Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home
Libyan Writer Dr. Jaballah Mousa Hasan

Dr. Jaballah Mousa

Tuesday, 25 December, 2007

برقة فى مواجهة ثقافة "العـشة"!!(*)

د. جاب الله موسى حسن

يبدو أن بين سكان المناطق الشرقية وبين القذافي اتفاقية ودية غير موقعة فحواها :
أن يعطي القذافي الحرية الكاملة السكان هذه المناطق في أن يئنوا ويتوجعوا ...
لتتساوى مع حريته المطلقة، في سرقة نفطهم واستباحة كرامتهم!!

لعل قد حان الأوان لطرح أسباب كتاباتنا وأحاديثنا عن شعب الشرق وحقة فى تقرير المصير بطريقة أخرى مختلفة ، بفرضيات مختلفة، و بأدوات تحليل مختلفة ،أي دون أن تكون فرضيات ،"الجهوية"، "الأقليمية", "خطوط سيف الخظراء والحمراء" هي الفرضيات القابلة للتشغيل من اجل تحليل ما جرى ويجرى فى المناطق الشرقية فى ما كان يعرف بليبيا،بل يمكن القول أن الحاجة الى إدخال عوامل اخرى تخص سكان برقة وخصوصية هذ المقاطعة الغنية بنفطها وتراثها الجهادى في التحليل باتت ضرورية وغير قابلة للتجاهل أو الارجاء،وذلك بسبب ما بدأت تبديه (هذه العوامل) من حيوية في رفع الحجب veils والأستار عما هو مستغلق أو غير قابل للطرح في المسرح السياسي داخل ما كان يعرف بليبيا وخارجها، ولا يخامرنا الشك في أن عامل الثقافة السياسية وذهنية الخيمة وتسطيح العقول التى مارسها نظام طرابلس العار طيلة الثلاث عقود ونيف من الزمن هى وفي مقدمة العوامل التى تحتاج الى رفع درجة الانتباه الى دورها في إعاقة فهم مطالب وطموحات شعب الشرق فى الحرية والرفاهية والحياة الكريمة!!
نعم ليس من شك لدينا في مسؤلية نظام طرابلس الخذلان في تخريب المؤسسات التعليمية ومصادرة الحريات واهدار الكرامات في طول ما كان يعرف بليبيا وعرضها، وبالتالي إعاقة التنويروتهميش الضمير ،سواء من خلال تسيس التعليم وتثويرالمناهج الأكادمية لخدمة أغراضه الهدامة،أو في ابتزاز المواطنين وممارسة اشكال الضغط كافة من أجل دفعهم الى التعايش مع الفقر والذل والهوان.والسؤال هو: من يملك أن يجادل في نجاحات آليات سلطة نظام طرابلس في تحقيق اهدافها الشيطانية في إعاقة التنوير وتجميد التطوير، إليات تتغذى من واقع وجود بيئة اجتماعية أبوية انتجتها وتعيد انتاجها ثقافة الخيمة " العشة"!!
اننى لا نجانب الحقيقة في شئ حين نقول أن المعركة من اجل تحقيق تقرير المصير لسكان المناطق الشرقية هي بالتعريف معركة سياسية ،في المقام الأول ،قبل أن تكون اقتصادية ،بل قل أن الوجه الاقتصادي فيها هو الترجمة المادية العليا لاستواء شروطها التحتية في تحقيق استقلال هذة المناطق الغنية بمواردها النفطية.لا أحد يتوقع أن ينجح الجدل السياسى السلمى فى تحقيق الأستقلال المنشود لسكان المناطق الشرقية فى ما كان يعرف بليبيا, لسبب بسيط وهو أنة لايويجد فى ابجديات ثقافة "العشة" ثقافة الخيمة شئى أسمة الأنتخابات أى الأحتكام لأرادة الشعوب وأننا عل يقين تام بأن الأحتكام لهذة الألية الحضارية فى تحقيق ارادة شعب الشرق فى الأنضواء أو الأنفصال لايمكن أن تتبلور في مجتمع يرزح تحت ظل ثقافة "العشة المتنقلة" ثقافة أحادية التوجة والممارسة!!
ثقافة ساهمت وتساهم بشكل فعال في طمس الهوية البرقاوية ومسخ ثقافة شعب الشرق....ثقافة تعانى من فقدان حاسة التمييز بين البصر البصيرة...ثقافة تعانى من فقدان الأطر المرجعية لوجودها ،ثقافة وثيقة الارتباط بالروح القبلية والتنظيم شبه الإقطاعي. ثقافة تقوم على سلطة الأب المطلقة ويمثل فيه أفراد المجتمع المركز الأدنى (كلامنا هنا يتناول النظام الأبوي بمعناه السياسي وليس بمعنى البيولوجي للكلمة) الأمر الذي يستدعي تسليط الضوء على النظام الأبوي وهو الأب الشرعى لثقافة "العشة"،نظام يدعي لنفسه امتلاك الحقيقة الكاملة،دون أن يضع في الاعتبارالمصالح الأقتصادية،والمتغيرات الأقليمية،وحالة التذمر والغليان التى يعيشها سكان المناطق الشرقية فى ما كان يعرف بليبيا،وغيرها من المتغيرات الاجتماعية السريعة والمتلاحقة.وفي لغة الثقافة الأبوية تكمن جميع آليات السيطرة في المفاهيم والتعابير والقيم والألفاظ والأساليب ،بالإضافة إلي أشكالها المادية المتمثلة في وسائل القمع والسيطرة العنفية ،أنها لغة القبضة المغلقة. وهذه اللغة غير قادرة على التعبير العلمي،أي على استيعاب المعرفة العلمية والتعبير عنها بتفاصيلها الدقيقة، ولكي تحمي كيانها لغة السلطة الابوية -- المنبثقة عن ثقافة العشة----- ازاء العلم والحداثة Modernism فهي لا تتعامل إلا بالمطلقات والكليات ولا ترضى إلا بالقبول الكلي أو الرفض الكلي حيث لا مكان لحلول الوسط ، وهذا غالبا ما يرجع الى افتقارها لمقاومات واسس الحوار ومن ثم وقوعها في غائلة الاستبداد والتعنتر ،لكنها رغم عنتريتها لغة دفاعية تخشى التفاعل والحوار وتحتمي وراء مفهوم الضحيةVictimage عند مجابهة الازمات،و وراء الفكر التراثي المنغلق على ذاته في جميع مجابهاتها مع الواقع التى تعيشه، وغالبا ما تنقصها مقومات الأمل والرؤية المستقبلية وذهنية التسامح مع الرأى الأخر,بل تعمل على تبخيسة والأقلال من قيمتة كوصفها للراى المناهض لأستبدادها بالعمالة والأرتزاق!!
