Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home
Libyan Writer Dr. Jaballah Mousa Hasan
الكاتب الليبي د. جاب الله موسى حسن

د. جاب الله موسى حسن

مقالات أخرى للكاتب

الأثنين 10 نوفمبر 2008

شرنقة الخوف الطوعـي!!

د. جاب الله موسى حسن

"أستطيع ان أعيش اذا قلت لى ما يجرى وبدون آراء،
ولكن كيف أعيش بالاراء وحدها دون ان أعرف ما يجرى!!"

هل من شأن الثورة الإعلامية المعاصرة توسيع نطاق التواصل ،أم تعرضه لمزيد من المأزق والاستلاب Alienation ؟..كان هذا هو السؤال الذي طولبت بالإجابة عليه من قِبل طلبة Lone Star College system هنا بمدينة هيستون تكساس والأجابة جاءت بالأيجاب ... نعم ثمة شاهد,بل وشواهد واضحة على أن الثورة المعلوماتية المستندة في ازدهارها إلى المكتشفات العلمية الخارقة في مجال الأقمار الصناعية والكومبيوتر والانترنيت.إلى غير ذلك من منتجات التكنولوجيا العصرية البالغة التعقيد. لعبت دورا لا يستهات بة فى خلق تباعداً واستلاباً عن العالم المألوف الذي يحيط بنا أو بالأحرى كان يحيط بنا!!

أن التطورات العاصفة في تقنية الاتصال والزيادة الكبيرة في نشاط المجتمعات الديموقراطية وخاصة المجتمع الأمريكى أصبحت تفرض نوع من الرؤى والمفاهيم الجديدة في علاقات الأفراد وتواصلهم. فرؤية الفيلسوف الكندي مارشال ماكلوهان حول وحدة العالم والحياة في قرية كونية بفعل التقدم التقني في مجال الاتصال خلال الستينات قد أصبحت في حاجة إلى إعادة نظر الآن، ذلك أن وسائل الاتصال الحديثة وعلى رأسها الانترنيت تتجه إلى جعل خبرات المتلقي عبارة عن خبرات معزولة ،بدلاً من كونها خبرات مشتركة كما كان يفترض مارشال ماكلوهان. فوسائط الاتصال الحديثة أتاحت ظهورعدد كبير من الخدمات المتنوعة التي تخاطب جماعات اكثر تخصصاً، وقد ظل الاتجاه السائد للاتصال الجماهيري حتى وقت قريب يميل نحو تجميع الجماهير massification من خلال نقل رسائل موحدة إلى الجماهير العريضة والمنتشرة، بينما ينحو الاتجاه الجديد في الاتصال في وقتنا الحالي إلى تفتيت الجماهير demassification من خلال توجيه رسائل عديدة بأذواق متنوعة وغير محدودة إلى جماعات صغيرة أو أفراد.

ومن أبرز مظاهر هذا التحول في التواصل هو انتشار المحطات الفضائية وظهور خدمات الراديو ذات النطاق الضيق بدلاً من الإذاعات العامة والتوسع في العزلة التي تلبي حاجات الأفراد. وتزيد من تفتتهم بتوفير بدائل كثيرة يمنحها لهم الانترنيت. أن تفتيت وسائط الاتصال على هذا النحو قد أسفر عن عيوب كثيرة في المجتمعات وعلى رأسها تضييق اهتمامات الأفراد وتقليص خبراتهم المشتركة،ناهيك عن صعوبة التفاهم والاشتراك في القيم والتقاليد. وتتواجد إلى جانب ذلك وضعيات أخرى تتداخل في إعاقة سيرورة الاتصال وتعود هذه الوضعيات أساسا إلى العلاقة بين الوسيط "الانترنيت" والمستقبل " المتلقى"،فالفرد فالمتلقى لا يستطيع أثناء عملية البحث عن المعلومات أن يسجل كل ما يشاهده على الشاشة من أراء وأفكار ذلك أن هذه الأخيرة تتدفق بسرعة وغزارة أكثر من قدرة هذا الفرد على تدوينها. ونرى الفرد ينتقي ويختار ويعمل جاهداً على إيقاف هذا الاندفاع الذي يشبه ما وصفه الشاعر العربي بقوله "كجلمود صخر حطه السيل من عل" ومن هذا يمكن القول أن الفرد المستقبل لا يستطيع أن يعبر عن الواقع خارج اللغة المحدودة (أي الكلمات المحدودة) فالفرد كما هو معروف يفكر ويبدع في إطار محدود بالمقارنة مع واقع خطاب شبكة العنكبوت العالمية مما قلص لديه منافذ عدة في التعبير عن الواقع المتغير والمتغاير.

