Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home
Libyan Writer Khairi Juma
الكاتب الليبي خيري جمعة

Saturday, 27 October, 2007

حرية التعـبير في ذهـن الإخوان المسلمين
( صلاح عـبدالعزيز نموذجا )

خيري جمعة

(المجتمعات الغربية التي تنعم بالديموقراطية والحريات العامة وأطلقت أسر الإنسان من التخلف نحو الحرية والإبداع والعمل لم تصل إلى ما وصلت إليه اليوم إلا بعد اعتناقها لقيم وأفكار ليبيرالية ديموقراطية بدأت تتشكل منذ عهد الأنوار وتعتمد على أسس واضحة. ) رياض الصيداوي(1)

كتب صلاح عبد العزيز من سويسرا في سلسلة خواطره على صفحة الاستاذ غنيوة "ليبيا وطننا" يهدد ويتوعد بأن "من يحاول المساس بثوابت ديننا العظيم الذي اجتمعت عليه أمتنا... أُحمله مسئولية الهوة والأخدود الذي بدأت تتسع فضاءاته ومساحاته عل حساب وحدة الوطن والمجتمع الليبي المسلم".(2) وفي استدراكه الذي نشره فيما بعد ، أعلن بأنه "طلق السياسة طلاقاً بائناً لا رجعة فيه."(3)

كان الأولى بالسيد عبد العزيز أن يعلن أن السياسة والدين خطان متوازيان ليس من مصلحة أحد أن يتلاقيا وأنه منهج خاطئ لا يمكن له أن يحل المشاكل بل هو المسبب لجزء كبير من الإحتقان السياسي القائم في العالم العربي والإسلامي اليوم. كان الأولى به أن يقوم بنقد هذا المنهج والإعلان بأنه على خطأ لأنه لا يصب في مصلحة الإنسانية ولا في مصلحة الشعوب وإنما يصب في صالح فكرة وأيديولوجية تتبناها أقلية همها هو الوصول للحكم لكي تقوم بقمع الناس ومصادرة حرياتهم.

أنني على قناعة كاملة بأن بروز التيار الإسلامي والإسلام السياسي بالذات في الخمسين عاما الماضية كان سببا أساسيا في تردي أوضاع الحريات وحقوق الإنسان في عالمنا العربي والإسلامي، ذلك أن فكرة إقامة الدولة الإسلامية وإعادة الخلافة التي تبناها حسن البنا ومن ثم تنظيم الإخوان وحزب التحرير فيما بعد دغدغت عواطف المسلمين بحيث جعلتهم يعتقدون بأنهم منتصرون لا محالة وأنهم سوف يستعيدون من جديد مجدهم القديم، وغاب عن ذهنهم أوغُـّيب ما مكان يجري من حولهم من تحولات جذرية في تركيبة العالم السياسية والإقتصادية وما كان يحدث من تطور في عالم الثقافة والفنون والتكنولوجيا. ولا يمكن لهؤلاء أن يتعذروا بعدم تقييمهم الصحيح لإمكانياتهم الذاتية أو بوعيهم لما كان يدور من حولهم ، حيث أن الخمسين سنة التي سبقت ظهور الإخوان على الساحة حدث فيها ما يسمى بعصر النهضة العربية، الذي برز فيه مفكرون كبار يفوقون حسن البنا بكثير في تجاربهم وإجتهاداتهم وعلمهم. كان هؤلاء على علم إلى حد كبير بأسباب تخلف بلدانهم وتقدم غيرهم من الأمم والحضارات، وكانوا جد مجتهدين يبحثون في أسباب إنقاذ أوطانهم من خلال مواكبتهم وإستلهامهم للتجربة التي خاضها الغرب بالذات إبان عصر النّهضة وما تلاه إلى منتصف القرن الناسع عشر. لم يكن الدين أحد الأسباب التي بها تم تحقيق ذلك التطور والتقدم بل العكس كان هو الصحيح، حيث تم فصل الدين عن الدولة والسياسة بالكامل مما فتح المجال للأفكار الليبرالية من أن تكون البديل الذي على أساسه بني النظام الديمقراطي الحديث.