ويدعم هشام شرابي هذا المنظورPerspective بالقول…"النظام الأبوي لا يمكن أن يحقق الحداثة بمعناه الاصيل فهو ليس تقليديا بكل معنى الكلمة انه يعيش في ظل خطابين :في ظل خطاب الحقيقة الشاملة الكلية وفي خطاب الحقيقة الحديثة المحدودة .المهم انه عاجز عن التعامل مع أي منهما بشكل عقلاني منظم يمكنه من إرساء علاقته بالماضي (التاريخ) أو بالواقع (بالحاضر) أو بالمستقبل ،من خلال وعي ذاتي مستقل لهذا فهو نظام متضارب تحكمه التناقضات على صعيد الفكر وعلى صعيد الممارسة والحياة اليومية فهو مثلا في حين يحلم بالوحدة الشاملة يمارس التفتت والتشرذم،وفي حين يسن القوانين والدساتير المثالية لا يتعاطي إلا القمع والاكراه ،وحين ينادي بالمبادئ السامية والحقوق الانسانية (الحرية ،الديمقراطية ،العداله) يناقض باعماله وممارساته كل القيم الاخلاقية وكل حقوق المواطن والانسان وفي هذا المجتمع تتجسد السلطة في الارادة الفردية لا في المؤسسات أو القوانيين أو العلاقات الموضوعية ،الامر الذي يفسر تخلفه العلمي وغياب المجتمع المدني فيه وفقر إنتاجه الفكري والأدبي والفني" وفهم مأزق حالة الذل والهوان التى يعيشها سكان المناطق الشرقية فى ما كان يعرف بليبيا يكمن في فصل المقدماتPremises عن نتائجها المحتومة, حيث اننا لانستطيع أن نلغي الصلة الطبيعية التي تربط الظواهر النفس ـ سياسية عن الظواهر الإنسانية الأخرى ،وذلك وفقا لنظرية النظام العام والتي بموجبها يعرف الكل بواسطة الجزء.وبمنظورظاهرتي Phenomenological Perspective موضوعي لا بد من العودة إلى السنوات الأولى من حياة هذا الطاغوت وفق مجتمع تخيم علية ثقافة الصحراء ثقافة "العشة".فالتربية فى هذا المجتمع حتما قامعةRepressive ولا تسمح بالحوارDialogue والنقاش ،مع انتفاء طلاوة الكلام والكياسة أثناء الحديث.والقمع ينتقل بالتماهي Identification تماهي المظلوم مع ظالمه، لأب متسلط ولايسمح لأبنه بالكلام،ولأخ الأكبر يقمع ويستبد ويمنح وحده الحرية. ولا يجد هذا المواطن الجلاد/ الضحية احترام الغير بقدر ما نلاحظ أن الأم تدفع ابنها للعنف والاعتداء ،اكثر مما تدفعه للتعاون والتفاهم وإحياء روح الفريق مع غيره . تعزز حياة الآسرة كمؤسسة اجتماعية أولى في المجتمع طرق وسلوكيات التربية وعلاقات ألام بأولادها ،عوامل مقومات نشؤ الحاكم العصابي Psychoneurosis واستمراره ،فالام تعزز في نفس الاولاد الطاعة والاستسلام من جهه والتخوف من جهة أخرى. تهدد ألام الأبناء بالأب الذي سوف يأتي ويقصف العمر ويكسر ويقتل ويذل، وتهدد ولدها بالعفريت والبعبع Bete Noire والجن وتخوفه من نار جهنم ،وتلقن ألام ابنها قصص عن الأنبياء ،والسحر وأحاديث قمعية أخرى بالإضافة الى كثرة الأسئلة المشحونة بالتحذيرات من التفاعل مع الواقع ومع الآخرين.كلها ميكانيزمات تعمل جاهدة على اذلال المواطن وقهرة. التربية عند ألام تعني الارضاخية Submissiveness بالاكرهات والمفروضات والتخويف والترهيب ،ويكون دور المدرسة موازيا من حيث اللانقاش واللاحوار ،وفقدان حرية التعبير ،والاهتمام بحفظ مقولات القايد المطلقة والملساء وترديدها فى طابور الصباح,ناهيك عن انتفاء التلقائية وروح المبادرة في العملية التربوية .هناك دائما في البيت والمدرسة وحلاقات الدراسة رئيس أو فكرة متسلطة . والمطلوب دائما هو التلقي وعدم النقاش !!
