Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home
Libyan Writer Khalifa Ben Askar
الكاتب الليبي خليفة بن عسكر

الثلاثاء 26 أغسطس 2008

وين ماشيه يا مركبي قوليلي؟

خليفة بن عـسكر

حتماً لم يكن يوم الإثنين الفاتح من سبتمبر 1969 يوماً عادياً في مسيرة الشعب الليبي ، إنه اليوم الذي توقف فيه قطار الأمة الليبية في محطة غيرت مسار ومستقبل ليبيا والليبيين، تم إنزال قائد القطار الكهل وأحيل على التقاعد الإجباري بسبب قصر نظره وقلة حيلته وصعوبة قيادته للقطار المندفع بقوة النفط المكتشف حديثاً ليستلم الدفة شباب ليبيين متحمسين يقودهم بدوي يحمل رتبة ملازم أول في الجيش الليبي، لم يكن للبدوي فكرة عن قيادة القطارات، ولكن يبدوا أن قيادة القطارات ليست بالمهمة المستحيلة في بلد لا توجد بها سكة حديدية.

منذ ذلك اليوم لم يتوقف قطار الليبيين إلا مرة واحدة في اليوم ليغادره العشرات وأحياناً المئات من الليبيين في توابيت إلى مثواهم الأخير ويركب مثلهم أو يزيد من الأجانب الطامعين في الحصول على حفنة من الدينارات، لم يكن يسمح لليبيين بالنزول إلا إلى النوم الدائم في المقابر ومن حاول القفز من القطار فلن يسمح له بالعودة لأنه ببساطة (كلب ضال)، وعميل للإمبريالية والصهيونية ولا يستحق أن يكون في المركبة المتجهة بهم إلى الواحة الخضراء.

وهكذا ظل كل الليبيين داخل هذا القطار يسمعون قعقعة عجلاته ويتهادون معه في كل دوراته واستداراته، كان الأمل يحدوا ركابه أن يتوقف بهم القطار في رحلته المنشودة إلى الفردوس المفقود، نظرية وحيدة طبقت عليهم فقط ، وكتب كثيرة وشروح عديدة طبعت، قوانين وقرارات ووثائق صدرت، ولدت وزارات وأمانات كثيرة والغيت الكثير من الوزارات والقرارات والقوانين، واستبدلت بقوانين أخرى، كلها تصب في مصلحة المواطن صاحب المصلحة الحقيقية في الثورة، والتي امتطى قائدها قطار كل الليبيين ليقودها إلى محطته الوحيدة إلى جنة الفردوس، حيث لا سيد ولا مسود لا مظلوم ولا مقهور ولا مغبون بل سادة أحرار ترفرف عليهم راية العز والكرامة، ولأن قائد القطار يحب الخير للجميع وليس لليبيين فقط ، طلب من جيراننا المساكين المصريين والتونسيين والسودانيين وحتى السوريين أن يركبوا معنا في قطار العزة والكرامة والكبرياء، ولكن حكامهم الأغبياء رفضوا السماح لهم، وبالنسبة لليبيين ظل أملهم المنشود دائماً الفردوس الأخضر، ومن كان يشكك في هذا الفردوس أو الوصول إليه كان يقذف من القطار لتلتهمه عرباته وسط هتاف الجماهير المدوي والمنادي بحياة قائد قطارها السريع منقد البشرية، والخزي والعار لعملاء الإستعمار والصهيونية والرجعية العربية، ولأن الرحلة طويلة فكان لابد من تسلية الجماهير الهادرة المتحفزة ليوم اللقاء ومن غيره يستطيع أن يهدي الجموع الزاحفة؟ هنا يأتي الدور على مطرب (الثورة) ليسيطر على الحواس والمشاعر المرهفة لركاب القطار بنغماته الداعية للصمود والتحدي والتصدي للعملاء المشككين في الوصول لليوم الموعود، فتتمايل الجموع الزاحفة طرباً وهياماً وغراماً وإنتشاءاً لتغني وبصوت واحد (سيري يا مركبنا سيري...) ليزداد يقين أتباع ومريدي المد الأخضر بأن يوم تحقيق الإشتراكية الشعبية قد اقترب، وأن المحطة القادمة للقطار الجماهيري السعيد على مرمى قذيفة منهم.

قعقعة العجلات لا تتوقف والدخان الأسود لا يفارق سقف القطار المندفع بقوة إلى فجر الحرية، وقائد القطار يمسك بدفته بقوة ولا يسمح لإحد بالإقتراب منه، حتى من ساهموا معه في الإستيلاء على القطار أبعدهم إلى العربات الأخيرة، أما ركاب الدرجة الثانية والذين يعانون من الإزدحام والجوع والغلاء والفوضى والجريمة والرواتب التي لم تتغير منذ إنطلق بهم القطار، فإن من يتململ منهم أو يشتكي من الظلم يتهم بالرجعية والعمالة ويقذف به في زنزانات القطار الرهيبة ويقتل ويعذب ويحرم من كل حقوقه.

