأساس الدولة، توصل إلى مجموعة من النتائج التي أوردها في خلاصة الكتاب التي صدر بها عمله؛ غير أن هذه النتائج التي توصل إليها الأحمر، والتي يعتقد أنها تبعده عما خلصت إليه المقاربة الانقسامية والمقاربة الماركسية، لم تحرره كلية من تأثير المقاربات المنتقصة، الانقسامية على وجه التحديد؛ كما أن نقده لبعض جوانب المقاربة التحديثية لا يعني رفضه لها؛ فمن خلال دراسته للتطور التاريخي العام للنشاط السياسي في ليبيا والمغرب توصل إلى أن هذا التطور " أفضى في كلتا الحالتين إلى إعادة صياغة البناء الزعامي للظاهرة السياسية وفق ما تطلبته شروط الحداثة التي ولدتها- بشكل متفاوت- إصلاحات نهاية القرن التاسع عشر والاستعمار. فدولة الاستقلال الليبية والمغربية التي نشأت في منتصف القرن العشرين دولة زعامية من نوع جديد: مؤسساتها وقوانين إدارتها وجهازها البيروقراطي وتشعب مجالها الاقتصادي والاجتماعي واستجابتها الشكلية للمقاييس العالمية في تنظيم العلاقات الدولية حديثة. ولكن ديناميتها الداخلية التي كرستها الحركة الوطنية وتواصلت بعد الاستقلال لم تقطع مع المبادئ الزعامية في بناء المجموعات السياسية التي تسمح للقادة بعدم التقيد بقواعد العمل المؤسساتي أو بتطويعه لخدمة المصالح الخاصة. ومن ثم أصبحت الدولة جهازا يساعد على احتكار إنتاج ورعاية الزعامة الواحدة. إن ذلك هو الأساس السوسيولوجي والأنثروبولوجي التاريخي للاستبداد الحديث في كثير من البلدان العربية وهو ما تضعه التحولات السياسية الجديدة على المستوى المحلي والعالمي موضع سؤال، وهو ما ينبغي التوجه إليه بالبحث والتحقيق" ( الصفحة 24) .

هذا ما يذكره الأحمر في خلاصة الكتاب عن فرضية العمل ونتائجه؛ ولقد فضلت التقيد بما يذكره حرفيا حول هاتين المسألتين وأن لا أتصرف في وجهة نظره بأي شكل من الأشكال حتى تكون المراجعة بحق مراجعة علمية خالية من الأهواء الشخصية أو من الاجتهادات المبنية على أنصاف الحقائق ويكون القارئ بالتالي أكثر قدرة على فهم وجهة نظر المؤلف والمراجع .فالكتاب وكما سبقت الإشارة يتكون من 9 فصول؛ وبالنظر إلى أن الفصل الأول يتمحور حول المسائل النظرية التي اختزلها المؤلف في عرض ومناقشة المقاربات الرئيسية التالية  الماركسية، والانقسامية، والفيبرية، والزبونية فقد رأيت التجاوز عن هذا الفصل والتحول إلى بقية الفصول التي يناقش فيها موضوع الكتاب. ومناقشة فصول الكتاب في حقيقة الأمر ستنطلق من فرضيته التي ذهب فيها إلى أن النموذج الزعامي يشكل تاريخيا أساس الظاهرة السياسية في ليبيا، وبالتالي أساس الدولة فيها.

يذكر الأحمر في مقدمة الفصل الثاني بأنه سيخصص هذا الفصل للحديث عن سكان ليبيا وعن الموارد الطبيعية؛ ففيما يتعلق بمسألة السكان يقول بأن ليبيا تعد "في القرن التاسع عشر بحق بلادا مفتوحة دون قيود على كل العالم المحيط بها فالبعض من سكان ما أصبح يعرف اليوم بليبيا كانوا سكانا وقتيين وهذه هي حال قسم من التجار والجمالين والعبيد والبدو الرحل الذين يأتون إليها من أقاصي الصحراء الأفريقية الكبرى ومن الشرق والغرب ومن البحر فيمكثون فيها مدة ثم لا يلبثون أن تشتتهم طرق الصحراء والبحر فلا يعودون إلا للرحيل من جديد. إن الكثير من سكان ليبيا في الدواخل بدو مترحلون أو نصف مترحلين" (الصفحة 77)؛ أما سكان ليبيا من الحضر، سكان مدينة طرابلس على وجه التحديد، فإنهم يتكونون من خليط اثني عجيب استمر حتى بداية القرن العشرين؛ فمدينة طرابلس ترى "في أسواقها الضيقة... نماذج من كل شعوب أفريقيا تختلط بنماذج من سكان حوض البحر الأبيض المتوسط أناسا من مختلف البلاد الأوربية والموظفين العثمانيين والجنود والضباط والكولوغلية المختلطي النسب والبدو وبربر الجبل والمغاربة واليهود والفزانيين والعربان المحترفين في نقل البضائع عبر الصحراء وقليلا من الطوارق الملثمين والزنوج القادمين من أقاصي أواسط أفريقيا من بورنو وواداي وباغرمي. كل هذه الأجناس في حركة ذاتية ذهابا وإيابا تشكل مشهدا أو معرضا لجميع الأجناس" (الصفحة 81). أما بخصوص موارد ليبيا الطبيعية التي كانت بحوزة السكان الذين مارسوا "الأنشطة الفلاحية والرعوية والحرفية والتجارية " فقد شملت موارد أخرى "لا تتحقق بالنشاط الاقتصادي الصرف وأهمها الغصب والقرصنة" (الصفحة 77).

وزيادة في توضيح الخصوصية الليبية، يشير الأحمر في سياق حديثه عن موارد ليبيا الطبيعية إلى "أن المدقق في خارطة ليبيا وتطور حدودها عبر القرون الأخيرة لا بد له من أن يتوقف عند مفارقة تكاد تفرض نفسها على كل ملاحظ وهي أن هذه البلاد ذات الموقع الاستراتيجي المهم والمساحة الجغرافية الشاسعة تكاد تكون قد تشكلت على أساس ضعف كبير وهشاشة ملحوظة في الموارد الطبيعية...وتتلخص موارد ليبيا الطبيعية قبل اكتشاف البترول في موردين رئيسيين تتضاءل أمامهما أهمية كل الموارد الأخرى وهما المراعي الواسعة المختلفة الخصائص والأراضي الفلاحية الضيقة التي في الإمكان استصلاحها وزراعتها" (الصفحة 92). غير أنه يضيف بأن "ضعف الموارد لا انعدامها وهو لا يعني كذلك أن السكان لم ينجحوا في استغلال القليل مما توفر لهم منها بحسب أنماط عيشهم المختلفة" (الصفحة 92).

وزيادة في توضيح الخصوصية العزيزة على الأحمر سأكتفي بما يذكره في الصفحة 98 وذلك في سياق تطرقه للحياة البدوية حيث يشدد على أن "الخصوصية الاقتصادية السياسية للبدو التي أشرنا إليها تفسر جزئيا ظاهرة غياب المعلومات الإحصائية شبه الكلي عن هذا المجتمع فنحن نكاد لا نعرف شيئا عن ثروات المجموعات البدوية الليبية ولا عن حقيقة ثروات العائلات القوية التي نشأت بينها. ونشير هنا إلى أن سجل الأملاك الذي أعدته الإدارة العثمانية بخصوص ثروة غومة المحمودي لم يتطرق قط إلى ملكية الماشية".  ووجهة النظر هذه وبصرف النظر عن شدة "بساطتها"، إذ أنها تتجاهل واقعا اجتماعيا في غاية التعقيد تؤكده المصادر المحلية التي تجاهلها (سجلات المحاكم الشرعية)، فإنها تتضمن تناقضا رهيبا لا يعكس قصورا منهجيا فحسب، بل ومنطقيا أيضا؛ فمن المسلمات التي نعلمها للطلاب هي أن المقدمات المنطقية تؤدي بالضرورة لاستنتاجات منطقية مستمدة من المقدمات! ففي هذه الفقرة البسيطة وفي الوقت الذي تؤكد في بدايتها على أن الخصوصية الاقتصادية "تفسر جزئيا ظاهرة غياب المعلومات الإحصائية"، فإنه يؤسس على هذا الجزء حكما عاما يخص "ثروات المجموعات البدوية الليبية،و العائلات القوية التي نشأت بينها". وزيادة في توضيح خصوصية تاريخ ليبيا، والخصوصية  كما هو حال الكتابات الاستشراقية ووفق المقاربات الانثروبولوجية تعني وببساطة الغرابة (oddities)، يذكر في الحاشية رقم 34 بأن تونس تختلف "في هذا الأمر عن ليبيا، فخلال القرن الثامن عشر اتجهت الدولة الحسينية جديا نحو إحصاء الأملاك لكل من الفلاحين والبدو وقد أصبح ذلك متيسرا شيئا فشيئا مع توسع نفوذ الدولة في الأرياف". والحقيقة التي يتجاهلها الأحمر أن الوثائق القرمانلية كلها تقريبا فقدت إذ أن الاحتلال الإيطالي أتلف معظمها، وما تبقى منها لم يتم تصنيفه بعد؛ ولكن وعلى الرغم من غياب هذه المعطيات المادية  التي قد تزكيها الوثائق القرمانلية وقد لا تزكيها، فإن دراسة ما توفر من معطيات كمية ونوعية في سجلات المحاكم الشرعية قادرة على تغطية هذه  الجزئية سواء تعلق الأمر بهذه المرحلة أو بالمراحل التي تليها، بشكل يسمح لأي باحث بالخلوص إلى نتائج ملموسة مبنية على معطيات مادية؛ ويكفي أن أذكر بأن سجلات المحاكم الشرعية تغطي جغرافيا كل مناطق الاستقرار في ليبيا ؛ فبالإضافة للسجلات الخاصة بطرابلس والتي وظفتها الأستاذة إنعام شرف الدين لمعالجة تاريخ طرابلس الاقتصادي في العهد القرمانلي، اعتمد غيرها من الباحثين الليبيين في كتابة مواضيعهم  الخاصة بالعهد  العثماني الثاني على سجلات  المحاكم الشرعية لمدن غدامس ومصراته وغريان ؛ هذا كما يمكن التنويه أيضا بعمل (Layish Aharon) والمستمد من السجلات الشرعية لمدينتي إجدابيا والكفرة في العهد الإيطالي.

سأكتفي بهذا القدر من المعطيات التي يذكرها في الفصل الثاني والخاصة بسكان ليبيا وبمواردها الطبيعية، إذ من غير الممكن الاسترسال في عرض ما يتضمنه هذا المبحث من تفاصيل حول هاتين النقطتين دون وقفة تأمل فيما يذكره صاحب الكتاب. لا أعلم في حقيقة الأمر السبب أو الأسباب التي جعلت الأحمر يقع في العديد من الأخطاء الجوهرية والشكلية؟ هل سبب هذا الإخفاق يعود إلى المنهج التحديثي الذي يتبناه؟ أم يعود للكم الهائل من المعطيات "المعرفية/ الابستمولوجية" التي كثيرا ما زج بها لتفسير ظاهرة سوسيو- سياسية شواهدها لا تستمد من التاريخ الليبي، بل من التاريخ الجزائري والمغربي والتونسي رغم خصوصية الحالة الليبية!!! والجميع يعلم أن تضخم الأفكار شأنه شأن تضخم النقود لا يؤدي إلا إلى هبوط قيمتها[20]؛ وحتى في الحالات التي يقدم شواهد خاصة بالحالة الليبية، فإن المصادر التي يعول عليها في تأويله هي مصادر ثانوية تتبنى أطروحات انتقد الأحمر العديد منها في الفصل الأول من الكتاب. 

* * * 

لا أظن أن المرء في حاجة لتوضيح إلى أي مدى تأثر الأحمر بالمنهج التحديثي؛ فالمتمعن في ما يذكره في الصفحة 24  يخلص إلى أن الباحث يؤكد صراحة ما ذهبت إليه ليزا أندرسون من أن الحداثة أتت من الخارج؛ ففي هذه الصفحة يذهب الأحمر إلى أن التطور التاريخي العام للنشاط السياسي في ليبيا خضع لمتطلبات وشروط "الحداثة التي ولدتها- بشكل متفاوت- إصلاحات نهاية القرن التاسع عشر والاستعمار". وأن يتأثر بهذه المقاربة أو تلك، فذاك أمر يعنيه وليس هنا مجال إبانته، فالتاريخ هو أيضا علم تأويل؛ بناء عليه  فمن حقه أن يجتهد في تأويل المادة التاريخية وأن يؤسس لها وفق المقاربة الأقرب إلى تكوينه العلمي أو إلى معتقده الأيديولوجي/ السياسي! ولكن صرامة البحث العلمي والتقيد بأسلوبه هي مسألة مغايرة، ولا مجال فيها، حسب علمي، للتأويل. فأن يؤرخ لليبيا ومن منظور اجتماعي – أنثروبولوجي ووفق مقاربة ما، هو أمر مقبول ولا غبار عليه إذ أن اختلاف وجهات النظر في العموم مفيد، أما أن يتبنى أفكارا نمطية يخجل المستشرقون المعاصرون من تبنيها فتلك مسألة في حاجة حسب اعتقادي لإعادة نظر.

ففي المبحث الذي خصصه للحديث عن سكان ليبيا يعلن وبشكل لا لبس فيه بأن ليبيا في القرن التاسع عشر تعد "بحق بلادا مفتوحة دون قيود على كل العالم المحيط بها" (الصفحة 77) معنى ذلك أنها بلاد من دون عباد خاصة وأن البعض من "سكان ما أصبح يعرف اليوم بليبيا كانوا سكانا وقتيين"؛ وزيادة في التوضيح يشير إلى أن أنشطة السكان الوقتيين كانت متنوعة إذ كانوا تجارا وجمالين وعبيدا وبدوا رحل!! في كلمة واحدة إن جزءا كبيرا من القوة العمالية (labor force)، كما هو الحال في الدول النفطية/ الريعية الآن، هي من غير المحليين!! إن هذه الصورة في اعتقادي لا تعكس المشهد الليبي في المرحلة قيد الدراسة، ولكنها تعكس المشهد المعاصر والذي فرضه ظهور النفط واستغلاله!! وهذا ما يفصح عنه في حياء في الصفحة 81، الحاشية 6 حيث يذكر أنه من "المثير أن ليبيا اليوم لا تختلف كثيرا عن هذه الصورة". وبعد أن يشدد على وقتية بعض سكان ليبيا من دون أن يحدد أماكن استقرارهم، يتحول للحديث عن سكان ليبيا في الدواخل؛ فوفقا لما يذكره الأحمر إن الكثير منهم!!! بدو مترحلون أو نصف مترحلين! وهذه الرؤية تحديدا هي التي تبنتها مدرسة الاستشراق الفرنسية زمن الاحتلال ودافعت عنها كثيرا وإلى وقت قريب؛ فالمحليون" الهمج/ البربر" هم سكان الصحراء، أما سكان الشريط الساحلي "الحضر" فهم الوافدون من وراء البحر. بناء عليه، فإن تحول مدينة طرابلس على سبيل المثال إلى مركز سياسي واقتصادي وثقافي قادر على اجتذاب السكان، سكان الإقليم، لا علاقة له بتغيرات الإقليم الاجتماعية والاقتصادية والسياسية بل له علاقة، حسب زعمه، بعودة "العثمانيين الأتراك إلى حكم طرابلس المباشر والإصلاحات الإدارية والتعليمية (نظام البلديات ونظام المدارس الحديثة) وازدياد نفوذ الجاليات الأوربية في المناطق الحضرية" ( الصفحة 81). إن هذا المستوى من التحليل الجامد لا يكمن في تجاهله لظاهرة دار الإسلام التي تجعل مسألة الفضاء الليبي أو غيره من الفضاءات مجالا مفتوحا أمام الجميع فحسب، بل وفي عدم  وعيه أيضا بديناميكية عملية التحول ذاتها (the process of transformation ) التي بفضلها يتحول السكان الوقتيون أو حتى مجرد العابرين من أجل أداء فريضة الحج أو عند العودة من الأراضي المقدسة، إلى سكان محليين.

والأمثلة كثيرة ولا يمكن حصرها على سبيل المثال في بعض الأسر التي تعود أصولها إلى تونس أو الجزائر أو المغرب الأقصى من ناحية الغرب، أو إلى مصر والشام من ناحية الشرق، أومن الشمال، من شراكسة وشيشانيين وغيرهم أو إلى بلدان جنوب الصحراء جنوبا؛ كما أنه لا يمكن حصرها في العنصر الكولوغلي  الذي لم يتحول إلى عنصر محلي فحسب، بل وتمكن البعض منه أيضا من حكم البلاد (الأسرة القرمانلية). والعنصر القرمانلي المنوه به يؤكد وبشكل قاطع مسألة تحول السكان الوقتين في فضاء دار الإسلام  إلى سكان محليين حتى وإن احتفظ هذا العنصر أو ذاك بذكرى أصوله الأولى*؛  فمصطفى القرمانلي الذي سيؤسس أحد أحفاده في سنة 1711 أسرة شبه مستقلة عن الآستانة، كان قد دخل طرابلس صحبة درغوث باشا في النصف الثاني من القرن السادس عشر!! إن تحول العديد من السكان الوقتيين إلى محليين هي عملية جد مهمة ومعقدة، وكان من المهم جدا تتبعها ودراستها للخلوص لرؤى أكثر حيوية وبعيدة عن الرؤى الاستشراقية الجامدة؛ ولكن ما كان للمعني أن يرصدها وهو الذي لا يتجاهل عمليات التحول الداخلية المختلفة فحسب، بل والأهم من ذلك أنه يتجاهل أهمية وفاعلية الشبكات الاجتماعية (social networks) في تشكيل نسيج أي مجتمع مهما كانت طبيعته. فمسألتا المصاهرة والهجرة، على سبيل المثال، هما مسألتان رئيسيتان لفهم عملية التحول من فضاء داخلي إلى آخر داخلي، أو من فضاء خارجي إلى فضاء محلي و العكس. بناء عليه، فإن ما تطرق إليه نص عبد القادر الجامي  على سبيل المثال، يجب أن يفهم من زاوية مغايرة؛ فالوجيه العثماني هذا رصد وضعا / مشهدا لمدينة طرابلس في مطلع القرن العشرين وليس لكامل البلاد الليبية، والفارق في اعتقادي شاسع ولا أظن أن الأحمر يجهله؛ ولكن نمطية تفكيره المتأثرة بنمطية التأويلات الانثروبولوجية الغربية هي التي جعلته ينتقي شاهدا/ أنموذجا ويعممه على كامل المشهد الليبي! ولا اعتقد أن الأحمر في حاجة لمن يذكره بأن الوصف الذي ينقله عن الوجيه العثماني لمدينة طرابلس يعكس في واقع الأمر طبيعة المدينة العالمية (Cosmopolitan)، وقد كان على الأحمر وحتى لا يضطر لتعنيف الواقع لكي ينسجم مع هذه المقاربة أو تلك أن يفكك عناصر نص الجامي و يعيد تركيبه وفق سياق تدعمه الشواهد المختلفة والخالية من الأفكار المسبقة أو القوالب الجاهزة.

 هذا من ناحية، ومن ناحية أخرى، وعلى الرغم من أن الأحمر على علم بأطروحة الباحثة الجزائرية الأصل نورا اللافي، والمتعلقة بأصول المؤسسات البلدية في مدينة طرابلس* والتي خلصت فيها إلى أن "مشيخة البلاد / جماعة البلاد " هي شكل من أشكال الحياة البلدية وأنها تعود إلى مرحلة ما قبل الإصلاحات العثمانية بكثير، فإن الأحمر اكتفى بالتنويه بدور الوافد متعمدا تجاهل التغير المحلي الذي أشارت إليه اللافي.  فجماعة البلاد، تقول اللافي، هي أيضا مجلس محلي ومكان لشكل من أشكال الحياة البلدية وتعبير عن جماعة اجتماعية تعيش في مكان واحد وتربطها مصالح مشتركة. والجدير بالتنويه أن الباحثة نورا اللافي لم تكتف بتشبيه هذه المؤسسة بالمؤسسة القائمة في أوربا في ظل النظام القديم فحسب، بل سعت أيضا، وفي حياء، للكشف عن جذورها العربية الإسلامية[21]. كما أن تنويه اللافي بمقهى شيخ البلد الذي لا تعود ملكيته لهذا الأخير، شكل، قبل تأسيس العثمانيين لبلدية طرابلس في عام 1870، ظاهرة في غاية الأهمية تؤكد دور "زعامات" المجتمع الأهلي في تأسيس مؤسسات تخدم الصالح العام؛ كما نوهت اللافي أيضا بجزئية أكثر أهمية تخص مسألة عدم  توارث الأبناء لوظيفة شيخ البلاد. إن تحول هذه المؤسسة من مجرد مؤسسة تشرف على مصالح الناس اليومية المباشرة داخل المدينة وخارجها، إلى مؤسسة سياسية هو تطور يستحق التنويه؛ ويكفي أن نذكر بأن القرار الذي أفضى إلى عزل يوسف باشا القرمانلي سنة 1832 كان قد اتخذ في مقهى شيخ البلد؛ ففي هذا المقهى اتخذ وجهاء المدينة هذا القرار الخطير والذي أفضى بعد ثلاث سنوات إلى سقوط الأسرة القرمانلية. كما أن التحجج بأن مفهوم المواطنة بمغزاه السياسي واستحقاقاته القانونية لم يكن معروفا ومتداولا بالنسبة لليبيي فترة الاحتلال، هو أمر غير مقنع وغير مقبول؛ فنورا اللافي على سبيل المثال بينت وفي سياق تحليلها لاصطلاح البلاد أن هذا الأخير يشتمل على معنيين، واحد يخص المدينة أي ذلك الفضاء المبني والمتحضر، و الثاني يعني المجتمع المديني وبالتالي فإن مصطلح شيخ البلاد يجعل المرء يذهب إلى أنه يمتلك معنى دقيقا يحدد وظيفة اجتماعية ومدينية ولكنها سياسية أيضا. بناء على كل ما تقدم  فقد كان على الأحمر أن يطور هذه الأفكار بدلا من القفز عليها خاصة وأنه يؤسس لتاريخ الدولة في ليبيا من منظور اجتماعي تتشكل أهم ركائزه من مؤسسات الإقليم المحلية المختلفة.

ولكن الأحمر وحتى تنسجم الشواهد المنتقاة مع طرحه لا يتردد في تهميش دور المحليين ومؤسساتهم المحلية فحسب، بل ويتعمد أيضا المبالغة في دور الباشا، الزعيم/ الزعامة. ففي سياق حديثه عن مجلس مشيخة البلاد يذهب إلى أنها تكاد تكون تابعة للباشا في كل شيء "لأنها تشتغل في غالب الأحيان كأداة تنفيذ للقرارات التي يتخذها الباشا" (الصفحة 235 -236). والأحمر الذي يرفض اجتهاد نورا اللافي لا يقدم شواهد تؤكد انحصار وظيفة مؤسسة المشيخة في تنفيذ أوامر الزعيم. بكل تأكيد لا يمكن تجاهل دور الباشا في مسائل إدارة شؤون البلاد، ولكن نجاح مؤسس الأسرة القرمانلية يكمن في المقام الأول في اعتماده على المحليين في إدارة شؤون البلاد؛ فشارل فيرو يقول بأنه بعد مذبحة الأتراك جعل أحمد القرمانلي "طرابلس تحت حكومة مغربية (طرابلسية) تماما. وهذا هو السبب في أن المغاربة ما زالوا يصفون عهده بالعهد المجيد" (الحوليات الليبية، الصفحة 363). هذا من ناحية، ومن ناحية أخرى إن مشيخة البلاد كما ذهبت إلى ذلك نورا اللافي، اعتمادا على رواية الرحالة التجاني، تعود إلى القرن الرابع عشر؛ ففي هذا القرن تقول اللافي كان يحكم مدينة طرابلس "جماعة العشرة". وكنت قد نوهت في مراجعتي لعمل اللافي إلى أن هذه المؤسسة تعود إلى ما قبل القرن الثاني عشر، أي قبل دخول الموحدين إلى طرابلس؛ فبعد أن ينتهي التجاني من وصف المدينة ودورها وبساتينها يشير إلى أنه يقع في خارجها "المسجد المعروف في القديم بمسجد العشرة، لأن عشرة من أشياخ البلد كانوا يجتمعون فيه للمشورة فيدبرون أمر البلد قبل تملك الموحدين" (الرحلة، الصفحة 237). بناء عليه، وبدلا من أن يطور ما خلصت إليه مثلا نورا اللافي ويتلافى بعض القصور في تحليلها، لا يكتفي بتجاهل اجتهادها الجد مهم فحسب، بل ويصر، انطلاقا من تغليبه لعامل التأثير الخارجي في مسألة التحديث، على أن "الوقائع التاريخية تبين أن هذه الظاهرة لم تبدأ بالتبلور إلا عند نشأة النظام البلدي في أوائل السبعينات من القرن التاسع عشر" (الحاشية رقم 22، الصفحة 236).

واللافت للنظر أن الأحمر الذي يتعمد تهميش دور المحليين ودور مؤسساتهم يذهب، على سبيل المثال في الصفحة 236 ، إلى أنه ينضم إلى مجلس المشيخة "وعندما يتعلق الأمر مثلا ببناء برج عسكري على شاطئ البحر" ( الحاشية التوضيحية 24) "بعض موظفي الباشا المتعددي المهام من العسكريين" (الصفحة 236). ولو أن المعني اطلع على بعض الوثائق المحلية لخلص على سبيل المثال إلى أن المجتمع الأهلي في مدينة طرابلس كان، وبصرف النظر عمن كان يحكم البلاد، يقوم بمبادرات لا علاقة لها بأوامر هذا الباشا أو ذاك، بل لها علاقة بمصالح البلد؛ فالمتمعن في مؤسسة الوقف، وتحديدا وقف السور، يخلص إلى أن سكان المدينة ومنذ العهود الإسلامية الأولى وحتى قدوم الإيطاليين كانوا يحبسون أراض ومحلات تجارية وبيوت لصيانة وترميم سور المدينة (وقف السور). غير أن حرصه على تجاهل هذه الديناميكية المحلية جعله يصور هذه المبادرة من منظور العداء التقليدي بين الحضر والبدو؛ فإقامة السور وترميمه كانت من متطلبات حماية المدينة من خطر البدو المحيطين بها. يقول في الصفحة 222 وفي سياق حديثه عن تواضع عدد سكان المدينة مقارنة بعدد سكان الريف والبادية، بأن استمرار حالة الصراع بين الحضر والبدو يفسر "نسبيا بناء الأسوار وإقامة الحراسة العسكرية الدائمة حول المدن وبالأخص تلك التي تشكل مركز الكثافة السياسية لهذا النموذج".

