Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home
Libyan Writer Khalil Abdelsalam
الكاتب الليبي د. خليل عبدالسلام

Monday, 12 February, 2007

الشرعـية الثورية والشرعـية الدستورية

الخيار التاريخي بين ديناميكية الماضي وجمود الحاضر


د. خليل عـبدالسلام

في البداية، هناك كلمة بسيطة تفرض نفسها، ولا بد من قولها لمن بلغ به اليأس مبلغا، وعليه ان يسمعها ، وهو يعترف من صفوف المتفرجين بأن الليبيين ليس بقادرين على تخليص أنفسهم من الطغمة الجاثمة على صدورهم زهاء اربعة عقود ،ويحاول في ذات الوقت ايجاد الأعذار ليتجاوز بها واجبه الوطني ونصرة الحق ، بادّعاء وترديد أنه" ليس في الإمكان أحسن مما هو كائن" أو أن القذافي وذريته وعشيرته "عذاب الله وقضائه وقدره، فلا تدفعوا عذاب الله بأيديكم ،وعليكم بالإستكانة والتضرع"(1). هؤلاء وهولاء يمنّون أنفسهم بأن يرث سيف القذافي تركة أبيه ،ويرون فيه الضوء الساطع في نهاية نفق الفاتح ، ليبدأوا به عهدا جديدا يمثل اليمن والرخاء، مقتنعين أن القذافي عبر تاريخ حكمه الدموي يمثل الطبيعة الحيوانية التي أشار إليها توماس هوبس Thomas Hobbes 1588-1679 وفي نفس الوقت يطمحون في أن يكون سيف القذافي قد تشبع بحكم تواجده المستمر خارج جماهرية ابيه وتطبع بأخلاق البشرية الفاضلة التي قال عنها الفيلسوف الألماني ايمانويل كانت Immanuel Kant 1724-1804، متجاهلين القول الشائع في طول ليبيا وعرضها "أن الطبع يغلب التطبع " واذا كان معمر القذافي قد مثل الماضي التعيس لهذا الوطن المغبون فلن يكون سيف القذافي هو المستقبل الا على اجساد الكثير من أبناء ليبيا الذين يرون في القذافي لعنة يجب التكفير عليها عاجلا ام آجلا .

ففي عالم هوبس المنسوب الى الفيلسوف الأنجليزي توماس هوبس يعيش الإنسان تحت طائل قوانين وأعراف قد لا يرضى بها ولكنه يلتزم باحترامها واتّباع تطبيقاتها رغما عنه ، لأنه يواجه معترك حياته ، في رهبة من سلطة الحاكم الذي سنّ هذه القوانين أو أمر بتطبيقها. فالخوف الذي يسببه القهر والعنف في عالم هوبسيان ، هو المحرك للتاريخ الأنساني ، وهو بالضبط ما كان قد أشار اليه ابن خلدون في تحليله التاريخي لبناء الدول والمماليك وأساليب الحكم السائدة في عصره. في هكذا عالم يحكمه منطق وقانون الغاب ، يعيش المواطن في صراع محسوم في غير صالحه، مع الجماعة ،ومع الحاكم في ظلال الرهبة والرعب ، وتعيش الدولة او ألامة في محيطها أمّا قاهرة أو مقهورة. هكذا رأى توماس هوبس عالم الأنسان الطبيعي ، كله بؤس وفوضى ، وليل سرمدي، وحروب مستمرة في كل أرجاء المعمورة ، ومن خلال هذه النظرة المتشائمة أستنتج توماس هوبس أن هذا العالم يحتاج الى سلطة مطلقة تملك كل اساليب القوة وتستعملها وقتما شأءت لترويض هذه النزعة الشريرة في أنسان هذا العالم المزري كما كان يتصوره. وكأني بتوماس هوبس قد فهم ما تعنيه الآية الخامسة من سورة التين متوقفا عندها"ولقد خلقنا الإنسان في أحسن تقويم، ثم رددناه أسفل سافلين،" (التين 4-5)

