Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home
Libyan Writer Laila Ahmed al-Houni
الكاتبة الليبية ليلى أحمد الهوني


ليلى أحمد الهوني

الجمعة 18 يونيو 2010

ماذا تتوقعون من سيف القذافي؟

(حول المؤامرة التي تحاك مؤخراً
ضد الشعب الليبي وتأكيد توريث الحكم لسيف القذافي*)

ليلى أحمد الهوني

انه مرض التوريث الخبيث، الذي لم تستطيع الشعوب العربية على مر السنوات التخلص أو الشفاء منه، وبقيت هذه الشعوب العربية تعاني همومه وويلاته، وهي رهينة في أيدي حكامها المستبدين، وتتابعهم وهم يورثون السلطة والحكم لأبنائهم وحتى أبناء أبنائهم من بعدهم، وكأن الأوطان العربية عجزت عن أن تنجب نظرائهم أو هو الخوف من أن تفلت السلطة من أيدي عائلاتهم "المقدسة"، التي استطاعت باستبدادها أن تحول تلك الدول العربية، إلى إقطاعيات تعيش حياة همجية كحياة العصور الوسطى أو أكثر تخلفاً، وبعيدة كل البعد عن أساليب ونهج العصر الحديث، وكنتاج لهذه النوعية من الحكم وهذه السياسات القمعية، أصبحت مسألة التوريث السياسي في بلداننا العربية تفرض مباشرة وتلقائيا وبدون اعتبار لحق الشعوب في الاختيار.

هذه الظاهرة المسماة "بتوريث الحكم"، والتي تمارسها حكوماتنا العربية بجدارة فائقة، تعد اختلاساً مكشوفاً لحقوق شعوبها ودوساً متعمداً على كرامتها، وإلغاءاً وتهميشاً لدورها وحقها الطبيعي في اختيار من يحكمها، كما أن هذه الأنظمة لا تتردد في التحايل في صناعة عملية التوريث هذه، وتزيينها بكل أساليب الغش والكذب والخداع، لكي يتم تكريس مفهوم التداول "الوراثي للسلطة" بدلاً من مفهوم التداول "السلمي للسلطة".

في ليبيا وبعد مرور كل هذه العقود الزمنية من جحيم حكم القذافي، مازال الجميع يرى ويتابع ويراقب حديث لا نهاية له، حول المنقذ و" الفارس" الوريث القادم، وكأنه هو من سيحرك ساكنا في الساحة الليبية، حيث تبرز معه باستمرار المراهنات والصراعات الوهمية ضمن العائلة الحاكمة وأتباعها، فتُنسج القصص والحكايات والإشاعات، لتدعم هذه المراهنات أو تلك، ويتم نشرها بتفنن وإتقان بين أبناء الشعب الليبي، ولكي يكون الموقف أكثر إثارة وتشويقاً، يقفز سيف القذافي من حين إلى أخر، للظهور إعلامياً في حركة مسرحية مفاجأة على طريقة "والده"، لكي يطلق التصريحات الصحفية الجريئة، فتجرى معه اللقاءات التليفزيونية، ويلقى الخطب العصماء في الكليات والجامعات التي تحمل أسماء أجنبية، وهذا طبعا بعد أن يدفع الثمن و"زيادة" مسبقا وبمختلف أنواع العملات.

وحتى تصبح المشاهد المسرحية متكاملة، تكلف جهة ما لتعمل بأكثر خبرة للترويج لهذه المسرحية السخيفة في الداخل والخارج، الأمر الذي يهيئ لها الفرصة ليدور حولها النقاش وتكتب لها التحليلات، فيوحي للجميع وكأنها "الخلطة السحرية" التي ستشفي أسقام وأمراض وأوجاع والآم الشعب الليبي، بالرغم من أن العاقل المتأمل في كلام سيف وكل ما يقوله ويكرره في العديد من هذه "البرباغندا"، لا يعدو أن يكون مجرد (قطاف زايد ودق حنك)، وكذلك نجد أن كل أقواله وتصريحاته ومحاضرته تندرج تحت مسمى الوعود (البقني)، التي لم يتوقف عن الإدلاء بها منذ ست سنوات تقريباً.

