Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home
Libyan Writer Dr. Jaballah Mousa Hasan

Dr. Jaballah Mousa

Tuesday, 9 May, 2006

طاعـون تثوير المناهـج وعـسكرة الوطن!!

د. جاب الله موسى حسن

"التصفيات الجسدية وجرائم التعذيب لا تسقط بالتقادم!!"

غادرت الآلاف من العقول الليبية الوطن تحت وطأة المطاردة والتنكيل والقتل المنظم والانتهاكات الصارخة لحقوق الانسان... وظروف أخرى عدة لا يتسع المجال هنا لذكرها.. ولكن لابد من القول بأن هناك حوالي مائة آلف ليبي أو أكثر غادروا ليبيا منذ عام 1976، خصوصا بعد مشانق السابع من إبريل والقتل المنظم لطلبة الجامعات فى السبعينيات ومن ثم كانت المغادرة قهرا أو طوعا أو تهجيرا خلافا لقواعد القانون الدولي. وانتشر الليبيون فى بقاع الأرض بأوصاف متعددة. كما ان البعض منهم غادر ضمن وفود رسمية وفضل البقاء فى المنفى وعدم العودة للوطن السليب!!

وإذا كانت هناك ظاهرة معروفة عند المثقفين العرب تحض هجرة العقول العربية من البلدان العربية لأسباب كثيرة، لعل أهمها تباين احترام حقوق الانسان فى هذه البلدان، عدا الظروف الاقتصادية والسياسية والعوامل الأخرى، فإن الذى يلفت الانتباه فى هجرة العقول الليبية هو محاولة مسك الحقيقة من ذيلها كما يقال، من دون الوقوف على الأسباب الجوهرية للمشكلة وتدارك حقيقة الخطر على مستقبل ليبيا وأجيالها فى هدر هذه الثروة التى ليس من السهل تعويضها. فقد عانى لبنان من هذه المشكلة بعد الحرب الأهلية التى تركت آثارها على الانسان والدولة والمجتمع وعلى رؤوس الأموال أيضا لعدم توافر الاستقرار آنذاك. وتعاني الجزائر أيضا من هذه المشكلة بفعل عوامل عدة منها العامل السياسي وعوامل أخرى!!

فيما يلي نتعرف أولا على المقصود بالعقول الليبية، وثانيا بيان أسباب هجرتها، وثالثا إعطاء بعض الحلول والتصورات، عسى ان تنفع فى حل المشكلة وتسهم فى الهجرة المعاكسة إلى ليبيا أو إلى العالم العربي. ليس المقصود بالعقول المهاجرة حملة شهادة الدكتوراه أو ممن يحملون الشهادات الجامعية العليا كالماجستير أو الدبلوم فقط ، وإنما نقصد بذلك كل كفاءة وخبرة فى المجالات الإنسانية والعلمية والتجارية. فهناك خبراء يحملون شهادة البكالوريوس مثلا لكنهم من ذوي الخبرات أو التخصصات ويمكن اعتبارهم من العقول المهاجرة. ونستطيع القول أن الأشخاص الذين يعملون بعقولهم وأثبتوا كفاءتهم حتى صارت لهم خبرات علمية أو أكاديمية أو فنية أو تجارية يمكن اعتبارهم من العقول المهاجرة من جماهيرية الخوف!!

بل نعتقد أن كل ليبي غادر الوطن هو عقل وطاقة وقوة لا يمكن مبدئيا ان يستغني عنها الوطن الذبيح. وما قرارات اللجان الثورية بمطاردة الليبيين وتصفينهم جسدياً وحرمانهم من المواطنة إلا مخالفة خطيرة لحقوق الإنسان والمواثيق الدولية .قرارات اللجان الثورية وشقيقتها لجان التصفية الجسدية قرارات اللاإنسانية، أن معاقبة البشر بسبب اختلاف الرأي السياسي أو المنطقة الجغرافية مخالفة للشرائع السماوية وابسط قواعد حقوق الإنسان. ونعتقد بأنه أيا كان شكل المغادرة من ليبيا فهي كارثة على وطن لا يتجاوز عدد سكانه الستة مليون نسمة وقد عُقدت مؤتمرات ضمن نشاطات جامعة الدول العربية أو غيرها عن هذه المشكلة، غير أن هناك حقائق ربما لن يتم التطرق إليها!!

