Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home
Libyan Writer Jalal Ahmed Faraj al-Whaishi
الكاتب الليبي جلال أحمد فرج الوحيشي


جلال أحمد الوحيشي

Thursday, 24 August, 2006

المرجعـيات الإعـلامية.. متى نراها!!؟

جلال أحمد فرج الوحيشي

من تأملات ما بعد 6 سبتمبر 2005

" َوإذا جاءهم أمرٌ من الأمنِ أو الخوفِ أذاعوا به ولو ردوهُ إلى الرسولِ وإلى أُولي الأمرِ منهم لعلمهُ الذين يستنبطونهُ ِمنهم ولولا فضلُ الله عليكم ورحمتُهُ لاتبعُتمُ الشيطانَ إلا قليلاَ" صدق الله العظيم (النساء 83) الأنباء التي يتناقلها الناس نوعان، نبأ يطمئن به الناس ويستبشرون به ونبأ يثير في أنفسهم الخوف والذعر. والنبأ قد يكون خبراً مسموعاً أو مقروءاً، كما قد يكون رواية أو شعراً أو طرباً أو غير ذلك مما يصدر عن الصحافة أو الإذاعة أو غيرهما من وسائل الإعلام.

إن العمل الإعلامي (هو أن تحكي ما يحدث، أوما حدث أو تستقرأ ما سوف يحدث) وأن تكون صحفياً هو أن تكون راوياً للقصص.. قصص خبرة الحياة الإنسانية الغنية والمتنوعة بشكل يثير الإعجاب والدهشة..

وينبغي على الإعلامي أن يتذكر أثناء تأدية عمله أن يعالج الأمور الجوهرية بالنسبة للناس وأن يقدم المعلومات التي يحتاج إليها معظمهم كي يفلحوا في تدبر أمورهم اليومية. وأن يجعلهم يعرفون ما يفعله الآخرون في مجتمعهم وبلدهم. وأن يحكي لهم مايحدث بينهم وبين أناس في مواقع المسئولية ، سواء في السياسة أو التجارة أو التعليم. والرسالة التي يؤديها الإعلامي هي في الغالب بمثابة الغراء الذي يجعل المجتمع متماسكاً.

أنت صحفي ، أنتِ كاتبة، أنتم إعلاميون، أنتم أقرب ما تكونوا للرُحل القدامى الذين كانوا يجلبون الأنباء أو الأخبار من المدن أو البلدان الأخرى.

إن مجتمعاتنا تنتظر من الصحفي أن يجلب لها المعلومات وأحياناً الترفيه، وأن يتمتع بالقدرة على أن يجعل الناس يفكرون ويضحكون ويبكون. ولكن الرسائل التي ينقلها إليهم تكون أحياناً مؤلمة لهم لدرجة أنهم لا يستطيعون أن يتوقفوا ليفكروا فيما يخبرهم به أو يحكيه لهم، وسوف يصبون جام غضبهم وعدائهم عليه.

وسوف يتعرض الصحفي في أحيان أخرى وخصوصا فى الدول ذات الحكم الشمولى أو فى عصر الفوضى والغوغائية لأوامر متعارضة، أو يطلب منه أن يقدم تفسيراً بعينه، فالشارع يحسبه على السلطة ، والسلطة تحسبه على الشارع،وسيكون من الضروري بالنسبة للإعلامي في أغلب الأحيان أن يروي قصص مجتمعه بطرق لم يكن ليختارها لو كان حراً تماماً في تقديم الحقيقة كما نراها.

وإن مُنح الإعلامي قدراً كبيراً من الحرية ، فسيكون عليه أن يتعامل مع أولئك (الرقباء ) أو (المشوهين) الكامنين الذين يسكنون في عقله ويجعلونه يصوغ تصورات الحياة بأساليب وألوان معينة.

لأن أخطر أنواع الوهم هو القول بأن هناك حقيقة واحدة،بإستثناء القرآن الكريم فهو الحق المطلق وما يوجد في الواقع هو نسخ مختلفة كثيرة من الحقيقة، بعضها متناقض، ما يعتبره أحد الأشخاص (حقيقة) ليس إلا وهماً وخيالاً بالنسبة لشخصٍ آخر.