إن المتتبع لفصول مسرحيات سيف الكاذبة من أولها إلى أخرها، يجدها تدور جميعها على حساب "دراما" حياة الشعب الليبي المؤلمة والكئيبة، فبعد أن يتفاقم الوضع في مسألة أو كارثة ما، نرى سيف قادماً من بعيد بخطوات خجولة و"بتلكو" يصطنع حياء مرهف الحس، متظاهراً بالعطف والحنان، مع ما وصلت إليه حالة الليبيين المتضررين من تلك المسألة، وبحركة "أكشن" شجاعة لموقف طال انتظار أصحابه لوصول المنقذ لهم، يحاول سيف أقناع الشعب الليبي لقبول التوريث ولو على "مضض"، وأنه جاء لتحمل المسؤولية "العظيمة"، واستجابة لنداء و"ضمير" والده وكل المنتظرين الجدد. كما يجب أن لا ننسى في أطار هذه المسرحية الجهود المضنية التي تقوم بها تلك الجوقة التي تحيط بسيف، والتي مهمتها تمهيد أو"تستيك" الطرق لتقنع الليبيين بالقبول بسرطان التوريث القادم، كحل"جذري وناجح" لتجاوز ما هو موجود من تردي ومعاناة و كوارث وهموم و"بلاوي امسيحة"، دون أن تكلف هذه الجوقة المنافقة نفسها عناء الوقوف وسؤال هذا الشعب المغلوب على أمره، هل سيف بن القذافي هو أصلح من أنجبتهم ليبيا لكي يتولى قيادتها؟، أو كأنها تريد أن تقنعهم بأن سيف القذافي هذا هو البذرة أو كما يقول الليبيون "البزرة" الأنفع لمصلحة ليبيا، وأن بقية الشعب الليبي، برجاله وشبابه وكل شرائحه لا قيمة لهم أو (زي بيهم زي قلتهم).

والسؤال هنا هو، ماذا تتوقعون أيها الليبيون من سيف بن معمر القذافي!؟.

سيف الذي ولد وفى فمه ملعقة من ذهب، وبين يديه صحن مرصع بالألماس، سيف الذي فتح عيناه منذ صغره على إجرام والده مع الليبيين، وعاش مدلل بين أحضان أبيه وهو يراه يتلذذ بظلم و تعذيب شعبه، سيف الذي نما وتربى على ديمقراطية الحديد والنار، التي مارسها ويمارسها "بإبداع" والده معمر القذافي على شعبنا الليبي، سيف الذي كبر وترعرع وأكل ولبس ودرس ونهب هو وبقية إخوته من خزائن ليبيا وأموال شعبها المنهوبة، التي عبث بها نظام والده كيف يشاء ومتى يشاء!!

ماذا تتوقعون من سيف وهو يعي تماما أن حكم أبيه (الذي وضع الخطوط الحمراء على عدم المساس به)، قام ودام على مصيبة و "بلوة" الشرعية الثورية تلك الخدعة والأكذوبة، التي تؤمن بالقرصنة والتسلط على الشعب الليبي، بكل الوسائل والطرق الإجرامية والغير مشروعة؟.

ماذا تتوقعون من سيف وهو يعرف كل الجرائم التي ارتكبها والده وأجهزته القمعية المختلفة، ويعرف من هم الأشخاص المتورطين في خراب ودمار وفساد ليبيا، ومن هم القتلة والمجرمين الذين سفكوا دماء رجال ليبيا بدون مبرر؟، ومع ذلك يتجاهل عمداً كل هذه الحقائق ويكذب بلا حدود، على الناس في الخطب الفاشلة و المدفوعة، التي يلقيها في الكليات والجامعات خارج البلاد.

أبناء وبنات شعبنا الليبي، عليكم أن تنتبهوا، ولا تتوقعوا من سيف أي شئ لصالح الشعب الليبي، فهو لا يملك أي أرادة وطنية حرة، تلك الإرادة الوطنية الحرة التي تعلو فوق كل الاعتبارات وفوق كل الاهتمامات، تلك الإرادة القوية التي تتجاوز كافة المصالح القبلية والأسرية والأخوية، وتتجاوز كل العلاقات التي تهدف وتعمل فقط لتحقيق المكاسب الشخصية السياسية والاقتصادية. أن سيف القذافي يفتقر بل وتنعدم لديه الإرادة الحرة التي تسعى بصورة جادة للإصلاح الحقيقي للوطن، أو لإحداث التغيير الفعلي في ليبيا، سيف القذافي لا يملك إرادة حرة نابعة من الوطنية ومن حب الوطن، لا تلك الإرادة الجوفاء الفارغة التي تردد الشعارات و التنظيرات المفلسة وتتغنى بها.