بدأت ظاهرة هجرة العقول الليبية منذ عام 1976، أي بعد سيطرة نظام سرت البغاء على الجامعات الليبية والقضاء على المؤسسة العسكرية من العام المذكور، وما تبع ذلك من انتهاكات لحقوق الانسان واعتقالات وتصفيات جسدية فى الوسط الجامعي، ولأطباء ومثقفين ليبيين ولشرائح مختلفة، ويذكر الكثيرون جرائم ما سمى بـ"اللجان الثورية" فلم يسلم كثير من الأموال أو الأعراض أو الحقوق، أو الحريات من التعدي أو الانتهاك. وبقيت حالات الإرهاب وانعدام الحقوق والتصفيات الجسدية وانعدام المساواة والظلم والقيود هى الأساس فى الجامعات الليبية والمؤسسات العلمية كما فى المجتمع الليبي ككل!!

وبعد خطاب القذافي المسمى بـ"أصبح الصبح" وهو فى الواقع أقبل الليل سمح لمن يرغب من الليبيين العاملين او الدارسين فى خارج ليبيا بالعودة إلى ليبيا. حيث عاد البعض إلى ليبيا ولم يرغب البعض الأخر بالعودة، بل ان الكثير ممن عاد آنذاك شد الرحال وغادر ليبيا ثانية بعد فترة او قبيل فرض الحصار، تاركاً وراءه أمواله وحقوقه وعقاراته لعدم توافر المناخ الفعلي للعمل بحرية وفق ضمانات قانونية. ومن الخطأ ان يتصور نظام طرابلس ان الخطب الرنانة والمقولات الجوفاء كافية لوحدها لعودة العقول إلى ليبيا أو استمرار بقائها!!

وبعد مشانق السابع من إبريل 1977 صارت ليبيا أشبه بسجن كبير تنعدم فيه الحرية وتسود فيه شريعة الغاب وينعدم فيه احترام الشرائع السماوية والوضعية. فكم من العلماء والمفكرين ومن أصحاب العقول ومن الطلاب اعدم لأسباب تافهة أو لوشاية أو لرأيه السياسي المناهض أو لرفضه للإرهاب، وكم من اختفى ولا يعرف مصيره حتى الآن، وهناك من فُصل من عمله أو عوقب من دون ذنب أو أحيل إلى التقاعد فى وقت مبكر عقابا. وحين اشتعلت هستيريا اللجان الثورية ترعرعت الشرعية الثورية وسادت الاستثناءات والقرارات الخاصة وانتشر طاعون تثوير المناهج وعسكرة المجتمع مما ترك أثره البليغ على هجرة العقول التى لا يمكن ان تعيش فى ظل أجواء الشرعية الثورية والتصفيات الجسدية والمربعات المنية وانعدام القوانين !!

إلا ان المشكلة التى دفعت ليبيا إلى نفق مظلم هى مزاولة النظام للإرهاب الدولي وما تبع ذلك من تفضيل العيش فى المنفى على العيش فى الوطن طوعا أو قهرا. فالحريات بوجه عام والحريات الأكاديمية بوجه خاص لا توجد مطلقا فى ليبيا وفى ذلك خرق واضح للمادة 26 من الإعلان العالمي لحقوق الانسان الذى وافقت عليه ليبيا!!

وغادرت ليبيا بعد رفع قيود السفر مئات الآلاف من الليبيين من مختلف التخصصات. واحتل الكثير منهم مواقع وظيفية وعلمية ممتازة، بفعل قدراتهم العلمية فى أمريكا و أوربا والدول العربية وغيرهما من بقاع العالم، ولا أظن ان هناك إحصائية دقيقة، إلا انه من المؤكد ان ليبيا حققت أعلى رقم فى عدد العقول المهاجرة بعد ان كان العراق ولبنان يحتلان المواقع الأولى، ونعتقد ان إعلان نظام طرابلس بان العدد المهاجر من هذه العقول هو مجرد أرقام بسيطة غير صحيح وان الرقم الحقيقي اكبر. من ناحية ثانية، كان من اخطر المظاهر فى الجامعات الليبية مثلا شيوع سياسة التمييز القبلي،والتمييز فى البعثات بين المناطق الغربية والشرقية من الوطن السليب، بل ان انعدام المساواة فى الدخل الشهري بين أصحاب الكفاءة ذاتها مخالفة خطيرة للقوانين والإعلان العالمي لحقوق الانسان وتسبب الشعور بالظلم والتمرد. ويعود هذا الاختلاف إلى الانتماء القبلي أو للدور الأمني الذى يؤديه الأستاذ الجامعي أو عميد الكلية أو رئيس القسم الذى يغرد مع السرب الشمولي، فالأستاذ "الثوري" يتميز براتب أعلى وامتيازات كبيرة وخاصة تختلف عن غير "الثوري"!!