إن من أشق الأمور وأصعبها على نفوس الآباء أن يتركوا أطفالهم يعيشوا الحياة التي يرغبون فيها، أو حتى أن يرتكبوا الأخطاء الضرورية التي يمكن أن يتعلموا من خلالها ، ويسقطون على الأرض فيستجمعوا أنفسهم وينهضوا واقفين مرة أخرى ليحاولوا مرة ومرات أن يصلوا إلى حد النضج.

فالعمل الإعلامي، مثله في ذلك مثل السياسة، هو فن الممكن، أما المثاليون المغرقون في تفاؤلهم فسوف ينتهي الأمر بهم إلى أن يدقوا رؤوسهم في الجدران الصخرية للحياة الواقعية، والإعلاميون المتمرسون يعلمون أنه من الأفضل أحياناً أن يرضوا بنصف الرغيف من أن يتضوروا جوعاً انتظارا لرغيف كامل صعب المنال يتمثل في التعبير الكامل وحرية كتابة ما يروق لهم، أي أنهم يجب أن يعملوا بالمتاح، ومن أصعب الأمور التي يتعين على الشباب الإعلاميين أن يعرفوها، أن عليهم أحياناً أن يكتبوا ملتزمين بقواعد من سبقهم من أولي الأمر المتخصصين في المجال الإعلامي من ذوي النتاج الهادف، فالإعلامي يكون أحياناً ناقلاً للزيف والكذب كما يكون ناقلاً للواقع والصدق، وكثيراً من الإعلاميين قد ترسخ لديهم الاعتقاد بأن الجنس البشري يمكن أن يصل إلى الكمال، ولكن بعض الإعلاميين قبلوا باللاوعي، فكرة مفادها أن الحياة لا يمكن أن تصل إلى الكمال، وقد يرى صحفيون وكتاب وأدباء ومفكرون آخرون أن هذه الحياة هي مجرد طرفة عين بالنسبة للخلود والسرمدية.

إن وسائل الإعلام ينبغي أن تعمل على تماسك المجتمع أو الجماعة – أي أنها تقدم المعلومات التي يمكن للمواطنين أن يصدروا على أساسها أحكاماً واعية، وتسهل عملية تطوير المجتمع أو الجماعة. وبطبيعة الحال فأينما وجدت صحافة تجارية فإن الهدف الأسمى هو تحقيق الربح لملاك الصحيفة أو القناة الفضائية أو المؤسسة أو غيرها من وسائل الاتصال.

وينبغي أن تكون هذه الأجهزة تحت السيطرة الكاملة للمجتمع، كما ينبغي أن يعهد بهذه الأجهزة إلى أهل الرأي من المتخصصين في استنباط أصلح الأنباء لإذاعتها على الناس..

( وقُل لعبادي يقولوا التي هي أحسنُ إن الشيطانَ ينزغُ بينهم إن الشيطانَ كانَ للإنسانِ عدواً مبيناً) صدق الله العظيم (الإسراء 53).أي أن أحسن القول وأصدقه هو ما ينبغي أن يُسمع بين الناس.

لقد علم الله خطر الإعلام على الناس فجعله أمانة في يد الرسول صلى الله عليه وسلم وفي أيدي المكلفين به ، فقال تعالى: (ولو ردوه إلى الرسول وإلى أولي الأمر منهم) (النساء 83) ولذلك فإنه يجب ألا يترك الإعلام في يد فرد أو مجموعة من الأفراد بغير رقابة واعية من المجتمع، فإن ما يصنعه الأب في تربية أبنائه في عام يمكن أن تنسفه رواية واحدة يشاهدها الأبناء في قناة فضائية ، كما يمكن أن تهدمه أغنية واحدة يطربون لسماعها..