أن سيف القذافي يفتقر بل وتنعدم لديه الإرادة الحقيقية، التي تسعى لانتشال الشعب الليبي من ألآمه و معاناته المتراكمة، ومن حالة التردي التي وصل إليها نتيجة لحكم والده الدكتاتوري الشمولي القمعي والفاشي، سيف القذافي يفتقر لإرادة يملؤها الصدق والإيمان بالوطن وبقضايا الوطن، إرادة تعمل بالقانون ومع القانون ويتساوى فيها الجميع تحت القانون، إرادة وطنية مضاءة بنور الحق، لا تلك الإرادة العاجزة والصامتة صمت الموتى، والتي تتفرج وتستمتع بما يحدث لليبيين ولا تحرك ساكنا، ولعل إهماله وعدم مبالاته، بمطالب أهالي ضحايا مذبحة سجن أبو سليم، وباعتصماتهم الأسبوعية وحرقة قلوب أبائهم وأمهاتهم خير دليل على ذلك.

سيف القذافي يا أبناء وبنات شعبنا المغبون والمقهور، ليس رجل المستقبل الذي تحتاجه ليبيا، فهو لا يمتلك لا الشجاعة ولا المقدرة المطلوبة على خوض أي مواجهة مع أي طرف من أطراف السلطة القائمة، لماذا؟ لأنه هو ذاته صنيع هذه السلطة، وأداة من أدواتها مهما ظهر على السطح، بأنه منتقدا لها ولأعمالها أو داعيا إلى تصحيحها، سيف هو جزء من لعبة التخدير، التي تعمل على استمرار السلطة والحكم في يد عائلة القذافي بدون منازع، فهو غير قادر على التأثير على ما رسمه و يريده الأب، أو على تغيير ما يقوم به من فساد متفشي وظلم وحكم مستبد وجائر.

و ها هو وكما ترونه، فقد ظل طوال أكثر من خمس سنوات يقدم الوعود الوردية، والآمال الخيالية، لشرائح مختلفة من الشعب الليبي وخصوصا الشباب، ويسرد لهم القصص الأسطورية حول "الفردوس" الأرضي فماذا تحقق منها؟ لا شئ، وحتى إطلاق سراح عشرات أو مئات من السجناء الإسلاميين وغير الإسلاميين تم نتيجة للضغوطات الدولية، ومناشدات بعض المنظمات الحقوقية الخارجية، والتي حاول سيف استثمارها لخدمة مصالحه الشخصية، أو لاستمرار نظام والده وكورقة ضمانية.

سيف القذافي يا أبناء وبنات ليبيا، فقط يخدم لأجل نظام والده ويريد استمراره في السلطة، والسيطرة على كرسي الحكم لصالح عائلته في ليبيا إلى الأبد، مهما كلف هذا الأمر الشعب الليبي من تضحيات، فالمهم بالنسبة له هو أن تبقى أسرة آل معمر القذافي هي من في يدها حكم ليبيا ولا أحد غيرها، والدليل أنه قدم الكثير من التنازلات واستجاب للعديد من المتطلبات للدول الأجنبية، في حين يستمر في وعوده الخداعة للشعب الليبي في الداخل، بدون أن يحقق لهذا الشعب أي شيئا منها، فيبقى حال المواطن على ما هو عليه، بل ويزداد سوءاً ويصاب بخيبة الأمل كل يوم.

إن هذه الحقيقة المرة التي يعيشها شعبنا الليبي اليوم، تلزم جميع الليبيين بضرورة الاعتماد على أنفسهم في تغيير هذه النكبة، التي استمرت لأكثر من أربعة عقود، وعلينا جميعاً أن ندرك أن مسؤولية استمرار ما يحدث في ليبيا، مسؤولية تقع علينا كلنا بدون استثناء، وان تغيير هذا الواقع الأليم لن يكون مهمة الغير بل هو مهمة كل واحداً منا، إذا أردنا فعلا أن يكون لليبيا ولأجيالها غدٍ مشرق وجديد، ومستقبل ديمقراطي حراً وسعيد.
_________________________

ـ   مدونتي "ليبيا يا امنايا" : http://l-elhoni.blogspot.com
ـ   صفحتي في "الحوار المتمدن" : http://www.ahewar.org/m.asp?i=2545


* هذه المقالة تنبيهاً لأهلنا داخل الوطن (ليبيا)،على خطورة ما يقوم به أتباع سيف القذافي هذه الأيام، من محاولات ملحة ومتكررة في الخارج والداخل للترويج لفكرة وراثة الحكم في ليبيا، وفي الغرب وإقناع المواطن الليبي بمدى قدرته على إنقاذ ليبيا وشعبها من الكوارث التي وصل إليها جراء حكم والده.

شرح للكلمات الليبية المستخدمة في هذا المقال:-
البرباغندا = الدعاية المبالغ فيها، قطاف زايد = كلام غير مفهوم وغير مهم، دق حنك = حكي مكرر وفارغ لا يفيد، البقني = الفشوش، تلكو = المشي بغنج ودلال، تستيك = تعبيد، البزرة = السلالة.


Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home