Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home
Libyan Writer Laila Ahmed al-Houni
الكاتبة الليبية ليلى أحمد الهوني


ليلى أحمد الهوني

الجمعة 8 مايو 2009

يا ليتني كنت معكم..!!

ليلى أحمد الهوني

وقفة عز، و تحية وفاء لرجالنا شهداء ليبيا الأوفياء، أولئك الأبطال الذين وهبوا حياتهم الغالية والنفيسة، لأجل القضية الوطنية، أولئك الذين راحت أرواحهم الطاهرة، وسالت دمائهم الزكية فداء لهذا الوطن، و لأجل عزة وكرامة هذا الشعب، شهدائنا.. شهداء معركة باب العزيزية المجيدة.

إخوتي وأخواتي الليبيين والليبيات الأحرار.. في هذه الذكرى العزيزة على قلوبنا، وبين هذه الكلمات، سأسطر كل ما يجوب في خاطري، وسأعبر عن كل ما يدور في نفسي، من مشاعر وعواطف سامية ونبيلة، أحملها وأشعر بها اتجاه أولئك الشهداء الأبرار.

أعلم جيداً بأن ما سأكتبه، هو مجرد كلمات وخواطر على صفحات النت، وأنها لن تسمن ولن تغني من جوع، وأنها مهما طالت، لم ولن تحرر شبراً واحداً، من أراضي ليبيا الحبيبة، ولكن لعلها فقط، تحرر نفسي من بعض غصات قلبي على وطني.

يا شهداء مايو الحزين، يا فدائي ليبيا المجد، يا أبطال تلك المعارك الجهادية العظيمة، يا من وقفتم في وجه ذلك الطاغوت، يا من أفزعتموه في عقـر داره، يا من رفعتم راية العزة والكرامة لهذا الشعب، يا من غردت أصوات رصاص بنادقكم، في كل أرجاء ليبيا الوطن، وعطر دخان رصاصها، هواء وأنفاس ليبيا الأرض.

يا من جلجلت أصوات حناجركم، بصرخات الحق، منادية الله أكبر، هاتفة بنصرة وحرية ليبيا، ويا من هزت وزلزلت أصداء صرخاتكم، أقدام ذلك الطاغية.

في ذكرى استشهادكم العظيمة، في هذا اليوم الذي لم ولن ينساه، أي ليبي حر شريف، أقف لكم إجلالا واحتراما، رافعة الرأس وكلي فخرُ بكم، أحييكم وأحيي كل أهلكم وذويكم، الذي صبروا على مر فراقكم، والذين عانوا هموم الحياة من بعدكم، وأقول لهم لا تهنوا ولا تحزنوا، فآبائكم أو أبنائكم أو أزواجكم أو إخوانكم، الذين استشهدوا في معارك العزة والشرف، جميعنا نحسبهم عند الله شهداء إن شاء الله.

ولا تنسوا قول الحق تبارك وتعالى في كتابه العزيز "وَلاَ تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُواْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاء عِندَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ"..آل عمران

إن الصورة النقية الطاهرة، التي رأيت بها أولئك الرجال العظماء، لم تفارق خيالي منذ ذلك اليوم، ودائما يزوروني في أحلامي، وأحلم بهم.. "هم بوجوههم و أسمائهم، على هيئة عصبة من الخيول الأصيلة مقتولين غدرا، ويجرهم مجموعة من الكلاب البرية الشرسة، يسيرون بهم جرياً، في آخر أحدى شوارع طرابلس، يسمى (شارع الوادي) متجهين نحو مقبرة (سيدي منيدر)، والوقت بين مغرب وعشاء، وأسمع صوت آذان قوي وجميل، وكأنه يخرج من بين تلك الخيول، وكذلك يخرج من بين تلك الخيول، عندما تحتك بالأرض، شرارة كهربائية قوية، يبزغ منها نوراً وشعاع، يضيء ظلمة ذلك الشارع".. والحق أني لا أعلم ماذا يعني هذا الحلم!!؟، ولكني دائما أحلم به.

وها نحن اليوم وبعد مرور 25 عاماً على تلك المعارك الخالدة، لا زلت أشعر كأنهم اليوم جاهدوا، وكأنهم اليوم استشهدوا، وكأني اليوم رأيتهم، سبحان الله "إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ".

أبناء وبنات وطني العزيز.. إن تلك التضحيات الجليلة، التي قدموها شهداء معركة باب العزيزية، هي التي أعادت لهذا الشعب عزته ومجده وكرامته، ولولاهم ما عرفنا في ليبيا آنذاك، بأن هناك معارضين ليبيين لنظام القذافي المستبد، ولولاهم ما عرف الليبيين، أن لديهم رجال يقفون في وجه الباطل، ليقولوا له بأعلى أصواتهم وببنادقهم أنت باطل، ووجب فيك القتال والجهاد.

إن معركة باب العزيزية كانت المنبه الرنان، الذي نبه الشعب الليبي، وأيقظه من غفوته العميقة، لفترة زمنية ليست بالقصيرة، وإن المواقف البطولية العظيمة لأولئك الرجال، وشجاعتهم وإرادتهم الفذة، كانت ولازالت، بالنسبة لي ولكل الشرفاء من جيلي، ذلك الرمز الجهادي النضالي والكفاحي الخالد.