إن الإعلام لا يقتصر على تكوين الرأي العام في الأمة بل هو يتدخل إلى أبعد من ذلك بتكوين عقول الناس وضمائرهم .. والإنسان يتأثر بما يسمع وبما يرى فإذا جُبل وتعود على أن يرى علاقة المرأة بالرجل على النحو الذي يعرضه المرضى بالمسلسلات المدبلجة والأفلام الهابطة وما يكتبه بعض كتاب التسول والغاوون والشعراء ورواة الأساطير في وسائل الإعلام المختلفة، فلسوف ينسى الإنسان أن الله سبحانه وتعالى ، خلق الرجل والمرأة، ليقوم بينهما زواج على المودة والرحمة( وَمن أياتهِ أن خلقَ لكم من أنفسكُم أزواجاً لتسكنوا إليها وجعلَ بينكُم مودةً ورحمةً إنَ في ذلكَ لآياتٍ لقومٍ يتفكرونَ) (الروم 21).

ولا يكفي أن تكون أجهزة الإعلام في أيدي وزراء أو( أمناء أقصد خونة ) سواء جاءوا برفع أيادي يائسة فى قاعات أو ساحات أم عبر صناديق مظلمة فى دوائر أنتخابية، فقد ينتهي الأمر إلى سقوطها في يد فرد أو مجموعة من الأفراد من أهل الهوى والمصالح فتفسد أمور الأعلام ، إن رؤساء تحرير الصحف والمجلات ومدراء المؤسسات الإعلامية المقروءة والمسموعة والمرئية الذين توكل إليهم مهامهم بموجب قرارات حكومية فوقية، سيفسدون الأمور أكثر مما يمكن أن تفسد لو تركت لكل من يرى في نفسه الكفاءة للنهوض بأعبائها، وإنما ينبغي أن ينهض أولو الأمر بمسؤولياتهم الإعلامية فيقوم من بينهم علماء متخصصون، أي مرجعيات إجتماعية إعلامية ثقافية أدبية، لاستنباط الأنباء الصالحة التي يكون من شأنها الارتقاء بالذوق العام وتكوين الرأي العام الصالح في الأمة وتوجيه ضمائر الناس وعقولهم إلى المعرفة الصادقة، أولو أمر ممن سبق لهم أن قدموا نتاجاً هادفاً ، يؤهلهم فيما بينهم لتسمية من يدير هذه المؤسسات .

إن أولي الأمر الذين أوجب الله سبحانه وتعالى لهم الطاعة عملاً بقوله تعال: (يَا أيها الذين آمنوا أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم ) (النساء 59). موجودون في الأمور كافة ، في التعليم في الطب في القضاء في الشرطة وكذلك في الإعلام، وأوجب الله سبحانه وتعالى، الطاعة لأولي الأمر جميعاً لتستقيم أمور الناس بالقسط والميزان. لقد أنزلت هذه الآية الكريمة طليقة لا قيد عليها ولا تخصيص فيها ولا أستثناء منها، لتخاطب في المجتمع تركيباً أشبه ما يكون بالتركيب العضوي الذي يتقاعل بذاته تفاعلاً سليماً ليفرز في كل أمر ولياً طبيعياً نجده في كل زمان ومكان. وولي الأمر بهذا التفاعل الذاتي هو كل من يتولى أمراً قيادياً في الجماعة، ليتقدم صفوفها وينظم شئونها ويعى مصالحها ويراقب مسيرتها ويعمل على تحقيق آمالها المشروعة بالأمانة والصدق وفي حدود النظام العام للدولة، ويكتسب ولايته من ثقة الجماعة في علمه وعدله وانتمائه إليها وإخلاصه وتواضعه وتفانيه في خدمتها وحبه وثباته وحرصه على رفع شأنها كالأب في الأسرة لم يضع أحد ورقة في صندوق اقتراعه ليتولى الأمر في أسرته وكالشيخ في عشيرته.

ومن هنا فإن النصيحة التي يمكن أن توجه للإعلامي عامةً وللصحفي خاصةً هي أن يتذرع بالصبر.

جلال أحمد الوحيشي
jalal_libya@yahoo.com


Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home