إن المشهد الجامد الذي يرسمه الأحمر لسكان طرابلس/ ليبيا والذي ينسجم والأطروحة المعتمدة في عمله، سببه اعتماده الواضح على مصادر ثانوية لا يمكن الركون إليها؛ فمن غير المعقول أن يتجاهل على سبيل المثال سجلات المحاكم الشرعية وغيرها من الوثائق المحلية*( سجلات الأوقاف على سبيل المثال) ويحيل القارئ، عند محاولته وصف جميع المدن الليبية في القرن التاسع عشر إلى عمل الآنسة توللي** (الصفحة 82)؛ كما يشير في الصفحة 81 إلى أن ازدياد "نفوذ الجاليات الأوربية في المناطق الحضرية كان ذلك قد أعطى المدن الساحلية، بعد أن استتب فيها الأمن عقب انتفاضتي عبد الجليل سيف النصر وغومة المحمودي، نفوذا سياسيا واقتصاديا وثقافيا جعل منها مراكز حضارية بدأت في اجتذاب السكان والإشعاع على المناطق المحيطة بها". وهذه المعلومة التي ينقلها عن "Le Gall[22]" هي معلومة في غاية الأهمية وكان من المفترض أن تسندها وثائق محلية تبين عملية التحول. ولكن تبني الأحمر غير الواعي على ما يبدو لمنهج/ فرضية التحديث منعه من رؤية عمليات التحول من منظور داخلي مكتفيا بالتشديد على أهمية العامل الخارجي؛ والأخطر من ذلك أن العمل الذي ينقل عنه (Le Gall) لم يتطرق في الصفحة 183 والصفحات التي تليها لما خلص إليه الأحمر.

 ففي الفصل الرابع من الكتاب (Benghazi and the problems of Ottoman- Sanusi relations, 1881- 1902)، الصفحات 181- 247، لم يتطرق (Le Gall) لموضوع ازدياد نفوذ الجاليات الأجنبية، ولا إلى تحول المدن الساحلية إلى مراكز حضارة جاذبة؛ ففي الصفحة 183 وما بعدها  يذكر أن بنغازي، ويعني بذلك إقليم برقة، في نهاية القرن التاسع عشر، كانت إقليما معزولا (Benghazi was an isolated province in the 1880's)، مضيفا بأن المكون البدوي لمدن الساحل شكل معظم سكان الإقليم؛ فهذا الأخير الذي يتراوح عدد سكانه في عام 1884 بين 200.000 و250.000 نسمة، شكلت (15) قبيلة معظم سكانه (الصفحة 184). والحضور القبلي في إقليم بنغازي، وفقا لـ (Le Gall)، لم يتأثر بالتنظيمات العثمانية، بل على العكس، إن الدولة العثمانية هي التي تأثرت بالتنظيم القبلي و كان عليها، وحتى تحقق بعض النجاحات، أن تكيف إدارتها وفقه؛ من ذلك كان عليها أن تقرن اسم هذه الناحية/ القضاء أو تلك باسم هذه القبيلة أو تلك. هذا وتجدر الإشارة إلى أن الباحث (Le Gall) لم يلغ التأثير العثماني في هذا الإقليم أو حتى في إقليم طرابلس؛ ولكنه شدد على أنه تأثير في غاية التواضع. مع ذلك، فالقول بأن التأثير العثماني أو الأوربي لم يكن موجودا خاصة في إقليم طرابلس هو قول لا محالة غير صحيح، ولكن الذي يؤخذ على الأحمر هو عدم التزامه بما يذكره (Le Gall)، فضلا عن حرصه على تصوير المجتمعات المحلية في حالة جمود، ولا تمل الانتظار، وأن التغير لا يأتي إلا من الخارج. إن أقل ما يمكن أن توصف به هذه الرؤية "التحديثية" أنها رؤية ألا تاريخية (Anachronistic).

والمشهد الغريب هذا (exotic)، والعزيز على قلوب المستشرقين التقليديين، يتجلى في العديد من فصول عمل الأحمر؛ ففي هذا الفصل مثلا (الفصل الثاني)، وفي سياق تطرقه لأنشطة سكان ليبيا الاقتصادية يذهب إلى أن الجرد الذي قام به "لأهم الأنشطة الاقتصادية التي يشتغل بها السكان ولأهم علاقات العمل والإنتاج التي تربط بينهم لن يكتمل إذا لم نتعرف إلى نوعين من الأنشطة الاقتصادية السياسية نفرد لهما هنا فقرة مستقلة لشدة خصوصيتهما، ولعلاقتهما المباشرة ببناء الظاهرة السياسية وبتطورها في ليبيا خلال الفترة المدروسة؛  هذان النوعان هما: القرصنة والغصب" (الصفحة 119). وعلى الرغم من انه يصرح في ذات الصفحة بأنه "لا يمتلك من الناحية التاريخية معلومات كمية دقيقة عن حجم المداخيل التي كانت تأتي من القرصنة في بداية القرن التاسع عشر" فضلا عن أن فترة ازدهار نشاط القرصنة في ليبيا "يقع خارج دائرة اهتمامنا من الناحية التاريخية" فإنه يخلص إلى نتيجة مستمدة من مرجع أجنبي ثانوي، ورقة بانزاك (Panzac)، التي استمد صاحبها معلوماته من التقارير القنصلية؛ ولقد كان من الممكن بالنسبة للأحمر أن يقوم بعمل مبتكر، وإن بشكل مبدئي خاصة وأنه يبحث في جذور الدولة الليبية الاجتماعية، لو أنه استحضر مادته من المصادر المحلية المعاصرة (سجلات المحاكم الشرعية ويوميات الفقيه حسن) وقارنها بما خلص إليه هذا الباحث الفرنسي أو ذاك ؛ ولكن الأحمر المولع بالحداثة وبأهمية  المؤثر الخارجي وبأولويته لا يلقي بالا للمصادر المحلية ويؤكد بصورة شبه عمياء مزاعم العديد من الدراسات الفرنسية التقليدية والتي تشدد في هذا السياق على أهمية القرصنة بالنسبة لاقتصاد ولاية طرابلس. والسؤال الذي لا مندوحة من طرحه في هذا السياق أين هو الجرد الذي قام به الأحمر والذي توصل بفضله إلى هذه النتيجة؟ وهل يمكن للمرء أن يصدق المعني ويتابع عمله خاصة بعد أن يؤكد وفي ذات الصفحة على أن المعطيات التي يذكرها بانزاك لا علاقة لها بالفترة قيد الدراسة!! هل يعقل هذا؟ ليس هذا فحسب، بل ومن منطلق التأكيد على أهمية القرصنة لاقتصاد طرابلس حيث يذكر في الصفحة  121 "ولقد كان للاستثمار في القرصنة نتائج مهمة جدا على النشاط الاقتصادي والاجتماعي للبلاد في تلك الفترة" يتجاهل الحقيقة التالية التي يذكرها بانزاك. فالباحث الفرنسي الذي يعلن في مطلع الورقة على أن القرصنة في القرن الثامن عشر لم تعد كما كانت في القرن الماضي يشير في المبحث الخاص بالغنيمة إلى أنه من بين 243  سفينة قرصنة، فقط 52سفينة تعود إلى طرابلس محملة بالغنيمة؛ معنى ذلك أن نسبة الغنيمة من هذه العمليات الجد مكلفة بالكاد تتجاوز العشرين في المائة (21.4%). ليس هذا فحسب، بل إن الأحمر يصر على استخلاص نتيجة من عمل بانزاك  في حاجة لبعض التوضيح ؛ ففي الصفحة 120 يقول الأحمر بأن الباشا كان يجهز في السنوات 1754- 1773 "بمفرده 56.3% من العدد الإجمالي لسفريات القراصنة في البحر"، ولكن بانزاك الذي ينقل عنه الأحمر يدلل في ذات الصفحة على أن مساهمة الباشا في تجهيز السفن البحرية لم تشمل كل الفترة المنوه بها إذ تغيرت خاصة في  فترة 1769- 70 التي ارتفعت فيها مساهمة ريس البحر؛ هذا كما يشدد بانزاك على أنه في السنوات 1772- 1773، وعلى الرغم من قلة النشاط البحري، أصبح ريس البحر هو المسؤول الوحيد عن مهمة تجهيز السفن : 

"Jusqu'en 1767, l'armement est à peu prés uniquement le fait du Pacha et des particuliers. Le Rais de la marine n'intervient que pour trois navires dans les années 1763-65. Par contre ce sont les particuliers qui se font rares après 1767, quatre armements en tout en 1769- 1770. Il en va de même pour le Pacha, alors que le Rais de la Marine assume majoritairement cette tache. Il est même le seul à le faire dans les années 1772-73, peu actives il est vrai"[23] 

  بكل تأكيد شكل الغصب والقرصنة مظهرا من مظاهر الحياة الاجتماعية والاقتصادية المتنوعة للبلاد وبالتالي فإن إثارة هذا الموضوع في هذا السياق أو في غيره هي مسألة في غاية الأهمية، ولكن المبالغة الشديدة، فضلا عن الإصرار على اقتصار هذين النشاطين وفي المطلق على ظاهرة الزعامات أساس الدولة دون غيرها هو أمر غير دقيق ولا يمكن التعويل عليه في دعم الفرضية المتبناة؛ وسأكتفي في هذا السياق بالتنويه بالشاهد  الخاص بشيخ البلد الذي لا يتجاوز دوره حسب قول الأحمر" إدارة الشؤون العامة لسكان المدينة بما لا يتعارض مع سلطة الباشا" (الصفحة 236). فالمتمعن في الأحداث التي مرت بها الأيالة مباشرة بعد سقوط الأسرة القرمانلية، يخلص إلى أن طاعة شيخ البلد لم تكن مطلقة بل تحكمها معطيات أقلها مراعاة مصالح المحليين بصفة عامة ومصالح القاعدة الانتخابية للمشيخة على وجه التحديد. يقول شارل فيرو بأن سكان المدينة رفضوا أمر والي طرابلس محمد أمين باشا  الذي أراد "أن يدفع أهالي المدينة لأن يهبوا معه؛ إلا أن هؤلاء، يساندهم شيخ البلاد محمد بن محسن...(رفضوا) السير معه والتجئوا إلى قنصليتي فرنسا وإنجلترا" (الحوليات الصفحة 644)؛ بناء عليه، فإن ذات الوالي، وبعد أن حقق انتصارا ساحقا على الثوار، قرر معاقبة شيخ البلاد وسكان المدينة؛ إن شيخ البلاد، يقول فيرو "الذي لم يغفر له الحاكم التركي تصديه للدفاع عن أهالي مدينة طرابلس فإنه أرسل مكبلا بالسلاسل إلى بنغازي بتهمة التجسس لصالح المتمردين" الأمر الذي جعل أهالي مدينة طرابلس "يهاجرون نحو تونس والجزائر ومراكش ونحو مصر. وحذا سكان الدواخل حذوهم في تلك الهجرة الاضطرارية بحيث قدر عدد من جلوا عن البلاد بثمانين ألف نفس" (الحوليات الصفحة 645).

هذا ولعله من المفيد وقبل التحول إلى بقية الفصول أن يتم التنويه ببعض الملاحظات الإضافية والشكلية التي تم رصدها في هذا الفصل؛ فبالإضافة إلى أن المعني، وفي سياق حديثه عن السكان، ينقل الجدول الخاص بعدد السكان في المدن الساحلية الرئيسية سنتي 1884 و1911 (الجدول 2-1 الصفحة 82) بتصرف عن عمل حميدة، فإنه يحيل القارئ إلى عملLe Gall  دون أن يذكر رقم الصفحة! والمشكلة أن حميدة ينقل بدوره عنLe Gall ولكنه يشير إلى  الصفحة التي ينقل عنها، وهي  الصفحة رقم 93 !! كما أن المعلومات التي يزعم أنه نقلها عن كل من (Le Gall) و محمود ناجي والخاصة بعدد السكان بعض المدن/ النواحي هي معلومات/ أرقام غير صحيحة ؛ ففي الصفحة 83 يذكر بأن سكان غدامس (حوالي 5000 نسمة)؛ غير أن الرقم الذي يقترحه (Le Gall) هو 8000 ؛ أما محمود ناجي فيذهب إلى أن عدد سكان غدامس هو 6308؛ والخطأ ذاته يتكرر عند حديثه عن عدد سكان زوارة؛ ففي الوقت الذي يزعم الأحمر الذي ينقل عن(Le Gall ) ومحمود ناجي بأن عدد سكان هذه المدينة هو 4500، فإن الأرقام المقترحة من المؤلفين السابقين لمدينة زوارة هي على التوالي 10000، 9249. وهذه الأخطاء الكثيرة تكمن في اعتقادي في أن المعني لم يرجع للكثير من مصادره بل ربما نقل عن غيرها؛  بناء عليه فإن الدكتور الأحمر الذي يبدو أنه على غير دراية على سبيل المثال بعمل (Le Gall) يزعم بأن هذا العمل هو كتاب تولت جامعة برنستون نشره في عام 1986! والحقيقة أن هذا العمل هو رسالة دكتوراه نوقشت في برنستون في عام 1986، وأنها لم تتحول بعد إلى كتاب !! وغياب الدقة عند النقل يرصدها المرء على مستويات مختلفة وسأكتفي في هذا السياق بالتنويه بالخريطة (الخارطة رقم 2-1 الصفحة 80) التي لا يشير إلى مصدرها؛ وبمقارنة خريطته بخريطة كل من أندرسون (الصفحة رقم (6)، و خريطة حميدة (الصفحة رقم 41) تبين بأنه ينقلها بتصرف عن خريطتي هذين الباحثين. غير أن تأثير حميدة على ما يبدو كان أشد؛ فخريطة حميدة تحمل التوضيح التالي "أهم المدن، مناطق القبائل والأقاليم (1910 – 1911)؛ أما توضيح الأحمر فهو "المدن والمجموعات السكانية في ليبيا قبيل الاحتلال". لا أريد أن أتهم صاحب العمل بعدم الأمانة العلمية، ولكن الغياب  المتكرر ولا أقول المتعمد، للدقة لا تقلل من أهمية الجهد المبذول فحسب، بل وتجعل القارئ لا يطمئن للنتائج المعلنة.

وبعد أن يتطرق الأحمر في الفصل الثاني لبعض المسائل العامة، يتحول في الفصل الثالث (المجموعة الزعامية البدوية المحاربة)، والرابع (المجموعة الزعامية الدينية الطرقية: السنوسية) والخامس (الزعامة العسكرية البيروقراطية الحضرية) للحديث عن الظاهرة السياسية التي هي قبل كل شيء حسب رأيه "بناء زعامي، ونعني بالبناء الزعامي للظاهرة السياسية أن تشكل المجموعات التي هي عماد النشاط السياسي يجري غالبا وفق مبادئ تقوم على بروز الزعيم.. الذي يعمل بدوره على تمتين علاقة زعامية بمجموعة الأتباع والأحلاف والزبائن والمغلوبين التي يقودها. وفي المثال الليبي- وينسحب على هذا بتفاوت على الحالة المغاربية- تنافست تاريخيا على بناء الظاهرة السياسية ثلاثة أصناف من الزعامات: في الريف الزعامة البدوية المحاربة والزعامة الدينية الطرقية، وفي المدينة الزعامة العسكرية البيروقراطية...وفي المثال الليبي وما شابهه من التجارب يشكل النموذج الزعامي تاريخيا أساس الظاهرة السياسية، وبالتالي أساس الدولة" .

إن الرد على هذا المقترح المؤسس على مقاربة سوسيو- انثربولوجية في حقيقة الأمر غير ممكن في هذا المجال، فغاية هذه الورقة هي مراجعة عمل الدكتور الأحمر لا إعادة كتابة تاريخ ليبيا السياسي منذ القرن التاسع عشر حتى منتصف القرن العشرين؛ ولكن دعني أؤكد منذ البداية على أن عملية حصر تاريخ البلاد السياسي ولمدة زمنية جد طويلة في النموذج الزعامي (البدوي، الطرقي، العسكري) الذي لا يشكل حسب قوله أساس الظاهرة السياسية فحسب، بل وأساس الدولة أيضا، هي عملية جريئة وقادرة على الإضافة في مجال الأدبيات السياسية خاصة إذا ما وظفت لتحليل ظاهرة الأنماط الزعامية السياسية في ليبيا! أما الحديث عن الدولة أو عن جذورها ، وأيا كانت المقاربة، فهو أمر بكل تأكيد مختلف. وحتى تتبين لنا وبشكل أوضح محاولته  تفسير الظاهرة لعله من المفيد التذكير وفي عجالة بما يذكره في سياق عرضه لفرضية العمل الأساسية؛ ففي هذه الأخيرة يذهب الأحمر إلى أن الفترة الممتدة من سنة 1835، وهي السنة  التي عادت فيها ليبيا إلى حكم العثمانيين المباشر، إلى سنة 1911، أي بداية الغزو الإيطالي، وحتى الحرب العالمية الثانية، كانت "عبارة عن حرب ضد النموذج الزعامي" مضيفا "وبما أن هذه المعركة كانت معركة مصالح أكثر منها معركة مبادئ فإن عنوانها الأساسي كان التكيف المتبادل بين النموذج السياسي الوافد في نسختيه العثمانية والأوربية الإيطالية، والنموذج الزعامي المحلي. وقد ظهرت النتيجة الحاسمة لهذه التجربة في منتصف القرن العشرين عندما أفضت حركة التحرير الليبية سنة 1951 بمساعدة خارجية نشطة إلى ولادة دولة زعامية جديدة أساس حداثتها قيامها على محاولة مكثفة لإعادة ترتيب شروط بناء المجموعة السياسية وفق مبادئ تعتمد على مركزة واحتكار إنتاج الزعامة" (الصفحات 16-17).

بناء عليه، يخلص في الصفحات 56 و57 إلى أن "الأشكال المتعددة لبناء الظاهرة السياسية (لم تولد) دولة مستقطبة للطاقات الداخلية ومولدة لنموذج له دلالة رمزية عالية بالنسبة إلى كافة الناشطين السياسيين. بل إنه لم تحدث نقلة حاسمة في هذا الاتجاه إلا بفعل الاستعمار ولم يصل زعيم السنوسية إلى السلطة إلا بمساعدة خارجية ناشطة، وبعد أن تخلى في السياق ذاته دستوريا عن هويته الطرقية، وهو ما جعل الحداثة السياسية تأخذ إجرائيا معنى صهر جميع الزعامات في بوتقة الدولة وظهور النسق السياسي الزعامي الحديث الذي نراه الآن يتجسد في أكثر من نظام عربي".

ما الجديد في هذا؟ مجتمع متخلف تقوده زعامات محلية همها الرئيسي حماية مصالحها الخاصة من خلال عملية النهب المنظم على المستويين الخارجي (القرصنة) و الداخلي (مصادرة الأموال)؛ أقول ما الجديد لأن هذا ما ذهبت إليه المدارس الغربية  الليبرالية منها والتقدمية؛ ولأن الجميع على علم بإسقاطات مدراس الغرب الليبرالية (تحضيرنا في مرحلة أولى، وتحديثنا في مرحلة ثانية، ودمقرطتنا في مرحلة ثالثة) فسأكتفي في عجالة بالإشارة إلى ما ذهبت إليه الفرضية  التقدمية/ الماركسية عند تعرضها لتاريخ الشرق وحضارته، والشرق هنا له دلالة غير جغرافية إذ يشمل أيضا منطقة شمال أفريقيا؛ فوفقا للفرضية الماركسية، فرضية النمط الآسيوي للإنتاج على وجه التحديد، لم يختزل تاريخ هذا المجال الجد متسع في ظاهرة غياب الملكية الخاصة فحسب*، بل وفي اعتماد السادة فيه على النهب في الخارج والداخل. بناء عليه فإن الاعتماد على تفاسير جاهزة للاستعمال (prêt à porter ) عند الحديث عن تاريخ محلي لأية منطقة عربية دون علم  بالمصادر المحلية ومقارنتها بغيرها من مصادر دار الإسلام من ناحية، وبالمصادر الأجنبية من ناحية أخرى سيؤدي لا محالة لاستمرار سوء الفهم والأخطر من ذلك إلى سيادة الصور النمطية العالقة بتاريخنا وبثقافتنا . ذكرت سابقا بأن هدف هذه الورقة هو مراجعة الكتاب وليس إعادة كتابة تاريخ ليبيا السياسي الحديث، ولكن معالجة الأحمر لموضوع الدولة والإصرار على ظاهرة اقتران الدولة بالزعامة والعكس  تستدعي من حين لآخر هكذا ملاحظات. فلنترك جانبا هذه المسألة ونستعرض وبعجالة أهم ما ورد في الفصل الثالث.  

* * * 

في مستهل هذا الفصل يؤكد الأحمر من جديد على "أن تشكل المجموعة يمثل أساس تشكل الظاهرة السياسية... ولكي تتوضح لدينا كيفية تشكل المجموعة السياسية بصفة عامة أي مهما كان الوسط الذي نتحدث عنه والمجموعة السياسية البدوية المحاربة بصفة خاصة علينا أن نفرق تصنيفيا (لا إجرائيا) بين مستويين اثنين من عملية بناء المجموعة" (الصفحة 136). وبعد أن يشرح ما يعنيه بالمستويين ينتقل للحديث عن حياة البدو في ليبيا (بدو ليبيا المحاربين) وذلك من أجل أن "نتعرف على آليات بناء المجموعة السياسية كما كانت تمارس خلال القرن التاسع عشر وبداية القرن العشرين" (الصفحة 136). هذا ويضيف في ذات الصفحة بأنه "واستنادا لما نعرفه عن هؤلاء يمكننا القول إن أول ما يلفت الانتباه في الخصائص التي تميزهم هو انتظام حياتهم في شكل مجموعات صغيرة متحركة ومشتتة في الفضاء وسيطرتهم على مناطق جغرافية شاسعة وذات أهمية إستراتيجية كبيرة بالنسبة إلى المستقرين من القرويين والحضر". والحقيقة أن الأحمر لم يذكر أنه قام بأي عمل ميداني*  أو بمراجعة نقدية لبعض الأعمال الميدانية، فضلا عن أنه لم يتعرض لأدبيات الرواية الشفوية والشعر الشعبي اللذان يغطيان جزءا مهما من تاريخ ليبيا الحديث؟ في غياب كل هذه المعطيات من حق الجميع أن يسال عن الكيفية التي توصل بها المعني إلى معرفة هؤلاء ومن ثم الحكم عليهم؟ وبعد أن يشدد على أهمية تربية الماشية بالنسبة للاقتصاد البدوي، يشير، استنادا إلى دراسات خاصة بحياة المجموعات البدوية في ليبيا "إلى أن معالجة القضية الاقتصادية لدى هؤلاء كانت تجري وفق آليتين مختلفتين ولكنهما مترابطتان.. الأولى اقتصادية بالأساس، أما الثانية فهي ثقافية سياسية إن صح التعبير" (الصفحة 137). ففيما يتعلق بالأولى يخلص الأحمر إلى أن "كل مجموعة بدوية كانت تحاول استغلال الموارد التي بحوزتها عن طريق عدة تقنيات أهمها احترام الدورة الطبيعية لنمو الأعشاب، والتوفيق بين عدد الماشية ووفرة المراعي والمياه، والانتقال من مكان إلى آخر وفقا لترتيب معلوم، أما في خصوص الآلية الثانية وهي الغصب والحرب فإنها ترتبط بحالة ذلك التوازن الهش الذي تحدثنا عنه بين الموارد والطلب الاقتصادي عليها" (الصفحة 137).

 ودون حاجة للتوقف عند بقية التفاصيل التي تصب في ذات الاتجاه، نرى من الأنسب التحول إلى ثلاثة استنتاجات رئيسية خلص إليها من خلال أنموذجين اثنين، نموذج عبد الجليل سيف النصر و نموذج غومة المحمودي؛  فقد استنتج أولا بأن "الحياة السياسية البدوية تقوم على عنصر الزعامة المحاربة الذي يتجاوز مداه مستوى رئاسة المجموعة الأولية الوسيطة" واستنتج ثانيا  بأن "الزعامة البدوية لا تؤدي إلى تمركز السلطة" (الصفحة 147)، واستنتج ثالثا بأن "البدو المحاربين غير المنخرطين في أيديولوجيا سياسية خارجية موحدة تساعد على تبلور وسائط مؤسساتية قائمة على أساس الهرمية السياسية لا يولدون أفكارا إيجابية تجاه الدولة" (الصفحة 148). بناء عليه، يخلص إلى أن حركتي عبد الجليل سيف النصر وغومة المحمودي ترتبطان من الناحية التاريخية "بحدثين حاسمين في تاريخ ليبيا...هذان الحدثان هما انهيار حكم القرمانليين سنة 1835 بعد تجربة دامت أكثر من قرن من الزمن، وعودة ليبيا من جديد إلى الحكم العثماني المباشر الذي جاء بمشروع إصلاحات إدارية وسياسية ليست لها جذور داخلية" (الصفحة 149). ولكن المتمعن في علاقة أسرة سيف النصر بالقرمانليين يخلص إلى أنها لم تكن دوما على وفاق؛ ففي عام 1806 على سبيل المثال اصطدم أحمد سيف النصر (والد عبد الجليل) بيوسف باشا القرمانلي؛ وبقتل أحمد سيف النصر وقتل بعض أتباعه اضطر عدد غير قليل للهجرة؛ وما أن تولى عبد الجليل أمر أولاد سليمان في عام 1832 حتى قرر مواصلة ما قام به والده في السابق ضد يوسف باشا. بناء عليه، فإن القول بان ثورة سيف النصر لها علاقة بانهيار الحكم القرمانلي وبعودة العثمانيين إلى ليبيا هو قول غير دقيق.