فالدارس لتاريخ القرن العشرين والمقارن بين نصفيه الأول والثاني من حيث وضع الثقافة والفنون والسياسة في عالمنا العربي لن يمر دون أن يستشعر ذلك الفرق الشاسع بين هاتين الفترتين. أسباب ذلك متعددة ، ولكنني أرى أن أهمها هو هذا الصعود الكاسح للتيار الإسلامي الذي بسط اللأمور وأرجئ حل القضايا إلى الآخرة بحيث أصبح كل من لبس جلبابا وأطال لحية خبير ومسؤول أول عن إنقاذ هذا العالم، وكل ذلك كان على حساب المحاولات العقلانية والعلمية الجادة. سبّـب ذلك شرخا كبيرا داخل المجتمعات فبدل من تكاثف الجهود من أجل التنمية والبناء، راحت هدرا في الصراعات الداخلية وفي الصراع على الحكم بالذات.

فما الذي حققه الإسلام السياسي والوعي الديني والتيار الإسلامي إذا كان وضع الحريات والثقافة والفنون بشكل عام في العالم العربي هي اليوم أسوأ بكثير مما كانت عليه قبل مئة سنة؟

أنا لا ألوم حسن البنا ولا من عاصروه ممن شاركوه في أفكاره ، ولكن اللوم يقع على من يعيش في وقتنا هذا من أمثال صاحبنا عبد العزيز هذا ولم يعي أو يتعلم الدرس بعد من أن المنقذ لشعوبنا ليس هو الدين وليس هو التحكم في رقاب الناس لإخضاعهم لأيديولوجية بعينها، وإنما الحل يكمن في إعطاء الناس حرياتهم، وتشجيعهم بالطرق السلمية على ممارسة حقهم في إختيار من يحكمهم وتوعيتهم بأهمية ممارسة هذه الحريات ومن ثم حمايتها من أجل مصلحتهم ومصلحة أبنائهم ، بدون إستخدام الدين كورقة إبتزاز.

لقد إنتهى دور الإخوان وأصبحوا يشكلون خطرا على المجتمعات العربية إلى جانب الشيوعية منذ ذلك اليوم الذي أنشؤوا فيه التنظيم السري الذي أدي فيما بعد إلى إغتيال رئيس وزراء مصر النقراشي باشا ، حيث اعطوا المبررات للقوى الإستعمارية كي تتدخل مباشرة في شؤون أوطاننا عن طريق الدعم المباشر للإنقلابات العسكرية لصد هذا الغول الإسلامي/الشيوعي أو عن طريق حماية الأنظمة القائمة سواء كانت ملكية أو جمهورية، وأعطوا المبرر أيضا للأنظمة الحاكمة كي تقوم بقمع شعوبها حتى لا تقع فريسة سهلة للخطاب الديني العاطفي السلس ومن ثم تشكيلها لخطر الإنقضاض على الحكم بعد ذلك..

لقد أعطي الإسلاميون المبررات والمسوغات لكي تستخدم كافة الإمكانيات المادية والبشرية لمحاربتهم ومحاربة المجتمع بالكامل مثلما استخدمت في محاربة الشيوعية، مع الفارق المهم وهو أنه في حالة الشيوعية كانت الحرب معلنة وبصريح العبارة ، أما بالنسبة للإسلام السياسي فقد أستخدمت كل الأعذار والمبررات إلا التصريح المباشر بأنها كذلك ، حتى تم القضاء على الشيوعية. عندئذ تحولت الحرب مباشرة ضدهم. وحيث أن الإسلاميين أصبحوا أعداء للغرب وأمريكا لا يعني بأنهم على صواب كما هو الحال بالنسبة للشيوعية. فالشيوعية كانت وبالا على أوطانها وكذلك مصير الإسلام السياسي فلا يمكن إلا أن يكون وبالا. والسودان (ولا داعي لأن أقول أفغانستان) شاهد حي على ما آلت إليه أحوال ذلك البلد الذي يحكمه الإسلاميون على مدى العشرين سنة الماضية.

أخبرني يا سيد عبد العزيز أليس الإسلاميون هم المستفيد الأكبر من تواجدهم في المجتمعات الغربية التي فصل فيها الدين عن الدولة وتحكم طبقا لأنظمة ديمقراطية متطورة ثقافتها ليبرالية لا يعتدى فيها على إنسان بسبب أفكاره أو معتقداته ، حيث المراكز الإسلامية والجاليات والمساجد التي لا تعد ولا تحصى. لماذا لا تكون صادقا وتعترف أنه لو لم يكن هناك فصل للدين عن السياسة في الغرب لما تأصلت فيه هذه الحريات وهذا التطور والتقدم الحضاري وربما لما كان لا لي ولا لك مكانا بين ظهرانيهم ؟ أم انه سهل عليك أن تجلس على أريكتك المترفة في بلاد السويس وتهدد وتتوعد من لا يتفق معك فيما ذهبت إليه!!

