Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home
Libyan Writer Jalal Ali al-Jehani
الكاتب الليبي جلال علي الجهاني


جلال علي الجهاني

   

Sunday, 6 August, 2006

ما هكذا تورد الإبل يا حداد (2)

جلال عـلي الجهاني

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد سيد الأولين والآخرين، رغم أنف المعاندين الجاحدين.

أما بعد ..

فإني أريد أن أستكمل بيان موضع اللغة في الخطاب الإلهي، في تكميل ردي على الحداد في مقاله المذكور، وذلك ببيان التالي:

أولاً: إن اعتقاد المسلمين أن القرآن هو كلام الله تعالى اللفظي، لا يعني أنه الكلام الوحيد الذي أنزله الله تعالى إلى عباده، فعقيدة المسلمين المتفق عليها بينهم أن التوراة ـ قبل أن يصيبها التحريف طبعاًـ هي أيضاً كلام الله تعالى، وقد نزلت بالعبرانية، وأن الإنجيل الذي أنزله الله تعالى على عبده ونبيه سيدنا عيسى عليه وعلى نبينا الصلاة والسلام هو كلام الله تعالى أيضاً، وقد نزل بغير اللسان العربي، وقد قال الله سبحانه: (وما أرسلنا من رسول إلا بلسان قومه ليبين لهم).

فادعاء أن الله تعالى له لغة يتكلم بها، خارج في حقيقة الأمر عن اعتقاد المسلمين، ولا أدري من أي مصدر كنسي استقاه الحداد، ليصل إلى أن اللغة العربية مقدسة لأنه لغة الإله؟!!

فيبدو لي أن الحداد الذي درس أربع سنوات في كلية أصول الدين بعمان الأردن، نسي أو لم يستطع أن يتذكر أن قواعد عقائد المسلمين أن الله تعالى له صفة الكلام النفسي، لا الكلام اللفظي، كما أشرت في ردي السابق عليه.

صحيح أن اللغة العربية تحتل مكانة عظيمة في الفكر الإسلامي، لا باعتبارها لغة الإله ـ اللهم إلا إذا كان يعتقد أن الإله الذي أنزل التوارة والإنجيل غير الإله الذي أنزل القرآنـ بل باعتبار أن القرآن الكريم نزل بلغة العرب، وأنه محفوظ بحفظ الله تعالى له، ولذا كان للسان العربي مكانة عظيمة من هذا الباب.

أما وجود اختلاف بين اللاهوتيين المسلمين ـ لا أدري كيف أجاز الحداد لنفسه أن ينسب علماء الشرع إلى الإله، أكيد تأثراً بالفكر الكنسي الذي يستخدم هذا المصطلح، لا عليناـ في ترجمة القرآن، فإنما مرجعه إلى مسألة التعبير كما أشار هو، حيث إن ألفاظ اللسان العربي لا يمكن أن تقابلها بسهولة أية ألفاظ في لغة أخرى، وهذا أمر لا يخفى حتى على أهل الألسنة الأخرى من الأجانب .. فإذا كانت حقيقة ترجمة القرآن بهذا الشكل فالمنع من ترجمة النص نفسه أمر مفهوم، أما ترجمة المعاني فهذا أمر لا خلاف في جوازه بين علماء المسلمين.

وإن كان الحداد يقصد مسألة قراءة القرآن في الصلاة بالترجمة لمن لا يعرف العربية، فتلك مسألة فقهية لها أصولها التي لا تخفى على أي مطالع للفقه الإسلامي، وقد أجاز الإمام أبو حنيفة ذلك كما هو معروف.

فالقول بعد ذلك أن تقديس اللغة العربية كان هو المانع من ترجمة نص القرآن قول بعيد عن التحقيق، وعن الفكر السديد.

ثانياً: لا بد من التأكيد المهم على أن معرفة حقائق الإسلام تتطلب من الذي يريد الوصول إلى معرفة الحقيقة بنفسه أن يتقن اللسان العربي، لأنه اللسان الذي يحتوي النص الذي أنزله الله تعالى للناس، والذي يحتوي على أصول المعارف.

وهذه المسألة لا تمثل أي مشكلة، فإن الذي يتعلمون الفكر النصراني يحتاجون إلى معرفة النص اللاتيني للكتاب المقدس، ولذا يلزمهم تعلم اللسان اللاتيني، فلا حاجة إلى تضخيم الموضوع أكبر من حجمه.

