Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home
Libyan Writer Dr. Jaballah Mousa Hasan

Dr. Jaballah Mousa

Saturday, 16 June, 2007

حارة نسيها الزمن!!

د. جاب الله موسى حسن

"القذافي يسمع دبة النملة... ولكنه لا يسمع أنين الناس وأوجاعهم"!!

سامحوني إن كان قلمي يقسو أحيانا فقد أتسامح في حقي فهو ملكي ولكن لا أملك أن أتسامح في حق تقرير المصير لسكان المناطق الشرقية فى ما كان يعرف بليبيا فهو ملك لهم دون غيرهم. كلمتان تصيباني بالعصبية والاستهجان بالمتكلم والكلام. الأولى عندما يصفنا بعض "الكتبة" ذوى الأسماء المستعارة بأننا نروج لحرب أهلية بينما الحقيقة هي اننا ندق ناقوس الخطر, بل نقول "أعذر من أنذر" نقول هذا من أجل سلامة الوطن ووحدة ترابه الذي عمل القذافى على تمزيقة وحرمان مواطنية من الأحساس بالوحدة وذلك بتجويع برقة وحصار سكانها وحرمانهم من نفطهم من أجل اذلالهم وتركيعهم!! أن المتأمل لحال المناطق الشرقية اليوم ينخلع قلبه.. ويطير صوابه بعد ان تفاقمت المشاكل واقترب الخطر... فمصرالكنانة الفقيرة بمواردها تزحف بخطى سريعة إلى تحقيق الرخاء لشعبها… ولكن نظام سرت الفناء عجز عن تحقيق أي إنجاز. إلا إنجاز حالة الأحتقان السياسى والعوزالأقتصادى لسكان المناطق الشرقية من الوطن المكلوم!!
أن على كل من ينازع في تلك الحقائق أن يتجه إلى مدن المناطق الشرقية وقراها التى أصبحت أشبة بالمخيمات الفلسطينية الموجودة على الأراضى اللبنانية ليرى بعينيه ما وصل إليه الحال ليتحقق بنفسه كيف تراكمت المآسي.. وكيف تكاثرت المشاكل… وكيف سقط انسان هذه المناطق في هاوية سحيقة من الهموم والأوجاع والمأسى والأهوال…يتجرع المعاناة صباحا ومساءا.. فقد انفصلت عنه ليبيا وتركته وحيدا يذروه الشقاء… وتسحقه المعاناة… وتطحنه قسوة الحياة… فلا حلول جادة لمشاكله… ولا إحساس بما يصادفه من مهانة وبطالة وأوجاع!!
نظام قذافستان لم يدرك بعد بأن مهمته خدمة الشعب. ولم يوجد الشعب لخدمته… والويل لشعب يتحكم فيه فرد ولا يحكمه… فالتحكم والحكم نقيضان لا يلتقيان… فالتحكم تسلط.. والتسلط استبداد.. والاستبداد طغيان.. أما الحكم فإنه السبيل لحل مشاكل الشعب.. وان يضع كل مسئول نفسه في خدمة الشعب أن ما يطلق عليهم "أمناء" وهم ليسوا بالأمانة بشيء، أصبحوا عاجزين عن حل مشاكل الشعب.. أفلا ينظرون إلى الأخلاق كيف تدهورت.. وإلى الأسعار كيف ارتفعت.. وإلى السلع كيف اختفت.. وإلى الديمقراطية كيف شوهت.. وإلى الأنتماء كيف اندثر.. وإلى المشاكل وقد تراكمت.. وإلى المآسي وقد تضاعفت… وإلى الأوجاع وقد تفاقمت… أنهم جميعا لا يعبئون ولا يكترثون بما أدرك برقة من ارتداد إلى خطر الفقر وهي التي وهبها الله كل مظاهر الثراء ابتداء باحتياطها النفطي وانتهاءاً بمقوماتها السياحية!!
ان سكان المناطق الشرقية يستغيثون فلا يجدون مغيثاً ويستصرخون فلا يسمعون مجيباً.. فقد انفصل نظام طرابلس عنهم وذهب إلى أدغال أفريقيا فانفصلوا عنه.. وسُدت في وجوههم السبل.. فلم يبق لهم إلا سبيل الدعاء إلى الله أن يرحم مدنهم وقراهم من أولئك الذين يتخذون من الحكم تسلطا... ولا يرون في الحكم إلا تسلطاً واستعلاء... أمناء ضاقت صدورهم بأنين الناس وهو يمزق كل قلب.. وتحجرت ضمائرهم أمام مشاكل شعب الشرق.. فلا أحسب أميناً واحد يضمر الولاء والحب لسكان هذة المناطق فيتركهم يشكون من الجوع والفقر. ولا أتصور أميناً يدرك أمانة المسئولية فلا يتحرك ابتغاء حل مشاكل سكان هذة المناطق المجوعه والمهانة أن الذين ينازعون في هذه الحقائق.. عليهم ان يستمعوا وينصتوا لسكان هذه المناطق وهي تئن وتتوجع من الفقر وتأخر المرتبات وسؤ المعاملة من اجهزة القذافى القمعية, ناهيك عن ضألة المرتبات وغلاء السلع حتى تجاوزت حدود كل دخل..