عندما تقول لمن كانت عنده الجرأة أن يكتب ما يشاء وأن يعبر عن أفكاره بكل حرية أعلنوا عن أنفسكم وعن أسمائكم الحقيقية!!! فهل ضمنت لهؤلاء حقهم الكامل في أن يقولوا ما يشائون دون أن يتعرض لهم أحد لا بتهديد أو وعيد أو إعتداء على أشخاصهم من أي نوع كان ؟! وهل أصدرت مراكز الإفتاء عندكم في قطر والقاهرة والرياض الفتاوي التي تطمأن الجميع بأن حرية التعبير حق إنساني مقدس يفقد إنسانيته كل من لا يتمتع به ؟! وهل أكدت على الآية القرآنية في سورة البقرة "لا إكراه في الدين قد تبين الرشد من الغي" التي ليس فيها لا لبس ولا نسخ ولا تعطيل ولا تحتاج إلى فيلسوف عبقري يفسرها لنا؟! أما تفسير أستاذك سيد قطب لهذه الآية والذي يقول فيه بالحرف الواحد في ظلاله: "الإسلام بوصفه دين الحق، الوحيد القائم في الأرض، لا بد أن ينطلق لإزالة العوائق المادية من جهة ولتحرير الإنسان من الدينونة بغير دين الحق، على أن يدع لكل فرد حرية الاختيار بلا إكراه منه، ولا من تلك العوائق المادية كذلك" ، فهذا كلام قد ثبت بطلانه في زماننا هذا بعد ما عاصرناه وما شاهدناه من خطوب يشيب لها الولدان كانت نتيجة لقراءة بعض الناس لمثل هذه النصوص فأذهبت وعيهم وطيرت رشدهم.

إذا كان الموجودون منذ عشرات السنين في الخارج لم يتمكنوا بعد من نبذ ثقافة الاستبداد البائسة التي ورثناها منذ زمن طويل والاستفادة ثقافة وفكرا وسياسية من المجتمعات التي يعيشون فيها، فهل نلوم إذن عامة الناس داخل مجتمعاتنا الذين لم تتح لهم مثل هذه الفرص لكي يتعلموا ويعيشوا حياتهم تحت أنظمة ديمقراطية ليبرالية تحترم فيها حرياتهم وتصان فيها كرامتهم؟!!!

إنني أشاهد أمامي خللا في فهم الأولويات من قبل الليبيين الموجودين في المهجر وجزء كبير منهم من حاملي الخبرات والشهادات العليا والتخصصات العلمية والأدبية المختلفة حيث أنهم لا يزالون متعلقين بنفس الأفكار المبنية على العشائرية والقبلية والتدين المغشوش، وهي نفس الظواهر التي ما فتئو ينتقدونها كلما سنحت لهم الفرصة لذلك ويعدونها السبب الاساسي لتخلف مجتمعنا في الداخل وعدم أخده على عاتقه مهمة النهوض بالوطن وبأبنائه.

في رأيي ما لم نجعل مسألتي المواطنة وحرية الفرد أهم العناصر الأساسية التي يتضمنها عقد إجتماعي يتفق عليه الجميع وما عدا ذلك من أيديولوجية وعشائرية وقبلية يأتي في مرتبة أقل من مرتبتي المواطنة وحرية الفرد ، ففي نظري إن المستقبل لن يكون مليئا بالورود، وسنظل ندور في حلقة مفرغة نستنفذ فيها جهودنا وطاقاتانا ومواردنا البشرية والمادية ليس من أجل مصلحتنا ولكن من أجل مصلحة الآخرين، وعندها سوف نفقد الوطن لأننا لم نكن أهلا للمحافظة عليه وعلى مكتسباته وعلى أهم عناصره وهو الفرد المواطن.

خيري جمعة
ka209@bath.ac.uk
________________________

1- http://www.rezgar.com/debat/show.art.asp?aid=87303
2- http://www.libya-watanona.com/adab/saziz/sa21107a.htm
3- http://www.libya-watanona.com/adab/saziz/sa24107a.htm


Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home