في مقابل هذا العالم الواقعي المعاش، المتشبع بالروح الحيوانية العدوانية الخالصة، والذي تصوره توماس هوبس في القرن السابع عشر ، خرج إيمانويل كانت بنظرية مثالية ، أساسها بناء عالم يعيش مع نفسه في سلام دائم، كنتيجة حتمية لتغلب الأنسان على طبيعته الحيوانية من خلال تنميته للثقافة الأنسانية التي تسمو به في رحاب الحريات الأخلاقية والأدبية. وبهذه الثقافة والفكر يتحرر الأنسان من قوانين الطبيعة التي تكبله وتفرض عليه الصراع التنافسي الدائم، حيث البقاء للأقوى التي تتطلبه الحياة الحيوانية الكامنة فيه. وهنا ومرة أخري نرى أن كانت في خلاف مع هوبس ، كان يفهم ما تعنيه الآية الرابعة من سورة التين" (وخلفنا الإنسان في أحسن تقويم ). ففي حين كان يرى توماس هوبس في الطبيعة الحيوانية العامل المسيطر على تصرفات البشر والتي منها الأنانية والروح العدوانية، كان كانت يرى للإنسان المقدرة على ترويض هذه الطبيعة الحيوانية، وانتصار الروح الأنسانية والأخلاق الفاضلة التي يجسدها الوعي بإنسانيته.

في ثنائية الطبع والتطبع ، أي الطبيعة الحيوانية والإرادة الإنسانية ، حيث الطبع الحيواني للأنسان ووجوده متلازما مع قدرة هذا المخلوق على التطبع أي التَعَلُّم والتّفكر والتدليل والتحليل بواسطة العقل الذي وهبه له الله ، عاش الغرب الأوربي في القرنين السابع والثامن عشر في صراع فلسفسي محاولا فهم ماهية السلطة المُثلى التي تضمن ولاء المواطن للدولة(2) واتّباع القوانين السائدة فيها لنشر السلام الأجتماعي ، ولتأكيد ألأسباب الشرعية وتحديد أطر الدور الذي يجب أن تلعبه هذه الدولة في حياة الفرد خاصة والمجتمع عامة. في خضم هذا العصر المتشبع بفكر التنوير العقلاني خرج الفيلسوف السويسري المولد والفرنسي المقام جان –جاك رُوسّو Jean Jacqes Roussseau 1712-1778 بشروح فلسفية وافية لمفهوم "العقد الأجتماعي" الذي يحدد العلاقة الإيجابية بين الفرد والمجتمع ، و تقوم على اساسه مؤسسات الدولة وتحدد قياداتها التي تمتلك زمام السلطة الشرعية لتسيير هذه الدولة، والتي كان يرى أنّ واجبها الأساسي هو الحفاظ على سلامة المواطن وحريته. وكان روسّو يردد "أن في وجود الحكومة الشرعية المنظمة ، يتسابق المواطنون للمشاركة في الأجتماعات والمجالس التمثيلية وفي غيابها يفقدون هذا الإهتمام ، ويعزفون عمّا يجري في محيطهم من امور هذه الحكومة ودولتها."