أما مسألة علاقة اللغة بالفكر، فكما قلت سابقاً، ما تبناه الحداد دون دليل، لا يستطيع أن يلزم به أحد، وأنا سألته: هل تختلف الرياضيات في عقل العربي عنها في العقل الإنجليزي أو الروسي مثلاً؟

فلا تأثير للغة في فهم قواعد العقل ولا أصول العلم، وإنما اللغة آلة توصل المعرفة، وبقدر ما توجد معارف قد كتبت بلغة ما، وبتعابير تلك اللغة، تكون الحاجة إلى تعلم تلك اللغة، ولا أطيل الكلام هنا.

وبالنسبة لمسألة تزيف الكلام، فيبدو أن الحداد لا يتقن اللسان العربي أيضاً، حيث إنه لم يع أن هذا التعبير مراد به تزييف معاني الكلام المذكور، لا تزييف الألفاظ، ففرحه في غير مفرح، وإنما يقيم لنا شاهداً على حالته، ولله في خلقه شؤون.

معرفة حقيقة الله تعالى :

زعم الحداد فيما زعم في هذا المقال، أنه لا بد من معرفة (طبيعة الله)!! من أجل الوصول إلى معرفة مركزه في الفكر الإسلامي التاريخي، قال المزبور: (بعد النظر في المكانة المقدسة التي تبوّأتها اللغة العربية بعد نزول النص الديني بها ، أعتقد أنه من الضروري لنا الآن التعرّف على فحوى رسالة الوحي ، ومن ثم الانطلاق لاكتشاف طبيعة المُوحي (الله) كما وردت في القرآن نفسه . إن النظر في هذين الأمرين ، سيجعلنا أكثر قربا من تعريف النص المقدس وتحديده ، الأمر الذي من شأنه أن يمكننا من فهم تغلغل النص المقدس في الفكر الإسلامي ، إلى الحد الذي بات فيه المُشكِّل الرئيس لتاريخ وثقافة وتراث العرب).

وقبل الخوض في لب ما طرحه هنا أود الإشارة إلى القارئ النبيه إلى أنه لا بد للمسلم عموماً إذا أراد فهم حقيقة الأحكام الشرعية، أن يفهم العقائد الإسلامية أولاً، لأن العقائد الإسلامية هي الأساس الذي بدونه لا يمكن فهم حقيقة الدين كتكليفات للبشر.

وهذا أمر مقرر، ولذا كانت سيرة سيد البشر عليه الصلاة والسلام تؤكد لنا على أن العقائد هي الأهم في حياة المسلم، بمكثه ثلاثة عشر عاماً يدعو إلى تصحيح الاعتقاد، بتركيز العقائد الصحيحة، وبإبطال العقائد الزائفة القائمة على الأوهام والخرافات.

وبناء على ذلك، فنحن إزاء مسألة فلسفية ذات قيمة عليا، تقتضي أن الفروع المبنية على أصول، لا يمكن النظر إليها بعين التنقيص أو الإزراء، طالما أنها مبنية على أصول صحيحة، وأن المناقشة تكون في الأصول، لا في الفروع، لمعرفة تراكيب الأشياء وحقائقها.

وهذا ما ينادي به علماء المسلمين منذ الزمن الأول، وهو ما اصطلح على تسميته بالأصلين: أي أصول الدين (العقائد) وأصول الفقه (مبادئ التشريع الأصلية).

فإذا جئنا إلى كلام الحداد هنا، فمعرفة الله تعالى بصفاته وأفعاله، لا شك أنها أصل لفهم تكوين الفكر الإسلامي، إلا أن استخدام الحداد لمصطلحات محددة ـ إذا كان يقصدها أثناء الترجمة!! ولم تكن عن جهل بحقيقتهاـ لم يكن موفقاً.

فهو قد استخدم في هذا النص مصطلح طبيعة الله، ولا شك أن هذا المصطلح لدى أهل الفلسفة والعلوم له مدلول غير مصطلح حقيقة، والطبيعيات مصطلح راجع إلى المخلوقات، فاستخدامه هنا خطأ علمي.

ولا شك أن لله حقيقة، لكن هل يمكن إدراكها للعقل البشري؟ مسألة اختلف فيها الفلاسفة إسلاميين وغيرهم، ورجحوا أنه في الدنيا لا يمكن إدراك حقيقة الله تعالى، وإنما اختلافهم في الآخرة هل تدرك أم لا؟ والراجح أيضاً أن حقيقة الله تعالى لا تدرك.

