Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home
Libyan Writer Jalal Ali al-Jehani
الكاتب الليبي جلال علي الجهاني


جلال علي الجهاني

Thursday, 17 August, 2006

مسألة إصلاح الأسرة ( ضرب المرأة )

جلال عـلي الجهاني

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه الطيبين الطاهرين، أما بعد ..

تمهـيد :


فإن الحديث كثر في هذا الزمان، زمان الحريات العامة وحقوق الإنسان، عن تشريع الإسلام للرجل أن يضرب زوجته، الوارد في قوله سبحانه وتعالى في سورة النساء: (الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ بِمَا فَضَّلَ اللَّهُ بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ وَبِمَا أَنْفَقُوا مِنْ أَمْوَالِهِمْ فَالصَّالِحَاتُ قَانِتَاتٌ حَافِظَاتٌ لِلْغَيْبِ بِمَا حَفِظَ اللَّهُ وَاللَّاتِي تَخَافُونَ نُشُوزَهُنَّ فَعِظُوهُنَّ وَاهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضَاجِعِ وَاضْرِبُوهُنَّ فَإِنْ أَطَعْنَكُمْ فَلَا تَبْغُوا عَلَيْهِنَّ سَبِيلًا إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيًّا كَبِيرًا (34)).

فـ(أجاز الإسلام ضرب المرأة)!! هكذا فهم بعض الناس بدون تعمق في فهم النص، وعبروا بهذه العبارة التي تحمل في طيها ما يجعل معناها مستهجناً مرذولاً.

ويفهم هؤلاء أن الله سبحانه وتعالى، قد أنقص من حرمة المرأة ومكانتها كإنسان، إلى مرتبة الحيوانات المملوكة!!

ولا أدري أي شيطان استطاع أن يجعل من الآية الكريمة دليلاً على هذا الفهم المرفوض أساساً بنصوص القرآن الكريم نفسه، حيث قال الله تعالى على سبيل التمثيل لا الحصر: (والمؤمنون والمؤمنات بعضهم من بعض)، (ولهن مثل الذي عليهن بالمعروف) وغير ذلك من الآيات الصريحة في هذا الباب.

لكن يحلو لبعض الناس استخدام الواقع لإسقاطه على فهم النص، كأنما الواقع الذي تعيشه المرأة في المجتمع الإسلامي هو تفسير للقرآن الكريم!!

ولكنهم يتجاهلون هذه الطريقة عندما يتعاملون مع الموضوع ذاته لواقع المرأة في اليابان مثلاً أو الهند، فلا يرجعونه إلى فهم الدين لديهم، أو في أوروبا –ولا شك أن واقع المرأة فيه سيء لكن بصورة غير ظاهرة، فهي عبارة عن سلعة تجارية أكثر منها إنساناً- فلا يرجعون هذا الانحراف إلى الدين في أوروبا إن كان هناك دين باقٍ سوى دين الهوى!!

فهل فعلاً أجاز القرآن الكريم للرجل ضرب امرأته بهذا الإطلاق، من أجل عدم صنعها له كأساً من الشاي، أو طعام الغذاء!!

لا بد لي قبل أن أشرع في توضيح هذه النقطة أن أذكر بعدة نقاط:

1- أن الزواج في الإسلام هو تكوين مؤسسة، ولا بد فيها من إدارة، لأن كل مؤسسة بلا مدير فلا يمكن أن تصبر أمام مصاعب الحياة، ولذا فإن الرجل –غالباً- بحكم خلقته التي أنشأها الله تعالى عليه، هو السيد المسؤول عن هذه المؤسسة، والمرأة هي عضو أساس في هذه المؤسسة، لكنها لا ترتقي إلى قيادتها، لا لاحتقارها أو التنقيص من شأنها، وإنما بسبب أن خلقتها قائمة على أساس غلبة العاطفة في شخصيتها، وهذا أساساً جاء ليكون دافعاً لها على استكمال بناء الأسرة، من حيث الصبر على تربية الأولاد وصيانة هذا البناء من الداخل، وهذا ما عبرت عنه الآية الكريمة التي نتحدث عنها عندما قالت في أولها: (الرجال قوامون على النساء).

2- لا بد من التذكير أن التشريع الإسلامي عموماً في مسائل الأحكام التي تتعلق بمعاش الناس، جاء على طريقين: الطريق الأول: تأسيس الأحكام، والطريق الثاني: تأييد هذه الأحكام بما يحافظ على وجودها بين الناس في المجتمع (العقوبات)، ولذا فإن فلسفة العقوبة في الإسلام ليست قائمة على أساس منفصل عن تشريع الأحكام، بل جاءت لتأييد هذه الأحكام، فمن الخطأ النظر إليها على أنها جزء منفصل من التشريع لا علاقة له بغيره، كما يحلو للبعض تصويره!!

3- أن الله سبحانه وتعالى في اعتقادنا –نحن المسلمين- عندما شرع لنا الأحكام، يحقق لنا المصلحة التي توافق معاشنا في هذه الحياة الدنيا، وذلك لأن الله سبحانه وتعالى أعلم بخلقه (ألا يعلم من خلق وهو اللطيف الخبير)، وهذا الأمر في الحقيقة منطقي ومفهوم لكل متدين، حيث إن الدين –أي دين كان- هو عبارة عن التزام من طرف المتدين، بما يأمر به الدين الذي يعتقده.