وحينما تجاوزت البحوث الفكرية الحديث عن ضرورة قيام الدولة الوطنية التي تنظم العلاقة بين الفرد والجماعة، أنبثقت أفكار فلسفية واجتماعية واقتصادية وسياسية متصدية لدراسة السلطة الشرعية في هذه الدولة ومصادرهذه السلطة واستعمالاتها ،وكذا القيادة التي تتحمل ادارة هذه السلطة وتطبيقها. برزت أبحاث ألألماني ماكس فيبر Max Weber 1864-1920 فيلسوف علم الأجتماع، في مجالات السلطة الشرعية وانواعها وعلاقتها بمصادرها، كأساس لفهم الرؤية الغربية لواقع السلطة وممارستها. لقد حاول ماكس فيبر أن يجيب على سؤال طرحه بهذا الشكل" لماذا يحترم الأنسان السلطة ويلتزم بقوانينها؟" معتقدا في قرارة نفسه ان اخضاع الأنسان لسلطة القوة والقهر المحظ غير مجدية، بل يجب البحث عن سُبُلٍ يرضى بها هذا الإنسان، من أجل مصلحة الجميع حُكْام ومحكومين. ومن منطلقه هذا حاول ماكس فيبر تحليل السلطة الشرعية التي تُلْزِم الأنسان اتباع ارشاداتها بمحض اختياره، والتي يعتقد في قدرتها على الحفاظ على النظام والسلام الأجتماعي ، دون الركون الى استعمال القوة والعنف وسيلة لتحقيق هذا الغرض. ولا بد من التأكيد هنا على أن شرعية السلطة كما كان يفهمها فيبر ، تعني غياب الأسباب الموجبة لمن يعارضها وينوي تغييرها باستعمال القوة . لقد قسّم ماكس فيبر السلطة الشرعية الى ثلاثة انواع ، بناءً على مصادرها : وهي السلطة التقليدية، والسلطة القانونية ، وسلطة الشخصية الفاتنة(الكارزمية). فالسلطة التقليدية، كما عرّفها ، تعتمد على الإعتقاد الراسخ بين أفراد المجتمع " في الأمس ألأبدي" وتقديس العادات واعتمادها كمسلمات ، وهي مرحلة تعيشها المجتمعات المتخلفة ، أو ما تسمى بمجتمعات قبل الحداثة. من سمات هذه السلطة المتعددة ، انتقالها وراثيا أو اعازتها الي سلطة فوق كل سلطة دنيوية ، مثل الحكم باسم الله ، أو نيابة عن الإمام الغائب كما في المذهب الشيعي ، أو ممارسة السلطة في المجتمع القبلي حيث يملك شيخ القبيلة سلطة لا مجال لمعارضتها. أمّا السلطة القانونية ، فهي سلطة عقلانية مجرّدة لا تعتمد على شخصنة العلاقة في تطبيقها ، بل تستمد شرعيتها من انظمة مقننة ومفصلة ومكتوبة وفي متناول كل من أراد فهمها او التمعن فيها، والدستور الأمريكي خير مثال على مصادر السلطة القانونية –العقلانية التي تحدث عنها فيبر. والحديث عن السلطة الشرعية للشخصية السحرية (كاريزما) التي تعتمد في ممارسة سلطاتها على أعتقاد الأتباع أن شخص القائد، يجسد صفات غير عادية توأهله أن يكون من الواجب اتّباع أرشاداته وإطاعة أوامره. وقد يكون هذا الشخص يملك بالفعل أو لا يملك هذه الصفات ولكن الأهم من ذلك هو أن يسلم له الأتباع بحقه للأنصياع لأوامره بناء على ايمانهم الراسخ م بأنه يملك ما يرونه أو يتصورون فيه من صفات. من هذه الشخصيات من يملك هبة إلاهية مثل السيد المسيح عليه السلام أو الرسول الكريم عليه الصلاة والسلام الذي"أدّبه ربه فأحسن تأديبه " فيصبحون مثلا وقدوة لمن آمن بهم. ومنهم أيضا أبطال تاريخيون قادوا أوطانهم في أوقات المحن مثل عمر المختار أو المهاتما غاندي أو غوغائيين من طراز بنيتو موسيليني وعيدي أمين ومعمر القذافي، ومجانين عظمة على شاكلة ادولف هتلر وجوزف ستالين . من الصعب تصور وجود أي نوع من هذه ألأنواع لتأثير السلطلة النافذة، بمعزل عن الأنواع الآخرى في أي مجتمع من المجتمعات، بل مزيج من هذا وذاك. كما في الإمكان أن تتحول السلطة والنفوذ من نوع الى النوع الآخر في الظروف التاريخية المواتية لهذا التحول، كأن تنتقل السلطة التي مصدرها شخصية القائد الفذ الى سلطة قانونية مدونة في دستور، أو تنقلب سلطته الى سلطة تقليدية همها ايجاد السبل لاستمرارها وانتقالها وراثيا في اسرته.