فاجتاح الركود حياتهم الاقتصادية فاصابها الشلل.!!
سكان مدينة طبرق والتى أصبحت تعرف بـ"حارة نسيها الزمن" وكذلك مدينة اجدابيا يتسائلون بألم شديد عن سبب إفقارهم وتجويعهم وتأخر مرتباتهم رغم ان موانى هذه المدن تستقبل ناقلات النفط العملاقة ليلا نهار, بينما سكانها يتضورون جوعاً وألماً, ناهيك عن اهتراء المرافق الصحية والتعليمية والطرق والصرف الصحى... والله لو أن هذه الأشياء قد حدثت في أية دولة أخرى لزلزلت الأرض زلزالها.. ولتحرك كل مواطن فى طول البلاد وعرضها لمساعدة سكان هذة المناطق. ورغم ذلك لازال هناك من يتساءل: لماذا الحديث عن المناطق الشرقية دون غيرها؟.. لماذا تتمتع المناطق الغربية فى ما كان يعرف بليبيا بثروه النفط التى وهبها الله لسكان المناطق الشرقية من الوطن الجريح؟ ولماذا تدهور اقتصاد هذهالمناطق وازدهرغيرها.. ولماذا حوصرت المناطق الشرقية وجمدت بنيتها التحتية والفوقية واصبحت رهينة الوحدة الوطنية؟!
أن على كل من ينازع في انهيار البنية التحتية لسكان هذة المناطق علية أن يتجه الى هذة المناطق ليلمس عن كثب تفسخ البنية الفوقية وسلوكيات سكان هذه المناطق جراء تجويعها وافقارها بهدف تركيعها واذلالها. هناك متلازماتsyndromes غريبة وعجيبة أصبحت تظهر على سلوكيات سكان هذة المناطق … متلازمات من بينها العصبية والنرفزة لأبسط الأشياء متلازمات غيرت طبيعة سكان هذة المناطق في الأونه الأخيرة من التبسط والضحك ـ إلى التعقيد والنكد ومن الظواهر الملحوظة ايضا على مواطنى هذة المناطق هو هبوط درجة الحيوية… امتداد ساعات الجلوس وشرب الشاي في "المأتم" و"المرابيع" وقتا أطول مما سبق… وهذا الجلوس يؤدي إلى زيادة الوزن تدريجياً والشعور بآلام وتراخي عضلات البطن وتزايد ضربات القلب وضيق التنفس وفقد نسبة من الدم وتنميل الأطراف وكل هذه الأمراض وغيرها أصبحت منتشرة بين الناس ويسألون عن سببها؟ وما مظاهر الهمجية والتعصب التي نراها في ملاعب كرة القدم الآن والتي يتحول فيها المشجعون إلى مصارعين وصرعى… إلا انعكاساً لما يعانيه سكان هذة المناطق من كبت واحتقان اقتصادي وكبت للحريات.الكل يؤكد أن ذلك مرجعه الأحتقان السياسى والأفقار والتجويع الذي يعانيه سكان هذة المناطق ،ناهيك عن كثرة وجود نقاط التفتيش المنتشرة في مخارج ومداخل المدن, لذا انتشرت الأمراض النفسية والعصبية بدرجة ملحوظة في الفترة الأخيرة. فنصيحتي للجميع هو الصمود والبعد عن التعصب لانه يدمر الجسم والعقل… حيث تبدأ جذوة الحماس البدني للإنسان في الخمول التدريجي وتقل حيويته وهذا ما يهدف إليه القذافي ولجانه الثورية!!