وعلى النقيض نجد أن النظم المؤسساتية الأكثر تقدما فى الغرب الحضارى وتحديدا الولايات المتحدة الأمريكية غالبا ما يكتنف حوارمواطنيها نوع من التلقائية الدائمة في الحياة الاجتماعية.حيث نجد الأسر يتجاذب أفرادها إطراف الحديث وينصت كل منهما للأخر باهتمام، وهذا ما نجده متمظهراً على شاشة التلفزيون في معظم أن لم يكن في كل قنواتهم التي نشاهدها هنا فى الولايات المتحدة الأمريكية،هناك دائما حوار جاد حول القضايا المختلفة. وهنا يستدعي دور الثقة التي تنتقل بالتماهي تماهي المتلقي مع المرسل, ومن ثم تنمية العقلية الحوراية لدى الأفراد، فعملية تنمية الحوار هي نوع من الغنى العقلي في الثقافة التي تحتمل الخلاف في وجهات النظر. ولعل هذا ما يميز المجتمعات الديمقراطية فى الغرب الليبرالى قياساً بالمجتمعات التي تخيم عليها ثقافة الخيمة ثقافة الصحراء, ثقافة الجدب واللأعطاء.!!
فثقافة الجدب واللأعطاء المتمثلة فى ثقافة "العشة" لا يحتمل أفرادها سواء تنشئة التلقين والذي لا يسمع الكلام يعاقب. تنشئة جعلت معظم أن لم يكن كل أفراد المجتمع فى ما كان يعرف بليبيا مجموعه من المستمعين الطيعين المطُعين أو إطاعة أمر من يكبرهم في السن، حيث الخطاب السائد في تنشئة مواطن ما كان يعرف بليبيا ينطق بالطاعة ابتداء بالسمع والإذعان وانتهاء بالسكوت والسلبية على غرار "وين الكبار يتكلموا الصغار يسكتوا" وخطاب السمع والإذعان جعلنا ننظر إلى الطفل الليبيى على حد تعبير الصادق النيهوم على" انه مواطن مسئول ينشد الأناشيد الحماسية ويرتل القرآن،قبل أن يتجاوز العاشرة من عمره.انه محروم من حقه الشرعي في أن لا يهتم بما لا يعنيه ،وملزم بأن يتجاوز طفولته ،ويصبح دائما اكبر من عمره،لكي يرضى والده ومعلمه اللذين يعتقدان لسبب يعلمه الله،أن الطفولة أمر مشين" !!
هذا النوع من التنشئة الاجتماعية جعلت مجتمعنا يقفز الى النتائج دون ان يمر بالأولويات (الحوار، السماح بالرأي والرأي الأخر) في معالجتنا للقضايا،جعلتنا نحتكم للعاطفة في قرارتنا دون ان نجمع ونطرح حتى يكون لدينا قرار عقلاني يخدم مصالحنا،جعلتنا نطلب المستحيل قبل ان نطلب الممكن ،حتى بيولوجيا الوليد يبدأ صغيرا ثم يكبر وفق نظرية النشؤ والارتقاء الطبيعي للانسان.لندعه يولد أولا اما أن نعجل من ولادته ظنا منا انه سيولد عملاقا أو عظيما فذلك يساوي بالضيط منطق القعود عن السير حتى تقوى الاقدام ،بينما يقول المنطق البيولوجي ان الاقدام لا تقوى إلا بالسير .لقد امضى الصينيون ردحا طويلا من الزمن في دراسة الطبيعة البشرية فكسبوا قدرا كبيرا من حدة الذهن أوردوها في قولهم المأثور "أن من يمشي هونا يمشي دهرا" تلك خبرات الشعوب والأمم،أما التعامل بمفهوم كل شئ أو لا شئ فلن يكون نصيبه إلا الشق الأخير من الجملة!!
وفهم مواطن ما كان يعرف بليبيا وتصوراته التي يسقطها على النظام الأبوي تجسد الاتكالية المتوازية مع مواقف طفليه ،وانتظار إيصال كل شئ من الأب.ثقافة الصحراء واللأنماء تعد الولد لأن يتسلط على أقرانه ويتمسك بفرديته اكثر من التوجه صوب التعاون والتفاهم وعمل الفريق. ثقافة طاغية تقهر ،وتغلب ،وتمنع التحرر...ثقافة أصبحت تشكل الترجمة المادية العليا لاستيفاء شروط التربية السياسية القامعة والتي مهدت لتغذية الأنا مركزيةEgo -Centric والتسلط والتفرد. فطاغوت طرابلس منذ اغتصابة للسلطة اصبح يسعى بلا وعي لأن يكون مستبدا فعلا وعادلا كلاميا . يتوقع في نفسه أن يكون منقذا .يأتي فيعمل على هدم من سبقه ،بل وعلى التشكيك في كل ما سبقه ، ويقدم نفسه على انه الزعيم الأوحد والقائد المفكر .فأصبح شعبنا مهيض الجناح لا يتخيل "قيادة القذاذفة" خارج فكرة الأبديةPerpetuity أو خارج فكرة المستبد العادل أو صورة الأب الحنون بقساوه .حتى أصبحت صورة القذافى ماثلة في مخيلة المواطن الليبيى على انه ذو قدرات كثيرة يؤمن لهم الحماية والرعاية والنجاحية والسلطة والثروة لجان شعبية تؤمن لهم مستقبلهم. ومع مستقبل يصعب استشرافه, اصبح مواطن المناطق الشرقية يعيش ماضياً ضاعت حقائقه بين مقولات ملساء مطلقة بلا ملامح،مواطن يعيش حاضراً ضاعت ملامحه في ضباب إعلام موجه فاقد الثقة في نفسه قبل أن يفقدها الغير فيه،مواطن ينتظر مستقبلاً غابت أوصافه في العجز عن التنبؤ، مواطن يعيش خارج الزمن ويتكلم عن الزمن.وهذه العوامل مجتمعة تهئ للاقتبال الواعي و اللاواعي لطاغى يفرض ويستبد ويطلب الرضوخ !!