وإنما الذي يدركه الإنسان آثار الله سبحانه، لا كنه حقيقته.

لكن هذا كله غير مقصود للحداد، فإن مقصده معرفة صفات الله تعالى المذكورة في القرآن، وليس حقيقة الله تعالى؛ فخانه التعبير، لعل مرجع ذلك إلى خلل معرفي في التمييز بين مصطلحات العلوم، أو عدم معرفة بها أصلاً.

فإذا جئنا إلى هذه المسألة التي طرحها الحداد: معرفة الله تعالى في القرآن، فهناك عدة ملاحظات على قوله:

وفي ضوء ما تقدم ، ووفقا لوجهة النظر الإسلامية ، التي ترى أن القرآن كلام الله الحرفي المباشر ، فإنه يمكننا أن نفترض فيه كأي خطاب آخر أن يمثل تصورات الإله وأفكاره عن الكون والوجود . ولمحاولة شرح هذا الأمر شرحا وافيا ، فإنه يتحتم عليّ بداية كشف الطبيعة الإلهية كما وصفت في القرآن ، إذ ربما يساعد في شرح إلى أي مدى جسّدت كلماتُ الله ، ليس فقط وصايا وأحكام الدين الإسلامي ، بل ثقافة وتاريخ وتراث العرب أجمع .

أولاً: اعتبار أن خطاب الله تعالى جاء أساسا ليمثل تصوراته، عبارة عن قمة في التشبيه والتجسيم للنص الإلهي بقياسه على الخطاب البشري، وهو بهذا يقل في أحط درجات الوثنية، لأن الوثنية ليست عبادة الأوثان فقط، وإنما افتراض الإله وثناً من أي جهة من الجهات.

ولا أدري إن كان الحداد يؤمن بأن الله تعالى منزه عن كل صفات النقص، وموصوف بكل صفات الكمال، هل يمكنه أن يجعل لله تصورات وأفكاراً، كما هو الحال في خطاب أي بشر؟

الله سبحانه يخاطب الناس لا ليظهر لهم ذاته، بل ليكون بذلك آمراً لهم، ومكلفاً لهم بالتكليفات، ولذا فإن الحق سبحانه إنما خاطبهم بالقدر الذي يحتاجونه، لا بكل الحقائق، ولم يدع أحد من المسلمين طوال التاريخ أن القرآن الكريم فيه كل الحقائق، بل إن الله سبحانه استأثر بعلوم كثيرة لم يطلع الناس عليها، فالقول بأن الله أراد من خلال النص القرآني أن يظهر لنا تصوراته وأفكاره، بعيد كل البعد عن حقيقة الأمر.

ثانياً: وصف الله بأنه صاحب أفكار، لا يمكن أن يصدر عن مؤمن بالله تعالى، يعتقد أن الله تعالى له صفة العلم، وليس الفكر، لأن الفكر يعني مرحلة من التأمل والتدبر، وبذل الجهد من أجل الوصول إلى المعرفة، والله تعالى عالم بكل شيء لا يحتاج إلى تأمل، ولذا فإن علماء التوحيد ذكروا أن الله تعالى لا يوصف بالمعرفة وإنما يوصف بالعلم، لأن المعرفة تستلزم سبق الجهل، وهو محال على الله تعالى، والعلم لا يستلزم ذلك، فلذا يوصف الله تعالى به.

والقول بأن لله أفكاراً عن الكون، يحمل في طياته أن هذه مجرد أفكار، ويمكن أن تكون لنا أفكار موازية، بينما حقيقة الأمر فإن الله تعالى خالق هذا الكون ومدبره، عندما يخبرنا عن هذا الكون فإنه يخبرنا عن حقيقته، لا عن فكرة يمكن أن تكون موافقة له أو مخالفة!!

فلا أدري بالضبط هل الحداد ينتبه إلى كل هذه المعاني، أم أنه يلقي الكلمات كما هي، أم كتابته النص الأصلي بلغة غير لغته ثم ترجمته الخاطئة إلى اللغة العربية هي السبب، أم أن هناك أموراً أخرى وراء ذلك لا نعلمها نحن، أقصد: اعتقادات أخرى لدى الحداد في الله سبحانه وتعالى عما يقول الظالمون علواً كبيراً!!!