فـ والله والله، في عهد القذافي الدجال، هم من الرجال الشرفاء القلة، الذين لم ولن تنجب ليبيا غيرهم رجال، ووالله والله والله، منهم و بهم ولأجلهم فقط، مني الإخلاص والثبات على المبدأ، و منهم وبهم ولأجلهم فقط، مني الصمود والبقاء على العهد والوعد، ولن أخذلهم إن شاء الله ما حييت.

كما أني والله سأخجل منهم يوم ألتقي بهم، ولا أعرف بماذا سأعتذر لهم؟، وكيف سأعتذر لهم؟،..و ماذا سأقول لهم من أعذار؟. فما زلت أذكر، عندما كنت أمامهم، عندما رأيت أجسادهم الطاهرة، تدنسها تلك الأرجل النجسة، فلقد قطعت حينها عهداً معهم، بأني لن أنساهم يوماً، وبأني سأفعل كل شيء وأي شيء، من أجل أن أخذ بثأرهم، وثأر وطني من الأنذال، الذين لم يحترموا ولم يراعوا حتى حرمة الأموات.

ولكن الآن أشعر بأني لم أفي بكامل العهد والوعد، وإن أمور الحياة ومشاكلها، أبعدتني عنهم لفترة ليست بالقصيرة، وأيضا أعترف بأني عندما كنت بقربهم، في ذلك الوقت، لم أفعل أي شيء لأجلهم، لأني خفت على نفسي من العقاب الذي كنت سألقاه، من ذلك النظام القمعي الحاكم في ليبيا.

أعلم تماماً أن هذه كلها ليست أعذار، بل هي مواقف جبن، فعلا أنا جبانة..!! والحق يقال، إن الجبن ليس مني فقط، بل كان آنذاك من كل الليبيين وأنا من بينهم، لو أننا فقط كنا أكثر إحساساً بالمسؤولية، لما تركنا إخواننا الأبطال في ذلك اليوم، يواجهون مصيرهم وحدهم، وكان يفترض بنا في ذلك اليوم، أن ننتفض ونثور جميعاً، لتحرير وطننا من ذلك النظام الفاشي، فقط لو كنا أكثر شجاعة، ولو كنا حقا نملك قلوبا وضمائر حية، لما اختبأنا واعتكفنا في مرابعينا (حجرات استقبال الضيوف)، وخلف أجهزتنا المسموعة، نتابع أخبار جهاد رجالنا، دماءنا، فوق أرضنا، عبر نشرات أخبار هيئة الإذاعة البريطانية. (هل تذكرون..؟؟).

نحن الليبيون، دائما نخاف ونحرص على نجاة أرواحنا، حتى ولو كان هذا الحرص، على حساب وطنيتنا وعزة نفسنا، وهذا ما حدث معنا بالتحديد في ذلك اليوم. وكأن أرواح أولئك الشهداء أرخص من أرواحنا، فلقد نسينا وتناسينا بأن الروح هي الروح، وأن الإنسان هو الإنسان، وإن الحياة هي الحياة، ولكن الشهامة والنبل والوطنية، تقف عند حجم العطاء، وحجم الفداء، وحجم التضحيات، التي نقدمها من أجل الله والوطن.

أبناء وبنات وطني الحبيب.. أريد أن أذكركم اليوم وكل يوم، بأن ثورات وانتفاضات الشعوب الحرة، فرص، وفرص ثمينة وغالية وعظيمة، وإذا أضاعت تلك الفرص منا، فليس من السهل علينا إيجاد غيرها.

ولذا.. ها أنا أمام الجميع، وفي هذه الذكرى المباركة العظيمة، "ذكرى معركة باب العزيزية الخالدة" أقول وأكرر وأعترف بأننا جميعنا، أضعنا تلك الفرص الغالية، وجميعنا قصرنا في حق أولئك الرجال الأوفياء، وجميعنا خذلناهم، ولم نكن معهم وجنبهم في ذلك اليوم.

والآن لا يسعنا إلا أن نخرّ راكعين ساجدين، إلى الله الواحد الأحد ونستغفره، لعل ذلك التقصير وذلك الخذلان، كانا ذنباً عظيماً إقترفناه في حقهم. ثم علينا أن نصفي نوايانا وضمائرنا ونفوسنا، وننقي عقولنا وقلوبنا، ونوحد كلمتنا وصفوفنا، لعل الله يأخذ بيدنا ويخلصنا قريباً، من ذلك البلاء وذلك المرض الفتاك، الذي أهلك العباد ودمر البلاد.

أما بالنسبة لي، فغير الاستغفار عن ذلك الذنب، سأظل أبكي وأبكي، إلى آخر يوماً في حياتي، وسأبقى دائما أطلب العفو والصفح والسماح منهم، في كل يوم وفي كل ذكرى، وأقول لهم: يا ليتني نفذت عهدي معكم في ذلك الموقف العظيم، ويا ليتني قدمت روحي فداء للوطن مثلكم، و يا ليتني توجت بتاج المجد، وحققت معكم أسمى غاياتنا النبيلة، وأقول لهم بأعلى أعلى صوتي يا ليتني.. يا ليتني كنت معكم..!!

رجالنا، أبطالنا، شهدائنا، يا من عشتم في الحياة، بالأخلاق مترفعين ومخلصين، ويا من لعهد الله و رسوله، كنتم خير حافظين، ويا من لكرامة هذا الوطن وأهله، كنتم رجالا شرفاء آمنين، هنيئاً لكم.. هنيئا لكم استشهادكم وهنيئاً لكم جنات النعيم.


Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home