واعتماداً على المنهج الظاهراتي في تحليل هذه الظاهرة نجد أن أداة الانترنيت كوسيلة اتصالية تنشئ محيطاً من الأساطير والطقوس التي تبقى بعيدة عن وعي الأفراد أو إدراكهم وغالباً ما تتركهم في حالة من اللاشعور الجمعي collective unconscious كما أنه يعيد الأفراد إلى مرحلة الاتصال الشفوي حيث ينعدم عنصر التفاعل في العلاقة بين الفاعل والموضوع. ولا غرابة أن نجد معظم المشتركين في خدمات الانترنيت يستخدمون مصطلحات محدودة قد لا يفهمها غيرهم مما جعلهم يعيشون داخل شرنقة الاستلاب الطوعي. ولهذا أصبحت مزاعم الفيلسوف الكندي مارشال ماكلوهان عن تحول العالم إلى قرية واحدة عالمية في حاجة إلى إعادة نظر بعد ظهور الانترنيت الذي حول القرية الكونية إلى آلاف الأقاليم المنعزلة حيث أصبح في مقدور كل فرد أن يستخدم مفتاح مروره الخاص his/her own password ويتعامل مع الانترنيت مثل تعامله مع جاره يتحدث عنه ولا يتحدث معه!!

فالمتابع لما يجري في دنيا الاتصال عبر شبكة الانترنيت خلال السنوات الأخيرة والوتائر التي تجري بها يدرك مدى الاغتراب التي يهدد الانسان في هذا الصدد حتى أننا بتنا على وشك العيش فيما يمكن ان نطلق عليه الجيتوGhetto منقطعي الصلة بما يجري من حولنا. فليس ثمة شك في أن الخطاب التقنوي لشبكة العنكبوت بعريه السافر وبمضمراته المواربة ،قد استطاع ان يعيش استجابات في الوجود الفردي للإنسان ،سيما إذا تأملناه مبعثرا في شبكة من إجراءات حديثة، فلم يبقى مجال إلا كانت التقنية نواته ومن هنا نشأت مسلمة كان لها الأثر البالغ في نحت تصورات قوية في ذهن الانسان،وهي ان التغيير المتوخي لا يمكن أن يتأتى إلا من رحم التقنية كعامل موضوعي. ومن هنا أيضا، يحق لنا ان نتساءل عن طبيعة هذا التغيير التقنوي و أثره على التواصل الإنساني.!!