لا يختلف اثنان على ان انسان هذة المناطق قد تهدم من الأعماق ـ على يد انقلاب سبتمبر المشئوم الذي أطل علينا برأسه الكئيب في الفادح من سبتمبر سنة 1969 وحرم ليبيا من دستورها الديمقراطي واستبدله بشرعية ثورية ما أنزل الله بها من سلطان، وسلب الشعب حرياته العديدة التي كان يتمتع بها و ألغى الأحزاب السياسية وصادر الممتلكات. وباختصار استبدل دولة القانون والمؤسسات بحكم الفرد وفوق هذا و ذاك ككم الأفواه وفتح المعتقلات على مصراعيها للمناضلين الشرفاء المؤمنين بالديمقراطية السمحاء واصبح المواطن الليبي غريبا في وطن مزعزع العقيدة سقيم الوجدان!!
لقد تهدم الانسان الليبي أقولها وفي قلبي مرارة وفي فمي مرارة أن الانسان الليبي تهدم لانه جاءت عليه فترة من الزمان فرض عليه الصمت التام وعدم الكلام، فرض عليه السمع والإذعان فرض عليه ألا يفكر أو يناقش واصبح كالآلة الصماء، وهذه حقيقة مرة، لا زيف فيها ولا بهتان. أن إعادة بناء الانسان الليبي أمر واجب لانه يعيش محطما، إلى درجة لم يبقى أمام شباب المناطق الشرقية إلا خيارين، أما معتقلات طرابلس أو الهرب خارج الوطن إلى غيره من الأوطان، لأن الوطن ضاق بهم وضاقت بهم الأخلاق. ان البناء يتطلب جهدا كبيرا وتعاون أكبر فلن يستطيع الشرفاء والوطنين في ظل هذا النظام العشائرى الداعر أن يعيدوا الحب المفقود والصفاء والإخاء والمحبة إلى سابق عهدها، إلا بإفساح المجال أمام الرأي والرأي الآخر وهذه المفاهيم لا مكان لها في أبجديات نظام القذافي!!
ان أسوأ ما أصاب ليبيا عزيزى القارى،هو أنها خرجت من قبضة الاستعمار الأجنبي واحتلاله بعد نضال عنيف ودموي كلف ليبيا غالياً من أرواح بنيها، لتقع في قبضة نظام القذافي الذى رفع لواء التحرر السياسي والوطني والاجتماعي في البداية ،ثم انقلب في النهاية إلى حكم فاشي شرس ودموي كان شراً من الاستعمار نفسه. وربما كانت تلك أكبر خديعة في تاريخ ليبيا، فعندما نزل الاستعمار بليبيا كان الشعب يعرف أنه عدواً له، وأنه نزل بالوطن لاستغلال ثرواته وامتصاص خيراته،ولكن الجيش الليبي الذي قام بالانقلاب العسكري في شهر سبتمبر سنة 1969 أوهم الجميع بأنه قام "بثوره" من أجل تحرير الوطن وتخليص شعب ليبيا من يد الحكم الملكي ورفع هذا الانقلاب شعارات الحرية والديمقراطية والاشتراكية، ولكنه لم يكد ينجح في إرساء أقدامه في الحكم حتى تنكر لكل ما رفعه من شعارات، وفرض دكتاتورية في ثوب شرعية ثورية وأدخل أبناء الشعب الليبي في سجن كبير، نكل بهم تنكيلاً لم يجرؤ الاستعمار نفسه على الأقدام عليه!!
فقد أدرك انقلاب سبتمبر منذ البداية أنه لن يستطيع السيطرة على الحكم إذا ظلت وسائل الإنتاج ورأس المال في يد الطبقة الرأسمالية ،لأنها أي الطبقة الرأسمالية ـ حسب اعتقاد الانقلابيين ـ تستطيع عن طريق سيطرتها على الثروة أن تحرك الجماهير كيفما تشاء، فتظاهروا الانقلابيين بأنهم سوف يتجهوا بالحكم اتجاهاً اجتماعيا ثوريا عن طريق الإصلاح الزراعي والتأميم لخدمة الجماهير الشعبية، في حين كان هدفهم الأساسي هو تجريد الطبقة التي تملك وسائل الإنتاج من ثروتها وتركيزها في يد الطغمة العسكرية, فلم يكن الهدف هو خدمة الطبقة العاملة، وانما كان الهدف نقل الثروة التي كانت في يد الطبقة الرأسمالية إلى يد القذافي تحت أسم الاشتراكية. فقرارات التأميم لم يكن له صلة بالاشتراكية كمبدأ وفكر، وانما كانت صلتها الوحيدة بنقل الثروة إلى يد القذافي وقبيلتة بدليل انه عندما اتخذ القذافي قرارات التأميم كان الشيوعيون والبعثيون وأصحاب الفكر