من هذه المقدمات نأخذ حاكم طرابلس صاحب الفضل الكبير في تجسيد ثقافة "العشة" في خلق مجتمع لا ينتج ما يستهلك ،غير صناعي ، نفاجي ،غير منظم عقلانيا ،يعاني من فقدان الأطر المرجعية لوجوده ، استهلاكي عشائري التوجه Clannish Oriented .مجتمع يرفض التعددية باعتبارها خيانة، برغم غياب معرفة الفرق بين الأمانة والخيانة ، مجتمع فاقد حاسة التقييم و متحيز بشكل تلقائي. مجتمع سُجن في زنزانة الخوف من المجهول وهاجس المؤامرة، مجتمع رهينة سندروم ماذا تقصد في كل ما تقول؟ مجتمع جعل من رفض ونبذ الديمقراطية (بدعوى كونها غربية) طريقته في التعامل .مجتمع يرفض المشاركة والمسائلة والحوار مع نفسه والأخر خوفاً من بطش الأب الحنون بقساوة , مجتمع دفن تاريخه ورأسه في التراب، ، مجتمع يحمل شهادة وفاته في انتظار توقيع الصقر الأوحد. وإذا ما أخضعنا ممارسات حاكم طرابلس للتفكير التأملي والتحليل السايكو _ سياسي _ وفق منظور ظاهرتي موضوعي _ سوف يتضح لنا أن هذا الحاكم المستبد يمثل غطاء نفسي ،أو مجموعة اعتبارات تبعث الاطمئنان الرادع وتمثل الرمزية المانحة المانعة ،فالقذافى أصبح بالنسبة لمواطن ما كان يعرف بليبيا حماية وهمية ودرع ضد قلق وهمي وعدو وهمي، عدو يخلقه بنفسه لحماية نفسه . ثقافة "العشة" تنتج وتعيد أنتاج ثقافة سياسية عبثية تبقينا أطفالا بحاجة لأبطال .وتربيتنا تغذي فينا روح التواكلية أمام الأبطال حيث عرفت أحياؤنا الشعبية أشكالا عديدة للبطل المسمى حينا "الراجل" أو"الغضيب" وعلى ذراعه وشم سمكة أو ثعبان أو أمراءه عارية وسكين ويهدد ويفرض سلطته ويلتذ بذلك ،وهنا يكون أيضا "الوجيه"شيخ كبير في السن يعاني من الخرف Senile أحيانا وذو وجه مدور وكرش كبير ويرتدي جلابية من صنع صيني لتغطية كرشه ويحمل بيده سبحه بعض الأحيان كرمز للتقوى!!
علاقاتنا الاجتماعية غير تعاونية، بل إرضاخية ،والمواطن الليبيى في هذه البيئة الاجتماعية النفسية يرسم دائما صوره مثالية للبطل المرجو ،صورة تكمل الأوضاع المعيشية والأماني اللاواقعية،صورتعوض المستويات الحياتية القاسية والحرمان والقهروالعوزالأقتصادى والتهميش السياسى، صور تعكس تبخيس Depreciation الذات لذاتها. وهكذا أصبح لزاما على شعبنا أن يعرف القذافى بأسماء تفخيمية ابتداءاً بالصقرالاوحد مرورا بمهندس النهر الصناعى وانتهاءاً بالقائد المعلم وكلها ألقاب تؤكد انجراحات وسؤ تواصل . وكذلك تساعد القصص والإذاعات ووسائل الإعلام المتعددة والطرائق الدعائية المباشرة والإيمائية Subliminal التى يتحكم فى ادارتها أبنائة وأبناء عمومتة على خلق صورة القذافى كبطل والترويج لصورته ،صورته التي تملأ الساحات والدكاكين والميادين العامة ،وتكثر وتتكاثر أيام احتفالات أغتصابة للسلطة وهذا ما شاهدناة أثناء زيارتة الأخيلرة لفرنسا والبرتغال.اما التبجيلات التي يطلبها فلا يوازيها كثرة سوى رغبته في توسيع سلطانه وسطوته لتعم المدرسة والبيت والجامع و يظهر هذا الطاغوت،يدعي لنفسه ما ليس للمألوف ويطلب من شعبنا الموافقة وتصديقه والتغني ببطلاته,رغم بطلان سلطتة!!