ثالثاً: لاحظ أخي القارئ أن منطلق الحداد في فهم النص الديني كانت قاصرة في كل ما كتب على القرآن الكريم، مع أن مفهوم الوحي في الدين الإسلامي يشمل أيضاً السنة النبوية الشريفة، فالسنة شارحة ومبينة للقرآن الكريم، كما أنها مؤسسة ومخبرة بأشياء ليست في القرآن، فهل قصد الحداد ذلك؟ أم تقييده نفسه بذلك من باب عدم الإيمان بالسنة النبوية كمصدر ديني ووحي من عند الله تعالى؟ الله أعلم..

رابعاً: كل من يدرس التاريخ الإسلامي يعلم مدى وجود روح النص الديني في جوانب حياة المسلمين عبر القرون، ولذا فإن محاولة الحداد لكي يثبت ما هو ثابت أشبه بتحصيل الحاصل، وتحصيل الحاصل محال عند العقلاء !!

غير أن النظر إلى الموضوع بطريقة أحادية، بمعنى أنه يبحث عن النص الذي جُسد في حياة المسلمين، طريقة غير سديدة، لأن النصوص الدينية (القرآن والسنة) إنما ظهرت في حياة المسلمين على شكل أحكام شرعية، فكان لا بد من النظر إلى أصول هذه الأحكام، وأقصد بذلك القواعد العقائدية والأصولية لدى المسلمين، ليحاول التماس الطريقة التي بها تم تفسير النص الديني ليكون حكماً شرعياً، دون إقحام الطريقة النصرانية عندما قال الحداد:

(وللحصول على فهم أعمق للدور الذي يلعبه النص المقدس في حياة المسلمين ، فإنه يتعين علينا أولا إدراك المفاهيم الأساسية ، التي تمثل الجوانب التطبيقية العملية لهذا الدور . فوفقا للفيلسوف الألماني "فريدريك شلايرماخر/1834" ، فإن عملية التأويل النفسي هي الطريق إلى فهم كيف أن اللغة سواء كانت مكتوبة أو منطوقة ، تصوّر وتعكس أفكار الإنسان الذي كتبها أو نطقها . أي أن النص أيَّ نص ـ حسب اجتهاد شلايرماخرـ يكون الوسيط اللغوي ، الذي ينقل فكرَ المؤلف إلى القارئ . هذا الاجتهاد يشير بوضوح إلى علاقة جدلية في النص ذاته ؛ بين جانبه اللغوي وجانبه النفسي الذي يشير إلى فكر المؤلف وتجربته . وفي هذا السياق ، يمضي شلايرماخر موضحا: "أن كل عمل فكري ليجدُ صداه منعكسا في النص ، ففيه تكون الأفكار مُبطّنة تكشف عن نفسها" . وأضاف قائلا: "كل خطاب يعتمد على الأفكار المبطنة ... [وعليه] فإن ظاهرية النص ، لا يمكن لها أن تفهم على نحو صحيح إلا عن طريق ردّها ، وذلك بربطها بعالم المؤلف الفكري الداخلي". )!!!!

فالأمر في أحكام الإسلام مختلف، حيث لا وجود لهذه الطبيعة النفسية في تفسير النصوص الدينية، لسبب يسهل جداً فهمه، وهو أن أصول القواعد والمعرفة في الإسلام جاءت من عند الله تعالى أيضاً، بطريقة قطعية لا ظنية، فكانت المرجع الأساس، والمقيد لاكتشاف الأحكام، على عكس ما هو موجود لدى الفكر الكنسي النصراني الذي أرى الحداد يتملس خطاه من خلال هذه النقول ومن الاعتماد على مثل أولئك البعيدين كل البعد عن فهم حقيقة ما يجري !!

وكنت أظن إلى حد قريب أن دراسة الحداد في كلية أصول الدين كان من المفترض أن تجعله يقف على الحقائق كما هي عند أهلها، لكن الأمر ليس كذلك، فهو لم يقف على حقائق الدين في كلية أصول الدين، بقدر ما انصرف إلى الآخرين لكي ينظر بمنظارهم، فسبحان قاسم العقول !!

الاستغناء عن أحكام الله تعالى :

ذكر الحداد في معرض كلامه عن فحوى الرسالة الإسلامية، أن من الأسس التي سببت في تأثير النص الديني على حياة المسلمين، هو أنهم لا يمكنهم الاستغناء عن أحكام الله تعالى (تعالميه ووحيه).