هذا في اختصار شديد أهم ما تطرق إليه الأحمر في هذا الفصل؛ والملاحظة المركزية حول فصله هذا يمكن حصرها في المسلمة السلبية التالية والتي مفادها أن المجتمعات البدوية بصفة عامة والمحاربة منها على وجه التحديد هي مجتمعات معادية للدولة*! وهذا ما تقوله على سبيل المثال أندرسون، و ما يعتمده في فترة لاحقة Dirk Vanderwall**. وبصرف النظر عن مدى أهمية تأثير العامل الخارجي وأولويته على عمل الأحمر، فإن العديد من الصور السلبية للمجتمع البدوي استعارها هذا الأخير من عمل ابن خلدون؛ فهذا الأخير لم يتردد في وصف النمط البدوي بالبدائي، أي العاجز عن بناء الدولة فحسب، بل وفي التشديد على أن النمط البدوي أقدم من الحضري وسابق عليه؛ علما بأن العديد من الباحثين المعاصرين ما انفكوا يشككون كثيرا في هذه المسألة؛ فجودولييه (M. Godelier)، العالم الماركسي على سبيل المثال، يقول بأن كتابات أنجلز عن أصول الأسرة مثلا والملكية الخاصة والدولة (من منظور العلوم الإنسانية) أصبحت من الوثائق الدوغماتيه، وبالتالي فإنه لم يعد لها محل في الفكر العلمي الحديث؛ وضرب مثلا بالنظرية القائلة بأن الاقتصاد الرعوي يسبق الزراعة، ذلك أن علم الآثار وعلم تحليل البيئة دللا على عدم صحة هذا الرأي[24].

ولكن المولدي الأحمر المتشبث بالرؤية الخلدونية التقليدية التي تذهب إلى أن النمط البدوي سابق على النمط الحضري، يشرع في تحليل الظاهرة السياسية من منظور يفتقر لمبدأ التسلسل الزمني الأمر الذي كان من الممكن أن يسهل عليه رصد عمليات  التغير الاجتماعية  التي من المفترض أن تشكل سلك الأطروحة الناظم. بناء عليه نراه يتطرق في الفصلين الثالث والرابع على التوالي للمجموعة الزعامية البدوية المحاربة في القرن التاسع عشر 1832- 1858، وللمجموعة الزعامية الدينية الطرفية في القرنين التاسع عشر والعشرين 1840- 1917،  قبل تطرقه في الفصل الخامس للزعامة العسكرية البيروقراطية الحضرية في القرن الثامن عشر 1711- 1835. هكذا إذا وبسبب تأثره الواضح برؤية ابن خلدون المتحيزة ضد البدو والتي تذهب إلى القول بأن العرب/ البدو لا يحصل لهم الملك إلا بصبغة دينية تارة وأنهم أبعد الأمم عن سياسة الملك تارة أخرى، يخلص في الصفحة 155 إلى "أن المجموعات البدوية المحاربة، والتي برز بعض المحاميد وأولاد سليمان كمحررين رئيسيين لها، تختلف في سيرورة تشكلها عما صنعه السنوسيون في برقة حيث ربط هؤلاء...كل المجموعات القبلية بالزوايا وشكلوا منها على مستوى التنظيم والمفاهيم وحدة سياسية دينية متماسكة تجاوزت في بعض جوانبها الخصائص المحلية للمجموعات البدوية المحاربة".

 إن اعتناق الأحمر للرؤية الخلدونية أو لغيرها هو عمل مبرر ليس فقط بحكم  خلفيته الأكاديمية، بل  وأيضا بسبب أهمية مساهمة هؤلاء الآباء في مجال علم الاجتماع السياسي؛ بناء عليه فلا أحد ينكر عليه اختياره؛ ولكن دراسة الجذور الاجتماعية للدولة الحديثة في ليبيا هي مسألة مغايرة، إذ من غير المعقول أن يؤسس لظهور الدولة الحديثة في ليبيا في القرنين التاسع عشر والعشرين ويتجاهل التغيرات المتنوعة/ المعقدة التي أفضت، بسبب تطور العديد من المؤسسات، إلى استقلال طرابلس النسبي عن الآستانة في القرن الثامن عشر*؛ فالمنطقي إذا أن ننطلق من هذا الأخير لكي نحصل على رؤية أفضل لجذور الدولة الحديثة التي هيأت في اعتقادي التربة للإصلاحات العثمانية في مرحلة أولى، ولمساعي إيطاليا لا أقول من أجل  التحديث بل من أجل فرض الهيمنة والتدجين في مرحلة ثانية. هذا من ناحية، ومن ناحية أخرى إن حرص الأحمر على النهج الخلدوني في معالجة هذه الظاهرة أفقد العمل أهميته، إذ من غير الممكن فهم هذه الظاهرة وسلك العمل الناظم يقوم على رؤية المكونين الرئيسيين للظاهرة (البدو والحضر) في حالة تنافر مستمر. صحيح أنه أشار وفي أكثر من مكان إلى مسألة التعاون بين هذين النمطين، ولكن الحرص على تصوير المشهد الليبي من خلال الرؤية الخلدونية التقليدية المحكومة بجدلية دائرية الزمن جعلته يعتمد اعتمادا شبه كلي، عند تحليل الظاهرة، على  المقاربة الزبونية تارة والأنثروبولوجيا التأويلية تارة أخرى.

ولكن بحث مسألة الجذور الاجتماعية للدولة الليبية الحديثة كان يتطلب تتبع عمليات التغير وتحليلها في المرحلة قيد الدراسة، لا القفز على الجزئيات واختزال كل هذه التغيرات في عينات من الصعب الاعتماد عليها في تفسير جزء بسيط من تاريخ ليبيا! إن عملية القفز، فضلا عن الالتزام بوصفات جاهزة مسبقا لم تضف المزيد من الجمود على المسألة المثارة فحسب، بل وعادت بنا إلى زمن الثنائيات، بدو مقابل حضر، متحضر مقابل متوحش، تقليدي مقابل عصري وهكذا. ولكن الجميع يعلم الآن أن اختزال أي نمط  في مكون واحد والتغاضي عن تعدد المكونات داخله، سيؤدي إلى نتيجة غير دقيقة تكون محكومة بالضرورة  بالفشل؛ فتعدد مكونات النمط، أي نمط سواء كان بدويا، أو حضريا، أو نصف بدوي (ريفي) أو نصف حضري (مستقر) أصبحت هي النظرة السائدة الآن في مجال البحوث الاجتماعية، وبالتالي  لم يعد من الممكن اعتبار أي واحد منها نمطا نقيا ومعزولا عن باقي الأنماط*؛ بناء عليه، فإن التطرق لمسألة الزعامة بشكل مجزأ، واحدة حضرية وثانية بدوية، هي محاولة مهمة من حيث توظيف الرؤية الخلدونية لمناقشة ظاهرة حديثة، ولكنها لن تضيف الكثير للموضوع المثار.هذا كما أن عملية الانصهار التي أشار إليها لا تخضع لهذه القوة السياسية أو تلك فحسب، بل والأهم من ذلك أنها تخضع لمسألة التغير المستمر والتي يمكن رصدها من خلال تكون نسيج "ليبيا" الاجتماعي، في فضاء ما سيصبح لاحقا ليبيا.

 إن التاريخ يقول (Jules Michelet) هو قبل كل شيء جغرافيا؛ معنى ذلك أن الجغرافيا هي التي تشكل تاريخ البلدان. بكل تأكيد نبه الأحمر لأهمية المجال، فضلا عن أهمية النشاط الاجتماعي والاقتصادي داخل هذا الأخير، ولكنه لم يوفق في رصد أهمية المجال من زاوية التأثير والتأثر الاجتماعي والسياسي بين الأطراف/ الأنماط المختلفة؛ فالمجال وكما يذهب إلى ذلك الدكتور جمال حمدان له شخصيته؛ وإذا كان النيل هو رمز ازدهار مصر وعنصر وحدتها أو مركزيتها على حد تعبير نزيه أيوب، فإن الواحات الليبية شكلت وما تزال تشكل، حسب وجهة نظري، وحدة هذا الكيان سواء في عصر ما قبل أو ما بعد اكتشاف النفط. وأهمية الواحة فضلا عن دورها في توحيد المجال الترابي لليبيا ومن ثم تشكيل شخصيته هي المدخل الرئيسي لفهم ودراسة الجذور الاجتماعية للدولة الحديثة في ليبيا. فالمتمعن في خارطة ليبيا يخلص أولا إلى أنها فضاء مترامي الأطراف وقيام سلطة مركزية واحدة على أرضه هو أمر في غاية الصعوبة ·؛ ويخلص ثانيا إلى أن أهم المراكز الحضرية والتجارية والزراعية والرعوية تحولت في فترات تاريخية مختلفة إلى مراكز سياسية (طرابلس، ومرزق، والكفرة) سعت إلى فرض هيمنتها على كامل الإقليم؛ هذا وفي حين فشلت مرزق والكفرة في توحيد الأراضي الليبية فإن طرابلس تمكنت في نهاية القرن الثامن عشر- مطلع القرن العشرين من بسط نفوذها على كامل الإقليم؛ ويخلص ثالثا إلى أن تواضع إمكانيات هذا الفضاء كان عاملا مهما في تكوين نسيج ليبيا الاجتماعي عبر العصور؛ فبسبب تواضع إمكانيات الإقليم مقارنة بحجمه، وتواضع عدد سكانه دأب سكانه على التنقل بين هذه الواحات التي تربطها طرق مواصلات لم تتغير كثيرا منذ مراحل موغلة في القدم. والمجال هنا لا يسمح في حقيقة الأمر لتوضيح هذه الجزئية لذلك سأكتفي بالتنويه بانتشار أبناء القبيلة الواحدة في مجموعة من المدن/ الواحات؛ ففي ما يتعلق بإقليمي طرابلس وفزان يمكن التنويه في هذه العجالة بالفقهاء المقيمين بغريان و ورفله وودان وفزان؛ والعبادلة المقيمين في فساطو وترهونة وزليطن ومصراته وسرت؛ والمحاميد الذين يقيمون في المنطقة الممتدة من الزاوية مرورا بيفرن ونالوت وصولا إلى منطقة القبلة؛ وأولاد سليمان المقيمين في سرت وزلة وسوكنة ووادي الشاطئ وهون وودان وأم الأرانب وسبها. والأمر نفسه ينسحب على إقليم برقة؛ ففي هذا الأخير تنتشر القبيلة الواحدة من الساحل إلى داخل الأراضي الليبية شرقا وجنوبا؛ فوحدات من قبيلة الزوية على سبيل المثال كانت تتوغل نحو فزان والكفرة، وبعضها الآخر نحو ساحل برقة واجدابيا وجخرة، وخارج أراضي الإقليم في التشاد (الواداي).

 بناء عليه كان من المفترض، وبدلا من تبسيط مسألة الانتقال وتفسيره من منظور كلاسيكي جامد، أي تنقل البدو المستمر طلبا للمرعى، أن ينظر في آلية التنقل من منظور الهجرات الداخلية والخارجية ودورها في تشكيل نسيج المجتمع الليبي من ناحية، وأهمية مناطق الاستقرار لهؤلاء (القصور في المناطق شبه الصحراوية والصحراوية) والقرى في المناطق الجبلية من ناحية أخرى. إن التنويه بنسيج المجتمع الليبي من ناحية وبتنوع خلفيته من ناحية أخرى سوف لن يحرر النقاش العلمي من الثنائية الخلدونية المعتمدة في الدراسات التاريخية والأنثروبولوجية الفرنسية فحسب، بل وستسهم في تفسير الظاهرة السياسية / تكون الدولة بشكل أفضل. فقد أشار على سبيل المثال إلى أن مجال أولاد سليمان كان يمتد من سرت (إقليم الساحل) إلى فزان (إقليم الصحراء)، ولكنه لم يتفطن إلى أن السيطرة على هذين الإقليمين تعني السيطرة أيضا على إقليمين مناخيين إضافيين، أي إقليم الجبل وإقليم شبه الصحراء. والأمر نفسه ينسحب على المحاميد؛ ففضاء هذه القبيلة يمتد من الساحل (الزاوية) إلى الجبل (جبل غريان) مرورا بسهل الجفارة والصحراء. غير أن هذا المشهد لم يشد نظر الأحمر، فضلا عن انه لم يخطر بباله أن تشكل مجال هؤلاء الترابي وعلى هذا النحو يعكس رغبة المحليين في تكوين كيان يشمل الساحل والصحراء؛ فعلى مر العصور شكلت رغبة المحليين في السيطرة على الساحل هاجسا يمكن ملاحظته منذ عصر الجرمنت (أي منذ القرن الخامس قبل الميلاد على الأقل وحتى القرن السابع الميلادي) الذين حكموا إقليم فزان وجنوب الصحراء، مرورا ببعض الإمارات الصغيرة (إمارة بنو خطاب بزويلة في القرن الرابع) ووصولا إلى أولاد محمد/ أمحمد (الذين حكموا إقليم فزان منذ حوالي أواخر القرن الخامس عشر أو بداية القرن السادس عشر). فإقليم الساحل شكل على مر العصور منطقة "محرمة" سياسيا على المحليين الذين سعوا وفي فترات تاريخية مختلفة للسيطرة عليه *؛ كما أن علاقة  الداخل التجارية بالساحل كانت محكومة بعلاقة هيمنة لا تعود عليهم بالربح الوفير؛ كما أن السلع التي هم في حاجة إليها من أسواق أوربا وآسيا كانت في يد سادة الساحل الذين لا يقومون بالإشراف على تحويلها إلى أسواق الإقليم الداخل فحسب، بل وإلى أسواق بلدان جنوب الصحراء. لذلك فإن مساعي عبد الجليل سيف النصر وغومة المحمودي لم يكن دافعها تحقيق مآرب شخصية، حتى وإن شكل  الباعث الشخصي في بعض الأحيان دافعا رئيسيا لهذا الزعيم أو ذاك، وإنما العمل على إقامة كيان سياسي يمتد من الصحراء إلى الساحل. وهذه الخلفية التي عجز عن رصدها الأحمر تؤكدها جزئية تقسيم الأرض سواء في العهدين العثماني الأول والثاني، أو في عهد الأسرة القرمانلية؛ فوقفا لدراسة للدكتور عبد المولى الحرير "اعتمد تقسيم الأرض في المنطقة الشرقية على نظام خاص عرف باسم" اللهدة" حيث تقسم الأرض إلى أشرطة ممتدة بشكل طولي من البحر إلى البر تطبيقا لفكرة استغلالها للاستخدامات المختلفة لنصيب كل قبيلة، بالإضافة إلى أن ذلك يحقق تنوعا في الإنتاج نظرا لتدرج هطول الأمطار من الشمال إلى الجنوب"[27].

إن دراسة تاريخ ليبيا الحديث من منظور اجتماعي تتجلى فيه حيوية الأفراد والجماعات في مجال رحب ومتعدد الأنشطة كان سيفضي لا محالة إلى قراءة مغايرة، قراءة تقلل من عمليات القفز الضفدعي (leap-frogging) المتعمد وغير المتعمد عن التفاصيل التي قد تفسد على الباحث أس فرضيته، وتقترح في المقابل تأويلا أقرب للواقع؛ ولست أفهم عدم تعرضه مثلا لدولة أولاد أمحمد* !! بناء عليه، لو أن المعني انطلق من التجارب السياسية الماضية ودورها في وضع اللبنات الأولى للدولة لخلص وبشكل أفضل إلى تحليل القوى الاجتماعية المتداخلة ودورها في تشكل ظاهرة السلطة والنفوذ. ولكنه فضل تحليل هذه الجماعات/ القوى من زاوية بالكاد تلتقي فيها مع غيرها من الجماعات/ الأنماط؛ فالدخول على سبيل المثال "في حلف مع الجماعات السياسية التي تحتكر الدولة يمكن أن يكون وسيلة من وسائل حماية الموارد المحلية وأداة من أدوات الإفلات من الضرائب..الخ" (الصفحة 139) وبالتالي، وفي ظل هكذا وضع بدائي لا يمكن أن تسهم هذه القوى المحلية في بناء دولة حديثة. وهذه الرؤية ضيقة الأفق والمستمدة في الأساس من منهج يعود إلى مرحلة الاحتلال لا هم له سوى تصنيف تاريخ المغرب، ليبيا في هذا السياق، ضمن تاريخ الوافد المتحضر! أما المحليون وبحكم طبيعة أعمالهم المهمشة فإننا لا نتعرف عليهم إلا عرضا و في سياق قيامهم بالنهب والسلب، أو في سياق مقاومتهم للوافد "المتحضر"؛ وهذه المقاومة، يجب التذكير، هي في الأساس مقاومة من نوع خاص إذ أنها تصور دور المحليين في حالتي القوة والضعف تصويرا نمطيا؛ ففي الحالة الأولى يكاد يقتصر دورهم على النهب والسلب، أما في المرحلة الثانية فلا نرى لهم من دور سوى  التواطؤ/ الخيانة أو الهروب/ الهجرة. قد يصدق هذا التأويل على عدد لا بأس به من الزعامات والأفراد والجماعات أيضا، ولكن الواقع التاريخي المستمد من تجارب تاريخية (مخيل جماعي تعمد الأحمر تجاهله) لا تؤكد أهمية الشريعة والتقاليد [28]خاصة في تكييف علاقة الأفراد والجماعات فيما بينهم فحسب، بل والأهم من ذلك عند تأسيس الكيانات السياسية التي اختزلها الأحمر في زعامات بدوية تارة وزعامات حضرية تارة أخرى؛ إن غياب هذا النوع من الفهم ومن ثم القدرة على تجاوز القوالب السوسيو- انثروبولوجية الجامدة والمعتمدة في الأساس على تخريجات المدارس الغربية الكلاسيكية على وجه التحديد، جعلته لا يتفطن إلى ديناميكية المجتمع الليبي ويكتفي باعتماد الصور النمطية السائدة في الأعمال الغربية؛ بكل تأكيد تواطأ العديد من الليبيين وهاجر كثيرون، ولكن الأمر الجدير بالتنويه  أن الأغلبية الساحقة، وبحكم ارتباطها بهذا الكيان فضلت البقاء والمقاومة. بلى، اقترف البعض ممن فضل البقاء الخيانة والبعض الآخر التواطؤ ولكن الأغلبية فضلت المقاومة؛ وللمقاومة عدة وجوه، بعضها سلمي/ سلبي وبعضها الآخر إيجابي؛ فمقاومة الليبيين الإيجابية للإيطاليين اتخذت أشكالا عدة أذكر منها على سبيل المثال رفضهم الثقافة الإيطالية والسفر إلى تونس ومصر لمواصلة تعليمهم الديني  العالي في جامعي الزيتونة والأزهر. بسبب هذا الموقف تقرر إيطاليا تأسيس مدرسة إسلامية حتى لا تمنع الليبيين من السفر إلى تونس ومصر فحسب، بل ولتوقف عملية التحديث من داخل منظومة دار الإسلام*.

كما أن حرص الأحمر على مسألة انقسام تاريخ ليبيا لواحد خاص بالبدو (أولاد سليمان وأولاد بوسيف من ناحية وبدو برقة من ناحية أخرى) وثان بالحضر(القرمانليين)، قاده في خاتمة المطاف إلى تبني رؤية  يكتنفها الكثير من الغموض جعلته بالتالي يخلص ،عن وعي أو عن غير وعي، إلى نتيجة محبطة مفادها الغياب الإيجابي للمؤسسات المحلية في بناء ظاهرة الدولة؛ فالزعامات المنوه بدورها، وبدرجة أقل زعماء السنوسية، لم يكن همهم تطوير المؤسسات المحلية أو التأثر بغيرها من المؤسسات، فشغلهم الشاغل كان رعاية مصالحهم الخاصة، فضلا عن مراكمة الأموال التي تتأتى من عمليات السلب والنهب. من ذلك أنه لا يرصد أي تغير ويشدد، كما تم التنويه سابقا في فرضية العمل، على أن هذا النموذج الزعامي هو نموذج "سرمدي" ويشكل من الناحية التاريخية أساس الظاهرة السياسية أي أساس الدولة الحديثة في ليبيا!  بناء على هذه الخلفية التي يستمدها من قراءته الخاصة لتاريخ ليبيا منذ العقد الثاني للقرن الثامن عشر حتى الحرب العالمية الثانية، يخلص إلى أن "دولة الاستقلال الليبية...التي نشأت في منتصف القرن العشرين دولة زعامية من نوع جديد: مؤسساتها وقوانين إدارتها وجهازها البيروقراطي وتشعب مجالها الاقتصادي والاجتماعي واستجابتها الشكلية للمقاييس العالمية في تنظيم العلاقات الدولية حديثة. ولكن ديناميتها الداخلية التي كرستها الحركة الوطنية وتواصلت بعد الاستقلال لم تقطع مع المبادئ الزعامية في بناء المجموعات السياسية التي تسمح للقادة بعدم التقيد بقواعد العمل المؤسساتي أو بتطويعه لخدمة المصالح الخاصة...إن ذلك هو الأساس السوسيولوجي والأنثروبولوجي التاريخي للاستبداد الحديث في كثير من البلدان العربية وهو ما تضعه التحولات السياسية الجديدة على المستوى المحلي والعالمي موضع سؤال، وهو ما ينبغي التوجه إليه بالبحث والتحقيق" (الصفحة 24). والنتيجة المستخلصة والمبنية بدرجة أولى من التجربة البدوية بشقيها المحارب والطرقي، لا تختلف عن التجربة المستمدة من النسق الحضري؛ فهذا الأخير ووفق ما يذكر الأحمر لا يختلف، عن النمطين المنوه بهما حتى وإن وجدت بعض الخصوصيات التي تميزه عنهما. تأسيسا على كل ما تقدم لا أرى ما يستدعي الاستمرار في عرض ما تضمنه الفصلان الثالث والرابع من معطيات وتحليلات، وسأكتفي بالتعليق على ما ورد في المبحث الرابع من الفصل الخامس والخاص بالمجال الترابي للدولة القرمانلية. 

* * * 

يستهل الأحمر هذا المبحث بطرح الأسئلة التالية "ما الشكل الذي كان عليه المجال الترابي للدولة القرمانلية بصفتها دولة زعامية وما هي حدوده؟ وكيف كانت علاقة هذه الدولة بهذا الفضاء؟ وهل كان للدولة القرمانلية مجال ترابي؟" (الصفحة 239). لست في حاجة للتذكير من جديد بأن معالجة الأحمر لمسألة الدولة سواء تعلق الأمر بالمؤسسات أو الكيان تنطلق من مفاهيم "المجموعة السياسية والزعيم، والنسق السياسي الزعامي". إن هذه المفاهيم وغيرها يشدد الأحمر "التي شرحناها سيساعدنا على فهم جانب كبير من خصائص العلاقة التاريخية التي نشأت بين هذه الدولة والمجال الترابي الذي كانت تنشط فيه..لكن علينا أن نلاحظ قبل الخوض في هذه النقطة أن عبارة مجال ترابي تمثل مفهوما حديثا ارتبطت نشأته بظهور كيان الدولة- الأمة المعاصرة التي تمكنت في سياق تفكك الإمبراطوريات التقليدية من نشر سيادتها المطلقة على مساحة جغرافية اجتماعية محددة معترف بها نسبيا على المستوى الداخلي ومن طرف الكيانات السياسية المجاورة. ولهذا السبب فقد يبدو المفهوم غير موات لوصف علاقة الدولة القرمانلية وهي تفتقد إلى مفهوم ممارسة السيادة القانونية والسياسية على أرض معلومة الحدود بالفضاء الجغرافي السياسي الذي تنشط فيه وتحاول ربطه بديناميتها" (الصفحة 239- 240). وزيادة في توضيح وجهة نظره يضيف الأحمر بأنه "وخلال فترة طويلة من الزمن كانت العلاقات الإدارية السياسية بين هذه الولايات وكذلك بين هذه الأخيرة والعالم الخارجي تخضع غالبا للرؤية الإستراتيجية العثمانية. وفي هذا الإطار تبلورت، ولو بشكل غير مستقر وغير دقيق الحدود الغربية والشرقية لما أصبح يعرف بليبيا. ورغم أن جنوب الولاية المتصل بدواخل أفريقيا بقي فضاء مفتوحا يكاد يكون خارجا عن مراقبة أي حكم مركزي وذلك حتى مشارف القرن العشرين، فإن الشكل العام لهذا الفضاء كان في الحقيقة إرثا تاريخيا عاما صنعته السياسة العثمانية وإرهاصات تشكل الدولة الحديثة في هذه المنطقة" (الصفحة 240- 241).

 لو أن الأحمر استعمل لفظ أسرة بدلا من اصطلاح دولة لأراح واستراح؛ فاصطلاح أسرة ينسجم أكثر مع فرضيته القائمة على البناء الزعامي للظاهرة السياسية! عموما، وسواء أطلقنا على التجربة القرمانلية مصطلح عائلة/ أسرة حاكمة (Dynasty) أو دولة فإن الأمر الجدير بالتنويه هو أن ظهور هذه الأخيرة يجب أن يفهم من خلال عمليات التحول التي  لامست المكونات الرئيسية للدولة: المجتمع (بلغة العصر الحديثة الشعب/ الأمة) المجال الترابي، القانون، والسلطة المركزية ! فالدولة وفق التعريفات القانونية الحديثة هي عبارة عن "كيان سياسي – قانوني ذو سلطة سيادية معترف بها في رقعة جغرافية محددة على مجموعة بشرية معينة"[29] . والمتمعن في عمل الأحمر لا يجد أي شكل متناغم لأي من هذين الشكلين/ التعريفين في عمله؛ فكل ما يجده القارئ هو مجموعة متفرقة من الإشارات مهمتها الرئيسية التنويه بمؤسسات الدولة الغربية الفوقية الحديثة التي فرضت في ظل الاحتلال وفي فترة الاستقلال؛ وبالنظر إلى أن طبيعة الدولة الزعامية ذات طبيعة خاصة إذ أنها تشكو من علة خلقية، فإنها أفسدت على الوافد جهده واجتهاده وجعلت قيامها بالتالي مقترنا بحالة من حالات الانفصام!! كما أن اختياره لهذا المسار جعله يتغافل عن التنظيم الداخلي للقبائل الذي من المفترض أن يشكل أس محاجته! والحديث عن مكونات المجتمع والدولة يدفعان المرء للتساؤل عن سر حرصه عن تجاهله للمبرر الشرعي، وأقصد بالشرعي أي المستمد من الشريعة، لحركة المجتمع من ناحية، ولدينامية الدولة  التي يحصرها في عنصر التغلب للوصول للملك وللغصب والنهب في جميع مراحل التشكل! علما بأن ابن خلدون يميز على سبيل المثال بين مرحلة التشكل الأولى التي يميل فيها المؤسس للالتزام بالشريعة/ القانون، وبين من يأتي بعده ويتحرر من جميع القيود تقريبا*!