ومن هنا جاء تقسيم الأحكام في الشريعة الإسلامية إلى أحكام معقولة المعنى مفهومة الحِكَم والغايات، وإلى أحكام لا تظهر معانيها وغاياتها، ولك في تحريم أكل لحوم الميتة على غير المضطر خير مثال وشاهد من الشرع الإسلامي.

عـود عـلى بدء :

الشرع الإسلامي في الآية الكريمة التي في سورة النساء، جعل للرجل وهو القيم على بيت الزوجية، إذا حصل من الزوجة نشوزٌ، أن يؤدب الرجل زوجته، حتى ترجع إلى صوابها.

وبما أن مسائل الأسرة من المسائل ذات الحساسية، والتي لا ينبغي الجهر بها في مجالس الناس العامة، فإن الشرع الإسلامي أعطى للرجل جزءاً من إمكانية تطبيق الشق الثاني من تشريع الأحكام، وهو التأييد والمحافظة على أساس الأحكام.

إذ الأصل أن المحافظة على تطبيق الأحكام في الشرع من خصوصيات الحاكم والقاضي، وليس لعامة المسلمين تنفيذ الأحكام التأييدية (العقوبات)، بل من يتعدى منصبه ويقوم بتنفيذها دون إذن الحاكم تطاله العقوبة هو نفسه.

لكننا أمام وضع اجتماعي لا يريد الشرع الإسلامي من الأسرة كشف أوراقها أمام الناس، فللرجل في هذه الحالة أن يقوم ببعض التدابير التي جاءت في الآية، ليدفع ذلك الخلل المتوقع في الأسرة.

والنشوز في أرجح التفسيرات هو خروج المرأة عن نظام الأسرة بما يؤدي إلى خللتها وبالتالي يؤدي إلى عدم استقرار الأسرة وفسادها.

فجعلت الآية الكريمة الحكم متدرجاً على وجه الترقي والترتيب، بأمور ترتدع منها المرأة الناشز، وهي: الوعظ، ثم الهجر في المضاجع، ثم الضرب.

ولكي لا نبتعد عن فهم علماء المسلمين لهذه المسألة، أنقل هنا رأي الإمام القرطبي، وهو من أئمة تفسير القرآن الكريم.

قال في تفسير هذه الآية :

[والضرب في هذه الآية هو ضرب الأدب غير المبرح، وهو الذي لا يكسر عظما ولا يشين جارحة كاللكزة ونحوها، فإن المقصود منه الصلاح لا غير.

فلا جرم إذا أدى إلى الهلاك وجب الضمان، وكذلك القول في ضرب المؤدب غلامه لتعليم القرآن والأدب.

وفي صحيح مسلم: (اتقوا الله في النساء فإنكم أخذتموهن بأمانة الله واستحللتم فروجهن بكلمة الله ولكم عليهن ألا يوطئن فرشكم أحدا تكرهونه فإن فعلن فاضربوهن ضربا غير مبرح) الحديث].

فإذاً المسألة لا تعدو أن تكون جزءاً من المحافظة على الأسرة، فلا تحتمل أن يثار حول أصلها كل هذه الإثارة التي نسمعها هنا وهناك، خاصة من زعماء المستشرقين الذين يسكتون عن قتل الأطفال والعجزة في بلاد المسلمين، ويقيمون الدنيا ولا يقعدونها على أحكام الشرع المبين!!

على أننا في بعض البلاد الأوروبية نلاحظ التمييز الصريح ضد المرأة، فبعض الأحزاب الهولندية تمنع انتساب النساء إليها، وأجرة النساء في العديد من الدول الأوروبية أقل من أجرة الرجل!! فلينظروا إلى أنفسهم أولاً إن كانوا منصفين.

ثم إنه لا شك أن واقع المسلمين اليوم ليس هو الصورة التي أرادها الإسلام من أتباعه، فإذا وجدنا فيه رجلاً يؤذي زوجته في حين إن الله تعالى يقول: (وإذا أردتم استبدال زوج مكان زوج وآتيتم إحداهن قنطاراً فلا تأخذوا منه شيئاً، أتأخذونه بهتاناً وإثماً مبيناً)، ويقول: (يا أيها الذين آمنوا لا يحل لكم أن ترثوا النساء كرها، ولا تعضلوهن لتذهبوا ببعض ما آتيتموهن ..)، وغير ذلك من أحكام واضحة وبينة، أقول: فإذا وجدنا في المسلمين من يخالف أحكام الكتاب، فلا يجوز لنا أن ننسب أفعاله إلى الشرع، إذ الشرع لا يقرها.

ولا شك أن الشرع الإسلامي يعاقب الرجل الذي يقوم بضرب زوجته ضرباً غير مبرح، ويعطيها بسببه الحق في الطلاق منه رغماً عنه بحكم القاضي، إنصافاً للمرأة، ولكن هذا لا يمنع أساس الحكم، وهو صلاحية الرجل للمحافظة على الأسرة.

ومن يطالع ما كتبه الفقهاء في أحكام التعزير في كتب السياسة الشرعية، يرى ذلك واضحاً لا مرية فيه، ولا مزايدة من جاهل بأحكام الشرع عليه.

أرجو أن أكون أوضحت باختصار منزلة هذا الحكم الشرعي، وهذا التشريع الرباني، بين منظومة التشريع، ولولا خشية الإطالة لأضفت الشواهد العديدة من واقع العلوم النفسية والاجتماعية التي وصلت إلى النتيجة ذاتها، التي أنزلها الله تعالى في شرعه.

والله يقول الحق وهو يهدي السبيل.


Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home