عند الحديث عن السلطة الشرعية ، كان لزاما علينا نقاش مصادرها التي تكتسب منها شرعيتها ، ومن ثم تطبيقاتها التي ،ولو نظريا، لا بد ان تكون مبنية على اتفاق وتفاهم مسبق بين من تتجسد فيه السلطة ومن هو عُرضة لأن تُمارس عليه هذه السلطة ، أي بين القيادة وبين الرعية. وهذا يقودنا الى الحديث عن ممارسة السلطة والسلطان أي من يملك الحق في أن يُطاع حينما يأمر ويَخضع لإرادته الآخرون. وإذا سلمنا بوجود السلطة الشرعية فلا بد لنا من البحث في القيادة الشرعية التي تملك بين يديها مقاليد هذه السلطة، دون أن ينازعها فيها غيرها. فالسلطة لا تضفي الشرعية على القيادة ، بل العكس هو الصحيح، فالقيادة الشرعية ملزمة ان تتولى أمور السلطة لتصبح السلطة شرعية .

تكتسب القيادة شرعيتها ،التي تتعدي مجرد امتلاكها لمقاليد السلطة، والتي كما ذكرنا سابقا لا تضفي الشرعية، بل تتعداها الى الثقة في هذه القيادة ، كونها المسؤلة عن إدارة هذه السلطة، والتي من أدواتها استعمال القوة، بموجب التزام ادبي وقانوني مع الرعية ، وتبعا للمعايير السليمة للقانون والأعراف السائدة. فالقيادة الشرعية لا بد لها من ان تكتسب ثقة الرعية، وهذه الثقة، في المقابل ولو نظريا ايضا، تجعل مسؤلية القيادة قابلة للتقيم والمحاسبة عند استعمال هذه القوة ، في امور لا تخدم الأهداف العامة ، ولا تتمشى وروح التعايش السلمي والأخلاقي في المجتمع. فالقيادة لا تعني بحال من الأحوال الأشخاص، بقدر ما تعنيه كونها موقع وعملية ديناميكية وظيفتها تحقيق الأهداف العليا للمجتمع بالوسائل القانونية المتعارف عليها والملزمة اتباعها. فالقيادة الشرعية كما يراها ماكس فيبر، تحدث في واقع تتعايش فيه هذه القيادة مع المعايير والأعراف والتقاليد وأهداف الحياة التي يرسمها المجتمع لنفسه وبتفويض منه. والقادة، وبالأخص الأبطال منهم، هم بعض من قوى هائلة تشترك في احداث وتحولات تاريخية، فيصبحون رموزا لهذه التحولات والأحداث ، لا صانعون لها.

وإذا توقفنا هنا وقفة سريعة موجزة ، ثم رجعنا الى الوراء ، محاولين استكشاف ما يلقيه الإسلام بظلاله الوارفة على هذا الموضوع ، لوجدنا مدى عجزنا عبر القرون على ان نرسي دعائم دولة الإنسان_ ولا اقول دولة الإسلام _ الذي استخلفه الله في الأرض، ومدى ابتعاد المجتمع الإسلامي بالأمس واليوم عن هذه الدولة. لقد أعطى الإسلام للأنسان حريته لينطلق في هذا الكون الرحب ، مسؤلا عمّا كسبت يداه، ليتعلم و يبني ويعمر ، وليحقق أسمى معاني خلافته في الأرض ، فوهبه حرية الفكر، وحرية القول ،وحرية العمل والإرتزاق ،وحرية التنقل في أرض الله الواسعة، وقال الرسول عليه السلام "لا ضرٌر ولا ضِرَار في الإسلام". هذه القاعدة الخالدة التي تقاس بها أعمال المسلم اتجاه نفسه والآخرين. وقال عليه الصلاة والسلام "ان الله يعطي على الرفق مالا يعطي على العنف ولا على سواه" ليشيد قاعدة أخرى على معاملة هذا الإنسان الذي كرّمه الله بعقل يفكر به، وهو العليم بأنه "وكان الإنسان أكثر شيئ جدلا"(الكهف-54) وأيضا "بل تؤثرون الحياة الدنيا"(الأعلى-16) وقد وصل من أمر هذا التكريم بأن أمر سبحانه الملائكة أن تسجد له. هكذا هي نظرة الإسلام لحياة الإنسان التي كان الرسول نفسه يمثلها ايما تمثيل وهو يقول "انما بُعثت لأتمم مكارم الأخلاق"، ويصفه تعالى بقوله " وإنك لعلى خُلقٍ عَظيم" (القلم-4) .لقد كانت حياة الرسول نموذجا فريدا يحتدى به ، ونظاما كاملا لجوانب العظمة في حياة البشر.