ولا شك في صحة هذا الأمر، لكن العجيب أن الحداد اجتزأ من كل المفكرين الإسلاميين فقط سيد قطب ليكون محدثه عن هذه المسألة، كأنما المسألة جديدة حديثة، على حين أن المسلمين من العهد الأول يعلمون أن معنى الدين هو الالتزام بالأحكام الثابتة فيه بما يجعلهم لو خالفوها قد خالفوا أساس الدين، فالحكم لله سبحانه، والله هو الحاكم في الفكر الإسلامي.

وعلى المسلمين أن يقوموا بتطبيق أحكام الله تعالى في أنفسهم، لكن ذلك وفق أصول وضوابط، وليس بحرفية يحاول رسمها من خلال الانطلاق من فكرة النص، وإن كنت أشك في أن الحداد يميز بين مصطلحات النص والظاهر والمؤول والمحكم والمتشابه، الموجودة في ضمن النص القرآني، فالنص القرآني ليس في درجة واحدة من حيث الدلالة.

ولذا فإن النصوص الدينية في ضمن هذه الدرجات من الدلالة تطبق على حسب القواعد التي استنبطت منها أصالة، وليست المسألة حرفية أو نصية كما يحب أن يرسمها لنا الحداد!!

هذا نقدي لمقالة الحداد في مبدائها، التي ظهر جلياً كونها تحتاج إلى إعادة نظر، أو يمكن القول إنها عبارة عن سراب بقيعة!!

الله والعالم وقانون السببية والنسبية

وأعود الآن لكي أدخل في لبها الذي زعم أنه ساق كل هذه المقدمات ـ التي لم يحسن فهمها على أقل تقدير ولم يستطع أن يقيم على دعاويه فيها دليلـ من أجل الوصول إليه، فأقول :

يزعم الحداد في مقاله أن صفات الله تعالى التي في القرآن الكريم، هي السبب في إبطال مبدأ السببة، ومبدأ النسبية، وأن إبطال هذين المبدأين هو السبب في ظهور الخرافة والجهل والاستبداد والأحادية والقهر في المجتمع الإسلامي عبر التاريخ.

لكن العجيب في الأمر أن هذه الارتباط بين المقدمة والنتيجة لم يستطع الحداد أن يبين لنا وجهه، بل كل ما استطاع أن يطرحه هو فرضية دون دليل، وبالتالي فكلامه كله لا وزن له من الناحية العلمية التي ما يفتأ يحاول الظهور بها ـ طبعاً في رأيي المتواضع هو مرض نفسي أكثر منه فكر فلسفيـ .

ورغم ذلك فإني أخوض معه ما طرحه، من أجل بيان ما فيه من مغالطات وغلطات، فأقول :

أولاً: لم يشرح الحداد أصلا معنى السببية التي زعم أن المسلمين ينفونها، ولم يبين معنى النسبية التي يريد أن يقول أن المسلمين أقصوها عن ساحة فكرهم، مع أنه أصالة كتب مقاله من أجل هذا الشيء، فخرج ما كتبه بذلك عن كونه كتابة علمية إلى ما يمكن أن يوصف بالكتابة خارج الصفحة!!

ما علينا، يمكن أن يكون ذلك لأنه يظن أن مفهوم السببية مفهوماً بدهياً في العلاقات بين الأشياء.

ثانياً: المعروف لدى المسلمين أن الكلام في حقيقة العالم، وفي تكوينه، ليس مبحثاً أساسياً في فهم الأحكام الشرعية، وإن كان مبحثاً أساسياً في فهم أفعال الله تعالى في الكون.

ولذا فإن المسلمين عبر العصور وحتى يومنا هذا، وإن لم يكونوا يدركون مسألة الجوهر الفرد وبنائه في فهم العالم، إلا أنهم يقومون بتنفيذ الأحكام الشرعية، والأحكام الشرعية قائمة أساساً على فهمهم لخطاب الله تعالى، من خلال أدوات الفهم والبيان.

وهذه الأحكام الشرعية هي في نفسها صحيحة وعادلة لأنها من عند الله ـ هذا وفق اعتقاد المسلمينـ ، ولذا لا تحتاج مسألة تأثير النص الديني في حياة المسلمين إلى أن يدركوا لا السببية ولا حقيقة الجوهر الفرد، التي يظن الحداد أنه يفهمهما، وأنا أتحداه أمام الملايين من الناس أن يكون فاهماً لما يقوله في هاتين المسألتين، وأن يبين لنا حقيقة قول المسلمين فيهما.

