Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home
Libyan Writer Jalal Othman
الكاتب الليبي جلال عثمان


جلال عـثمان

الخميس 30 سبتمبر 2010

الغلطة الليبية، والخلطة السنغافورية !!

جلال عـثمان

قبل خمسين عاماً كان لا يمكن التنبؤ بمستقبل سنغافورة سوى بوصفهاً مشروعاً صغيراً لمعالجة النفايات، فالجزيرة عبارة عن نقطة صغيرة جداً أسفل ماليزيا، لا يمكن رؤيتها على الخريطة بالعين المجردة، لقد كان للسنغافوريين فرصة ذهبية للهجرة من جزيرة الملح باكراً والتفكير في موطن يضمن لهم الحد الأدنى من الحياة الكريمة، جزيرة يحاصرها الملح من كل جانب، ولا يتوفر لها سوى 30% من المياه الصالحة للشرب عن طريق الأمطار فيما تعالج مياه الصرف الصحي لتوفر 15% أخرى وتستورد الباقي من ماليزيا، جزيرة الملح هذه أيضاً، لا تتجاوز مساحتها شعبية طرابلس، فطولها 43 كيلو متراً وعرضها 23 ويسكنها خمسة ملايين نسمة، والخمسون هي عمر هذه الدولة التي استقلت في العام 1965 فقبل هذا التاريخ لم تكن شيئاً.

لقد فضل السنغافوريون الانتحار جماعياً عندما قرروا البقاء في جزيرة لا توجد فيها سوى الرطوبة القاتلة، لا نفط، ولا غاز ولا الماس، ولا ماء، ولا أي موارد طبيعية أخرى، ناهيك عن أربع أعراق لا تمت الواحدة للثانية بصلة.. أمر ينبئ بشفير حرب أهلية، أو فتنة عنصرية محققة لا محالة طال الزمن أم قصر، فالصينيين يمثلون 75% ، والمالاوي وهم السكان الأصليون 14% و9 % من الهنود، و 1% من الأورآسيويين والباقي أعراق الأخرى.

الخلاصة، أنه منطقياً، واقتصادياً، وسياسياً وبايلوجيا لا يمكن أن يقوم فوق هذه الجزيرة أي مشروع مدني أو حضاري، تماماً كما نعتبر سرير القطوسة أو قرارة سعدة، مجرد مناطق عبور قاحلة لا يمكن أن تقوم فيهما أي نوع من أنواع الحياة، رغم إمكانية إقامة حياة وتطور في هاتين المنطقتين، فهما تتمتعان بعوامل جذب سياحي مهمة، وكان على الأرجح بقاءها مجرد ميناء تجاري كما كانت في القرن الثامن عشر.

إن ما صنعه السنغافوريون خلطة عجيبة، بدأت بالاقتناع التام أن جزيرتهم لا يمكن أن تصلح سوى لزراعة البشر، فصرفوا النظر عن إهدار المياه والمساحات المحدودة من الأراضي، فيما نحن نصرف المليارات تارة على توطين زراعة الموز، وأخرى بتعطيل مشاريع التنمية، بحجة الأراضي الزراعية، ولا نستطيع القول أن سنغافورة تنتهج النظام الرأسمالي المتوحش، رغم كونها من أغنى دول العالم الآن، وأكثرها قرباً من الولايات المتحدة، فهي مسؤولة حتى هذه الساعة عن توفير المسكن لجميع المواطنين، ولم ترفع يدها عنه كما حدث عندنا، حيث جاوز سعر الشقق عنه في سنغافورة وحتى في بعض الولايات في أمريكا الشمالية، كما لم ترفع سنغافورة يدها عن المواطن البسيط فهي تترصده بالرعاية والاهتمام صحياً واجتماعياً وثقافياً، ورغم مظاهر الحضارة الواضحة لديهم فهي مازالت تتشبث بالقيم الاجتماعية وترفض أي تدخل في شؤونها الداخلية، حتى وإن جاء من حليفها الأساسي (الولايات المتحدة الأمريكية) فقد رفض رئيس الوزراء السنغافوري تدخل الرئيس الأمريكي بيل كلنتون للإفراج عن مواطن أمريكي أدين في قضية أخلاقية*، كما تحظر سنغافورة بيع العلكة، ودخول المسافرين بأكثر من علبة تبغ واحدة، رغم ذلك لا نرى من يتهمها بمعاداة الإنسانية ومحاربة الحريات الخاصة، وفي سنغافورة لم يتم افتتاح صالات القمار سوى في هذا العام بواقع صالتين فقط مع إجراءات دخول مشددة بالنسبة للسنغافوريين، وفي سنغافورة أيضاً يكلف إشعال سيجارة في مكان عام ومغلق صاحبه 500 دولار سنغافوري أي ما يعادل 470 دينار ليبي تقريبا،ً فيما ينفث موظفو المصارف عندنا دخان سجائرهم في وجهك على اعتباره حقاً شرعياً لهم، كما يكلف إلقاء منديل ورقي في الطريق العام أو في إحدى وسائل المواصلات ذات المبلغ.

اليوم يضرب السنغافوريون رغم تعدد أعراقهم، مثلاً في التعايش السلمي، والتعاون الاجتماعي، وإذا ما استثنينا طرابلس وبنغازي فإن التوزيع الديموغرافي مازال على أساس قبلي، كما هي المناصب والاختيارات الشعبية، ففي سنغافورة بالضرورة أن تتكون الأحزاب على أساس التنوع العرقي، كما لا يسمح بتجمعات للصينيين وأخرى للهنود وثالثة للمالاوي، ورابعة للإنكليز، أو للأقليات، فالاندماج هو أساس الحياة، لذلك كل ما سألت أحداً هناك قال: لك أنه سنغافوري أولاً، ووطنه هي سنغافورة، أما إذا سألت عن سر هذه الخلطة لوجدته العدل والمساواة والقانون، في قالب من الإرادة والقيم لا أكثر ولا أقل، وجميعها معدومة عندنا والله المستعان!!

ملاحظة غير مهمة: قبل قضائي لثلاثة أسابيع في سنغافورة زرت فيها جل المؤسسات الحكومية، من خلال دورة تدريبية أقامها المجلس الوطني للتطوير الاقتصادي، كنت أعتبر إن كل ما يكتب عن سنغافورة، مجرد دعاية مدفوعة الأجر، موغلة في المبالغة، فإذا اعتبرت أخي القارئ هذا الموضوع كذلك فأعلم أنك في الطريق الصحيح.

jaloth@lttnet.net
____________

* أدين المراهق الأمريكي” مايكل فاي” بتهمة رش الطلاء على السيارات وحكم عليه بالسجن أربعة أشهر وغرامة 2230 دولار سنغافوري، والجلد ست جلدات ورغم تدخل الرئيس كلينتون لم يتم إلا تخفيض الجلدات إلي أربع فقط.


Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home