وماذا عمّا يحدث الآن في وطننا ليبيا ، وهو بيت القصيد ، ومربط الفرس- كما يقال- في هذا الموضوع؟ فالحقيقة التي لا يجادل فيها اثنان ، والأمر الذي لا تنتطح فيه عنزان ، هو أن ليبيا يحكمها القذافي وعشيرته بشعارات جوفاء لا توجد في قاموس البشرية منذ بدء الخليقة ، وتحت تسميات ما أنزل الله بها من سلطان ومنها:

أولا: الشرعية الثورية والتي لا يقابلها في قاموس اللغة الإنسانية الا استعباد الإنسان بلغة لا يفهمها الا العبيد
ثانيا: القيادة التاريخية هل هناك انسان واحد، عاقل، يستطيع ان يشرح مفهوم القيادة التاريخية لما يحدث في ليبيا ، غير رغبة الطاغوت في جعل شعار "الفاتح ابدا" مثله كمثل ما كانت النازية تصف به الرايخ الثالث كـ"رايخ الألف عام"
ثالثا: القذافي كمرجعية وهل هناك دولة في أي عصر من العصور ، اذا استثنينا روما نيرون وكاليغولا، جعلت من شخص 'لا يملك السلطة ولا الثروة ولا السلاح ' مصدرا ومرجعية لتقنين وتفسير كل ما يحدث فيها من أمر صغيرا كان اوكبيرا.
رابعا: القرآن شريعة المجتمع وهل هناك قرآن ليكون شريعة في وجود الكتاب الأخضروشروحه الذي يفتخر القذافي بأنه مترجم الى لغات تتعدى عدد اللغات التي تُرجم اليها القرآن والأنجيل معا.

ويقول القذافي صادقا، وربما لأول مرة في حياته ان "الأقوياء دائما يحكمون " ولكن وكما يقول روسّو "القوي ليس قويا بما فيه الكفاية ليكون دائما هو السيد ، الاّ اذا تحولت قوته الى حق وطاعته الى واجب" وهذا ما لن يناله القذافي وأمثاله، لأن القوة لا تخلق الحق ابدا، والإنسان السوي لا تلزمه انسانيته الا طاعة السلطان الشرعي .