سنوات كثيرة مرت، وأشياء كثيرة تبدلت، والقطار يشق عباب الجبال والسهول والوديان والصحاري هادراً ثائراً متحدياً متصدياً لكل من يحاول المساس بطريقه المستقيم وهدفه المنشود، أسماء كثيرة ظهرت وإختفت، وزراء كثيرون حكموا وحوكموا وسرقوا وإغتصبوا وأبعدوا واستبعدوا، أطلق عليهم (أمناء) ففي ليبيا كل شيء يسمى بعكس صفته، فالفحم الأسود يسمى (بياض) والنار تسمى (العافية) والأعمى يسمى (بصير) واللص يسمى (أمين) ، وزارات كثيرة تشكلت وإنفرط عقدها، وزارات كثيرة ظهرت لإول مرة واختفت، قوانين كثيرة صدرت وعدلت وألغيت، غير تصنيف عربات القطار عشرات المرات وهو في طريقه إلى الحياة السرمدية، من ولاية إلى محافظة إلى منطقة إلى شعبية إلى مؤتمر إلى كومون إلى جماهيرية نموذجية إلى محلة، ومن يدري ربما إلى (كرادوري) وسقيفة ودردوحة، وعجلات القطار تدور بسرعة لتوصل القطار إلى محطة الأمل الأخضر حيث كل الناس سواسية بيدهم السلطة والثروة والسلاح ليتباهوا أمام شعوب العالم بانهم الشعب الوحيد الذي يحكم نفسه بنفسه بلا نيابة من أحد، دليله في ذلك النظرية العالمية الثالثة الحل النهائي والحاسم لكافة المشاكل التي تعاني منها البشرية.

أخيراً وبعد أربعين عاماً من السفر الشاق دون توقف اكتشفنا نحن الليبيين ركاب قطار التحدي والتصدي والزحف والمواجهة، أن قطارنا لن يصل إلى محطته الموعودة لأنه وببساطة شديدة يسير بلا سكة!؟ هذا ما بشرنا به المهندس الدكتور سيف الإسلام منذ أيام، وليخبرنا بالحقيقة المرة، أن القطار الذي نمتطيه جميعاً لم يكن يسير على سكة، بل كان يسير هادراً هائجاً ثائراً بلا محطات ولا أرصفة ولا طريق ولا إشارات ولا توجد به حتى نوافذ لنرى إلى أين يمضي بنا قطارنا المجنون؟

ترى كم من الآمال ضاعت؟ وكم من الأماني لم تتحقق ولن تتحقق؟ وكم من المشاريع والطموحات التي كنا نرسمها من أجل مستقبلنا تبخرت؟ وكم من الشهداء سقطوا ليمر القطار على أجسادهم الطاهرة؟ وكم من الأمهات فجعوا بأبنائهم أو أزواجهم؟ وكم من الأطفال تيتموا بفقدانهم لأبائهم في معارك خاسرة؟

لقد كانت رحلة قطارنا باهضة الثمن ، فقدنا فيها أعز أبنائنا، وخير شبابنا، وأقوى رجالنا، ونضب فيها الكثير من مخزوننا الروحي والفكري والثقافي ، جفت فيه الكثير من العيون الدافقة بالحب والود ونحن في غفلة ننتظر وصول القطار إلى محطته الأخيرة.

قديماً غنى أحد الفنانيين الليبيين أغنية يقول مطلعها (وين ماشيه يا مركبي قوليلي) وتم منع هذه الأغنية في التلفزيون والراديو الليبي لإعتبارها أغنية رجعية متخلفة، والآن وبعدما حل زمن الشفافية ووضع القطار على السكة الصحيحة وأطمئن الليبيون بأن قطارهم الآن في أيدي أمينة؟!؟! هل سنستمع إلى أغنية جديد عن القطار المتهادي بنا ليصل إلى محطته الموعودة من أجل ليبيا الغد وشباب ليبيا الغد؟ وهل ستفتح النوافذ لليبيين ليروا الطريق التي سيسلكها قطارهم؟ وهل سيسمح هذه المرة لكل الليبيين بالمشاركة في قيادة وتوجيه عربات القطار بكل حرية وديمقراطية؟ وهل سيكون القطار درجة واحدة لكل الليبيين وتلغى الدرجات الثانية والثالثة والرابعة؟ وهل سيتوقف قطار الليبيين طويلاً ليضع إستراتيجية مشواره الطويل يشارك فيها كل الليبيين حتى يصل إلى محطة الفردوس الحقيقي الذي يستطيع كل الليبيين مجتمعين ومترابطين بحبهم لوطنهم أن يبلغوه؟

أما كهول وعجائز ليبيا (شباب ليبيا الأمس) فيكفيهم رفع الحضر المفروض على أغنية (وين ماشيه يا مركبي قوليلي) حتى يأخد الله أمانته .

ولا حول ولا قوة إلا بالله .

خليفة بن عـسكر


Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home