ناهيك عن تداخل العمل الأكاديمي والعمل السياسي فى ليبيا. حيث جرى تسيس وتثوير المناهج الأكاديمية،بل عسكرتها. ويحضرني قول حسني الوحيشي، مخاطبا أساتذة الجامعات : "نحن لا نرغب بمن يفكر فى عقله، وإنما نريد من يفكر فى قلبه معنا". لذلك فإن القيم الأكاديمية التى عرفت بها الجامعات الليبية انهارت تمام بعد عام 1976، ما دفع بالعديد من الأكاديميين بالطبع، الى ترك الوطن او عدم العودة، وظل الباقي يصارع من اجل البقاء!!

وتحولت الجامعات والمؤسسات العلمية الى مراكز أمنية ومثابات ثورية ينتشر فيها أفراد اللجان الثورية فى كل زاوية بحجة حماية الأمن الوطني من الأعداء، ففي جامعة بنغازي مثلا يوجد سجن خاص وغرف للتحقيق مع الطلاب والأساتذة المشكوك فى ولائهم الثوري أو ممن وردت فى حقهم تقارير الأمن داخل الحرم الجامعي والمؤسسات العلمية.عدا عن حجب جميع وسائل الاتصال والاشتراك فى المجلات والصحف العربية والأجنبية، وفرض الرقابة على المراسلات والكتب الواردة أو الصادرة وتحريم الاتصال مع الأساتذة الأجانب أو العرب مع المراقبة الشديدة والصارمة على مقاهي الإنترنت ويبدو ان التاريخ يعيد نفسه، فقد اعدم سقراط بتهمة إفساد عقول الشباب حينما ناقش طرقا غير مألوفة فى تحديد مفهوم الديمقراطية، ولهذا ضاقت الدنيا فى نفس أفلاطون بعد إعدام سقراط، فهجر أثينا الى كثير من البلدان هربا من الطغيان، فقد عرف جيدا كيف يعيش الطغاة فى ظلم وعدوان وحرس ووشاة ومنافقين، واكتشف ان الطغاة لا يحترمون القوانين لأنها تقيد سلطاتهم المطلقة!!

ولم يسلم الإمام أبو حنيفة من ظلم الظالمين ولا من جهل الجاهلين حين تعرض الى التعذيب والاضطهاد ودس السم له فى النهاية لأنة رفض ولاية القضاء، كما تعرض الإمام مالك إلى الظلم والضرب لمواقفه. وتعرض الإمام أحمد بن حنبل أيضا للضرب والتعذيب والسجن للتأثير عليه كي يغير أراءه. ولا ندري هل ان التاريخ يعيد نفسه فى ليبيا ثانية!!

نعتقد ان هذه العقول المهاجرة التى تركت ليبيا لايمكن لها ان تعود، مهما كانت نوع الوعود، مادامت طبيعة نظام سرت الشر لم تتغير. ولا نعتقد ان الترهات الإعلامية مثل دعوات المغتربين إلى ليبيا ستفلح فى تشجيع العقول أو الطاقات للعودة إلى الوطن الجريح، ولهذا فضل المهاجر الليبي الاستقرار فى أوربا وأمريكا، حيث ينعم المواطن بالحرية والأمان واحترام القانون وضمانات التقاضي والمؤسسات العلمية المتطورة، اكثر من التفكير للعودة إلى جماهيرية الخوف فى الظروف الحالية. فليبيا باتت الآن من أعلى البلدان التى يرتفع فيها معدل الوفيات فى العالم، وان نسبة السكان الذين يستطيعون بصورة منتظمة الحصول على مياه نقية لا تزيد على 41 فى المائة، وان اعتماد السكان على السلع التموينية زاد من سيطرة نظام سرت الفناء على المواطنين وفق مقولة "جوع كلبك يتبعك". وهذا من العوامل التى دفعت وتدفع إلى الهجرة من ما كان يعرف بليبيا!!

وهذا الانهيار للوضع الإنساني من العوامل التى دفعت إلى مغادرة العقول الليبية لليبيا او تفضيلها البقاء فى المنفى،خصوصا ان سياسة النظام فى تثوير الوطن والمجتمع ما تزال مستمرة، وامتدت لتطول الأطفال ممن تراوح أعمارهم بين 6 و15 عاما على إجبارهم على الدخول فى معسكرات "سواعد وأشبال الفاتح" وهو ما يخالف اتفاقية حقوق الطفل.!!

د. جاب الله موسى حسن
Jaballa60@yahoo.com


Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home