بكل تأكيد لا يمكن لأي باحث أن يقوم بكل هذه الأعمال بمفرده وفي عمل واحد، ولكن حرصه على تناول الجذور الاجتماعية كان يستدعي في مرحلة أولى تحليلا للأشكال الأولية للقبائل ومن ثم  رصد طبيعة التغير التي تسهم في تفسير الجانب الاجتماعي للظاهرة السياسية وليست الظاهرة كلها! مع ذلك كان بإمكان الأحمر القيام بهذا العمل، على الأقل في جزئية المجال الترابي، على وجه أفضل لو أنه انطلق من مجموعة التغيرات التي عرفتها طرابلس نواة هذا المجال رغم اختلاف المسميات في الفترة اللاحقة؛ فهذه الأخيرة مرت بمجموعة من التغيرات، تغيرت بسببها وظيفتها ولكنها لم توقف دورها في تشكيل أهم ركائز الدولة؛ ففي مرحلة العصور الوسطى وحتى قدوم العثمانيين في القرن السادس عشر كانت مجرد مدينة، وبعد دخول العثمانيين تحولت إلى ولاية، لكي تصبح في مطلع القرن الثامن عشر مدينة- دولة شبه مستقلة وذات سيادة على معظم الإقليم الذي سيعرف لاحقا باسم ليبيا. بناء عليه، فإن ما يستحق التنويه في هذا السياق هو مرحلية عملية التحول، وليس التحول ذاته خاصة وأن الموضوع يبحث في جذور الدولة وليست الدولة في شكلها المعاصر. هذا من ناحية، ومن ناحية أخرى إن نجاح القرمانليين في الوصول إلى السلطة، فضلا عن الاستمرار في حكم البلاد لأزيد من مائة سنة لا يمكن فهمهما من خلال النسق الزعامي الذي يختزله الأحمر في آخر باشاوات الأسرة، بل من خلال مركزية طرابلس المنوه بها من ناحية، ودعم المحليين المستمر للأسرة القرمانلية المقيمة في هذه المدينة من ناحية أخرى؛ لذلك حين اختلف هؤلاء حول من يخلف الإقليم بعد يوسف باشا القرمانلي سارعت الأطراف المتنازعة للسيطرة على المدينة التي بسقوطها لم تنهر العائلة الحاكمة فحسب، بل انهار الإقليم بأكمله.

إن دور الأفراد/ الزعامات لا محالة مهم، ولكن أهميته لا تكمن في قدرتهم على حكم البلاد والعباد فحسب، بل والأهم من ذلك في قدرتهم على اقتراح مشاريع سياسية تلقى القبول و الرضا لدى الأغلبية. فأحمد باشا مؤسس الأسرة القرمانلية لم يكتسب رضا العامة بسبب قوة شخصيته أو جاذبيته فحسب، بل بسبب القرارات التي اتخذها والتي تتماهي في معظمها وطموحات المحليين؛ فقرار استبعاد العنصر التركي وقتل العديد منهم، فضلا عن الاستعانة بالكولوغلية كان يخدم لا محالة أحمد القرمانلي، ولكنه كان يمثل مطلبا أساسيا بالنسبة للمحليين أيضا*؛ ولكن القرار الأهم هو بطبيعة الحال إشراك المحليين في إدارة البلاد. غير أن الأحمر الذي من المفترض أن يحلل الجذور الاجتماعية للدولة الحديثة في ليبيا يتجاهل العنصر المحلي ويزعم بأن المؤسسات التي اعتمد عليها القرمانليون "كانت تديرها بشكل عائلي خاص، والعساكر الذين كانوا يحمونها أغلبهم من المرتزقة والعبيد والرقيق، والموارد المالية التي كانت تحصل عليها من الضرائب والغصب كانت تتصرف فيها كما و كانت وارداتها العائلية، وباختصار شديد كانت الدولة القرمانلية دولة زعيم ومجموعة سياسية مهيمنة تتنافس مع بقية الزعامات المحلية على احتكار الموارد" .

لقد كان على الأحمر أن يحدد ماهية هذه المؤسسات التي أدارها القرمانليون بشكل عائلي خاص؛ فالمؤسسات التي تجاهلها الأحمر نذكر منها على سبيل المثال لا الحصر النظام  القضائي، ولا نعلم كيف أدارت هذه الأسرة هذا النظام بشكل خاص والجميع يعلم أن  المذاهب الفقهية التي تستمد منها الأحكام القضائية في ليبيا كانت متعددة؛ فالنظام الفقهي المعتمد في ليبيا في المرحلة قيد الدراسة كان يتكون من مذهبين رئيسيين (المذهب الحنفي، وهو مذهب السلطة، والمذهب المالكي، مذهب الأغلبية)، ومن مذهب فرعي (المذهب الإباضي)، (وبالمناسبة، إن الأحمر يرسم هذا الأخير على النحو التالي: الأباظي ولا أعلم على أي مصدر أو مرجع اعتمد في رسمه لهذا اللفظ)؛ هذا وإذا ما تفرد الباشا بالعديد من المسائل التشريعية والسيادية فإن هذه الأخيرة لم تكن مقتصرة على شخص  الباشا/ الوالي فقط، بل أصبحت تدار بمجموعة من الموظفين المحليين، "البي" في المدينة و"السيد" في الدوائر الأقل أهمية. ودور المحليين هذا تجلى في عمليات التفاوض والاتفاقيات التي كان الباشا يبرمها بين الفينة والأخرى مع الحكومات الأجنبية. ففي سنة 1796 أبرم يوسف باشا اتفاقية سلام مع الأمريكيين وقع عليها، إلى جانبه، تسعة من وجوه المدينة تراوحت وظائفهم من الوزارة إلى مشيخة البلد.؛ وفي ذات السياق تقريبا تشير المصادر بوضوح كيف أن القرمانليين كانوا يرسلون بوكلائهم وبمبعوثيهم  إلى استانبول وتونس والإسكندرية وأزمير وفرنسا وإنجلترا. وحرص الباشا أو غيره من زعامات هذا الكيان على إشراك العديد من المحليين في إدارة البلاد في مجالات القضاء والإدارة والجيش، لا يفسره افتقار البلاد إلى مصدر ثروة رئيسي يسهل التحكم فيه فحسب، بل ويفسره أيضا شدة تنوع العلاقات الاجتماعية وتعقدها على المستويين المحلي والإقليمي .

 بناء عليه فإن النسق الذي فرض على تكون الدولة في ليبيا، تكون مجالها الترابي مثلا، كانت تتجاذبه على مر العصور قوتان، واحدة ذات نزعة وحدوية فرضتها الجغرافيا (ظاهرة الواحات المنوه بها سابقا)، والثانية إقليمية اقترنت ظاهرة الدولة فيها بقوى خارجية (إغريق وفينيقيين فرومان وبيزنطيين، وعرب مسلمين فعثمانيين، وإيطاليين، فبريطانيين). إن جدلية هذه العلاقة التي لم يتفطن إليها الأحمر هي التي تفسر بطء مسار تشكل المجال الترابي وبالتالي سيادة سلطة مركزية فوقه وفق مجموعة من التغيرات والتحولات التي لا يمكن رصدها من خلال عينات / زعامات كلها بما في ذلك العينة الحضرية، مناوئة للسلطة المركزية، أي للدولة. لقد كان على الأحمر الذي تعهد بدراسة الجذور الاجتماعية للدولة الحديثة في ليبيا أن يرصد من ناحية عمليات التغير على مستوى البنية التحتية، والتي يصعب فهمها خارج عمليتي الهجرة والمصاهرة*، ومن ناحية أخرى تتبع التحولات على مستوى البنية الفوقية للخلوص وإن بشكل مبدئي لأفكار أكثر ديناميكية وخالية من أحكام مسبقة؛.إن رصد هذه العمليات الجد معقدة والبطيئة أيضا، أرست على مر العصور مجموعة من الضوابط التي ستسهم في تشكيل المجال الترابي وبشكل متعذر إلغاؤه (irreversible)؛ إن عملية التشكل المبكرة يمكن على الأقل رصدها من خلال عاملين اثنين: الأول العمل على فرض السيادة القانونية التامة على كامل التراب الليبي؛ أما العامل الثاني فيتصل بمسألة ضبط الحدود مع الدول المجاورة. ففيما يتعلق بالأول فإنه يصعب فهمه خارج ديناميكية الشبكات الاجتماعية التي مهدت لاحقا لتشكيل الكيان؛ ولا أعتقد أن المجال يسمح بالخوض في الكثير من التفاصيل، لذلك سأقصر الحديث عن أهم التغيرات التي مرت بها مدينتي درنة وبنغازي في مرحلة ما قبل العهد القرمانلي، والتي مهدت لاحقا لعملية مد نفوذ طرابلس على إقليم برقة.

 يقول دي أغسطيني أن مدينة درنة كانت تقريبا مهجورة عند قدوم الأندلسيين إليها بعد سقوط غرناطة  في نهاية القرن الخامس عشر[30]. هذا من حيث النشأة الحديثة، ولكن توسع المدينة فضلا عن تنوع نشاطها كان عليه انتظار قدوم العديد "من العائلات الطرابلسية من تجار طرابلس وتاجوراء وزليطن ومصراتة الذين جاءوا إليها مباشرة أو انتقلوا إليها من بنغازي ويرجع بعضهم، مثل القولوغلية إلى تلك الوحدات العسكرية التي كان يبعث بها ولاة طرابلس إلى برقة"[31]. أما مدينة بنغازي، والتي يعود تاريخ نشأتها الأولى إلى الإغريق حيث عرفت عندئذ  باسم برنيشيه (برنيقة)، فقد شهدت بدورها تطورا ملحوظا يعود الفضل فيه إلى تحول العديد من العائلات الطرابلسية  إليها والإقامة فيها بعد عودة الحياة لمدينة درنة. فالروايات الحديثة، يقول دي أغسطيني "تشير إلى أن الأفواج الأولى من السكان الحاليين (أي في القرن العشرين)... استقروا بها منذ ما يقرب من أربعمائة وخمسين سنة بعد أن ظلت مدة طويلة مهجورة. ويتكون هؤلاء السكان من تجار طرابلسيين كانوا يزاولون التجارة والتبادل التجاري مع درنة وبعض النقاط الأخرى من الساحل الشرقي..ويبدو أن أقدم سكانها كانوا يتألفون من عائلات وفدت عليها من تاجوراء ومسلاتة وزليطن. ثم لحقت بهما فيما بعد جماعات من مصراتة تمكنت بحكم قوتها العددية ومهارتها التجارية من أن تكون لها السيطرة على الآخرين... ومن دراسة وفحص مختلف المجموعات المذكورة أعلاه يبدو واضحا كيف أن المجموعات المدرجة.. قد جاءت من طرابلس خاصة، ولما كانت تبلغ تقريبا 15 ألف نسمة من المجموع العام من الأهالي فيتضح أن ثلاثة أرباع سكان مدينة بنغازي من أصل طرابلسي"[32]. والهجرات هذه لم تتوقف سواء في العهد العثماني الأول أو خلال الحكم القرمانلي؛ بناء عليه فإن مسألة هيمنة طرابلس على باقي الإقليم أصبحت أكثر من ممكنة. وسأكتفي بذكر شاهد واحد يبين بشكل لا لبس فيه حرص القرمانليين منذ السنوات الأولى من حكمهم على ضرورة مد نفوذهم وهيمنتهم على كامل الإقليم. ففي سنة 1714، ومن أجل بسط نفوذه على جميع الأقاليم و إجبارها على دفع الإتاوة واحترام سلطان طرابلس، يقول شارل فيرو، قاد أحمد القرمانلي حملة على فزان ؛ كما عهد في ذات الوقت لوكيلين لأخيه من أمه شعبان بك هما إبراهيم الترياقي وعلي بن خليل الأدغم بالجيش الموجه إلى بنغازي ودرنة.

أما بخصوص العامل الثاني، عامل ضبط الحدود الغربية فسأكتفي بالتنويه بالمرسوم الذي أصدره باي تونس حمودة باشا (16 محرم 1221هـ/ 6 أبريل 1806 م) والذي دعا فيه رعاياه إلى ضرورة احترام اتفاقية رسم الحدود بين طرابلس وتونس. ففي هذا المرسوم طلب حمودة باشا إلى كل "من يقف على أمرنا هذا من أولادنا الولات (كذا) والكواهي والأغوات والقواد والمخازنية والمشايخ والرعية والخاص والعام من ذوي الأحكام سدد الله أمر الجميع ووفق الكل لمصالح (كذا) القول وحسن الصنيع، أما بعد فإننا حددنا بين عمالتنا وعمالت (كذا) طرابلس غرب في الأراضي؛ فالحاجز بيننا وبين العمالة المذكورة من جزيرة البيبان على قصر النوايل: يعرف بن قردان على معطن المرة على الأجرد على الرمادة. على موجب الأوامر السابقة من أوائلنا، رحمهم الله، وأوايل حكومة طرابلس. يكن (كذا) تنبيهكم وإعلامكم وكف من يتجاوز ذالك (كذا) الحدود من رعايانا المجاورين لذالك (كذا) أهل البوادي وإياكم مخالفة أمرنا ومجاوزة الحدود التي ذكرنا تحديدا تاما مطلقا عاما، فعلى الواقف عليه أن يعمل بما فيه من غير خلاف إن شاء الله، والسلام. من الفقير إلى ربه حمودة باشا باي وفقه الله في 16 محرم الحرام فاتح سنة 1221 إحدى وعشرين ومائتين وألف"[33].

هذا وإن كانت مسألة ضبط الحدود مع مصر لم ترد في المصادر، فإن المراسلة التي جرت بين يوسف باشا القرمانلي ومحمد علي باشا، والتي ننقلها عن فولايان، تؤكد وبشكل شبه يقيني وجود مجال ترابي إلى حد ما محدد تقوم عليه سيادة قانونية تشمل أقاليم القطر الثلاثة. ففي هذه المراسلة يشير فولايان إلى أن حاكم مصر محمد علي (1805- 1840) طلب من باشا طرابلس التنازل على كل من درنة وبنغازي وفزان  لمدة اثنتي عشرة سنة مقابل ما كان عليه من دين؛ ولا اعتقد أن طلب محمد علي الغريب بعض الشيء سببه تأخر باشا طرابلس في دفع الدين الذي عليه والذي قدر بحوالي 250000 دولار؛ إن طلب باشا مصر في اعتقادي تفسره علاقة مصر التاريخية بإقليم برقة خاصة. ولكن الباشا الذي يرى أن نفوذه على كامل الإقليم كان نفوذا حقيقيا وليس وهميا أو مؤقتا يرفض طلب باشا مصر ويقوم بدفع دينه "عن طريق دفعات من العبيد"[34]. بناء على كل ما تقدم، ولأن هذه العملية التي انطلقت منذ العهد القرمانلي كان من المتعذر إلغاؤها، فإن جميع الضوابط اللاحقة سواء في العهد العثماني الثاني*، مسألة (Libyan hinterland)، أو في العهد الاحتلال الإيطالي (ضبط الحدود مع فرنسا وبريطانيا) استمدت شرعيتها من الضوابط التي وضعت لبناتها الأولى في العهد القرمانلي، وليس بعده!

 هذه تقريبا أهم الملاحظات التي تم تسجيلها حول الفصل الثالث والرابع والخامس ؛ وهذه الملاحظات  تنبع في الأساس من  قراءة نقدية هدفها المساهمة في تأسيس حوار علمي رصين وبناء بين الباحثين مهما اختلفت الآراء وتباعدت؛ فالنقد العلمي في مجال المعرفة وفي عالمنا المتعثر هو بالضرورة شكل من إشكال النضال الذي يغذي ثقافة المقاومة؛ بناء عليه، فنحن لا نؤيد أية مبادرة جريئة يسعى صاحبها ولو بقدر بسيط إلى تحرير ثقافتنا التاريخية وفق هذه المقاربة المعرفية أو تلك من قيود التقليد والجمود المهيمنين فحسب، بل ونطالب بالمزيد حتى تتبين لنا ولغيرنا مواطن الضعف، والأهم من ذلك مواطن القوة ! ولكن الجرأة لا تعني الاكتفاء بنقد الآخر ثم الالتزام بوجهة النظر المنتقدة؛ أو طرح الأسئلة "المفخخة" ثم التخفي وراء مبدأ التعميم عند الضرورة/الإجابة!! فدينامية المجتمعين الليبي والمغربي على وجه التحديد، يقول الأحمر "التي كرستها الحركة الوطنية وتواصلت بعد الاستقلال لم تقطع مع المبادئ الزعامية في بناء المجموعات السياسية التي تسمح للقادة بعدم التقيد بقواعد العمل المؤسساتي أو بتطويعه لخدمة المصالح الخاصة...إن ذلك هو الأساس السوسيولوجي والأنثروبولوجي التاريخي للاستبداد الحديث". إن هذا النوع من المعالجات لا يشكو من تبسيط مذهل فحسب، بل ومن قلة معرفة بمرحلية تشكل الدولة من منظور اجتماعي؛ فالمعني لا يقفز على مرحلية الظاهرة فحسب، بل ويختزلها في مقاربة سوسيو أنثربولوجية ضيقة تقودنا إلى التسليم بما دعا إليه ماركس في السابق والذي يؤكد في مجمله على أن الاستبداد هو علامة شرقية مسجلة!!! وحتى يتجنب أية ردود فعل غير إيجابية من هذا الجانب أو ذاك لا يكتفي بتعميم المسألة في مرحلة أولى والتلميح لها بشكل مباشر في خاتمة العمل فحسب، بل ويتعمد التعميم أيضا.

 إن مبدأ التعميم (Generalization) المنتقد يشمل جوانب أخرى لعل أبرزها مسألة اختزال التجربة السياسية الليبية الحديثة في صراع ثنائي، وشبه عبثي إذ يؤدي وباستمرار إلى دائرية محبطة للعزائم، بين قديم غير قادر على تجاوز مشاكله من الداخل، وحديث ليس فقط مستجلبا من الخارج، بل ويصعب هضمه في الداخل. إن هذا الحرص على سجن التطور التاريخي في سياق محكوم مسبقا بتطور من نوع خاص، وبصرف النظر عن ألا تاريخيته، انتهى بصاحبه وفي كثير من الأحيان إلى السقوط في أخطاء كان من الممكن تفاديها؛ فأن ينطلق من النموذج الزعامي لتحليل الظاهرة السياسية في ليبيا الحديثة، فذلك أمر ممكن؛ أما أن يسجن هذا النموذج ولمدة قرنين، وبصرف النظر عن خلفية المكونين الجغرافي والاجتماعي اللذين تتشكل فيهما شخصية الجماعة السياسية والفرد، في قوالب جامدة ومعدة مسبقا، فتلك رؤية ليست فقط مخيبة للآمال ومحبطة، بل ومعارضة للتقدم"a Retrograde perspective" . سأكتفي بهذا القدر من الملاحظات ذات العلاقة بالجوهر لأنتقل للحديث عن بعض العيوب الشكلية التي احتلت هي الأخرى حيزا لا بأس به في هذه الفصول تحديدا، وبالتالي وحتى تكتمل الصورة رأيت، وقبل التحول لمناقشة بقية الفصول، التوقف عندها قليلا.

 إن عمل الأحمر يشكو على سبيل المثال من قلة التركيز خاصة في حالات الربط بين ما هو نظري وما هو تاريخي/ مادي؛ فهو، وإن انتقد الكثير من نتائج المقاربة الانقسامية، فإنه لا يجد ما يمنعه من تبني العديد من تأويلاتها؛ واختيار الأحمر لهذه المقاربة شأن يعنيه، فالرؤية التوفيقية ممكنة وفي عديد الحالات،  ولكن الأمر اللافت للنظر أنه وفي الوقت الذي يؤسس وجهة نظره على بعض عناصر هذه الفرضية، يفشل في اختيار الشاهد المناسب الذي من المفترض أن يدعم تأويله/ وجهة نظره؛ ففي  الصفحة 175، كما في غيرها من الصفحات شدد على أن "النفوذ السياسي للزعامة على أفراد المجموعات التي يتزعمونها يضعف كلما ابتعدنا عن النزلة أو السلالة". وهذه الرؤية وكما يعلم الجميع هي من مبتكرات المقاربة الانقسامية التي تؤسس وجهة نظرها على المقولة المبتذلة التالية ( أنا وأخي على ابن عمي، وأنا وابن عمي على الغريب) والمنتقاة من نماذج معينة/ متباعدة (نموذج بدو برقة في عمل Evans- Pritchard) ومن ثم تعميمها على باقي المشهد البرقاوي! وبصرف النظر عن صحة أو تهافت هذه المقاربة، فإن الشاهد الذي يذكره الأحمر قبل صفحتين فقط، أي في الصفحة 173، ينسف فرضيته! ففي هذه الأخيرة وفي سياق حديثه عن تخلي العديد من المجموعات التي لا تربطها بغومة المحمودي صلة قرابة/ دم، يتحول للحديث عن سعي العديد من أفراد قبيلته للتخلي عنه والتفاهم مع باشا طرابلس. فالمرموري بن علي زعيم أولاد سعيد بن صولة من المحاميد والمنافس لغومة "خيََر، هو ومن كان معه، موقف الحياد والانتظار. ولم يغير موقفه هذا إلا عندما ظهرت مؤشرات قوية إلى تفكك عرى الوحدة داخل حلف غومة، فانقلب ضده وساهم بقواته في طرده من المنطقة"!!!

وما دام الحديث يتصل ببعض العيوب الشكلية أرى من المناسب التذكير بعيب آخر يقلل لا محالة من قيمة العمل العلمية؛ فقد لوحظ على الأحمر أنه لا يتجاهل عن قصد المساهمة الليبية في مجال بناء الظاهرة السياسية من منظور اجتماعي فحسب، بل و استعجاله عند تقييمه لأعمال غيره في إصدار أحكام غير دقيقة تارة ومطلقة/ نهائية تارة أخرى. ففيما يتعلق بالجزئية الأولى يمكن التنويه بما يذكره بخصوص عودة العثمانيين من جديد إلى ليبيا وما قاموا به من إصلاحات "إدارية وسياسية ليست لها جذور داخلية" (الصفحة 149)؛ والحقيقة أن مساعي الإصلاح كانت سابقة لدخول العثمانيين؛ ولا أريد الإطالة في هذا الموضوع وسأكتفي بالتنويه بمحاولة يوسف باشا القرمانلي الإصلاحية في آخر أيامه؛ فوفقا لبعض الوثائق البريطانية*، أرسل يوسف الباشا إلى بريطانيا حسونة الدغيس مبعوثا خاصا لمناقشة وضع طرابلس على ضوء التغيرات المتعلقة بوقف تجارة الرقيق؛ ولكن الأمر الجدير بالتنويه أن هذا الأخير كان قد التقى أثناء إقامته ببريطانيا  بـ(Jeremy Bentham) سنة 1822؛ وهذا اللقاء ذو دلالة كبيرة ويستحق بالتالي التنويه.

فوفقا لما تضمنته  بعض المراجع المعاصرة من معطيات منقولة عن الوثائق البريطانية  تعرف الدغيس أثناء زيارته لبريطانيا على (بنثام)، البالغ سنه وقتها الرابعة والسبعين؛ كما شددت هذه المراجع على أن هذا الأخير كان بصدد إعداد مشروع سياسي/ قانوني من المفترض أن تستفيد منه الدول التي عرفت مؤخرا تغيرات سياسية ذات مغزى. هذا وتجدر الإشارة إلى أنه كان قد أنهى قبل هذا التاريخ ونشر مقترح تصنيف قانوني "Codification proposal" عرض فيه مجموعة قوانين ناقشها مع مسؤولين ساميين  من دولتي أسبانيا والبرتغال. وعلى الرغم من أن معلوماته عن طرابلس كانت قريبة من لا شيء[36]، فإنه صرح مباشرة بعد لقائه بالدغيس، وهو لقاء وصف بالناجح، بأن مقترحاته صالحة لكافة البلدان. ودون حاجة للدخول في كل التفاصيل ذات العلاقة بمقترح (بنثام) والتي تدعم  مجتمعة فكرة وجود مؤسسات دولة في حاجة للإصلاح قبل خضوع ليبيا للحكم العثماني المباشر في القرن التاسع عشر، يكفي التنويه في هذه العجالة بالفكرة الأساسية التي تضمنها مقترحه؛ ففي هذا الأخير تم التأكيد ومن خلال مجموعة كاملة من القوانين "un corps de loix" على أن وظيفة هذه المجموعة هي إعادة النظر في المؤسسات القائمة، أو بعث مؤسسات جديدة بديلة[37]. والأمر اللافت للنظر أن الأحمر على دراية بمقترحات بنثام؛ ولكن الحرص على دعم فكرة البناء الزعامي للظاهرة السياسية جعله يغفل من جديد عن مناقشة مقترحات بنثام ذات العلاقة بالدولة ويقصر شاهده على الباشا؛ ففي هذه الدراسة التي عاد إليها الأحمر، وهي بالمناسبة غير الدراسة التي عدت إليها، لا ينقل الأحمر فكرة بنثام بل ينقل تأويل صاحب المقال! فهذا الأخير مصر على وصف الدستور الذي وضعه بنثام بمقال أعد من أجل إصلاح انتهاكات باشا طرابلس the reform of  abuses of the Pasha of Tripoli" ؛ صحيح أن العنوان تضمن فكرة إصلاح انتهاكات الباشا "securities against misrule, adapted to a Mohammedan State and prepared with particular reference to Tripoli in Barbary" ، ولكنه أشار أيضا إلى أن عملية الإصلاح لها علاقة بالدولة! والأهم من ذلك كله أن دستور بنثام  وضع بشكل لا يتعارض مع الشريعة الإسلامية وبالتالي فإنه صالح لطرابلس ولغيرها من الدول الإسلامية[38]؛ كما يجب التنبيه أيضا إلى أن دستور بنثام  أو مقترحاته صيغت بناء على طلب الدغيس، وزير خارجية الباشا أو مبعوثه الشخصي إلى بريطانيا، وعلى المعلومات التي زوده بها عن طرابلس!