الاشتراكي في السجون ولم يشعر بهم القذافي، بل ظل يعتبرهم أعداء حتى انه أبقاهم في السجون. حتى بعد أن افرج عن بعضهم ظل يعتبرهم أعداء له. ولم يكن القطاع العام أبداً لصالح الجماهير الشعبية، بل كان لصالح لأبناء عشيرتة الذين نصبهم على المؤسسات الصناعية والتجارية، وأعطاهم مغانمها ولم تُحترم حقوق الطبقة العاملة،بل حًرمت حق الإضراب، وخُضعت لنظام المثابات الثورية والمربعات الأمنية وللمراقبة الثورية، وزج بطلائعها في المعتقلات والسجون وعذبوا عذاباً شديداً!!
لقد كان وجود الثروة في يد طبقة رأسمالية يتساوى مع وجودها في يد البروليتاريا، وهو أمر مرفض من نظام القذافي، الذي كان يحرص على ان تكون الثروة في يده شخصياً ويد زبانيته فهو مصدر التعيينات في كل مرفق من مرافق النظام،وفي كل المؤسسات والمصالح الحكومية والسفارات أو ما أصبح يطلق عليها "المكاتب الشعبية" في الخارج أنه هو صاحب البلد ، بل انه هو البلد ذاته وينطبق عليه قول لويس الرابع عشر، "الدولة هو أنا" وهو ما يختلف كل الاختلاف مع النظام الرأسمالي في دولة مثل الولايات المتحدة، التي حاسبت بيل كلينتون لأسباب شخصية وليست لأخطاء وطنية كأنه فرد عادي من أفرادها، بل أنها أنكرت عليه ما لا تنكره على المواطن العادي وهذا معنى أن تكون وسائل الإنتاج في يد نظام عشائرى داعر أو تكون في يد الشعب بطبقاته المختلفة. فحين تكون وسائل الإنتاج في يد نظام عشائرى يصبح هو المعز المذل في البلد، وحين تكون في يد الأفراد.يصبح كل منهم هو المعز المذل في حياته الشخصية وليس في حياة الآخرين وما حدث مع انقلاب سبتمبر الذي تحول إلى "ثوره" هو أنه اصبح يتحكم في حياة كل فرد من أفراد الشعب وفي إرادته، فما يريده القذافي هو ما يريده الشعب من خلال مؤتمرات شعبية مصطنعة هدفها خدمة القذافي.. إلى أن أصبح رزق المواطن في يد القذافي وبالتدريج تحول نظام القذافي إلى استعمار للشعب الليبي يفوق الاستعمار الإيطالي!!
والأسوأ من ذلك أنه برعونته وعدم خبرته بشئون الحكم ضرب بمصلحة الوطن عرض الحائط فدمر اقتصاده وأضاع ثروته في مغامرات عسكرية انتهت كلها بالهزائم،. فمن يقارن بين ليبيا الأمس كأغنى دولة في القارة السمراء،ومحط أمل العمالة العربية، وكيف تحولت إلى دولة ذليلة فقيرة ومحاصرة ومنبوذة من قبل الأسرة الدولية. وهذا أسوأ بكثير مما كان يحدث لليبيا عندما كانت الجيوش الأجنبية تحتلها.ففي عهد الاستعمار كانت توجد صحف وحرية تعبير وكانت توجد دساتير، صحيح أنها دساتير تضيق من مساحة الحرية، ولكنها لا تلغيها كما حدث مع نظام قذافستان. كانت توجد أيضاً سجون في عهد الاستعمار، كما كانت توجد معتقلات، ولكنها كانت تخضع لقوانين. المعتقل السياسي في عصر الاستعمار كان يعامل معاملة خاصة، وكانت له حقوق تنظمها لائحة السجون، ولكن المعتقل السياسي في عهد القذافي لم تكن له أي حقوق ولم تحكمه أي قوانين وانما كانت تحكمه قوانين الغاب!! وأخيراً ليس لدي ما أقوله إلا أن ترفعوا معي اكف الضراعة إلى الله العلي القدير ان يخلصنا من نظام القذافي الذي يعيش في واد والشعب الليبي في واد آخر ـ وصدق الله القائل في محكم كتابه "أنهم يرونه بعيدا ونراه قريباً".

د. جاب الله موسى حسن
Jaballa60@yahoo.com


Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home