ويؤكد على زيعور على هذا بالقول "…البطل يمنع الديمقراطية،يلغي الحوار،يرفض النقاش، لا يؤمن بالحرية للفرد. هو عدو المساواة :يكره أن يساويه أحد،أنه من الطبقة التي تبقى فوق، وتحافظ على أن تبقي الآخرين في دونية لا تلغيها طبيعة العلاقة الدمجية…علاقتنا معه إرضاخية رضوخية ،فنرجسيته تجعله كالمادي ، ويطلب منا أن نكون مازوخيين، أن ننشطر و نتبخس" .أن ظهور حاكم طرابلس في كل القطاعات يعتبره المواطن الليبيى في حالة اللاشعور غياث المستغيث والملهوف، وحامي المحتاج والضعيف،ومحق الحق ،ومزهق الباطل، والمعوض عن كل نقص وهمي أوفعلي،إحساس يجد فيه الفرد المقهور والفقير والمحبط والمتوترمخرجا سيكولوجيا ,وخاصة عندما يجد الفرد نفسه بين خضم مطلق من الجماهير يهتفون لهذا الطاغوت حيث يعدل ويكيف الفرد الصورة اللاواعية للأب القاسي و ألام الاخضاعية ،وسؤ التكيف الأسرى والاجتماعي.وقسوة الحياة الاقتصادية والأحتقان السياسى والبيئة السيئة والمشينة التى خلقها هذا الطاغوت لأهلنا فى المناطق الشرقية على وجة التحديد.وما يقال عن الفرد إزاء الحاكم يقال عن الجماعة في وضعها اللاواعي. وباختصار يصبح التماهي Identification على الصعيد الفردي بمثابة ميكنة تخفف لدى الفرد حدة صورة الأب الذي يعاقب ويتسلط وسؤ التكيف الاسري والاقتصادي. وهنا تظهر الاحاسيس بالدونية Inferiority ومشاعر الفشل والمخاوف اللاواعية من العقاب. اما على الصعيد الاجتماعي يوفر الطاغوت حماية لاواعية ضد الرأى الأخر المتمثل فى المعارضة ويوفركذلك الصورة الموازية والمعوضة للسلطة،أي صورة الاب العطوف والحامي ومحق الحق، المنادي بضرورة الاستيلاء على السلطة من خلال سيناريوهات شعبية "المؤتمرات الشعبية" وهذا يتم بعد تهيئة الافراد لنوع من الانشطار يجعلهم يرو الذات فقط ،ومن بعدها يميل الى موضوعات للعداوة بهدف رفض وتدميرأو تأثيم المعارضة. والصورة العلائقية بين طاغوت طرابلس ومواطن ما كان يعرف بليبيا تجسد في المجتمع صورة موازيه للعلاقة بين الاب والطفل حيث يتخيل الطفل اباه ذا قدرة كليه ،ذا جبروت كلي أي مطلق. وتخيله كلي الحضور Omnipresent
،موجودا في كل مكان وزمان، ومن اليسير أن نرى في بعض أعمال الأب "الحاكم" ملامح رغبته في أن يكون بنظر الجماهير ،ذا قدرة كليه ،وذا حضور كلي ،يطال كل بيت ،وكل طفل ،وكل امرأة وكل شئ في الإنسان .ذلك الحضور الكلي أو القدرة في أن يكون في اللحظة عينها موجودا في كل مكان تلقاه مسقطا في رغبته لسماع صوته ومشاهدة صورته باستمرار .وهذه النرجسية لدي طاغوت طرابلس تتمظهر بتواجد صورة مضاءه ،ملونه بأحدث ما وصلت إليه تقنية فصل الألوان ،صور كبيرة الحجم وصغيرة الحجم حسب الطلب ضاحكة ،واعده ، مهدده ،باسطة اليد أحيانا وقابضة أحيانا أخرى لتأكيد الانشطار ،عزيزة مرهوبة وتظهر في كتب التاريخ ،وعلى طوابع البريد بكثرة وفي الكتب المهدأة له أو التي خرجت للنور بعطفه ذلك التدلل تلك النرجسية ،ذلك الشبق الذاتي يتوازى مع سؤ التكيف مع الذات ومع الآخرين، وإشباع غير سوي لحاجة صاحب الدكان بتعليق صورة هذا الطاغوت ، أنها طريقة في الإعلان عن الذات سيئة التكيف وضعيفة المردود . واسفل هذه الصور الكثيرة المضأة ليلاً نهار، تجد علم الوطن مفتقداً لكل مقومات الرمزية ، علم لا لون لة ولارائحة , علم ممزقة حواشيه ويئن من كثرة غبار الهوان المتراكم عليه عبر الزمن !!
كل هذه المشاهد تذوب في علاقة نفاقية إلتوائية لا مرد لها إلا غياب مناخ الحرية .وغياب مناخ الحرية وحضور الإلتوائية في التعامل مع الواقع جعلت طغاة طرابلس لا يرون الواقع أو انهم لا يستطيعون أن يروا الواقع على حقيقته. برقة مهددة بالفراغ السكانى والأوبئة والأمراض دون أمل فى رحمة اللة.ومن هنا يكون التسويف Procrastination والعيش في الأماني وكلها بأسم الأصلاح المزعوم. طغاة طرابلس يعيشون فى عالم خلقوة بأنفسهم لأنفسهم ،عالم يوافق الرغبات اكثر مما يقترب من الواقع Reality.يعدوا بأكثر مما يقدروا ،فيقعوا في هوة بين ما يريدون وبين ما يستطيعون .يودون خوض غمار الأصلاح وكأنهم لا يعرفون أن الأصلاح يأتي عبر بوابة الديمقراطية وحرية الأعلام والعودة الى دستورنا المشهودلة بالكمال,مع الأعتذار الى قبائل وعشائر برقة على ما لحقهم من ضلم وقهر وتعويضهم عن كل ما لحق بهم من ضلم وفقر,ليس هذا فحسب بل, أعطائهم حق تقرير المصير .أن الأصلاح التى يتحدث عنة سيف الأسلام لايعنى شئى لسكان شعب الشرق!!