ثالثاً: بدأ الحداد بالكلام عن صفات الله تعالى، ناقلاً لنا نص الإمام حجة الإسلام ـ رغم أنف من أبىـ أبي حامد الغزالي، في ذكر صفات الله تعالى على الإجمال.

ولا شك أنه ليس من غرض الحداد هنا الكلام عن أدلة هذه الصفات، عقلاً ونقلاً، ولا الخوض في بيان معانيها، ولكن غرضه إثبات أن المسلمين يؤمنون بها، ومن ثم إلزامهم بأنهم بقولهم بهذه الصفات قائلون بنفي السببية والنسبية!!

واختار الحداد صفتين: الأولى: الوحدانية لله تعالى، والثانية: كونه سبحانه وتعالى صاحب الحق المطلق (وإن لم تكن هذه من صفات الذات، وإنما الكلام عن أفعاله، ومن الواضح عدم تفريق الحداد بين صفات الذات وصفات الأفعال، فهذه علوم يبدو أنها لم تطرق سمعه!!).

فقال الحداد في مقاله: (مما سبق عرضه يتبين لنا أن الفكر الإسلامي كان قد تأسس على الاعتقاد بمبدأ الوحدانية ، الذي يتضمن وحدة الخلق والحياة والبشرية والحقيقة)!!

وهنا لا ينقضي عجبي من شرحه لمجالات الوحدانية، فقد اخترع لنا وحدانية سماها وحدانية الحياة!! وأعجب من ذلك وأدهى وأمر وحدانية البشرية!! فمعنى ذلك أنه لا توجد إلا حياة واحدة، ولا توجد إلا بشرية واحدة!! وهل هذه صفة من صفات الله تعالى أيها الحداد!!

فصفة الوحدانية لله تعالى خاصة بوحدة الذات والصفات والأفعال، ولا علاقة لها بالبشرية والحياة والحقيقة!!

ومن هنا يتبين لكل متأمل في مقال الحداد أنه يبني نتائج على ما لا يعرفه من مقدمات، فبالله عليكم أيها العقلاء كيف سيكون الأمر؟!!

ثم يعود ليستنبط من ذلك أن الله تعالى له حقيقة الانفصال التام عن المخلوقين، لأنه واحد، وهذا حق، لكنه أراد به باطلاً ـ كعادته إن كان ينقل الصوابـ وفسر لنا الانفصال بأن الله تعالى ليس له شريك في الخلق، وأنه المنفرد في الخلق، وهذا صحيح، لكن ما علاقة ذلك بالانفصال، فالانفصال في عرف الفلاسفة وعلماء الفيزياء هو التمايز، وتمايز الله تعالى عن خلقه حاصل حقاً، لا علاقة له بكونه المتفرد بالخلق وحده!! على أن الانفصال والاتصال من صفات الأجسام والأجرام، ولذا لا يوصف الله تعالى بالانفصال عن خلقه إلا بمعنى التمايز، لكي لا نقول بالحلول والاتحاد!! فأي معنى قام بربطه هذا الحداد لكي يستنبط من معنى تمايز الله تعالى عن خلقه بنفي قانون السببية؟!!

رابعاً: السببية بمعنى أن لكل أثر مؤثر، ولكل معلول علة، أمر لم ينكره الفكر الإسلامي مطلقاً، بل هو أساس في إثبات وجود الله تعالى عقلاً عند العقلاء من المسلمين وغيرهم، ولكن المسألة التي ينبغي النظر فيها وأراد الحداد أن يشنع على آراء بعض المسلمين فيها، هي أن السبب في خلق المتلازمات في الخارج، هل هو الله تعالى أم هو نفس تلك الذوات المقترنة؟

فمثلاً: يقترن الإحراق بالنار دائماً، لكن هل النار هي السبب في الإحراق، أم أن الله تعالى هو الذي يخلق الاحتراق عند اقتران النار بها؟

هذه المسألة النظرية، ليست لها أي علاقة بوجود العلوم والمعارف في المجتمعات، لأن المسلمين عندما قالوا بذلك لم ينفوا وجود الاقتران بينها، وهذا الاقتران كافٍ لقيام العلوم التجريبية على أساسه، وهو ما حصل فعلاً لدى المسلمين في القرون الماضية، ولا يمكنني الآن الحديث عن اكتشافات واختراعات المسلمين التي يعرفها المسلم والكافر بله العلماني الجاهل!! فهذه حقيقة من الحقائق لا تحتاج إلى كشف وتوضيح.