والمجال هنا لا يسمح للتنويه من ناحية أخرى بالمؤسسات المحلية المتنوعة التي اعتمدتها الدولة العثمانية أو قامت بإجراء بعض التعديلات عليها؛ ودعنا نذكر بأن الإصلاح الديني والسياسي السابق للوجود العثماني في ليبيا أو في غيرها من المناطق العربية الإسلامية هو في الأساس إصلاح لما هو قائم وموجود؛ وبالتالي فإن حركة الإصلاح هي في المقام الأول عملية تكميل (supplement) لا عملية إحلال (supplant)؛ بناء عليه فإن فهم اللاحق لا يستدعي فهم السابق فحسب، بل ويستوجب مراعاته عند  التأسيس أيضا؛ فكلنا نعلم بأن كل ما قامت به العديد من الحركات الإصلاحية السابقة للوجود العثماني (الدولة الموحدية على سبيل المثال) أو المعاصرة لمرحلة الإصلاح / التنظيمات (السنوسية)، هو معالجة مؤسسات دينية وسياسية  قائمة من خلال طرح جديد ولكنه وثيق الصلة بالقديم. ولنضرب مثلا هنا بقانون الأرض الذي صدر في أبريل من عام 1858؛ ففي هذا الأخير والذي اشتمل على أكثر من 132 مادة أشار المشرع في مادته الأولى إلى وجود ملكية خاصة "تدار بواسطة ملاكها الذين يدفعون عنها العشر والخراج ويتصرفون فيها من دون إذن؛ ورقبة هذا النوع من الأراضي تعود لأصحابها ويتم توارثها مثل الأموال المنقولة وغير المنقولة"[39]. كما أن المتمعن في المستندات الوقفية السابقة للإصلاحات العثمانية يرى بوضوح كيف أن مسألة الإصلاح لا تتجاوز كثيرا مرحلة ترميم ما هو قائم من مؤسسات لكي تواكب العديد من التغيرات الداخلية والخارجية المتلاحقة؛ بل حتى الثورات الكونية، ذات الصبغة الدينية أو الوضعية، كان عليها أن تنطلق من القائم والموجود ومن ثم العمل على إصلاحه وليس إلغائه،  أو تغييره بالكامل؛ بناء على كل ما تقدم يمكننا أن نخلص إلى أن الحكم القطعي والنهائي الذي توصل إليه الأحمر والذي يشدد فيه على أن الإصلاحات العثمانية الإدارية والسياسية "ليست لها جذور داخلية" هو لا محالة رأي مبالغ فيه ولا تسنده على الأقل الوثائق المختلفة التي لم يطلع عليها المعني بشكل مباشر وصريح*.

    أما الجزئية الثانية والمتعلقة بتهميش دور المحليين في كتابة تاريخ بلادهم، فضلا عن حرصه على إصدار أحكام مطلقة ونهائية فإنني سأكتفي بالملاحظات البسيطة التالية ؛ ففي الصفحة 145، على سبيل المثال، وبعد أن يقوم بتوجيه النقد لبعض الباحثين الليبيين نتيجة اعتمادهم على مصدر بعينه دون نقده، لا يتردد عند حاجته لبناء فرضية ما في الاعتماد على ذات المصدر دون نقد يذكر. والشواهد هنا أيضا كثيرة وسأكتفي بما يذكره في الحاشية رقم 7، الصفحة 145 ؛ ففي هذه الأخيرة يشير إلى أن "المؤرخين الليبيين اعتمدوا وثائق الدولة العثمانية دون نقدها للقول بانقسام المنطقة الطرابلسية بين صفين اثنين: صف البر وصف البحر". وبصرف النظر عن خطورة هذا الضرب من التعميم غير العلمي وغير الدقيق، فإن المعني لا يجد ما يمنعه عند الحاجة من النهل من ذات المصدر (الوثائق العثمانية) ودون نقد يذكر. ففي سياق تطرقه لمسألة الغصب "الذي هو أداة من أدوات مراكمة الثروة" (الصفحة 154)، يكتفي هو الآخر بإحالة القارئ في الحاشية رقم 17 للوثائق العثمانية. فضلا عن ذلك إن المتمعن في الوثيقة رقم 15 التي يحيل القارئ إليها في الحاشية المذكورة أعلاه يخلص إلى أن عملية الغصب/ النهب التي يؤسس عليها محاجته كانت في عهد علي رضا باشا (1867- 1870)، أي بعد  القضاء على ثورة عبد الجليل بقرابة ثلاثة عقود؛ ليس هذا فحسب، بل إن الوثيقة تشير وبوضوح إلى أن أولاد سليمان زمن عبد الجليل لم يكونوا يغزون هذه المنطقة؛ فهذه الوثيقة تشير وبوضوح إلى أنه في السابق، أي في زمن يوسف باشا القرمانلي وعبد الجليل سيف النصر وأيضا خلال العقود الثلاثة الأولى من الحكم العثماني الثاني، لم يتعرض أهالي كاوار، المجاورين لفزان، لأية عملية غزو أو نهب؛ غير أن الوضع تغير بعد ذلك  حيث تذكر الوثيقة أنه في سنة 1272 هـ/ 1870 م قدم "ناس من الزاوية (يقصد الزوية) والحسون..وأخذوا الأموال وقتلوا بعض الرجال، وبعدها بسنة قدم غزي كثير الشيخ محمد بن يوسف لطيوش ملك النسا والرجال وبعض من الرجال" ؛ ليس هذا فحسب، بل إن الوثيقة تشير أيضا إلى أن الأموال التي اغتصبت استردت وأرسلت إلى كاوار صحبة "الحاج حسين التيتيوي (أحد) أعضاء مجلس مرزق وحصل لنا الفرج"!!

 فالغصب والنهب وفق ما تذكره هذه الوثيقة كان يمارس ولكنه لم يكن بشكل متواصل، فضلا عن أن العديد من الجهات ولفترة زمنية جد طويلة (يوسف القرمانلي 1796- 1835، وعبد الجليل سيف النصر1832- 1842، وعلي رضا والي طرابلس 1867- 1870) كانت تعارضه. بناء عليه فإن التشديد على أن الغصب هو أداة من أدوات مراكمة الثروة هي وجهة نظر ليست فقط ذات نكهة استشراقية، ولكنها وهذا هو الأهم لا تعززها المصادر التي عاد إليها ؛ وغياب المراجعة النقدية للمصادر تنسحب أيضا على المراجع التاريخية المستعملة؛ ففي الصفحة 151، على سبيل المثال، وحتى يؤكد غلبة العنصر البدوي على أتباع المحمودي وسيف النصر ينقل حرفيا ودون مناقشة رأي دي أغسطيني الذي لم يتعرض في هذا السياق للمحاميد!!! فوفقا لهذا الأخير يمثل أولاد سليمان "بشكل قوي وقاطع الطابع البدوي المقترن بنزعة الأقوام المحاربين"!!

وفي سياق تطرقه لأزمة الدولة القرمانلية أشار إلى أن باشاوات طرابلس كان عليهم ومنذ الربع الأول من القرن التاسع عشر، وبسبب تغير موازين القوى في المتوسط منذ النصف الثاني للقرن الثامن عشر، أن يستعيضوا عن الخسائر الناجمة عن الاتفاقيات التي حرمت طرابلس من أية ضرائب إضافية أو هدايا أو دفعات أخرى "من خلال زيادة الرسوم على السلع الواردة وسن قوانين تجارية تتيح لبعض متعهديه احتكار تصدير هذا المنتوج أو ذاك مثل التمور وغيرها مقابل مبالغ مالية...واستحدث رسوما أخرى على الماشية المصدرة إلى مالطا، وهي كانت كما نعلم في أيدي التجار المالطيين" (الصفحة 245-246). وهذه المعلومة ينقلها كما يذكر في الحاشية رقم  41 عن فولايان! غير أن هذا الأخير في حقيقة الأمر لم يذكر في الصفحة 89 أن تجارة الماشية كانت في أيدي التجار المالطيين! فما يذكره فولايان هو أن الباشا وبسبب "الوضع الدولي للحرب النابليونية قد أوجد بعض التوسع في تجارة طرابلس مع مالطا واستمرت هذه التجارة وتشمل في معظمها تجارة المواشي في الزيادة...ومع هذا كانت مشكلة الباشا تكمن في كيفية زيادة أرباحه إلى الحد الأعلى من هذا القطاع لتجارة طرابلس الخارجية وقد كان هذا سهلا من خلال الاحتكار العملي الذي يمارسه على التجارة في الفترة حتى نهاية الحرب الأمريكية. بيد أن الاحتكار فيما بعد قد فقد نتيجة لبدء المالطيين المشاركة في  تجارة البلاد إذ كان لهؤلاء المالطيين الحق لكونهم رعايا إنجليز في حرية التجارة في طرابلس طبقا للمعاهدة الإنجليزية – الطرابلسية لسنة 1751". هذا ويمكن للقارئ أن يطلع على ما تضمنته الوثيقة التي نشرها الأستاذ عمار جحيدر والتي سنعرض بعضها لاحقا حتى يتبين له وبما لا يدع مجالا للشك أن تجارة المواشي لم تكن بيد  المالطيين. 

* * * 

وحتى ننهي هذه المراجعة الطويلة جدا سأكتفي بالتنويه ببعض الملاحظات المستمدة من الجزء الثاني المكون من الفصول الثلاثة التالية: السادس (الإصلاحات العثمانية والبناء الزعامي للظاهرة السياسية)، والسابع (الاستعمار الإيطالي) والثامن (فرضية تحديث النسق: نحو احتكار إنتاج الزعامة). وحيث إن ما تم التطرق إليه في هذا الجزء لا يخرج بدوره كثيرا عن الأفكار التي تم عرضها في الجزء الأول فإنني لا أرى ما يدعو للتوقف عندها كثيرا ؛ بناء عليه سأكتفي بالتنويه ببعض الشواهد التي تبين مدى تعلق الأحمر بأولوية العامل الخارجي الذي يبرر به عمليات التحديث التي لا تأتي وعلى الدوام إلا من الخارج. هذا كما سيتم الاستشهاد ببعض النماذج التي تؤكد وبما لا يدع مجالا للشك عجزه عن التحرر من مبدأ التعميمات المبنية في أغلب الأحيان على شاهد واحد، فضلا عن استمرار غياب الدقة عند النقل عن المراجع التي يزعم أنه ينقل عنها.

بادئ ذي بدء، وبناء على ما توصل إليه الأحمر في الفصول السابقة من نتائج يخلص في الفصل السادس إلى أنه كان على العثمانيين مباشرة بعد دخولهم طرابلس خوض مجموعة من الحروب "ضد الزعامات البدوية وحتى ضد زعماء بعض المجموعات الحضرية في المدن الساحلية، وكذلك الإجراءات القانونية التي اتخذتها بعد ذلك في خصوص إجبارية الخدمة العسكرية، وتوسيع هذا الإجراء ليشمل في نهاية القرن التاسع عشر المجموعات الكولغلية التي كانت معفية من ذلك حتى تلك الفترة إلى نتيجة سياسية حاسمة لها تأثير مهم في مسار التحديث في ليبيا... من الناحية السوسيولوجية يمكن القول إن هذا التحول في التاريخ السياسي لليبيا فتح الباب أمام تغيير الكثير من عناصر الدينامية السياسية التقليدية في البلاد مركزيا ومحليا. فعلى المستوى المركزي لم يعد منصب الباشا موضوعا للنشاط السياسي الزعامي إذ أن هذا المنصب أصبح مجرد وظيفة إدارية تسندها الإدارة المركزية في إسطنبول إلى من تريد من موظفيها من غير سكان الولاية...أما على المستوى المحلي فإن الإصلاحات العثمانية كانت لها نتائج أكثر تعقيدا بشأن بناء الظاهر السياسية" (الصفحات 264 – 265).

وفي الفصل السابع الخاص بالاستعمار الإيطالي ووفق رؤية استشراقية صرفة وتحت عنوان فرعي "دراما انكشاف العالمين" يؤكد الأحمر مرة بعد أخرى أهمية العامل الخارجي ودونية الداخلي/ المحلي؛ ففي الصفحة 307 يشير إلى أن الهجوم الإيطالي على طرابلس مثل "في هذا السياق ( أيلول/ سبتمبر 1911) بداية اكتشاف عنيفة ومتبادلة للعالمين المتقابلين اللذين كان يجهل كل منهما الآخر إلى حد كبير. وفوجئ الإيطاليون في البداية بمقاومة حماسية من غالبية السكان رغم بدائية عدتهم الحربية، وهو ما جعلهم ينتقمون بوحشية كبيرة فقتلوا وشردوا الكثير. ثم فوجئوا بعد ذلك بفراغ سياسي رهيب في طرابلس بعدما غادرها الموظفون العثمانيون الكبار وتأكد ضعف تأثير أعيان المدينة من السكان الأصليين في مجرى الأحداث". والحقيقة أن الأحمر كان قد ذكر في الصفحة 249 بأن باشا طرابلس يوسف القرمانلي كان قد فرض  في مرة أولى على (88) من وجهاء البلاد دفع مبلغ 1500 ريال، ثم عاد فطلب من 96 شخصا من أعيان طرابلس سلفة قدرها 12000 ريال. وفي المرتين رفض الوجهاء/ الأعيان الدفع. من ناحية أخرى، نحن لا نستطيع وعلى وجه اليقين التكهن بعدد الوجهاء والأعيان سواء في نهاية الحكم القرمانلي أو في نهاية الحكم العثماني، ولكن الأمر الأكيد أن وجهاء العهد القرمانلي هم من تولوا إدارة البلاد خلال الحكم العثماني الثاني؛ وبدخول الإيطاليين البلاد قام أعيان البلاد ووجهائها بإدارة البلاد  خلال فترة الاحتلال. وسأكتفي في هذا السياق ببعض ما تذكره في هذا الخصوص المصادر الإيطالية، تحديدا الجريدة الرسمية لولاية طرابلس (Bollettino Ufficiale della Tripolitania).

فالمتمعن على سبيل المثال في المرسوم الملكي الإيطالي رقم 1088 لسنة 1912 يخلص إلى أن خروج العثمانيين من ليبيا لم ينتج عنه أي فراغ سياسي كما ادعى الأحمر؛ فالعديد من الأعيان استمروا في تأدية وظائفهم المختلفة في ظل الاحتلال؛ ففي المادة الثانية من هذا المرسوم تم التأكيد على عدم تدخل إيطاليا في عمل القيادات الدينية أو في تعيين نوابهم ؛ وفي المادة الرابعة من ذات المرسوم تتعهد إيطاليا بتشكيل لجنة يمثل الأعيان جزءا منها. هذا وبعد أن أحكمت إيطاليا سيطرتها على مدينة طرابلس، وذلك في عام 1912، قاموا بطرد كافة الموظفين الأتراك بما في ذلك مدير الأوقاف شفيق أفندي، ووضع يدهم على كل الوثائق وساعدهم في ذلك العديد من الأعيان نذكر منهم أحمد الإزمرلي، مترجم القنصل، وحسونة باشا عميد البلدية، ومحمد البوصيري قاضي طرابلس. وفي عام 1915 شكل الإيطاليون لجنتين خاصتين بشؤون الأملاك العامة شارك فيها من الأعيان فريد بي والحاج محمد عاشور وذلك قبل تشكيل اللجنة المشتركة. وحين تم تشكيل هذه الأخيرة في ذات العام، أي في عام 1915، أضيفت مجموعة من الأعيان التي ساهمت في إدارة البلاد، نذكر منها نجم الدين العالم قاضي النواحي الأربعة، وعمر محمد المسلاتي المفتي، وكل من فرحات بي محمد وأحمد ضياء الدين بي المنتصر، وقد شغلا وظيفة مستشار للحاكم الإيطالي، بالإضافة إلى حسونة بي قرجي، مدير وقف المسجد، ومحمد النائب مدير وقف السور، ولا أظن أن أحدا يجهل دور إسماعيل كمالي في تطوير دخل وقف السور في الفترة اللاحقة.  وتشكيل هذه اللجان فضلا عن إصدار مشروع تنظيم إدارة وقف طرابلس تعكس كلها وجود جهاز إداري محلي أزعج الإيطاليين الذين صرحوا في مقدمة هذا المشروع بأنه لم يعد ممكنا القبول الآن (1915) بوجود دولة داخل دولة "Uno Stato dentro lo Stato".[40]

وفي الفصل الثامن الذي يخصصه للحديث عن فرصة تحديث النسق، يكرر الأحمر الأفكار ذاتها تقريبا؛ ففي الصفحة351 والتي يشيد فيها بجهد الإيطاليين في تحديث القطاع الفلاحي يشدد من جديد على الثنائية المنوه بها سابقا والمكونة من محلي عتيق ومن مستورد حديث ومتطور؛ ففي هذه الصفحة يقول الأحمر "أنه خلال المدة الوجيزة التي قضاها الإيطاليون في محاولة تنفيذ مثل هذا المشروع (مشروع الاستيطان) أدخل هؤلاء الكثير من الحيوية على قطاع الفلاحة بأوجهه العقارية والتقنية والإنتاجية المختلفة وهو ما وضع موضع سؤال نموذجي: السانية والبئر والعمار في الواحات وحول المدن الساحلية، والمرعى والحقل المتنقلين في الأراضي السهلية ومناطق السباسب الداخلية. وفي المقابل تحولت مستغلات المستوطنين وخاصة النموذجية منها إلى رمز للفلاحة العصرية. وفي هذا السياق شكلت ملكية المعمرين الفردية وغير المجزأة وذات المساحة الكبيرة نسبيا ظاهرة فلاحية جديدة غيرت المشاهد الفلاحية التقليدية في الأرياف القريبة من الساحل".

 بكل تأكيد وقع المجتمع الليبي كغيره من المجتمعات التقليدية تحت وطأة الاحتلال الذي لم يؤثر سلبا وإيجابا في بنية المجتمع الفوقية فحسب، بل، وإن بدرجة أقل، في بنيته التحتية أيضا، وبالتالي فإنه من غير الجائز لأي باحث أن يتجاهل هذه المسألة ؛ ولكن مسالة التأثير لا تحدث في فراغ!! هذا من ناحية، ومن ناحية أخرى، إن قوة أوربا في القرن التاسع عشر وحتى الآن لا تعني أن التأثير يسير في اتجاه واحد؛ والأمثلة كثيرة ولكني رأيت التركيز على المثال الفرنسي لأنه النموذج الذي يعرفه الأحمر أكثر من غيره ؛ فعلى الرغم من أن فرنسا هي التي احتلت المغرب العربي وفرضت وفق فرضية الحداثة لغتها وثقافتها، فإن المتمعن في المعاجم الفرنسية الحديثة يخلص  إلى أن التأثير المحلي على الفرنسيين يفوق كل تصور؛ فبالإضافة للتأثير الكلاسيكي للغة والآداب العربية التي تعود إلى مرحلة العصور الوسطى، تعرضت اللغة الفرنسية سواء في المركز، وبسبب الهجرة المغاربية المكثفة، أو في الأطراف إبان الاحتلال الفرنسي لتأثير محلي تؤكده المعاجم الفرنسية الحديثة·. كما يمكن التنويه أيضا بشدة تأثير الفقه المالكي على بعض التشريعات الفرنسية، خاصة مدونة الفقه المدني المعروفة بمدونة نابليون؛ والدراسات الحديثة تؤكد على أن هذه  الأخيرة اقتبست الكثير من الفقه المالكي خاصة في مادة الأحكام والعقود والالتزامات. وقد أشار الأمير شكيب أرسلان  إلى بعض هذه المسائل في كتابه "حاضر العالم الإسلامي".

 بناء عليه فإن النقد الموجه لتيار الحداثة لا يلغي جزئية/ أهمية العامل الخارجي سواء تعلق الأمر ببنية المجتمع الفوقية أو التحتية، ولكنه يدعو إلى ضرورة التقيد بنسبية هذا التأثير والأهم من ذلك فهمه من زاوية حيوية المجتمعات وسعيها الدءوب نحو تحقيق التقدم الذي يجعلها في الأثناء تستلهم أفكارا ليست بالضرورة كلها ناجمة عن وجود حقيقي لهذه الدولة أو تلك؛ فانتماء المغرب الأقصى على سبيل المثال لدار الإسلام يفسر الكثير من تفاصيل تاريخه رغم استقلاله عن الدولة العثمانية؛ وعجز الأحمر في حقيقة الأمر عن فهم مسألة التغير من الداخل وربطها بالعامل الخارجي/ الأوربي، سواء بشكل غير مباشر (التنظيمات) أو بشكل مباشر (الاحتلال)  يعود في اعتقادي لتجاهله لظاهرة دار الإسلام، وما تمثله هذه الأخيرة من أهمية في تشكيل وعي الأفراد والجماعات في المركز و الأطراف بالظاهرة السياسية؛ إن تجاهله لأهمية هذا الفضاء، فضلا عن ديناميكيته الخاصة، جعلاه يقفز عن جذور التحديث التي عرفتها الدولة العثمانية في مرحلة ما قبل القرن التاسع عشر. فالإصلاح السياسي على سبيل المثال المبكر للدولة العثمانية والذي يعود إلى عهد سليمان الأول بن سليم (1520- 1566) لا يدين بشيء للغرب؛ ففي عهد هذا الأخير الذي سمي بالقانوني لكثرة القوانين التي لم يكتف بسنها فحسب، بل وبالإشراف على تطبيقها أيضا عرفت الإمبراطورية العثمانية العديد من الإجراءات  ذات العلاقة بالإصلاح الإداري والقانوني الأمر الذي جعل أقنان أوربا تترك أوطانها وتنتقل إلى مناطق نفوذ الدولة العثمانية؛ فوفقا لما يذكره اللورد كنروس (Lord Kinross) قام سليمان الأول بتعديل قانون الرعايا المسيحيين ورفع مكانتهم  إلى حد أن أقنان البلدان المسيحية هاجروا إلى الأراضي العثمانية للاستفادة من هذه الإصلاحات[41].

إن التنويه ولأكثر من مرة بجزئية دار الإسلام في هذه المراجعة يكمن حسب اعتقادي في علاقة هذا الفضاء بأهم التحولات التي ستشهدها المنطقة عشية الاحتلال؛ ولكن التنويه بدار الإسلام  في القرن التاسع عشر  بمعزل عن عمليات الإصلاح الإداري والقانوني والتعليمي أيضا الذي ميز مرحلة ما قبل القرن التاسع عشر تفقد أي تحليل موضوعي أهميته وتجعله بالتالي عديم القيمة سواء تعلق الأمر بدراسة جذور الدولة في البلدان التي كانت جزءا من الإمبراطورية العثمانية، أو خارجها. فالإحجام عن دراسة تكون الدولة في فترة مبكرة في المركز قاد العديد من الباحثين، (Perry Anderson) على سبيل المثال، إلى التسليم بدونية التجربة العثمانية مقارنة بأوربا رغم أن هذه الأخيرة كان يحكمها ملوك مستبدون[42]. إن هذه الأفكار التي تبدو في ظاهرها مؤسسة على دراسات مقارنة هي في حقيقة الأمر أفكار غير علمية إذ أنها تشدد على خصوصية الدولة العثمانية التي تجعلنا لا نتردد كثيرا في قبول فكرة غرابتها واستبدادها؛ والجدير بالتنويه أن هذه الأفكار، ومن هنا تأتي أهمية إعادة النظر في العديد من القضايا المتعلقة بالدول العربية من زاوية دار الإسلام، هي أفكار لم تقتصر على انتقاص  تجربة الدولة العثمانية فحسب، بل وشملت بنظرتها المتعالية أيضا تجارب كل الأقطار العربية التي كانت تابعة للعثمانيين؛ بناء عليه أصبح العديد من الباحثين المحليين يخجلون من التجارب المحلية وينوهون بجهود الغرب وأعوانهم في تحديث مجتمعاتهم .

 مرة أخرى إنني لا أقلل من أهمية الغرب في تطوير العديد من مؤسسات الدولة، ولكني من بين أولئك الذين يرفضون سواء تعلق الأمر بإيجابيات مجتمعاتنا أو بسلبياتها التغاضي عن العامل الداخلي، أو تحليل حيويته وفق صور نمطية مستمد معظمها من عينات  كثيرا ما تكون متباعدة في الزمان والمكان ومن ثم تعميم نتائجها؛ إن هذا التوجه الذي يصحبه عادة اعتماد شبه كلي على إيثار العامل الخارجي، خاصة حين يتعلق الأمر بمسائل التحضر والتقدم، يقودنا إلى التسليم بالمقولة الفرنسية المنوه بها سابقا (إما حرية وبربرية، وإما حضارة وعبودية). كما أن الصمت عن الدور السلبي للعامل الخارجي المتستر تحت رايات مختلفة باختلاف متطلبات  الزمان (التحضير، والتحديث، والدمقرطة)، والذي تسبب في كثير من المراحل في تعطيل نمو هذه المجتمعات، يؤدي بالضرورة إلى إقناعنا، خاصة وأن المنطقة العربية تعاني الآن من مشاكل أقلها التخلف التقني، بأننا ننتمي لعينة شديدة الخصوصية، عينة تتآكل من الداخل بحكم طبيعتها  التي تجعلها غير قادرة على التطور إلا بمساعدة  قوى خارجية. وهذه الأفكار لا تخلو كلية من الصحة، ولكنها لا تعكس تصورا نمطيا فحسب، بل ورؤية متخاذلة تسبب في انتشارها من ناحية عجز باحثينا عن التحرر من أفكار الخصوصية المبالغ فيها، والعزوف عن دراسة تاريخنا كجزء من تاريخ العالم من ناحية أخرى. بكل تأكيد إن لكل تاريخ بعض الخصائص، ولكن الخصائص غير الغرائب التي يتم بحثها وفق منظور مخبري/ معملي على نطاق ضيق ومن ثم تعميمه ! إن هذه العملية جد خطرة وتؤدي إلى نتائج كارثية. ومعالجة الدكتور الأحمر تصب في اعتقادي في هذا الاتجاه؛ ففي سياق تحليله لظاهرة محلية (الفرد والجماعة والبناء الزعامي للظاهرة السياسية)، يتجاهل في جميع ردهات الكتاب، وعن قصد، دور المؤسسات المحلية، شرعية كانت أو وضعية، ويكتفي بعرض بعض المشاهد التي  يغلب عليها النمط  البدوي الذي بطبعه لا يكتفي أفراده/ زعاماته برفض الدولة فحسب، بل ويحرصون على تحطيمها.