لا يمكن لأى انسان عاقل أن يتحدث عن الأصلاح فى غياب الديمقراطية وحرية الإرادة ،وحرية التعبير،وحرية الفكر والتفكير.أن الخلط بين التاريخ والميتافيزيقيا التاريخية هو إننا نحول التاريخ إلى حالة فيزيقية ونتصور أن الأصلاح يمكن أن يتم كما لو كان الدخول إلى منزل بابه من خشب ودخوله بمفتاح صنع بالولايات المتحدة الأمريكية. ولكن كما يقال تصديق المستحيل مشاركة في أكذوبة كبيرة. والمشاركة في الأكذوبة الكبيرة هو أن يخلق حاكم طرابلس عالم بنفسه لنفسه، وبصورة ملفتة للنظر نراه يتنقل بخيمتة من بلد الى بلد ، أو يبتسم لأمراه أو يحتضن عجوزا أو يحرث أو يزرع،ويذهب ابعد ،فيلبس زيا وطنيا ،ويأكل طعاما بسيطا تراثيا أمام عدسات الكاميرا،يود الارتباط ، بالتراث، بالناس لكنه يخفق ،لكنه لا يستطيع ،لقد اغترب. صارت في شخصيته طبقات غريبة بعيدة ، عن الذات والأخر، يستدعي الرأي الأخر ليوقع به ، يفرض على الأخر رؤية غير واقعية وغير حقيقية،الجسر مهدوم بين الواقع والتسويف.نرجسية حاكم طرابلس والانا المركزية Ego - centric تجعله يعادي حقله البشري وهنا يتنكر للرأى الأخر ، وللحرية ، والمصاب بالأنا المركزية يقع في الفصم، ويصبح سجين خطابهHostage of his own Rhetoric ،سجين الموقف المتصلب المسبق ،لا يعمل في مناخ حر واطمئنان .لقد حاز السلطة بواسطة البندقية أثناء الظلام وبلا انتخاب ولذا يبقي متصلبا في الموقف القديم الذي أوصله إلى السلطة .أوصلته لغة القبضة المغلقة ،فتبقى تلك توجهه للبقاء في أمن فيصبح سجين الموقف المسبق المتصلب ورهن الطرائق الملتوية،فهذه الميكانيزمات تبقى متحكمة في سلوك حاكم طرابلس .يبقى سجين ممارساته القديمة الخاصة ،وسجين اسقاطاته ،لذلك لا يشعر بالأمن ،ويبقى متوترا ومن ثم يصبح ظاهرة عيادية نفسية،سياسية اجتماعية.!!
هذه المتلازمات المرضية تثير لدي صاحبها استجلاب الموافقة وفرض المحبة ولا تخلق مجتمع متزن ولا مواطن معاف سلوكيا ،فحيث يكون الغبن تكون اللامباشرية في التعامل ،والالتوائية في السلوك والسلبية،والنقص في التوافق ،وفي التعبيرات الغير معبره عن الذات وعن الموقف .إن الديمقراطية ضرورة نفسية ،وعامل فعال في تكوين الصحة النفسية .إلى جانب فضائلها في تفتق الطاقات والمواهب واحترام كرامة الإنسان. يكفي الديمقراطية أنها تلغي الجبرية التي يفرضها الحاكم وفق ثقافة العشة...حاكم يدعي انه وحده الحامي وحمال الخير للجماعة انه في الأنا داخل الذات والانا مركزي عصابي سيكوباتي ومغتصب وهذه الميكانيزمات غالباً ما تجعل صاحبها يميل إلى تضخيم الذات والتصلب حولها والى رفض الحوارية و لغة القبضة المفتوحة. وفي غياب الحوارمع الرأى الأخر تنمو الشخصية المنوالية نموا غير سوى نمو يخلق مجتمع التنافق لا مجتمع التوافق ،مجتمع تحل فيه روح الخنوع محل روح الأقدام، روح المكر محل روح الثقة،روح الجبن محل روح الشجاعة،روح التراجع محل روح المبادرة .النظام القاسي يعد عاملاً مهماً من عوامل خلق اللاتوازن نفس ـ سلوكي عند افراد المجتمع .سؤ الاتصال بين أفراد المجتمع يخلق مناخ غير سوي ومن ثم علاقات تسلط وتحكم ،لا علاقات حوار وانفتاح .قساوة طاغوت طرابلس أدت الى السلوكيات الجانحة ،للتوتر ،للتخلخل،لنشؤ متلازمات عديدة من بينها الرفض ، العبثية فى التعامل ، الكذب على الذات والأخر, السلبية ، تجنب قول الحقيقة، التبرير في معظم أن لم يكن في كل السلوكيات والتصرفات. وباختصار لا صحة نفسية لفرد يعيش في حقل غير حر !!