ولعلني أثقل عليك أخي القاري بنقلي لك هذا النص من كلام الدكتور البوطي في مقال له عن الإمام الغزالي، حول هذه المسألة، لكنه يزيدك معرفة لحقيقة هذه المسألة التي يحاول الحداد وبعض أنصاف المتعلمين من الكتاب التشنيع بها على المسلمين ومعارفهم، فاصبر معي قليلاً.

قال الدكتور البوطي :

وحسبك أن تقف منه على ذلك التحليل العلمي العجيب الذي ناقش من خلاله الفلاسفة الإغريقيين ومقلديهم من الفلاسفة الإسلاميين، في مسألة قانون السببية وحقيقته.

لقد برهن من خلال بيان طويل الذيل على أن ما نتوهمه سبباً يستلزم على وجه الحتم والضرورة مُسَبَّـبُـهُ في دنيا الطبيعة وأشيائها المادية، لا يعدو في الحقيقة أن يكون في حجمه العلمي الدقيق، اقترانات مجردة، أضاف إليها الوهم النفسي من عنده ـ بسبب طول الاقتران وعدم انفكاكهـ حكماً فضولياً من عنده دون أي رصيد علمي، ألا وهو توهم حتمية هذا الاقتران في الماضي وفيما لا يزال؛ وليس لقرار النفس هذا من برهان على ذلك إلا استمرار الاقتران.‏

وأهم ما في هذا البحث العجيب الذي تناوله الغزالي من أطرافه العلمية كلها، وسبق في ذلك العلماء الوضعيين والتجريبيين الذين جاؤوا فيما بعد، أنه نبَّه من خلاله إلى ما سماه "اليقين التدريبي"، وإلى الفرق الدقيق الذي لا يتبينه كثيرٌ من الباحثين بينه وبين اليقين العلمي.‏

وأنا لا أعلم ـ اعتماداً على اطلاعيـ أحداً سبق الغزالي إلى الحديث عن "اليقين التدريبي" هذا، والفرق بينه وبين اليقين العلمي، ولكم التبس على باحثين وعلماء الفرق بينهما!..‏

واليقين العلمي هو ذاك الذي يعتمد على براهين علمية مجرَّدة، بعيداً عن سلطان النفس وتأثراتها، وهو يحتاج، كما يقرر الغزالي في أكثر من موضع في كتابه الإحياء، إلى معاناة دائبة تهدف إلى تحرير العقل من أهواء النفس وأوهامها، كما يحتاج إلى تعبيد الطريق إليه وتصفيته من تعاريج الزغل الفكري وتضاريس الظنون والعصبيات.‏

أما اليقين التدريبي فهو ما توافرت لديه البراهين التي تُكسب النفس طمأنينة إليه وثقة بإمكان الاعتماد عليه، ومن أبرز أمثلته فيما يراه الغزالي تلك الاقترانات التي يتخيلها الإنسان أسباباً ومسببات، فإنَّ طول الاقتران بين أمرينِ دون ظهور أي انفكاك بينهما، يورث النفس طمأنينة بأن الاقترانَ سيستمر وأنَّ شذوذاً لن يقع في العلاقة القائمة بينهما، وذلك كيقين النفس بأنَّ النار ستظل محرقة، اعتماداً على التجارب المتكررة الماضية التي لم يظهر فيها أي شذوذ.‏

ويقرِّرُ الغزاليّ أن هذا اليقين، وإن لم يكن علمياً، غير أن فيه من القوة ما يكفي للاعتماد عليه في إقامة أنظمة الحياة، والتعامل معها طبقاً لنواميسها القائمة، وما يضمن للإنسان أن لا يتيه ويضطرب وسط الاحتمالات العقلية التي قد تجعله لا يثق بشيء، خصوصاً عندما سمع العلماء يقولون: إن هذه الاقترانات القائمة بين ما نراه أسباباً ومسببات لا وثوق بها، وليس ثمةَ دليل علمي على حتمية العلاقة بينهما.‏