 في ظل هذه العلاقة وبسبب طبيعة الجماعة السياسية، بدوية كانت أو حضرية، يتحول الزعماء إلى قيادات مستبدة يتصرفون في الأموال العامة تصرفهم في أموالهم العائلية. وحتى إذا ما اتفقنا معه حول تحول بعض هذه الزعامات إلى قيادات مستبدة بقي أن نسأل عن الشواهد التي تدعم هذا الرأي؟ فأن يتصرف هذا الزعيم أو ذاك بشكل غير قانوني فهذا أمر شاهدناه وما زلنا نشاهده في الشرق و الغرب  وفي الشمال والجنوب، ولكن الخلوص إلى أن طبيعة الجماعة السياسية تقود الجميع، من القرن التاسع عشر (يوسف باشا القرمانلي) إلى القرن العشرين (الملك إدريس السنوسي) للقيام بانتهاكات تخص المال العام، فإنه رأي، وعلى الرغم من شدة تهافته، يجعلنا نخلص إلى رأي غير الذي توصل إليه الأحمر؛ فأن يقر هذا الأخير بوجود مال عام، يعني الإقرار بوجود مؤسسات للدولة تميز بين ما هو عام وما هو خاص. وهذا التمييز، حتى وإن لم يحترم عمليا في هذه المرحلة أو تلك، ولكنه مهم إذ أنه يتمتع بمرجعية يتعمد الأحمر تجاهلها، وهي بكل تأكيد أكبر بكثير من مرجعية هذا الزعيم أو ذاك؛ فالمرجعية التي تعمد الأحمر تجاهلها والمستمدة من الشريعة الإسلامية (مؤسسات القضاء والحسبة على وجه التحديد) ومن تطور الحياة الاجتماعية والاقتصادية (النقابات الإسلامية، وأمناء الأسواق وغيرهم) هي التي تفصل من الناحية القانونية بين ما هو خاص وما هو عام؛ والتمييز بين ما هو خاص وما هو عام يمكن ملاحظته من خلال مؤسسة الوقف المغضوب عليها في دراسة الأحمر، فهذه الأخيرة مقسمة هي الأخرى  لوقف خاص (الوقف الأهلي) ووقف عام (ميري)؛ وانتهاك هذا الزعيم أو ذاك لهذه القاعدة القانونية/ الشرعية أو تلك يجب أن ينظر إليه من زاوية الانتهاكات وشخصنة القوانين لا من زاوية غياب الدولة ومؤسساتها. فكشف الاختراقات يتطلب التنويه بالقوانين!! ولكن كيف يمكن لنا أن نحدد طبيعة هذه الانتهاكات والصمت مطبق في دراسة الأحمر حول مؤسسات الدولة الشرعية خاصة، والتي تميز شرعا وقانونا بين المال الخاص والمال العام! فالمعني يرفض رؤية مؤسسات الدولة التي تملك من القوة والشرعية أن تبث في مثل هذه المسائل وغيرها ويكتفي بشواهد استثنائية الكثير منها حرف وشوه وبشكل واع لكي يطابق وجهة نظره. ولأن هذه النقطة هي نقطة في غاية الأهمية رأيت من الضرورة بمكان عرض بعض الشواهد المستمدة من القرنين التاسع عشر والعشرين والتي لا تفند رأيه فحسب، بل وتبين أيضا كيف أن الزعامات المحلية لم تكن فوق القانون وأنها كانت تلجأ لفض نزاعاتها المالية كغيرها من أفراد الشعب لمؤسسات الدولة، المحاكم الشرعية في هذا السياق.

إن المتمعن في العديد من الشواهد التي تعود إلى القرن التاسع عشر، على سبيل المثال، والمستمدة من سجلات المحاكم الشرعية يخلص إلى أن العديد من أفراد العائلة القرمانلية الحاكمة والمتنفذين في الدولة القرمانلية لم يجمعوا  أموالهم عن طريق الغصب والنهب بل عن طريق  مجموعة من الأنشطة الاقتصادية المختلفة كغيرهم من أبناء البلاد العاديين؛ ليس هذا فحسب، بل والأهم من ذلك أنهم كانوا وفي حالات الاختلاف يلجؤون، كغيرهم أيضا من عامة الناس، للمحاكم للمطالبة بحقوقهم. ففي سجل المحكمة الشرعية للسنوات 1206- 1214 هـ  جاء في الصفحة 35 أن القاضي/ النائب المالكي طلب من التاجر الحاج حسين البارودي استحضار شهود "الذي شهدوا عليه في القراض الذي هو للحاج مراد بن عبد الله كاهية وإقامة بينة أو طعن في الشهود الذين شهدوا، جعل له عشرة أيام ءاتية من التاريخ أجلا شاملا ويقف مع خصمه المكرم حسن الطبال بن محمد التومي الوكيل من قبل الحرة الأصيلة السيدة الجليلة الست خدوجة ابنت السيد الأمير العلم الشهير سيدنا ومولانا علي باشا القرمانلي عن نفسها وعن أولادها"؛ فالوثيقة هنا تتحدث عن ابنة الباشا التي تلجأ للقضاء كغيرها من أفراد الشعب عن طريق محام (الوكيل) للحصول على حقها، لا عن طريق العلاقة الزبونية التي يؤسس الأحمر عليها فرضيته! بناء عليه لم يكن ما يستدعي اللجوء للمحاكم وتسوية الخلاف وفقا للعلاقة التراتبية/ الزبونية المقترحة!!! ولكن هذا لم يحصل!  كما يمكن الاستشهاد  بما ورد في الوثيقة رقم 11 التي نشرها الأستاذ عمار جحيدر[43] (تاجر طرابلسي يصدر الأبقار) تاريخها 9 ذي القعدة 1217هـ/ 1803 م؛ ففي هذه الوثيقة نجد ما يلي: "الحمد لله. الأجل الأكمل سيدي عمورة بن المرحوم المنعم سيدي الكاتب مصطفى خوجة، سبق دعواه على ورثة التاجر عبد الله بن حسين الحداد في ثمانين ثورا من ذكور البقر التي أرسلهم معه من بلد بنغازي ليبلغهم لوكيله الرومي المالطي المسمى دابيك مربيلة في مالطة بأجر قدره ماية وعشرين ريالا الأبي دورو، دفع منهم أربعين وبقي قبله ثمانين...".

كما أن حرص المعني على تغييب الدولة وأجهزتها المختلفة يذهب في الشاهد الثاني المتعلق بأحداث القرن العشرين إلى حصر العلاقة بين الرئيس والمرؤوس في علاقة جامدة تحكمها مقاربة أنثروبولوجية-  انقسامية لا تصمد كثيرا أمام أي تحليل بسيط؛ فبسبب الدينامية المحلية التي تنتج زعامات تعمل على هدم مؤسسات الدولة غير الموجودة أو المستوردة "تدعمت لدى الملك (إدريس) ولدى زبائنه وأقربائه وزبائن هؤلاء وأقربائهم و كل أصناف المتنفذين من الوجهاء في جميع الأوساط- وقد أصبحوا يشكلون مجموعة زعامية "وطنية" حاكمة- التصورات والممارسات السياسية التي تخلط بين موارد الدولة والمصالح العامة من جهة، والموارد والمصالح الخاصة من جهة أخرى. وتبعا لذلك أصبح بإمكان الملك محمد إدريس، الذي قوي عامل السياسة في بناء زعامته على حساب عامل البركة أن يتصرف مثل يوسف القرمانلي في بداية القرن التاسع عشر، فينهب دار من يصيبه غضبه دون اعتبار لدستور البلاد الذي يمنع ذلك، ويوزع العطايا على زبائنه وأقربائه في شكل مقاولات استثمارية باسم التنمية" (الصفحة 387)؛ وزيادة في التوضيح يذكر في الحاشية 87 نقلا عن محمد عثمان الصيد "أن من تداعيات عملية اغتيال ناظر الخاصة الملكية إبراهيم الشلحي سنة 1954 أن الملك غضب على أحد أعضاء مجلس النواب وهو صالح مسعود بويصير وأمر بمصادرة جميع أملاكه وتجميد أمواله في المصارف. وقد وقع تنفيذ هذا الأمر رغم أن المادة 32 من الدستور تمنع ذلك. ولما أعلم الملك بعدم شرعية هذا الإجراء من الناحية الدستورية أمر بإرجاع الأموال المصادرة إلى أقرباء المعني وليس إليه شخصيا".

حتى لو افترضنا  أن هذا ما كان قد تم بالفعل فإنها تظل حالة واحدة، أي شاذة، والشاذ يذكر لا محالة ولكن لا يقاس عليه؛ والغريب، وعلى الرغم من "شذوذ" شاهده، فإنه يستدرك في الحاشية المنوه بها ويذكر أن الملك "ولما أعلم" * بأن الإجراء غير دستوري تراجع عن قراره! صحيح أن الملك أخطأ وتصرف تصرفا غير دستوري في بادئ الأمر، ولكنه حين روجع، رجع عن قراره! ولكن الأحمر وحتى يمرر وجهات نظره غير الدقيقة والمبنية، كما تم التشديد على ذلك مرارا وتكرار، على تأويلات لا تسندها المراجع التي عاد إليها، يقفز كعادته عن العديد من التفاصيل التي تسفه رؤيته. وعلى الرغم من طول النص الذي سننقله من مذكرات محمد عثمان الصيد الذي نقل عنه، فإن ضرورة توضيح  قصور الأحمر، فضلا عن تعمده تحريف النصوص وتعنيفها حتى تتماشى ووجهة نظره الخاصة بتاريخ ليبيا الحديث، تستدعي إعادة كتابة معظم رواية محمد بن عثمان رئيس وزراء ليبيا في العهد الملكي.

ففي سياق حديث هذا الأخير عن قضية صالح بويصير يذكر في الصفحتين 216- 217 أنه "عندما قتل إبراهيم الشلحي ناظر الخاصة الملكية قام صالح بويصير وهو عضو في مجلس النواب...بتزوير رسالة بالمشاركة مع أحد أصدقاء السيد أبو القاسم الشريف وهو شقيق الملكة فاطمة زوجة الملك إدريس السنوسي وأرسل الاثنان الرسالة المزورة بتوقيع الملكة فاطمة إلى ملكة بريطانيا يطلبون فيها باسم الملكة فاطمة أن تتدخل لدى الملك حتى لا يعدم قاتل إبراهيم الشلحي...لذلك كلفت الحكومة البريطانية سفيرها في طرابلس متابعة الموضوع ويبدو أن السفير طلب مقابلة الملك وطرح عليه الموضوع بأسلوب لبق واستفسره حول ما إذا تقدمت ملكة بريطانيا برجاء هل سيقبل أم يرفض، وحين عرف الملك موضوع الرجاء أبلغ السفير أنه يرفض تدخل أي أحد في هذا الأمر، هنا اضطر البريطانيون أن يشرحوا ملابسات الموضوع للملك لإبعاد الحرج عنهم..ولأن الملك يعرف توقيع زوجته أيقن أنها لم تكتبها لذلك طلب من قائد شرطة ولاية برقة الفريق محمود أبوقويطين التحقيق في الموضوع لمعرفة كاتب الرسالة. اكتشفت الشرطة أن الذي كتب الرسالة فلسطيني من أصدقاء السيد أبو القاسم أحمد الشريف، كما أشرنا، وحين ألقي القبض على الفلسطيني اعترف بأنه كتب الرسالة ولكنه قال للشرطة أن صالح بويصير هو الذي طلب منه كتابتها وهو الذي أملى عليه النص. أمر الملك بإلقاء القبض على صالح بويصير..ولكن قبل أن تلقي قوات الأمن القبض عليه أخبره مصطفى بن حليم بواسطة سكرتيره الخاص بقرار الملك واقترح عليه أن يرتدي زي امرأة ويسافر من مطار طرابلس إلى تونس...أثناء ذلك أمر الملك بمصادرة جميع أملاكه وتجميد أمواله في البنوك وقامت سلطات ولاية برقة بتنفيذ هذا الأمر. كان رئيس المحكمة في تلك الفترة الشيخ منصور المحجوب وكان مشهودا له بالشجاعة وحب الخير ذهب إلى الملك وأبلغه أن قرار مصادرة أملاك بويصير وتجميد أمواله ليس دستوريا وبين له أنه في حالة قيام بويصير بالطعن في القرار فإن حكم المحكمة سيكون إلى جانبه لأن الدستور الليبي نص على عدم جواز مصادرة الأملاك أو تجميد الأموال إلا بقانون من أجل المصلحة العامة. كان جواب الملك أنه لا يريد أن يتخذ قرارا يخالف مقتضيات الدستور وطلب من رئيس المحكمة العليا الاتحادية الاتصال بسلطات ولاية برقة لرفع الحجز عن أملاك وأموال صالح بويصير وتقرر تسليمها لأقاربه". هذا ما يذكره محمد بن عثمان الذي يزعم الأحمر انه ينقل عنه! وطبيعي أن لا يستلم بويصير أمواله فهو غير موجود في ليبيا إذ بقي خارجها حتى تاريخ قيام الثورة الليبية في سبتمبر من عام 1969.

 أما فيما يتعلق بالشواهد الخاصة بجزئية غياب التركيز الذي قاده طوال العمل إلى تغيير المعطيات الواردة في النصوص التي ينقل عنها فهي كثيرة ولا يمكن حصرها في هذه المراجعة، بناء عليه سأكتفي بنقل بعض الشواهد التي تؤكد هذا المسار الذي شكل نسقا عاما لهذا الكتاب؛ والحقيقة ما من مرة انتابني شك في المعلومة التي يزعم أنه نقلها عن هذا العمل أو ذاك، وعدت للتحقق منها إلا وتبين أن النقل لا علاقة له بما ذكر في المصدر أو المرجع. وحين تتكرر هذه المسألة فإن النتيجة التي يتوصل إليها أي قارئ هي أن الأحمر لم يبال كثيرا بمادة موضوعه، فالأهم بالنسبة إليه هو التسلح بمجموعة من المقولات الفضفاضة (الزبونية على سبيل المثال لا الحصر) والسعي إلى دعمها بشواهد إما أنها غير موجودة في الأصل، أو أنها موجودة ولا تخدم عمله وبالتالي لم يكن أمامه من حل سوى تحريفها.

ففي الصفحة 361 على سبيل المثال يذكر أنه "في الفترة الفاصلة بين سنتي 1942 و1951 تشكل في طرابلس وبرقة ومصر حوالي 16 تنظيما سياسيا. وإضافة إلى اثنتين أو ثلاث من المنظمات والنقابات العمالية". وأحال بعد هذه المعلومة القارئ إلى الحاشية رقم 42 التي ذكر فيها أن من بين هذه النقابات "جمعية الشباب الليبي وترأسها نجم الدين فرحات، والاتحاد الطرابلسي لنقابات العمال التي سيطر عليها العمال من أصل إيطالي، واتحاد نقابات عمال الليبيين التي كان يشرف عليه ناشطون نقابيون تدرب البعض منهم على هذا النشاط في تونس". فالتوضيح لا يحتاج لتوضيح، فالعمل النقابي الذي لا يخرج بدوره عن بقية الأسس التي قامت عليها الدولة الليبية" الروابط الزبونية بأشكالها المختلفة والقرابية والعرقية والنفعية الخاصة" (الصفحة 361)، هو عمل لا علاقة له بديناميكية المجتمع الليبي بل له علاقة بالمؤثرات الخارجية: الإيطالية والتونسية! والحقيقة أن الدكتور مختار الكرفاع الذي ينقل عنه الأحمر لا يشير لهذه المسألة من قريب أو بعيد. ففي الوقت الذي يرفض الكرفاع فكرة التأثير الإيطالي على الحركة العمالية حيث يقول في الصفحة 112 "..وأن ما يقال حول الخبرة التي اكتسبها النقابيون الليبيون نتيجة احتكاكهم واختلاطهم بالإيطاليين ليس صحيحا فالتشريعات الإيطالية لم تسمح لليبيين بالمشاركة أو الانتساب إلى النقابات الإيطالية وبالتالي من أين جاءت تلك الخبرة للنقابيين الليبيين التي يتحدث عنها البعض"، فإنه لا يشير في الصفحات التي يحددها الأحمر (105- 129) إلى النقابيين الليبيين الذين تدرب البعض منهم على النشاط النقابي في تونس!

كما أن الأخطاء الناجمة عن قلة التركيز واللامبالاة تتضح بشكل جلي حين يتعلق الأمر بالأرقام؛ ففي الصفحة 354 على سبيل المثال يذكر الأحمر بأن زيادة "حجم هذه المدن في الفترة الاستعمارية كان ناتجا إلى حد كبير من قدوم المستعمرين- بلغت نسبتهم في طرابلس سنة 1938 حدود 42% من مجموعة سكان المدينة- .."؛ ولكن فولر الذي عاد إليه الأحمر يذكر بأن نسبة الإيطاليين بالنسبة لمجموع سكان شمال طرابلس الغرب في سنة 1938 كانت على النحو التالي: طرابلس 39.5%؛ أي أنها لم تكن كما يذكر الأحمر 42%! والأمر نفسه ينسحب على بقية المدن التي يذكرها الأحمر في الحاشية رقم 28؛ فنسبة الإيطاليين يقول الأحمر في مصراته هي 11.2%، والحقيقة أن نسبتهم  في عمل فولر هي 0.3%!! وكذلك الأمر بالنسبة لبقية المدن: الزاوية 12.6% عند الأحمر و0.8.9 في عمل فولر؛ غريان تشكل نسبته في عمل الأحمر 5%، وفي عمل فولر 0.5.5%!! وفي سياق حديثه عن عدد العمال والتقنيين الذين اشتغلوا في بناء طريق طرابلس- بنغازي الساحلي ينقل عن الكرفاع   بأن هذا العدد هو "حوالي 2000 إضافة إلى 1200 تقني إيطالي"! غير أن الأرقام التي يذكرها الكرفاع مختلفة؛ ففي الصفحة 83 التي ينقل عنها الأحمر يقول الكرفاع "فعلى سبيل المثال فإن الطريق الساحلي الرابط بين شرق وغرب ليبيا الذي افتتحه زعيم الفاشستية موسيليني في (المريخ) مارس 1935م اشتغل فيه اثنا عشر ألف مواطن ليبي( 12000 وليس 2000) وألفا فني إيطالي (وليس 1200)" .

في الختام، إن هدف المراجعة النقدية لأي عمل ليس دعائيا/ تجاريا غايته الرفع من أسهم العمل وترويجه بقصد حمل القراء على اقتنائه، بل هي عملية علمية صرفة مهمتها توسيع دائرة النقاش حول موضوع الكتاب. والحقيقة أن الجانب الإيجابي لهذا العمل هو أنه كتب باللغة العربية؛ فمضمون هذا الكتاب بالنسبة لمن يحسن اللغات الأوربية لا يضيف له الشيء الكثير سوى تأكيد المقولة الشعبية الشهيرة "شهد شاهد من أهلها". بناء عليه، فإن القارئ العربي غير الملم باللغات الأجنبية سيطلع في هذا الكتاب على أهم المقاربات السوسيو- أنثروبولوجية، ولكنه في المقابل سيتكبد مشقة ما دونها مشقة من أجل التواصل معه. ولعل هذا ما كان يقصده الأحمر! فقد لوحظ على العديد من الإحالات، والتي من المفترض أن تدعم المحاجة المقترحة في المتن، أنها تقتصر على اسم صاحب العمل وعمله دون ذكر للصفحات التي تعالج هذه الجزئية! بناء عليه فإن مهمة القارئ وحتى يتمكن من التواصل مع تفاصيل الكتاب أن يقرأ جميع مصادره ومراجعه!!!.

كما أن افتقار عمله لبنية متماسكة ومتناغمة، كالتي تبنتها على سبيل المثال ليزا أندرسون التي قسمت عملها كما تم التنويه في مقدمة المراجعة إلى قسمين رئيسيين واحد خاص بليبيا والثاني بتونس، قاده  إلى تخصيص فصل واحد من مجموع 9 فصول للحديث عن التجربة المغربية الغنية جدا مقارنة بغيرها من تجارب المغرب العربي الأمر الذي أفقد العمل توازنه وبالتالي أفقد جزئية المقارنة قيمتها! ولا أريد أن أتفه جهده وأدعي بأن سبب اللجوء للحالة المغربية هو للتخلص من عقدة/ هيمنة عمل أندرسون على بنية عمله! غير أن ما يزكي في المقابل هذا الزعم أن الأحمر لم يكتف بتجاهل النموذج التونسي فحسب، بل وتعمد اختزال الحالة المغربية، الجد معقدة، في ظاهرة الزعامة التي تفسر جزءا من تاريخ البلاد السياسي وليس أساسه. صحيح أن أندرسون قامت بدراسة النموذجين التونسي والليبي الأمر الذي يجعل اللجوء لغير النموذج التونسي أمرا أكثر من منطقي، ولكن لماذا النموذج الليبي؟ هل معنى ذلك أن هذا الأخير أصبح وعلى نحو "كاريكاتوري" أو طريف وفق معالجة الأحمر، هو النموذج الذي من المفترض أن تنطلق منه كل دراسات المقارنة في المنطقة في المستقبل ؟  ألم يكن من الأجدر الانطلاق من النموذج التونسي مثلا ومقارنته بالنموذج الجزائري أو المغربي أو الموريتاني؟  فلو أن الأحمر اختار النموذج الجزائري وقارنه بالمغربي على سبيل المثال لكان أفيد إذ بذلك تكتمل نسبيا دائرة المقارنة، وإن بشكل مبدئي، في منطقة المغرب العربي! لا أعتقد أن الأحمر يجهل هذه المسائل! ولكنه مع ذلك يصر على دراسة الحالة الليبية لا لشيء إلا لأنها تشكل "النقطة السوداء في الذاكرة الببليوغرافية للباحثين المغاربيين غير الليبيين" (الصفحة 27)!!!

والسؤال الذي لا مفر من طرحه، هل بهذا النوع من الكتابة سنجسر الفجوة، وننشط بالتالي الذاكرة الببليوغرافية؟ دعني أذكر أولا بأن وجهة النظر هذه كانت قد نوهت بها فلنسي! ففي الفصل الخاص بالمصادر والمراجع  قالت بأنه "من الجدير بالملاحظة بادئ ذي بدء أننا طرحنا من المغرب العربي الذي تناولناه بالدرس في هذا الكتاب الإيالة الطرابلسية ذلك أن الباحث من فرط تمديد مجال بحثه يخشى عليه أن يضل الطريق. على أن البحوث المتعلقة بإيالة طرابلس ما زالت في بداية الطريق"[44] . والكتاب هذا والذي نقل إلى العربية في نهاية الألفية الثانية ظهر باللغة الفرنسية في سنة 1969! معنى ذلك أن سبب الفجوة الحقيقي هو أن الأعمال الغربية الرائدة في مجالات الكتابة التاريخية والأهم من ذلك الدراسات السوسيو- أنثروبولجوية لم تنجز بعد وبشكل مكثف حتى تاريخ إنجاز فلنسي لعملها! ولأن الدراسات الامبريقية المنجزة و الخاصة بالمجتمعات المغربية تكاد تتمحور حول المغرب الأقصى، على سبيل المثال لا الحصر عمل (Ernest Gellner: the Saints of the Atlas, 1969) وعمل Eickelman, Moroccan Islam1976) D.F.) ، اللذان سبقهما قبل ذلك بكثير عمل (R. Montagne, les berberes et le Makhzen dans le Sud du Maroc, 1930) القائم على دراسة علاقة القبائل بالمخزن الذي تأثر به (Gellner) كثيرا، فإن ظهور كتابات محلية مهمة وجادة تفسر جزئيا مسألة لجوء الأحمر لها من أجل توظيف الحالة المغربية دون غيرها.

عموما وأيا ما كان سبب لجوء الأحمر إلى النموذج  المغربي، فإن الأمر الأكيد أن طريقة المعالجة كما سبقت الإشارة لا تخدم كثيرا تاريخ المنطقة العربية السياسي الذي يؤسس الأحمر له انطلاقا من النموذج الليبي ؛ فالمتمعن في تفاصيل هذا العمل يخلص على سبيل المثال إلى أن الأحمر لا ينطلق من نموذج جامد فحسب، بل وصالح أيضا لكل زمان ومكان، رغم انتقاده لبروشين الذي يصف رأيه الخاص  بتحول الأرستقراطية البدوية إلى طبقة فلاحية بأنه رأي حتمي (الصفحة 207)! إن معالجة الأحمر هذه والجد بائسة، في اعتقادي،  بؤس الفلسفة على رأي ماركس، لا يمكن أن تسهم في تفسير نقاط الضعف والقوة أيضا في مجتمعاتنا، وذلك لسبب بسيط وهو أن المعني تعمد، نتيجة تجاهله لبنية الدولة التاريخية،  القفز عن جدلية العلاقة بين المجتمع والدولة! إن هذه الرؤية الجد متأثرة بالمقاربة الفيبرية / الدوركايمية  جعلته لا يرى من هذه العلاقة سوى قدرة الجماعة السياسية (الزعامات المتنوعة) على الهيمنة بفضل ما يتوفر لديها من قوة عسكرية (بدو محاربون أو مرتزقة أو أي شكل من أشكال القوة العسكرية) !! هذا كما تجدر الإشارة إلى أن الأحمر لم يكتف في تحاليله بهذا القدر من المعالجة الفوقية "super structural" رغم أنه يبحث في الجذور الاجتماعية للدولة،  بل توصل إلى نتيجة رئيسية تذهب إلى أن دينامية الدولة الداخلية، المؤسسة على فكرة التحول من نقطة الصفر إلى القيادة (from zero to hero)، لم تقطع مع المبادئ الزعامية في بناء المجموعات السياسية التي تسمح للقادة بعدم التقيد بقواعد العمل المؤسساتي أو بتطويعه لخدمة المصالح الخاصة!!!