ورغم انتفاء وجود الحقل الحر نجد طاغوت طرابلس يطلب من الشعب أن يحبه وأن يحترمه وان يقبل به وان يكره اخصامه ،ويؤمن بأقواله ووعوده ،ويتبنى أراءه ونظريتة الثالثة و نظرته الى العالم، فكأن نوعا من السادية الذهنية موجودة عند هذا المأفون يطلب اللذة في إكراه الآخرين على إقامة علاقات جيدة معه وهنا ايضا مفارقة انه يرغم الناس على أن يصادقوه ويصدقوه وأحيانا يرغمهم على أن يفعلوا الخير لانفسهم أو لمصلحتهم وفي كلتا الحالتين عسف وإكراه . وانتفاء وجود الحقل الحر فى ما كان يعرف بليبيا جعل طاغوت طرابلس يختزل الواقع الى كلام والشعب الى مستمع غوغائي غير منصت مع بروز متلازمات التضخيم والمبالغة في كل ما يقول .أعطى هذا المأفون لنفسه عبر الكلمات الكثيرة بعدا واسعا وشخصية ليس لها وجود فى الواقع المعاش.استجلب لنفسة لفظيا ،بعد عالمي كوني وليس ممكنا .غالبا ما يزين و يبهرج الواقع ويلون المستقبل بالورود،وهذه في اعتقاده آلية مهمة في تنسيه العجز وتغطية الفشل.يحل المشاكل وعديا،تسويفيا أو وهميا كي ينتفع اللحظة من الهتاف أو المديح أو القبول ، يؤجل الحل فيحل مؤقتا المشكلات يستجلب الرضاء والتقدير بالكلمات ،يكذب لكي يهرب،يوهم لكي يتغطى ويغطي. وليس هذا فحسب, بل سعى ويسعى حاكم طرابلس إلى تقليص الخصم واختزاله إلى شئ مبتذل ،وتقديم النظرة التبخيسية للآخرين وخاصة الذين لا يتفقون معه من أصحاب الرأي الأخر، تهميش أو امحاء أعمال السابقين،عدم ذكر المنافس وإعادة تغيبيه باستمرار ، القذافى في هذه المواقف يغتصب ويختلق، يغتصب الالتفاف حوله أو يرغم على الانضمام إليه. يتكيف في عملية محاربة خصمه،انطلاقا من افتراضه أميه الشعب أو جهله ،أو انصياعه القسري. ويتكيف في خطوة ثانية مستعملا الاختلاق و لابدال والتسويف والتغطية .ويتكيف في خطوة ثالثة بجمع الأضداد وتوحيد المتناقضات ،لغة القبضة المفتوحة غير مقبولة فيلغيها ، الاختلاف في الرأي يناقشه فيسجنه، والحرية نور فيطفئها!!
الظاهرة هنا واحدة ذات اوجه متعددة، يختلق كي يؤكد نفسه،ويختلق كي ينفي خصمه أو أن ما يأخذه للذات يسلبه عن الخصم. هنا مع طاغوت طرابلس الشهره والمجد وهناك مع الخصم الانكسار والذل والخيانة والعمالة والأرتزاق .تراكم هذه الميكانيزمات النفس ـ سياسية تعد ظاهرة باثولوجية ،ودفاع يكشف عن عارض نفساني وعن انجراحات،وتعويض إزاء واقع السلطة السيئ.كما توحي كثرة الكلام بالمختلقات التي في التخريف تزورالواقع لتغير التقييم الموضوعي للواقع.عدم ذكر أسماء رموز المعارضة أو تغيبهم ،وتهميش أعمال السابقين و امحاء أعمالهم تعتبر من العقد المستعصية لدى حاكم طرابلس...عقد تشابه عقدة قتل الأخ في ثقافة العشة... وعقدة قتل الأخ هذه تتمظهر في رفض الأسلاف ونكران السابقين. لا فضل لاحد عليه ،فهو البداية وهو الأقدر الذي يطلب لنفسه السلطة والتفرد وإنكار اخوته والتصرف بمال الوطن فقد أغتصب السلطة بالبندقية و تحت جنح الظلام ثم أقام حكما له ولأسرته .ولذلك فهو مضطر باستمرار لأن يرشي هنا وهناك ،ويشتري ذمم هنا وهناك ويتزوج من تلك العشيرة،ويبث العسعس والعيون وينام بعين واحدة ،ويدفن سلفه ومنافسيه كل يوم وبهذا فهو ضحية هجاس مجيء قاتله.إن التوتر المقلق الذي يشكو منه القذافى هو عُصابة وذلك العصاب يبقية مشدودا غير مطمئن شاكا في كل من حوله ،حتى من أعوانه في كثير من الأحيان.!!
وهذه الانجراحات حتما جعلت طاغوت طرابلس يشعر بالدونية إزاء ما للقوى الصناعية من قدرات تكنولوجية وقوة هائلة وتأثير ذلك القوى التكنو ـ اقتصادية ـ في السياسة الدولية. والشعور بالدونية هو ما يحصل في اللاواعي ،ووعيه بسبب ما لهذه القوى من قوة في نفسة نفسه توجيها وتأثيرا ،تأثيرا يخلق التوتر ويجعل الانا متخلخل الاستقرار فاقد الشعور بالرضا عن الذات وعن الآخرين.وكي يستعيد حاكم طرابلس التوازن ومشاعر احترام الذات لذاتها فانه يتذوت بظهوره قويا عنيفا ولكن على أهلنا فى برقة أو ما أطلق عليه اخصامه في الداخل . هذه الممارسات النفس ـ عصبية تدل على انشطار وعجز داخل واقع أليم ،على انهزام وشلل ذهني أنها رد على إحباط أنها تكيف تعويضي سلبي ملتو مع معضلة هذا الطاغوت .أنها كاشفة عن اللاتوازن وتستكشف ممارسات اللاواعية.القذافى يقلب الأدوار و ينجرح أمام الأجنبي فيجد العزاء أو التعويض في أن يتحول إلى جارح يفرج توتره و إحباطاته وينتقم لنفسه من الأضعف منه. وكما يقول المثل "من لا يستطيع أن ينطح العجل فينطح العجلة‍‍!!
وقد استطاع نظام طرابلس طيلة الثلاث عقود ونيف من الزمن أن يسخر الأجهزة الإعلامية و الالسنه والأقلام وان يشغل عقول الناس بالأغاني الحماسية والأحاديث والخطب المشتعلة والشعارات الرنانة والأخبار المصنوعة.نظام خنق كل صوت تلقائي،نظام منع نشر الأفكار المخالفة لمقولاته المطلقة وشعاراته المحدودة، وهذا بدوره أدى إلى تعطيل عقل المواطن تعطيلا نتج عنه ما نرى من قحط وركود في الأدب وانحطاطا في الحياة الفكرية ومن ثم إعاقة التنوير وتجميد التطوير. وقد حقق نظام طرابلس هذه الأهداف الشيطانية بدفع أهل الفكر إلى الهجرة إلى الغرب،أما الذين سمح لهم بالبقاء فرضت عليهم العزلة والصمت والموت البطيء أما من ضعف وهان فقد تعاون مع النظام ودخل في شبكة أجهزته و أدواته واصبح خادما تابعا مأجورا .ثم توجه النظام بعد ذلك إلى الشعب فحوله إلى جمهور من الدهماء يلقنه ما أحلى وطاب له من شعارات. ويقول "جان فرانسوار ايفيل" في هذا الصدد "إن الدعاية العقائدية الرسمية تثير حتما لدي العديد من المواطنين اللامبالاة والانحطاط،والشك بل حتى السخرية أحيانا!!