استطاع هذا المشروع التقنوي ان يستوطن الانسان محيلا إياه من إنسان منتمى إلى إنسان مُستلب، وذلك طبقاً لبرنامجه الاستراتيجي في تحويل فعالية الأنسنة في الانسان إلى أنظمة ومنظومات آلية. ومن هنا تأثرت شبكة العلاقات الإنسانية وسلوك التواصل ،فأصبح سلوكا شبكيا تحكمه أنظمة من علاقات التباعد والعزلة تمظهرت في نفي وإبطال للعلاقات والتواصل الإنساني. ما النتيجة اذن وراء هذا الاستلاب؟ أو من هذا التباعد؟ أنه توسيع هوة التواصل وتمويهه ومن ثم وضعه في دائرة الفعل و ردة الفعل الميكانيكية السلبية وحصره بين حدود مرسِل سلبي ومستقبِل مُستلب. وهكذا لا يفهم من مفهوم التواصل إلا التقنية التي طغت على خطابه، واحتوته ثم تكلمت باسمه، فهو يقول بأن كل معرفة هي عديمة الجدوى ما لم تُجسد في شبكة العنكبوت العالمية www ، فالتواصل كمعرفة بسلوك الانسان وتفاعله صار مُستباحا من طرف التقنية التي يمثلها خطاب العنكبوت تمثيلا واضحا. ومن هنا كيف تستطيع كينونة الإنسان أن تحافظ على سيرورتها وتنجو لتصير وعيا، وهي محجوزه داخل خطاب العنف التقنوي الذي يمثله الانترنيت؟ وبعبارة أكثر دقة كيف يستطيع التواصل الإيجابي بين ـ مرسل سلبي ومستقبل أكثر سلبية ـ ان يتبلور ليصير وعيا وهو محجوز داخل شرنقة منظومة التواصل السلبي ؟ يقول فرويد "أن شقاء الوعي كونه خارج رحمه" هكذا يبدو خطاب شبكة العنكبوت الدولية خطابا آيلاً في مسكنه المتفرد إلى تكريس هوة التواصل ودفع الانسان باتجاه واقع الاستلاب والمحدودية. وهكذا غدا المسخ ولنقل مسح التقنوي للعالم مسلمة في العقلانية المعاصرة كما اصبحت بستمولوجيا الانترنيت داخل هذا التجلي حاملة رداءها التقنوي للعالم كهوية ملزمة في مقابل وأد الفعاليات التواصلية والتفاعلية التي ذهبت ضحية بدائل وعلاقات سلوكية مبرمجة وممغنطة. علاقات مبرمجة يتعذر التحقق منها يقينا لأنها فقدت مبرر تحقيق شروط الموضوعانيّةobjectivism في ظرف اصبح فيه الواقع الموضوعي ذاته موضع لا يقينية وهذا ما يصفه العلماء بـ "للا محققيه uncertainty .ذلك بوسع الكمبيوتر خلق واقع ظاهري virtual reality يمكن بموجبه إعادة رص الإلكترونات على شاشة الكمبيوتر بحيث تصور للإنسان صورة لا اصل لها في الواقع الملموس، وتعطي الانطباع بأننا بصدد الواقع بينما نحن نعيش صورة الواقع فقط وفق انتاج وتدبير مرسوم مغرض أو غير مغرض. وهكذا أصبح في إمكان الخطاب التقنوي تزييفا للواقع Falsification of reality ومواجهة الحواس بعوالم وهمية لا وجود لها ،تماما كما اصبح بوسع من يصنعون الأت الكمبيوتر وينفردون بأسرارها إيهام من يستخدمون الكمبيوتر دون علم بكيفية صنعها, وبذلك فإن مُنتج "المعلومة" متفوق على المتعاطي معها أو ومستهلكها. يستطيع المنتج على سبيل المثال ان يتلاعب مع "المعلومة" كما يشاء بينما لا يملك المستهلك غير التعجب لما وصلت إليه التقنية من تعقيد مستخدما عبارة "سبحان الله"!! تعجب من هذا النوع يبقى المجتمعات التى ترزح تحت أنظمة الطغيان والديكتاتورية تعيش حالة من صراع التناقضات، ومن ثم جمهوريعيش واقعين مختلين من حيث خصوصية كل منهما: واقع انجذار أسطوري في مكونات ماضوية، وواقع التماهي مع صُناع التقنية، تلك هي المشكلة التي تتغذى عليها ظاهرة الاستلاب ،وذلك هو واقع العته idiocy الذي يجعله جمهورمعتوه idiotic ينسى كينونته باستمرار لكى يبقى. ولهذا أصبحنا ننتمي إلى أمة يطلق عليها مجازياً metaphorically "الأمة التي لا تموت"! ان كلا الواقعين النفسيين (واقع تجذير الأسطوري وواقع التماهي مع صُناع التقنية) يعملان على تجريد الانسان ككائن له اسم وهوية من إرادته التي يستنبطها وعيه،و إحالته إلى حالة من الاستلاب يعيد انتاج نفسه باستمرار بين الأسئلة القصيرة والأجوبة العريضة!!