وقد يكون هذا وإلى حد ما صحيحا، ولكننا كنا نتوقع المزيد من المعطيات التي تؤكد هكذا توجها! ولكن الأحمر اكتفى على سبيل المثال بالإشارة إلى أن أولاد سليمان ذكروا أول مرة في سنة 1587 (الصفحة 150 )؛ ومنذ ذلك التاريخ وحتى مطلع القرن التاسع عشر لم نعد نسمع عنهم أي شي( الصفحة 151)! ألم يكن من المفترض، والأحمر يؤرخ لزعامات البلد، التنويه على الأقل بسبعة أو خمسة أجداد لعائلة سيف النصر التي تنتمي لأولاد سليمان؟ فكيف لنا أن نحدد أهمية هذه الأسرة أو غيرها من الأسر وكل ما يحسن القيام به الأحمر هو القفز من مرحلة إلى أخرى بعضها يتجاوز العدة قرون! نحن لا نعلم من خلال عمله على أي معيار من المعاير التراتبية استمدت هذه العائلة قوتها، وبالتالي "شرعية" زعامتها!! فالمتصفح لعمله لا يرى غير تعميمات غير دقيقة! وهذه التعميمات التي طوعها لتحليل مسألة الجذور الاجتماعية للدولة الحديثة في ليبيا أفقدت العمل الكثير من مصداقيته وجعلت العديد من نتائجه "مزيفة" وغير قادرة بالتالي على ربط الماضي (القرن التاسع عشر على الأقل) بالحاضر! والسبب الرئيسي كما تم التنبيه سابقا لا يكمن في حرصه، ومن منطلق المقاربة الانقسامية تارة والمقاربة التحديثة تارة أخرى، على إبراز العامل الخارجي على حساب العامل المحلي فحسب، بل وفي تهميش دور المحليين أيضا؛ فعلى الرغم من أن الجمهورية الطرابلسية شكلت حدثا سياسيا في غاية الأهمية، فإن حرص الأحمر على تتفيه هذه التجربة وعلى التقليل من شأن وعي المحليين السياسي جعله يكتفي بالتركيز على الجانب السلبي لهذه الظاهرة ومن زاوية تزكي وجهة نظره!

ففي الوقت الذي يتعمد تجاهل دور دار الإسلام  في أحداث مطلع القرن العشرين، تأسيس الجمهورية الطرابلسية التي يعزو الشيخ الطاهر الزاوي تأسيسها "للأخوة الإسلامية (التي كان لها الفضل) في جمع ثلاثة عناصر: تركي ومصري وطرابلسي وطني"، فإنه يذكر في الصفحة 323 بأنه لم يكن لهذه الجمهورية رئيس واحد بل أربعة رؤساء وسبب ذلك أن "التجربة الزعامية الطويلة لكل واحد من هؤلاء قد تكللت بحشده كل مقومات النموذج البدوي المحارب، فإن ذلك ساعده على رفض أن يكون مرؤوسا وفق منظومة قانونية مستقلة عن مبادئ الولاء والخدمة والقرابة والقهر...". ولنفترض أن الصواب لم يجانبه هنا كثيرا ، ولكن باحث  العلوم الاجتماعية المعاصر وغير المتحيز / المتعصب  كان عليه أن يتوقف كثيرا عند ظاهرة، رغم أنها لم تعمر كثيرا، اقترن ظهورها ببعث مجموعة من المؤسسات الجمهورية؛ وهذه المؤسسات كثيرة نذكر منها على سبيل المثال لا الحصر مجلس الرئاسة، ومجلس الشورى، والمجلس الشرعي، فضلا اختيار علم للجمهورية. وبالنظر لأهمية يمين الولاء للجمهورية الذي يفند وبشكل قاطع فرضية الأحمر رأيت، ولمزيد من الفائدة، التذكير به؛ يقول القسم "أقسم بالله العظيم قابضا بيدي على هذا القرآن الكريم أن أجعل نفسي ومالي فداء لوطني وحكومتي الجمهورية الطرابلسية وأن أكون لعدوها عدوا ولصديقها صديقا ولقانونها الشرعي مطيعا"[45].  وبصرف النظر عن مدى صلابة هذه المؤسسات أو هشاشتها فإن الأمر الجدير بالتنويه أن اختيار أعضاء مجلس الجمهورية، وأعضاء مجلس الشورى كان عن طريق الانتخابات[46]. بناء عليه، ولأن العديد من التفاصيل ذات العلاقة لا تزكي فرضية الأحمر فإنه لم يجد أمامه من حل سوى اللجوء من جديد إلى عامل القفز من أجل رسم صورة كاريكاتورية هدفها تحقير التجربة المحلية؛ ففي الصفحة 323 وبعد أن يؤكد على دور الزعامات يتحول للحديث عن قصور الليبيين وجهلهم بالنظام الذي اختاروه!! يقول الأحمر "لقد كان بعض الذين عاصروا "الجمهورية الطرابلسية" بل وحتى من أولئك الذين تقلدوا وظائف رفيعة في إدارتها يدرك تماما أن غالبية الزعماء الذين شكلوها يجهلون المعنى الدقيق لمفهوم الجمهورية كما طوره الفكر السياسي الحديث..فقد كان عبد القادر الغناي يقول، وهو القائد العام للمقاتلين العاملين تحت إمرة زعماء"الجمهورية الطرابلسية": إن هذا النوع من الأنظمة متعذر في بلد لم يبلغ أهله من التقدم درجة يستطيعون عندها أن يفهموا ما كانت تنطوي عليه الجمهورية من معان دقيقة". في الحقيقة و رغم أنني شددت ولأكثر من مرة، على أن هذه المراجعة لا علاقة لها بإعادة كتابة تاريخ ليبيا الحديث، ولكن الغناي الذي يستشهد به الأحمر يصعب في حقيقة الأمر قبول رأيه أو شهادته؛ فهذا الأخير ووفقا لرواية الشيخ الطاهر الزاوي لم يكن على وفاق مع المجاهدين وأنه كان من بين الذين فضلوا التعاون مع الإيطاليين (جهاد الأبطال، 324- 326).

أقول وللمرة الألف أنه من حق الأحمر أو غيره أن يؤول بعض مراحل تاريخ ليبيا أو غيرها من الدول من  زاوية دور الزعامات فيها؛ ولكن هذا الدور لا يمكن أن يسير، وعلى الدوام، وفق وتيرة واحدة ومتكررة ولا تنتج إلا التخلف ولا تقود إلا للاستبداد! والمشكلة أن الأحمر ومن خلال تجنبه لمناقشة مسألة الشرعية ينتهي بنا للتسليم بشرعية الظاهرة السياسية التي تقود بالضرورة لوجود مجتمعات، وليس قيادات، مستبدة ! إن هذه التعميمات الجد مبسطة سبقه إليها جل الباحثين الفرنسيين لمرحلة الاحتلال تقريبا؛ والسبب كما يعلم الجميع خاصة بعد نشر إدوارد سعيد كتابه عن الاستشراق، يكمن في علاقة هؤلاء العضوية بالدولة وبأجهزتها الأمنية والعسكرية/ الاستخباراتية! وإذا كان هذا هو دافع العديد من أصحاب هذه الأعمال، أي مساعدة حكومات الغرب في تنفيذ سياسات خاصة بالشرق، إذ أن العلم لدى هؤلاء كثيرا ما يتبع الراية: يقول المثل (Scholarship follows the flag)، أقول إذا كان هذا هو دافع رواد الدراسات الاستشراقية، علينا أن نسأل عن دافع الدكتور الأحمر الحقيقي؟

  مرة أخرى من حق الأحمر أن يكتب فيما يشاء وكيفما يشاء، ولكن عليه أن يلتزم بتقاليد البحث العلمي التي لم يعد لنا من سند غيره في عالمنا الجد متخلف! والتحرر من قيود هذا الأخير لا يعني انتقاص تجاربنا التاريخية وتحميلها كل المصائب التي نواجهها اليوم. فعلى الرغم من أن  النقد الرئيسي لرواد عصر التنوير في الغرب، وهو العصر الذي يمتد تقريبا من الثلث الأول من القرن السابع عشر، أي من تاريخ نشر عمل رينيه  ديكارت (Discours de la méthode pour bien conduire sa raison, et chercher la vérité dans les sciences)  إلى نهاية القرن الثامن عشر، قيام الثورة الفرنسية 1789، كان موجها ضد السلطتين الوضعية (النظام الملكي) والدينية (الكنيسة)، فإن ما يحسب لهؤلاء الرواد هو تفتحهم من ناحية على التجارب غير الأوربية السابقة، وعدم قطعهم مع تراثهم الإغريقي الروماني أو اليهودي المسيحي من ناحية ثانية! أما نحن، ومن خلال عمل الأحمر فإن المشهد الرئيسي الذي يزعم الأحمر أنه مستمد من ديناميكية المجتمعين الليبي والمغربي هو مشهد غريب ومحبط في ذات الوقت. فهو غريب لأنه يصور هذه المجتمعات تصويرا كاريكاتوريا / طريفا في حالتي الجمود، أي الانكفاء على الذات، و"التطور"، أي التحديث القادم من وراء البحر! وهو محبط لأنه غير قابل للتغير! إن النقد، أو التفكيك هي عملية في غاية الأهمية لمن أراد الإصلاح/ إعادة التركيب، ولكن في حالتنا هذه فإن النتيجة معروفة مسبقا؛ فالخلفية التاريخية، أو الديناميكية المحلية ليست أحادية النزعة وغير متفتحة فحسب، بل والأهم من ذلك أنها متجددة ولكن وفق آليات عتيقة وبالتالي غير قابلة للتطور! لماذا كل هذا الجهد والمدرسة الفرنسية قالت كلمتها في هذا الشأن منذ عهود؟ فلماذا لا نترجم الأصول ونريح ونستريح؟ ولماذا يقدم مركز دراسات الوحدة العربية، الذي من المفترض أن ينشر أعمالا تسهم في تطوير مجتمعاتنا، على نشر هذا النوع من الدراسات ؟ إن المركز غير مطالب ويجب أن لا يطالب بتمجيد الأنظمة/ الزعامات العربية، ولكنه مطالب في المقابل بأن لا ينشر أعمالا تحقر تجارب شعوبنا السياسية التي اختزلت في سير بعض الزعامات الذين لا هم لهم سوى السلب والنهب!


* - إن القول بان تاريخ طرابلس/ ليبيا حظي باهتمام  منذ القرن التاسع عشر لا يعني أنه لم يلتفت إليه قبل هذا التاريخ ؛ فابن غلبون على سبيل المثال كان قد وضع  في مطلع القرن الثامن عشر مؤلفا لطرابلس منذ القرن السابع حتى مطلع القرن الثامن عشر (التذكار) عني بتصحيحه والتعليق عليه الطاهر أحمد الزاوي ؛ هذا كما يمكن التنويه بصاحب كتاب  المنهل العذب في تاريخ  طرابلس الغرب؛ فوفقا لما يذكره الدكتور محمد عبد الكريم الوافي في مقدمة الطبعة الأولى (الصفحة 26)  لكتاب شارل فيرو الحوليات الليبية، أن فيرو كان  قد اطلع على كتاب الأنصاري "وهو ما يزال مخطوطة في حوزة مؤلفه".

** - الصحراء وبلاد السودان: المجلد الأول، الكتاب الأول طرابلس وفزان، الكتاب الثاني تيبستي أو تو، ترجمه عن الإنجليزية د. عبد القادر المحيشي، راجعه على الأصل الألماني د. عماد غانم، طرابلس، مركز جهاد الليبيين للدراسات التاريخية، 2007. 

[1] - مصطفى، المجمل في تاريخ لوبيا من أقدم العصور إلى العصر الحاضر، الإسكندرية، دار المعارف، 1947، الصفحة، ج.

·  - إن ما يلفت النظر ويستوجب التنبيه أن جون رايت هذا على سبيل المثال، وبعد أن أنجز عملا تفوح منه رائحة الكتابة التاريخية لمرحلة الاحتلال، أنجز بعد قرابة الخمسة عقود عملا لا يكرر فيه نفس الصور السلبية القديمة فحسب، بل وخاليا حسب وجهة نظر الدكتور علي عبد اللطيف من أية فرضية مركزية؛ لمزيد من التفاصيل انظر مراجعة هذا الأخير للكتاب :

The Emergence of Libya: Selected Historical Essays. By John Wright. London: Silphium Press, 2008. pp. 368

(في العدد المقبل لمجلة دراسات أفريقية)

*  يذكر هذه المعلومة في مقدمة كتابه:

Libya, Chad and the central Sahara,Totawa, New Jersey, Barnes& Noble Books, 1989.

[2] - Libya, New York and Washington, 1969, 9.

[3]- يمكن التنويه بعمل كل من (Paul W. Copland)  ليبيا: الأرض والشعب الذي صدر في عام 1969، وعمل (John Wright)ليبيا وتشاد والصحراء الوسطى والذي صدر في عام 1989.

[4] - في هذا السياق يمكن الاستشهاد بعملي محمد فؤاد شكري؛ ففي حين خصص الأول للحديث عن السنوسية باعتبارها دين ودولة، وهو كتاب صدر بالقاهرة في عام 1954، خصص كتابه الثاني عن تاريخ ليبيا الحديث "ليبيا الحديثة"  والذي صدر بدوره في القاهرة في عام 1957؛ كما يمكن التنويه أيضا بعمل كل من  إبراهيم أحمد رزقانه، المملكة الليبية، الصادر بالقاهرة، دار النهضة، عام 1964، ونقولا زيادة: ليبيا في العصور الحديثة (محاضرات) القاهرة، 1966 ؛ أعمال سامي حكيم: هذه ليبيا، القاهرة (د.ت)، واستقلال ليبيا بين جامعة الدول العربية والأمم المتحدة، 1965، ومعاهدات ليبيا مع بريطانيا وأمريكا وفرنسا، القاهرة، 1964.

[5]  - يمكن الاستشهاد في هذا السياق بعمل جميل هلال الباحث الفلسطيني الذي أعد دراسة اجتماعية عن الواقع الاجتماعي الليبي في كتابه الموسوم "دراسة في الواقع الليبي" الذي صدر بطرابلس عن مكتبة الفكر في عام 1967.

[6] - بكل تأكيد إن الكتابة عن مرحلة الجهاد وعن بعض رموزها لم تقتصر على الفئة المنوه بها في المتن، إذ كتب العديد من الباحثين الليبيين وغير الليبيين عن هذه المرحلة وعن أهم رموزها، ولكن المتمعن في تواريخ ظهور هذه الأعمال يخلص إلى أن معظمها صدر في العقد الثامن للقرن الماضي، أي  في الفترة التي أولت فيها  الدولة الليبية اهتماما خاصا بمرحلة الجهاد وبالعديد من رموزه.

[7]  - هذا الكتاب المكون من جزئين صدر في الجزائر في عام 1959.

[8] - مجهول مكان الطبع، صدر في عام 1948.

[9]  - يتكون هذا الكتاب من جزئين من دون تاريخ، جمع ونشر زعيمة الباروني.

[10]  - محمد مسعود فشيكة، طرابلس، دار الفرجاني، الطبعة الأولى، 1974.

[11] -  السنوسي الكبير، القاهرة، مكتبة القاهرة، 1956.

[12] - انهيار حكم الأسرة القرمانلية في ليبيا (1795-1835)، طرابلس، مكتبة الفرجاني، 1966.

* - غير أن القول بأن اهتمام مركز الجهاد بالتاريخ الليبي تمحور حول  العصر الحديث لا يعني إغفال القائمين عليه لبقية المراحل؛ ليس هذا فحسب بل إن المركز ما انفك يشدد منذ النشأة على أن مهمته  هي أيضا مهمة / مسؤولية قومية؛ بناء عليه فإن المركز يقول مديره الدكتور محمد الجراري  في العدد الأول لمجلة البحوث التاريخية ، مطالب "بربط كفاح هذا البلد وحضارته بكفاح وحضارة أمته العربية المجيدة" .

* - إن إصرار الدكتور السوري على عدم نشر أطروحته لم يقلل في حقيقة الأمر من أهمية عمله الذي لم يشكل سبقا في هذا المجال فحسب، بل وجعل الكثير من الباحثين اللاحقين من الغربيين خاصة يبنون جزءا كبيرا من  فرضيات عملهم على المعطيات والتحاليل التي تضمنها عمله غير المنشور؛ وسبق عمل السوري  لا يكمن في تناوله لتاريخ ليبيا السياسي من منظور مختلف فحسب، بل والأهم من ذلك أنه يحلل ظاهرة الدولة الحديثة من خلال دور الزعامات المحلية وخلفيتها الاجتماعية . كما أن عدم نشره للأطروحة، الذي سهل على الغير من الأجانب استعمال أفكاره بحرية أكبر، فضلا عن حرصه على نشر بعض القضايا التي لا تتعلق بخلفية الزعامات  الليبية في الفترة ما بين 1952 و1969، تسببا حسب اعتقادي في جهل الباحثين الليبيين قبل غيرهم  لحقيقة مساهمة الدكتور صلاح الدين السوري.

[13] - أقول بدرجة أقل إذ أن  إن  تدريب أندرسون الأكاديمي الأول، أي على مستوى مرحلة الليسانس ، لم يكن في مجال العلوم السياسية، بل كان في مجال القانون؛ أما في مرحلة الماجستير فإنها ،وإن درست الدبلوماسية، ولكنها لم تتخل عن دراسة القانون؛ من ذلك أنها عند تعيينها أستاذة  بجامعة كولومبيا  في عام 1986، درست مادة  العلاقات الدولية.

[14] -  The State and social transformation in Tunisia and Libya, 1830- 1980, Princeton University Press, Princeton, New Jersey, Paperback printing, 1987.

* -  هذا وتجدر الإشارة إلى أن الدكتور علي عبد اللطيف كان قد نوه في مراجعة له  لكتاب ليزا أن سبب عجز هذه الأخيرة عن معالجة موضوع الدولة الحديثة في ليبيا أنها اعتمدت على المصادر الأوربية (القناصل) التي "تعطي صورة محددة عن المجتمع كما يراه هؤلاء القناصل الذين يعملون في حدود مصالحهم التجارية والسياسية". لمزيد من التفاصيل انظر:" الاستعمار وتكوين الدولة العربية القطرية، التجربة الليبية التونسية (مراجعة نقدية لأطروحات الباحثة الأمريكية ليزا أندرسون) في: مجلة البحوث التاريخية، السنة الرابعة عشر، العدد الثاني، يوليه 1992، 211.

[15]   - نقلا عن كتاب :

Sahli, Mohamed C, Décoloniser l'histoire (introduction à l'histoire du Maghreb) Paris, Maspero, 1965, 17.

[16] -  The genesis of political leadership of Libya, 1952- 1969, Ph.D dissertation, George Washington University, 1973.

[17] - بكل تأكيد تمحورت العديد من رسائل طلبة العلوم السياسية  والتاريخ حول موضوع النظام السياسي في ليبيا لمرحلة الاستقلال، ولكن جهلي بالعديد منها وبسبب عدم نشرها، سأكتفي بالتنويه ببعضها في هذا السياق؛ فمن بين هذه الأعمال رسالة الدكتور مالك عبيد أبوشهيوة "النظام السياسي في ليبيا: 1951- 1969 "، وهي رسالة ماجستير نوقشت بكلية الاقتصاد والعلوم السياسية بالقاهرة في عام 1977؛ هذا كما يمكن التنويه برسالة سالمة عبد العالي الجاضرة، الجماعات السياسية الليبية 1943- 1951، (التي نوقشت  بقسم  التاريخ ، كلية الآداب، جامعة قاريونس، 1983) إشراف الدكتور صلاح الدين حسن السوري.

* - غير أنه تجدر الإشارة إلى أن  العديد من الباحثين العرب كانوا قد تطرقوا لجوانب كثيرة من  تاريخ ليبيا الاجتماعي ؛ صحيح أن هذه الأعمال عالجت تاريخ ليبيا الاجتماعي ضمن تاريخ المغرب ولكن الباحثين اللاحقين، في هذا السياق عمل كل من علي عبد اللطيف  حميدة والمولدي الأحمر، أفادوا منها كثيرا؛ فمن بين هذه الأعمال يمكن التنويه بعمل لوسات فلنزي، المغرب العربي قبل احتلال الجزائر(1790- 1830) نقله إلى العربية حمادي الساحلي، صدر في  تونس، عن  سراس للنشر، في عام 1994؛ هذا وتجدر الإشارة إلى أن الأصل كان قد صدر باللغة الفرنسية بباريس عن دار فلامريون في عام 1969 ؛ كما يمكن التنويه بعمل محمد عبد الباقي الهرماسي، المجتمع والدولة في المغرب العربي الذي صدر ببيروت  عن مركز دراسات الوحدة العربية في عام 1987.

[18] - وهنا أيضا يجب التنويه بما قام به العديد من الباحثين الليبيين في مجال كتابة تاريخ ليبيا بصفة عامة وتاريخها الحديث بوجه خاص  من منظور مغاير استفاد منه علي عبد اللطيف كثيرا؛ ولا أريد أن أتوقف كثيرا عند أسماء كل هؤلاء وسأكتفي بما ذكره علي عبد اللطيف في واحدة من مقابلاته التي نشرت على شبكة الانترنت؛ ففي هذه المقابلة وفي إجابته عن السؤال التالي : يلاحظ في كثير من الكتابات الليبية التاريخية أن الباحث الليبي يغرق في الوقائع التاريخية في حدث كذا و كذا.. ولكنه لا يطرح أسئلة لماذا حدث وما أسباب ذلك بحيث نستطيع أن نتبين حركة ومساهمة مجمل العناصر الدافعة لحركة التاريخ ؟ فكانت الإجابة" إن الجيل الثاني الذي أكمل دراسته  في الغرب وعاد في مطلع الثمانيات على سبيل المثال الدكتور محمد الجراري والدكتور عقيلة البربار والدكتور محمود أبوصوة والدكتور عبد المولى الحرير والدكتور عبد الله إبراهيم والدكتور صلاح الدين السوري والدكتور حبيب وداعة هم كبار مؤرخينا وإلى حد كبير ليس من الإنصاف القول بأنهم يغرقون في التفاصيل والهوامش. إن هؤلاء بدؤوا بالفعل في تأسيس المدرسة الليبية الحديثة في كتابة التاريخ وكتبوا في المسائل نفسها التي تضمنتها أطروحاتي وجهودهم جيدة من الناحية العلمية ولا شك أن أعمالهم تقدر على مستوى عالمي معاصر؛ ولهذا لا أعتقد أن هؤلاء المؤرخين الليبيين الكبار من الجيل الثاني والذين أنا أقف على أكتافهم ... لم يحاولوا كتابة موضوعية وعلمية للتاريخ الليبي ولم يستهدفوا استنطاق القوانين الاجتماعية التاريخية للمجتمع الليبي.. ولكنهم ولظروف عديدة ربما لم يستطيعوا أن يصلوا إلى أقصى نضجهم وعلمهم". 

* - وبصرف النظر عن مدى فاعلية هذه المقاربة التي يعتمدها حميدة  فإن الاعتماد عليها في تفسير جذور تكون الدولة الليبية الحديثة لا علاقة له بالمقاربة الانقسامية كما ذهب إلى ذلك الدكتور الأحمر في عمله ؛ ففي الصفحة 45، وتأسيسا على أن الأعمال ذات التوجه الانقسامي كانت قد توصلت إلى نتائج "مهمة تتعلق بالتصور العام الذي أفرزته..بخصوص التجربة السياسية التاريخية لسكان البلاد المغاربية" يذكر الأحمر في الحاشية 21 بأن حميدة واجه صعوبات في التخلص من وطأة النموذج الانقسامي في كتابه.

** - " The Social uses of the past: recent Arab Historiography of  Ottoman rule" in: international journal of middle east studies, v.14 (1982) 197-198.

[19] - "الاستعمار وتكوين الدولة العربية القطرية. التجربة الليبية التونسية.مراجعة لأطروحات الباحثة الأمريكية ليزا أندرسون" في: مجلة البحوث التاريخية، السنة الرابعة عشر، العدد الثاني، يوليه 1992، 210. 

[20]  - ذكرها بيري أندرسون في سياق نقده لفرضية الإنتاج الآسيوي ؛ لمزيد من التفاصيل انظر: دولة  الشرق الاستبدادية،  ترجمة بديع عمر نظمي، بيروت، مؤسسة الأبحاث العربية،  1983 ،72.

*  والأمثلة الحديثة التي تؤكد هذه النزعة كثيرة ويمكن الاستشهاد في هذا السياق بملك ليبيا محمد إدريس السنوسي الذي هو من أصل جزائري، ورئيس تونس الحبيب بورقيبة الذي هو من أصل ليبي/ مصراتي.

*Une ville du Maghreb entre ancien régime et reformes ottomans: genèses des institutions municipales à Tripoli de Barbarie, Paris, 2002 

[21] - لمزيد من التفاصيل حول أطروحة نورا اللافي انظر: مراجعة  محمود أحمد أبوصوة للكتاب في : مجلة الشهيد، العددان الرابع والعشرون والخامس والعشرون، 2003-2004، الصفحات:249- 266.