غير أنَّ على الإنسان أن يتحرر من هذا اليقين التدريبي عندما يريد أن يتأمل ويحاكم الأمور إلى براهينها العلمية الصافية عن الشوائب، وأن يحرص على وضعها في ميزان القرار العقلي المجرد؛ ذلك لأنَّ التعامل السلوكي مع الحياة شيء، ودراسة قوانينها على ضوء الأدلة العلمية المجردة شيء آخر.‏

وأعود فأكرر ما قلته: إنني لا أزال أعتقد أنَّ الغزالي هو أول من كشف عن هذا الفرق بين هذين النوعين من اليقين: اليقين التدريبي النفسي، واليقين العقلي المجرد، وميز بين وظيفة كل منهما، وحدد لكل منهما مجاله وعمله.‏

فإن كنتُ مخطئاً، وكان ثمة من سبق الغزالي إلى بيان هذه الحقيقة المهمة، فله مني الشكر الجزيل، إن هو تكرم فنبهني إلى ذلك، وذكر لي اسم ذلك العالم أو الفيلسوف الذي سبقه إلى الحديث عن "اليقين التدريبي" ومظاهر الفرق بينه وبين "اليقين العلمي".‏

ولا ريب عندي في أن هذا التحليل المهم، يشكل مَعلمَة بالغة الأهمية على طريق منهج المعرفة والسلوك.).

انتهى كلام الدكتور البوطي، ومن أراد النص كاملاً فيجده منشوراً في موقع مجلة التراث.

أما كلام الحداد عن نظرية الجوهر الفرد فأمر مثير للعجب، ألم يعلم هذا المفكر!! أن هذه النظرية هي التي يقوم عليها علم الفيزياء الحديثة، وأن النظريات التي كانت قبل ذلك في تفسير حقيقة العالم آلت جميعها إلى السقوط أمام هذه النظرية التي تبين أن العالم عبارة عن مجموعات من أجزاء متناهية في الصغر، باجتماعها على شكل كيفيات مختلفة تتكون الأجسام والعوالم.

إلا أن الأغرب من ذلك والأعجب، هو ربطه بين هذه النظرية في تفسير حقيقة العالم، وبين نفي السببية، فالمسلمون لم ينفوا السببية، وإنما عزوها إلى الله تعالى على اعتبار أن الاقتران ليس إلا في الظاهر، كما أوضحه الدكتور البوطي، لكن عذر الحداد في هذا الأمر ليس إلا الجهل، وليس هو بعذر، فتأمل!!

أما كلامه عن الزمان فمن أعجب العجب، فياليته رجع إلى أي كتاب في علم الكلام ليرى رأي علماء المسلمين في مفهوم الزمان، بدل أن ينقل عمن لا يحسن هذه المعارف، لأنه لم يأخذها من مصادرها الأصلية.

ثم قال الحداد معقباً على كل ما ذكر من وهم ارتباط صفة خلق الله تعالى للأسباب ونتائجها: (لسوء الحظ ، فإن هذا الاعتقاد كان قد غمر الثقافة الإسلامية برمتها ، ومنذ ذلكم الحين أخذ الفكر الإسلامي يتجه حثيثا نحو عالم الخرافة والسحر والشعوذة ، وهو غارق فيه إلى يومنا هذا)!!

وهذه دعوى عريضة، لا دليل عليها أبداً، فوجود الاقتران بين الأسباب ونتائجها لا يعني أبداً الدخول في الخرافة، التي هي بناء أحكام على غير قواعد ومبادئ.

ثم ألم يعلم أن هذه الأشياء مذمومة في الفكر الإٍسلامي، أم أنه يريد أن يلزم الفكر الإسلامي بأخطاء بعض المسلمين عبر التاريخ، ولكن هل هذا منهج صحيح؟

إن هذا الكلام لا يعدو أن يكون دعوى أقل ما يقال فيها أنها صدرت بجهل عن صحابها، وإلا فهي مصيبة إن كان يقصد ما يقول!! حيث تسقطه عن رتبة من يفهم حقائق التاريخ الإسلامي وعمليات التاريخ فيه.

وللحديث خاتمة لنقد ما تبقى من أوهام، وللتعليق على ما صدر منه من !!!!! .. فإلى اللقاء قريباً إن شاء الله، وعذراً للقارئ على الإطالة..

ملحوظة : يجوز إعادة نشر هذه الدراسة بدون أي إذن من الكاتب، ولن أعد ذلك قرصنة فكرية!!

إلى اللقاء ..

جلال عـلي الجهاني


   

Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home