أن الخضم المطلق من الشعارات وما تمثله من خطب وكتب وبيانات لا تعكس حظا كبير من الحكمة وسعة الأفق فهي مجرد مقولات مطلقة ملساء مستعارة من هنا وهناك وما هي إلا أراء متناقضة وليس وراءها نظرية متماسكة في السياسة والاقتصاد أو حتى في الميثولوجيا ،كلام لا يتصل بالأصول والمبادئ والعادات والقيم المتواجدة فى المناطق الشرقية فى ما كان يعرف بليبيا ولا يرجع في التحليل الأخير إلى الإنسان والكون والتاريخ. وقد غال نظام طرابلس في الشعارات حتى أن كاتبا متتبعا للشئون السياسية فى جماهرية العار كتب يقول "ظهرت أيضا نماذج مخيفة من الطفولة الثورية ترضع الشعارات ولا تكبر بعدها!". ومن جراء هذا وذاك دأب نظام طرابلس على استخدام المفكرين والعلماء وخاصة من ضعف منهم وهان كواجهه لشرعنه ما يقوم به من ممارسات اللاخلاقية وانتهاكات لحقوق الإنسان ،حيث يطلب منهم الذي يريده أو ما يفضل أن يسمعه، وهم في معظم أن لم يكن في كل الأحوال لا يقدمون له خير تفكيرهم وخبرتهم وعلمهم وانما يقدمون له ما يريد أن يسمعه أو ما يرضيه. وهنا على حد تعبير على زيعور يأتي دور "المطبّل بالكلام والمديح مجبر وقادر :أنه مجبر على الكتابة في ركاب السلطة وقادر على تبرير المتناقضين لاثنين للقيمة الواحدة .يمدح باقتدار صباحاُ، ويستطيع إثبات العكس مساء…إلى جانب المطبّلين بالقلم والورق نلقى القابلين بالأمر الواقع والمسّوغين له.يرتضون الظلم والانقهار،الحيف والمذلة،تحت وطأة الخوف،أو بحجة الخوف من قدوم الأسوأ …كي تُتَمِّمَ يراعه المسّوغين الصورة المثالية للحاكم.فهذا، كي يشبع نرجسيته ويغذي اكبريته،يتفق مع المسّوغين كي يُعَرض للشعب على انه فيلسوف، ومفكر بارع ،ومتحدث في العلوم والأدب والدين وكل ما خلق الله وما لم يخلق. ومن الشائع طبع كلماته منمقة مزوقة، وبمقدمات تظهر تفوقها ورضوخ المفكرين إزاءها .الحاكم هنا يصبح حسوداً للفكر فيجتاف دور الفيلسوف والمؤرخ والعارف والعرفاني .يتقمص دور الأب في الفكر والمعرفة والسياسة، أو يمثل ذلك الدور مع أبنائه المطيعين،مع الشعب زوجاته الماجدات".
حسود الفكر واجتياق دور القائد المفكر حرم نظام طرابلس من حكمة الحكماء وأراء العقلاء كما حرم من حكمه أولئك الذين استبعدهم أو ابتعدوا هم عنه وفي غياب الحكماء تغيب الحكمة،وفي غياب العلماء والمفكرين تغيب العقلانية وتسود الغوغائية.وفي أخر المطاف ها هو لقذافى وقع فريسة غوغائيته.فاصبح أسير لتلك القوة الغوغائية التي أوجدها ويغدو الموجه والمؤثر موجها ومؤثرا عليه وانقلب السحر على الساحر .تلك هي حالة نظام طرابلس الأن ،وهي بلا شك ظاهرة تخلف ساهمت بشكل فعال في إعاقة التنوير وتجميد التطوير . فالشعوب الراقية يا سيادة الصقر الأوحد لاتقاد بالشعارات وصيغ كلامية مطلقه،أنها تعبر عن نفسها وحاجاتها وأهدافها بفكر حقيقي عقلاني واقعي بفعل عقل يفكر وأراده تنفذ.الشعوب المتقدمة تحاور أمورها العامة على المنابر وفي الصحف والإذاعات.ولكن نظام طرابلس لا يطالب المواطنين باستعمال عقولهم ولا يؤخذ برأيهم وانما يفكر الحاكم المطلق ويتخذا القرار نيابة عنهم. وهذا اضطهاد فكري واستعباد للعقل ،شر استعباد على الإطلاق!!

د. جاب الله موسى حسن
Jaballa60@yahoo.com
________________________

(*) اننى لا اقصد بمفهوم العشة "عشة" وادى زازة !
ـ اننى سوف لن أرد على الكتابات التى تكتب بأسماء مستعارة.
ـ شيخ الشهداء عمر المختار فى مقاومتة للمحتل الأيطالى لم يختفى خلف أسم مستعار, بل قاوم الأيطاليين عارى الرأس وبهامة عالية لأن ليبيا غالية وعزيزة.


Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home