*  - والأحمر لا عذر له فبالإضافة إلى أنه أمضى قرابة الثلاث سنوات في ليبيا/ طرابلس الأمر الذي كان قد سمح له لا محالة بالإطلاع على سجلات المحاكم الشرعية، فإن العديد من الرسائل التي شكلت سجلات المحاكم  مصدرها الرئيسي كان قد ظهر العديد منها قبل ظهور كتابه؛ وسأكتفي بالتنويه في هذا السياق برسالة  الأستاذة إنعام شرف الدين "مدخل إلى تاريخ طرابلس الاجتماعي والاقتصادي: دراسة في مؤسسات المدينة التجارية 1711- 1835" التي نشرها مركز جهاد الليبيين للدراسات التاريخية في سنة 1998. والتنويه  بهذا العمل الأخير لا يكمن في أهميته فحسب، بل وأيضا في أن المعني استعمل هذا الكتاب فضلا عن معرفته بصاحبته؛ غير أن المتمعن في الحاشية  رقم 84 التي يحيل فيها القارئ لعمل شرف الدين ، يخلص إلى أن الأحمر لم يكن دقيقا في نقله عن هذه الأخيرة؛ فالفكرة التي يتناولها في المتن ( الصفحة 117)، والتي مفادها أن  متغيرات القرابة والانتماء الجهوي والإثني حافظت على مكانتها في رسم استراتيجيات النشاط التجاري، لم تشر إليها المعنية من قريب أو بعيد في الصفحة 105 التي ينقل عنها معلومته؛ ففي هذه الصفحة، وبعد أن تطرقت في الصفحات السابقة إلى كيفية تحول العديد من التجار العرب إلى تجار محليين لم تعد تربطهم صلة بمواطنهم الأصلية، ذكرت بأن نشاط التجار التونسيين ارتبط بمواطنهم وكان "له صداه أيضا في عملية تشكيلهم لشركات الأموال والقراض والوكالة...". هذا وتجدر الإشارة إلى أن أطروحة الأستاذة إنعام تذهب عكس ما يدعيه الأحمر؛ فهي ترى بأن القرابة والانتماء الجهوي  والاثني لم تكن ذات أهمية بالنسبة لإستراتيجية التجار الطرابلسيين .

** -  والآنسة توللي بالمناسبة هي إنجليزية الأصل وأخت  القنصل الإنجليزي  ريتشارد توللي الذي عين قنصلا لبلده مرتين، الأولى كانت في عام 1772، والثانية في عام 1783؛ ليس هنا مجال الحديث عن أهمية هذا الكتاب المكون من مجموعة من الرسائل كانت قد بعثت بها إلى شخص لا أحد يعرف هويته طوال فترة إقامتها في طرابلس (عشر سنوات)، ولكن  الجدير بالتنويه في هذا السياق هو أن المعنية لم تغادر مدينة طرابلس وأنها لا تتقن العربية وأن المعلومات التي ضمنتها الكتاب مستمدة في المقام الأول  من الأفراد الذين يترددون على القنصلية، ومن بعض حريم/ عائلة الباشا التي كانت على اتصال دائم بها.. 

[22] - Michael, Pashas, Bedouins and notables: Ottoman administration in Tripoli and Benghazi 1881- 1902 (Ph.D Dissertation, Princeton University,  1986)

[23] - Daniel " Une activité en trompe l'œil: La guerre de course à Tripoli de Barbarie dans la seconde moitié du XVIII siècle", in: Revue de l'Occident musulman et de la Méditerranée, 1er trimestre, 47, 1988, p35.

* -  يقول كارل ماركس بأن المفتاح الحقيقي للشرق ربما بما في ذلك سماء الشرق (أي الدين) هو عدم الملكية الخاصة للأرض؛ نقلا عن زكي بركات ومصطفى عبد الرحيم "مساهمة في الحوار العلمي التاريخي: حول أسلوب الإنتاج في المجتمع اليمني القديم" في: ست دراسات في النمط الآسيوي للإنتاج. تحرير أحمد صادق سعد، بيروت، دار الطليعة، 1973، 50.

* - باستثناء زيارته لمدينة سبها وملاحظته الجد نمطية والتي يسوقها في إطار التشديد على استمرار ظاهرة غياب الدولة وبروز دور الزعامة الذي يتدرج  من الزعيم إلى بقية أصناف المتنفذين  يروي الرواية التالية "ومن المهم هنا أن أروي واقعة حدثت لي شخصيا في ليبيا خلال صيف 1995 بمناسبة زيارة قمت بها لمدينة سبها في جنوب البلاد. فقد أردت في ذلك الوقت زيارة القلعة الشهيرة في المدينة لكنني حينما ذهبت إليها وجدت أن مجموعة من المسلحين الذين يرتدون ملابس مدنية قد اتخذوها مقرا لهم وهم معروفون باسم حرس القائد أو حرس أبومنيار. وقد كان معي وقتها آلة تصوير انتزعها مني أحد الحراس، ولما حاول رئيسه الإداري المباشر استردادها لي منه أجابه أمامي قائلا: لن أردها لك لأنني لا اعترف بسلطة أي أحد هنا غير سلطة عم فلان" الصفحة 385- 386، الحاشية رقم 82)!! هل يمكن أن يقبل أي باحث على نفسه بالنزول إلى هذا المستوى من التحليل؟ من هو عم فلان هذا الشاهد الوحيد الذي يبني عليه تعميمه؟ ولماذا الإصرار على هذا المشهد الكاريكاتوري/ الطريف" مجموعة من الحراس الذين يرتدون ملابس مدنية يعرفون باسم حرس القائد.."، ولكن الذي افتك منه آلة التصوير له رئيس إداري!! كيف تعرف عليه؟ ولماذا لا يكون مجرد زميل وأن الذي صادر آلة التصوير كان قد تلقى أوامر من رئيسه (عم فلان) وبالتالي فإن قرار استرجاع الآلة لا يخضع له ولا لزميله بل لرئيسهما في العمل (عم فلان)!! كما أن مسألة حرس القائد وفي قلعة سبها هي مسألة تدعو حقيقة للتعجب! فالقائد لا يقيم في قلعة سبها! فلماذا يوجد حرسه الخاص  بها؟

* -  تقول الدراسات التقليدية بأن المجتمعات البدائية هي مجتمعات من دون دولة؛ غير أن هذا الحكم يخفي كما يشدد على ذلك (Pierre Clastres) حكما قيميا يلقي بالشك على إمكانية تشكيل أنثروبولوجية سياسية كعلم صارم. والقصور المنوه ببعضه يكمن في أن هذا الرأي يشدد على أن المجتمعات البدائية تفتقد شيئا، الدولة، ضروريا بالنسبة إليها كما هو الحال لغيرها من المجتمعات؛ بناء عليه ، وفي غياب الدولة تعتبر تلك المجتمعات مجتمعات منقوصة وغير كاملة  إذ أنها ليست مجتمعات حقيقية؛ فأهلها غير متحضرين ووجودهم عبارة عن معاناة متواصلة ومؤلمة جراء غياب الدولة التي لن يتمكنوا من صنعها مهما حاولوا. إن المتمعن في هذا الرأي يخلص على الأقل إلى انه يشكو من تحيز اثني كثيرا ما يكون ألا شعوريا إذ أنه مدفون في الأعماق ويصعب بالتالي الوصول إليه. لمزيد من التفاصيل انظر:

Society against the State, essays in political anthropology, trans. By Robert Hurley & Abe Stein, Zoon books, New York, 1987.

** - يذهب هذا الباحث واستنادا لدراسات مهمتها تهميش المجتمعات البدوية بأن حكام ليبيا في العهدين الملكي والجمهوري/ الجماهيري لم يعجزا عن تأسيس دولة حديثة فحسب، بل واتخذوا منها موقفا معاديا وفي هذا السياق يزعم بأن المرء ما ينفك يتساءل عن سر حرص حكام ليبيا على مواصلة تجنب تأسيس دولة حديثة (the avoidance of creating a modern State)؛ لمزيد من التفاصيل انظر:

A history of modern Libya, Cambridge, Cambridge University Press, 2006.

[24]  ذكرها أبو سيف يوسف في ندوة (نمط الإنتاج الآسيوي وواقع المجتمعات العربية)، بيروت، دار الكلمة، 1984، 25.

*  سأكتفي في هذا السياق بالتنويه بما توصلت إليه الأستاذة إنعام شرف الدين والذي مفاده أنه لم تكن  من عادة الحكومة القرمانلية  مراقبة جميع أنواع  أسواق مدينة طرابلس  فحسب، بل وأسواق مدن الإيالة أيضا؛ و الجدير بالتنويه أن عملية المراقبة، فضلا عن رقابة العملة والمكاييل والموازين كانت تتم بشكل مباشر إذ أن الأسواق بجميع أنواعها (من يومية و أسبوعية وموسمية) كانت تقام  في جوار  المؤسسات الحكومية. لمزيد من التفاصيل انظر: مدخل لتاريخ طرابلس.. 254.

* على الرغم من أن ابن خلدون ما انفك يؤكد على أن  العصبية لا تكون إلا بالالتحام بالنسب فإنه وانطلاقا من مبدأ التغير اللصيق بطبيعة المجتمعات البشرية يقلل  من مسألة النسب مشددا على أنه "علم لا ينفع وجهالة لا تضر". وزيادة في التوضيح، توضيح عموم مبدأ التغير يصرح في فصل أن الصريح من النسب إنما يوجد للمتوحشين في القفر من العرب ومن في معناهم أن  النقاء  العرقي، العرق العربي في هذا السياق، يختفي عندما يقع الاختلاط؛ فبسبب هذا الأخير والذي وقع "في الحواضر مع العجم وغيرهم، فسدت الأنساب بالجملة وفقدت ثمرتها من العصبية فاطرحت، ثم تلاشت القبائل ودثرت فدثرت العصبية بدثورها وبقي في البدو كما كان" عبد الرحمن ، المقدمة، الجزء الأول، تونس، الدار التونسية للكتاب، 1984، 176؛ هذا كما يمكن التنويه برأي باستيد (R. Bastide) في هذا السياق؛ فالكتابات الخلدونية والماركسية أيضا، يقول هذا الأخير والمهتمة بحركات التاريخ كثيرا ما أهملت تحليل التنظيم الداخلي للقبائل، أي للأشكال الأولية للتصنيف، لذلك فإنه من الصعب التمييز في المنظومتين (الخلدونية والماركسية) بين الانتقال من هذه الأشكال الأولية إلى التبنين! لمزيد من التفاصيل انظر:

Formes égalitaires de la stratification, Paris, 1965.

·  - فمع كل الاحترام للآراء التي تتحدث عن أن جوهر الاختلاف بين التجربتين الليبية والتونسية السياسية الحديثة يكمن في وجود بيروقراطية عاقلة في تونس وغيابها أو فلنقل تعثرها في ليبيا، وهو الأمر الذي تسبب  في ظهور مسارين مختلفين بعد الاستقلال، فإن الحاجة لإعادة النظر في مواقع المراكز الحضارية من ناحية، وعلاقتها من ناحية أخرى بالمجال المراد ضمه من اجل تأسيس لسلطة مركزية كفيلين بأن يلقيا المزيد من الضوء على هذه الظاهرة ومناقشتها من منظور أكثر واقعية؛ ودون حاجة للدخول في تفاصيل ليس هنا مجال إبانتها سأكتفي، ومن أجل توضيح مسألة صعوبة وجود سلطة مركزية في ليبيا وسلاسة قيامها في تونس، بلفت النظر إلى الفارق الكبير من حيث الحجم  بين مساحة إقليم تونس وولاية طرابلس ولا أقول ليبيا؛ فالجغرافيا كما سبقت الإشارة كثيرا ما تصنع تاريخ العديد من البلدان، والجغرافيا هنا تشدد على أن قيام حكومة مركزية في منطقة لا تتجاوز مساحتها 162155 كم2 هي ظاهرة تستحق  الإشادة و التنويه، أما المنطقة التي تبلغ مساحتها ضعف مساحة تونس (وأعني بذلك ولاية طرابلس التي تبلغ مساحتها 353000 كم2)، فإنها ولكي تحظى بالاهتمام يجب أن تقوم في الولايات الثلاث (طرابلس وبرقة وفزان) سلطة مركزية في مساحة تقدر بـ (1759540 كم 2 ) ، وهي مساحة  تتجاوز مساحة  كل من فرنسا (547000 كم2)، وأسبانيا (505580 كم2 ) وألمانيا (357021 كم2 ) وإيطاليا (301230كم2) كما أن عجز  طرابلس عن ضم بقية الأقاليم (برقة التي تبلغ مساحتها حوالي 855370 كم2، وفزان حوالي 551170 كم2 ) لا يمكن تفسيره من زاوية قلة الموارد وقلة وعي النشطين السياسيين المنهمكين في فض نزاعاتهم الشخصية، بل سببه أن عملية تحول نواة صغيرة إلى نقطة/ مركز استقطاب تستغرق زمنا كبيرا؛ ومشكلة ليبيا أن العامل الخارجي كان حاسما بالنسبة لعملية التعثر؛ فالعثمانيون الذين كان لهم الفضل في توحيد البلاد في النصف الثاني من القرن السادس عشر وبإلحاح من المحليين، هم من تسبب في انقسام المنطقة إلى إقليمين في القرن التاسع عشر؛ وهذا التقسيم تعتمده إيطاليا في بادئ الأمر ولا تلغيه إلا بقانون توحيد ليبيا في عام 1935؛  والمجال هنا لا يسمح بإبانة أهمية العامل الخارجي، لذلك دعني ألفت النظر للتجربة الأوربية العزيزة على قلوب التحديثيين؛ ففي أوربا وكما يعلم الجميع  وعلى الرغم من أن تكون الدولة في شكلها الحديث يعود على الأقل إلى القرن السابع عشر (اتفاقية وستفاليا)، فإن سيطرة العديد من هذه الدول على كامل التراب الذي يشكل الآن مجالها القانوني والسيادي لم يتم دفعة واحدة؛  فمنطقة الألزاس ضمت لفرنسا في سنة  1697، وانفصلت عنها بعد  سنة 1870 ولم تلحق بفرنسا  من جديد إلا في سنة 1918؛ والأمر نفسه ينسحب على جزيرة كورسيكا؛ فهذه الأخيرة التي ألحقت بفرنسا حوالي سنة 1768 هي الآن شبه مستقلة عن فرنسا وفي طريقها  للإعلان عن استقلالها التام؛ أما مدينة نيس  فقد ضمت لفرنسا في عام 1860 وما تزال حتى هذه الساعة!

* -  فوفقا لما يذكره بليني "عندما ثارت لبدة وصبراته وأويا ضد الرومان (وصلت) جيوش جرمة إلى أبواب أويا لنجدتها"، ذكرها محمد سليمان أيوب "حملة كورنيليوس بلبوس على فزان سنة 19 قبل الميلاد" في: ليبيا في التاريخ، المؤتمر التاريخي، كلية الآداب، الجامعة الليبية، 16- 23 مارس 1968، 208. 

[27] - نقلا عن: الأمير، مختار محمد، ملكية الأرض واستغلالها في ولاية طرابلس الغرب خلال العهد العثماني الثاني (1835- 1911)، طرابلس، مركز جهاد الليبيين للدراسات التاريخية، 2006، 49.

* - والأهم من ذلك أن الإشارة التي وردت في الصفحة 265 ، الحاشية 3، اختزلت تاريخ  أسرة حكمت إقليم فزان لأكثر من أربعة قرون في علاقة قائمة على التبعية" الزبونية" !!! ولا أعلم كيف يمكن أن نفهم كون أولاد محمد زبائن للقرمانليين وهم يحكمون إقليم فزان قبل وصول القرمانليين للحكم بما يزيد عن القرنين!!!

[28]  - ودراسة التقاليد هي مسألة جوهرية سواء تعلق الأمر ببنية المجتمع الفوقية أو التحتية؛ فهذه التقاليد، يقول عبد الله العروي، في حاجة لإعادة نظر إذ أنه يوجد خلط في الأدبيات الاجتماعية حول هذه المسألة ؛ ففي حين ينظر البعض إلى التقليد الاجتماعي على أنه حقيقة اجتماعية، يعتبره البعض الآخر نظاما للقيم الاجتماعية التي تميز دون غيرها المجتمع التقليدي؛ والنتيجة يستطرد العروي أن كل التحاليل الاجتماعية هي ذات صبغة سلبية إذ أنها تصف التقليدي بالريفي أو الفلاحي أو السلبي أو ألا تاريخي. لمزيد من التفاصيل انظر:

The crisis of the Arab intellectual (traditionalism or historicism), translated from the French by Diarmid Cammell, Berkeley, Los Angeles, London, University of California Press, 1976, 33.

*  - بخصوص مناقشة محاولات إيطاليا وقف عملية التحديث الثقافي في ليبيا انظر:

Di Francesca Di Pasquale "La Scuola Di Arti E Mestieri Di Tripoli in Epoca coloniale (1911- 1938)" in:  Africa, LXII, 3, 2007.

[29] - نقلا عن المجتمع والدولة، تحرير الدكتور سعد الدين إبراهيم، بيروت، مركز دراسات الوحدة العربية، 1988، 41.

*  - يذكر ابن خلدون في فصل الجباية وسبب نقصها التالي "اعلم أن الجباية أول الدولة تكون قليلة الوزائع (ما يتوزع على الأفراد المتنفذين) كثيرة الجملة (أي العائد) وآخر الدولة تكون كثيرة الوزائع قليلة الجملة" المقدمة، الجزء الأول، 339.

* -  فابن غلبون يذكر على سبيل المثال أن القضاة في العهد العثماني الأول  كانوا "إذا مات الميت أرسلوا  لوارثه وطالبوه بدفع  سدس ماله، وسموا ذلك فريضة وهو ظلم وجور لم يقل به مسلم ولا ملة من الملل" لمزيد من التفاصيل حول انتهاكات ولاة الدولة العثمانية انظر: التذكار، تحقيق الشيخ الطاهر الزاوي ، المدار الإسلامي،  2004،الصفحة 186 وما بعدها.

* - ولقد نوه الأحمر بجزئية المصاهرة ولكن وفق  رؤية الغرابة (exoticism) المفضلة لدى المستشرقين؛ ففي الصفحة 164 وفي سياق حديثه عن تحول عبد الجليل سيف النصر إلى زعيم جهوي" يسيطر على البعض بقوة السلاح ويهيمن على البعض الآخر بالعلاقات الزبونية ويشكل الأحلاف عن طريق آلية تبادل النساء". والمشكلة أن المرجع الذي يعود إليه الأحمر لا يتحدث عن عملية تبادل للنساء، بل على قيام عبد الجليل بتزويج بعض أخواته، واحدة لأمير مغربي بينما تزوجت ثلاث أخوات من أمراء التبو وبرنو، أي متنفذي دار الإسلام المغضوب عنها! أي أن الزواج هنا هو زواج مصلحة، وهو ما يعبر عنه الفرنسيون بزواج العقل "marriage de raison" والذي ساد في أوربا ولفترة قريبة جدا! فلماذا يعرف عند الغرب بزواج العقل/ المنفعة وعندنا يعرف بتبادل النساء!!

[30] - دي أغسطيني، سكان ليبيا ، الجزء الثاني، 321.

[31] - المرجع نفسه، الجزء الثاني، 322.

[32] - المرجع نفسه، الجزء الثاني، 305، 309، 310.

[33] - حسن الفقيه حسن، اليوميات الليبية، تحقيق محمد الأسطى وعمار جحيدر، الجزء الأول (958- 1248/ 1551- 1832) طرابلس، مركز جهاد الليبيين للدراسات التاريخية، الطبعة الثانية، 2001، 183 ، الحاشية 7.

[34] - كولا ، ليبيا أثناء حكم يوسف باشا القرمانلي، ترجمة عبد القادر المحيشي، مراجعة صلاح الدين السوري، طرابلس، منشورات مركز جهاد الليبيين ضد الغزو الإيطالي، 1988،  163- 164.

* - إنه وبسبب  مجموع التغيرات المنوه ببعضها في مرحلة ما قبل العهد العثماني الثاني أصبحت فكرة الكيان الواحد الذي يشمل الفضاء الذي سيتشكل منه لاحقا فضاء الدولة الليبية المعاصرة، فكرة واضحة لدى بعض المصادر الليبية ، الأنصاري على وجه التحديد؛ ففي الفصل الذي افتتح به عمله وخص به طرابلس الغرب ذكر بأن هذه الأخيرة هي "بلدة كريمة البقعة، طيبة التربة، مختصبة القاعة بسواحل قطعة أفريقية الشمالية" (الصفحات 8-9 ) . وعلى الرغم من شدة اقتضاب المعطيات الخاصة بإمكانيات طرابلس مقارنة بالتفاصيل التي تضمنتها المصادر العربية الإسلامية الأولى، فإن الأمر الجدير بالتنويه ونحن بصدد الحديث عن بروز فكرة القطر في القرن التاسع عشر أنه ضمن عمله وصفا للإقليم ليس فقط حديثا، بل ومغايرا لكل الأوصاف التي اعتمدتها الأعمال الجغرافية والتاريخية السابقة. لذلك، ولأن فكرة القطر أصبحت أكثر وضوحا لدى سكان هذا القطر في القرن التاسع عشر فإن  الأنصاري، ورغم غياب سلطة مركزية مستقلة عن الخلافة العثمانية، فإنه لا يكتفي بالإشارة إلى موقع طرابلس من القارة الأفريقية "أفريقية الشمالية"، بل ويتعمد التنويه أيضا بحدود هذا القطر. فيحد هذا الأخير "من الجنوب الصحراء الكبرى، وشرقا الحدود المصرية، وشمالا البحر الرومي، وغربا تونس وأرض قبائل الشعابنة التي بين طرابلس والجزائر" (الصفحة 9).    

*  - والأحمر بالمناسبة لم يستخدم أي منها، وخاصة (Public Records Office) التي تتضمن من ناحية العديد من التفاصيل الخاصة بطرابلس قبل وخلال  الحرب العالمية الأولى  وتفاصيل أكثر أهمية خاصة بإقليم برقة السنوسية من ناحية أخرى.

[36] - غير أن  قلة خبرة بنثام بطرابلس لم تدم طويلا، فبفضل المعلومات القيمة التي أمده بها  (Edward Blaquiere) الذي سبق وأن زار طرابلس قبل عشر سنوات، تمكن بنثام من الإطلاع على تاريخ الولاية وعلى خلفية أسرة الدغيس.

[37] -Hume," preparation for civil war in Tripoli in the 1820s: Ali Karamanli, Hassuna D'Ghies and Jeremy Bentham" in: Journal of African History, 21 (1980), 313, 314, 315 

[38] -Duncan Cumming ”Consultations on a constitution for Tripoli, between Jeremy Bentham and Hassuna d’Ghies, 1823” in: society for Libyan Studies,Vol.3 (1971- 1972), 30.

[39]  - الدستور، ترجمة نوفل أفندي ومراجعة وتعليق خليل أفندي الخوري، الجزء الأول، نقلا عن  مختار محمد الأمير، ملكية الأرض واستغلالها في ولاية طرابلس الغرب خلال العهد العثماني الثاني (1835 – 1911) ، طرابلس، مركز جهاد الليبيين للدراسات التاريخية، 2006، 46.

*  - فبالإضافة إلى انه اكتفي بما قام به مركز الجهاد من نشر لبعض الوثائق العثمانية التي كان عليه الإطلاع عليها في لغتها فإنه لم يطلع على الوثائق البريطانية؛ أما الوثائق الفرنسية، وثائق وزارة الخارجية على سبيل المثال ( Archives du ministère des affaires étrangères) والتي أحال إليها في أكثر من مرة فإنه لم يضمنها قائمة مصادره !! مكتفيا ببعض التفاصيل التي وردت في عمل بانزاك؛ بالمناسبة، وفي الوقت الذي اكتفى الأحمر بالنقل عن ورقة بانزاك الجد متواضعة فإن الباحث الفرنسي له  أعمالا تتعلق بتاريخ ليبيا الحديث في غاية الأهمية وكان على  الأحمر الإطلاع على بعضها ؛ أذكر في هذا السياق كتابه عن القرصنة البربرية :

Les corsaires barbaresques, la fin d'une épopée, 1800- 1820, Paris, CNRS, 1999.

[40] - Governo della Tripolitania, Projetto di ordinamento dell'Amministrazione dei Beni Aukaf della Tripolitania, Tripoli, 1916, 9.

· - تشير بعض التقديرات إلى أنه يوجد في اللغة الفرنسية أكثر من 480 كلمة من أصل عربي انتقل إلى الفرنسية سواء بشكل مباشر أو غير مباشر؛ وهذه الكلمات لا تشمل المصطلحات العلمية التي تعود إلى العصور الوسطى فحسب، بل تشمل مفردات لها علاقة بالعديد من التعبيرات اليومية المعاصرة، على سبيل المثال لا الحصر (Toubib) أي الطبيب، و (besef) بالزاف أي كثير، و(cafard) كافر، و (caid) قائد و (darbouka) طبل عربي، و (ulama) علماء، و(charia) شريعة، و (couscous) أكلة الكسكسي، و(burnous) البرنوس، و(djinn) الجن.

[41]  - The Ottoman centuries (The rise and fall of the Turkish Empire), New York, 1977, 210.

[42]  - لمزيد من التفاصيل حول مسألة تكون الدولة العثمانية في مرحلة ما قبل القرن التاسع عشر، فضلا عن مناقشة أطروحة بيري أنصح بقراءة كتاب أبوالحاج:

Rifa at Ali, Formation of the modern State, The Ottoman Empire sixteenth to eighteenth centuries,  State University of New York Press, 1991.

[43]  آفاق ووثائق في تاريخ ليبيا الحديث، طرابلس- تونس، الدار العربية للكتاب، 1991، 26-27.

*  - وصيغة المبني للمجهول هنا مقصودة إذ أنها تمكن الأحمر من تمرير وجهة نظره القائمة على تغييب دور المؤسسات؛ فهذا الرجل الذي أبلغ الملك هو، وكما يبين ذلك النص الذي سننقله لاحقا، الشيخ منصور المحجوب الذي كان يشغل وقتئذ وظيفة رئيس المحكمة العليا.

[44]  - لوسات، المغرب العربي قبل احتلال الجزائر، نقله إلى العربية حمادي الساحلي، تونس، سراس للنشر، 1994، 162.

[45]  الزاوي، الطاهر، جهاد الأبطال، في طرابلس الغرب، بيروت، المدار الإسلامي، 2004، 310.

[46]  المصدر نفسه، 311- 312.


Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home