ان من شأن الذات التي تعيش هذا النوع من الاستلاب وهذه الإعادة التكونية الدائرية ان تمارس سلوكيات من نمط انتاج التناقض و التماهي القسري مع الآخر. فسلوكياتها تبدو غريبة عنها كغرابة تماهيها مع الآخر وهي مصطبغة بهذا الطلاء التقنوي. إذ تعيش في عالم من الاغتراب والتشوه والتحلل فاقدة انتماءها إلى الأصل الذي يمكن لمسه ،فهي شبه إنسان متجمهر وهي شبه مثقف وشبه مؤسسات وشبه سياسية إلى درجة أن الشبه يغدو مرجعيتها وهي منتمية إليه وموجودة فيه أنها قمة الاستلاب. غير ان هذا الاستلاب لا ينتهي إلا إلى تكوين عقدة الانفصام الذاتي، فالتصاق هذا الاغتراب بالذات الليبية على سبيل المثال هو نوع من العنة الأبدية لا يبرحها وعجز الذات اليبية أو الشخصية الليبية ان صح التعبير عن إقامة وصال مع الواقع التقنوي ما هو إلا نوع من الإحباط اللامتناهي الذي يُعمد في غالب الأحيان إلى تغييبه لا شعوريا!!

هوية المفارقة اذن هي اللا تجانس الصارخ بين التماهي القسري مع الآخر وبين المكونات الماضوية كحوامل تجذير تاريخية،أنها أعراض syndromes التبعية للخطاب التقنوي المتمثل في شبكة العنكبوت العالمية ،فبأية لغة يستطيع هذا التابع المسكين ان يُخاطب متبوعه "الانترنيت"؟ طالما انه لا يعرف نوعية اللغة الدالة التي سبقته إلى هذا المتبوع؟ أنها لن تكون إلا لغة الهروب إلى الأمام باستخدام مصطلحات الخطاب التقنوي وفق التقليد الاندماجي introjections وهي نسب خصائص الآخرين الإيجابية لأنفسنا. وقد يُمّكن التقليد الاندماجي من الدخول في عالم الوهم والاستهواء ولكنه يحجز الفرد في قفص الاغتراب!!

فليس عجباً اذن القول بأن سلطة الخطاب التقنوي ذا المحاور المتعددة كان يعني دائما إيذانا باستقالة الوعي عن دوره في البحث عن المتصل الوجودي. ومن هنا لم تكن العلاقة بين الوجود التقنوي والوعي عند اليبيين ـ خصوصا ـ إلا علاقة استلابية جديدة تضاف إلى بنية اللامعقول الذي يكتمل نسيجه في الدفاع عن ما يسمى "بالخصوصية الثقافية" والذي امتص جل القدرات والمؤهلات وأرادها مصائر تعسه فضاعت في دهاليز الخطاب التقنوي . ولهذا السبب وغيره من الأسباب صعب على الانسان المضطهد فى ما كان يعرف بليبيا مجاراة عصر الانترنيت، ليس لكونه عصرا مُنفصل عن وجوده ويبني مجهولا, بل لكونه أساسا عصر المعلوم عصرالإنجازات التقنية التي استنفدت مقولاتها وصرحت بجميع مضمراتها ،أنها إنجازات مسدودة بالنسبة له. ان الانسان المفتقر للحرية والمحكوم بحتمية التقنية والمسوق إلى عصرها قسراً ،هو في معاناة دائمة بمساكنته هاجس الحديث عن الماضي لا المستقبل.آلا تحمل نزعة تجذير الموروثات خطر حبس المستقبل في الماضي بدلاً من إثراء الماضي بالمستقبل؟! لكن عُقد الأيديولوجيا والخصوصية الثقافية يجعلانه ينفصم في معاناته هذه، فيكون الاستلاب رديفا للقمع السياسي، و تتظافر الآليتان القمعيتان لتحيي فيه هذا الهاجس فيعيش تناقضاته وكأنها بديهيات ومسلمات هذا العصر ،أنها مرحلة ضياع المواطن الليبي بين إستيلاب التقنية وطغبان نظام طرابلس.

د. جاب الله موسى حسن
Jaballa60@yahoo.com


Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home