فشرعية السلطة وكذلك شرعية القيادة التي بدأنا الحديث عنها في صدر وصلب هذه الورقة ، نعرف جميعا أنها مفقودة في وطننا ، منذ اسقاط السلطة الشرعية وقياداتها، والغاء الدستور باستعمال القوة ، في عمل يعتبره كل قانون ودستور في كل دولة شرعية، كأحد جرائم الخيانة العظمى التي يعاقب مرتكبيها بأشد انواع العقوبات. إن غياب السلطة الشرعية ، والقيادة الشرعية ، واستبدالها عبر ما يقارب من اربعة عقود بالشرعية الثورية والقيادة التاريخية لهو امر جلل، وإذا أردنا بالفعل إعادة الأمر الى أصله وإثبات شرعيته، فلا بد لنا من التفكير الجدي والعملي بالإلتفاف حول أدوات الشرعية المتوفرة بيننا: فالعمل الوطني القادر على اسقاط سلطة القذافي وعشيرته الغير شرعية ،لا بد له من رمز يمثل الشرعية الدستورية التي يرنوا هذا العمل الى إرجاعها وإرساء دعامتها بديلا لمسخ الجماهرية الفوضوية. وهنا لا بد من التأكيد بأنه في ليبيا عرضا وطولا ، شمالا وجنوبا ، شرقا وغرباً ، ليس هناك من يجسد هذه الحقيقة مثلما يجسدها وجود الأمير محمد الحسن الرضى السنوسي بين ظهرانينا. هذا الشاب الحليم الذي أعطى القضية الليبية كل وقته وجهده بتفاني ينم عن صلابة معدنه وصدق توجهاته، وبصمت ،في وقت ارتفعت فيه الأصوات تدّعي القيادة لمن لا يستطيع ولا يملك ما يجعل منه رمزا حتى بين أبنائه وفي أسرته. فبرامج العمل الوطني واستراتجيته لا تغني عن إلتزام المناضلين المعنوي، بأرشادات قيادة تمثل حقيقة المأساة الليبية ،تعكس تبعاتها وتحمل همومها، تملك الشرعية الدستورية ، وقادرة على التعبير بلسان الليبيين أينما حلّت . فالأمير محمد الحسن الرضى السنوسي مؤهل بكل المعايير ، أن يحمل هذه المسؤلية ويتحملها بجدارة ، وبوجوده في مقدمة الصفوف حاملا راية النضال، ستعود عقارب الساعة بليبيا الى زمن الشرعية ،ووقتها يصبح الدفاع عن هذه الشرعية شرف لكل الليبيين الذين يؤمنون بأن الطريق الى هذه الشرعية الدستورية هو الخلاص من دولة اللاشرعية ممثلة في معمر القذافي وعشيرته وزبانيته. وهنا لا بد من التذكير أن الإلتزام بقيادة الأمير محمد الحسن الرضى السنوسي كمتحدث باسم القضية الليبية وممثلا لها، موقف تقتضيه ظروف المرحلة ، ولا يعني بحال، الإنحياز الى التوجه الملكي في اسلوب الحكم في ليبيا بعد القذافي، حيث سيترك هذا الأمر لكل الشعب الليبي بعد زوال دولة الظلم في أن يقول كلمته فيمن يحكمه وبأي اسلوب للحكم، وهذا ما يعلنه على الملأ و قاله ويقوله الأمير محمد الحسن الرضى السنوسي في كل فرصة تمنح له للتعبير الصادق عن موقفه إزاء هذا الشأن.

د. خليل عـبدالسلام
باحث ليبى
________________________

(1) حين كان الحجاج بن يوسف يعيث في العراق تقتيلاً وحبساً كان العلاّمة الحسن البصري يقول للعامة "إنّ الحجاج عذاب الله، فلا تدفعوا عذاب الله بأيديكم، ولكن عليكم بالإستكانة والتضرع فإنّه تعالى يقول: ولقد أخذناهم بالعذاب فما استكانوا لربهم وما يتضرعون-المؤمنون76. وكان الصحابي الجليل بن عمر يقول: "إذا كان الإمام عادلاً فله الأجر وعليك الشكر، وإذا كان الإمام جائراً فعليه الوزر وعليك الصبر" فتراثنا لا يربط العلاقة بين الحاكم والعدل وحق المواطن الخروج على السلطان الجائر.
(2) الدولة المعنية هنا هي دولة المواطن التي تجاوز بها الأوربيون الدولة الإقطاعية التي تتقاسمها الكنيسة والعائلة المالكة في منتصف القرن السابع عشر بعد مؤتمر ويسفاليا ومثلها ايما تمثيل لويس الرابع عشر الذي قال "أنا الدولة" كيف ما يمثلها اليوم حكام العرب فالقذافي يقول "الفاتح جماهرية وانا الفاتح والفاتح انا"


Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home