Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home
Libyan Writer Dr. Jaballah Mousa Hasan

Dr. Jaballah Mousa

Tuesday، 3 January، 2006

نعم للتدويل...

د. جاب الله موسى حسن

"أسرع طريق لتخريب أي دولة،
مهما كانت حضارتها، ومهما بلغت قوتها،
هو أن تسير هذه الدولة على رأسها، وتفكر بقدميها!!
وكيف يحدث هذا؟!
بالطبع باختيار العناصر السيئة، وتكليفها بشغل المناصب الهامة والحساسة!!"

كلما أتذكر وجوه الليبيين الكئيبة والحزينة احتمى بداخلي بنبتة أمل تؤكد إن هذا الشعب المقهور توحد مع أحزانه فأصبحت جزء من حياته اليومية ولا يستطيع أن ينفصل عنها وأؤكد لنفسي أن هذا الحزن المغلف لقسمات وجوههم جعلهم أكثر إنسانية من غيرهم. الحزن كما يقول الفلاسفة والشعراء يجعل الإنسان اكثر بشرية. ولكنني أعود وأكذب تلك التفسيرات العقيمة لضعفها. الشعب الذي لا يجد أمل في تغيير هذه الأوضاع المأساوية، حتماً سيصبح الحزن ترفا لا يقدر عليه، فحتى الأحزان لا يستطيع امتلاكها لكونه لا يستطيع امتلاك إرادته وتحديد قدره هذا يجعلنا نتساءل لماذا لا يتبنى هذا الشعب مشروع إزاحة هذا النظام المنتهى الصلاحية... حتى يتسنى لأفراده بعد ذلك الشعور بالحزن والألم.. وبعدها سأصدق أن الإنسان بلا حزن ذكرى إنسان كما قال نزار. ولكن هؤلاء الذين لا يملكون إرادتهم ومصيرهم لا يقدرون حتى على نعمة الحزن!!

الإفراط والمغالاة ولا نقل المزايدة السياسية على حساب عذابات أهلنا في الوطن السليب والتي أصبحت تشكل جزء من الخطاب السياسي في منابر البالتوك دون مرعاه لمأساة أهلنا وأحزانهم تعد إحدى سيئات المنهج المتشنج في التفكير السياسي على حساب المنظور القائل إنقاذ ما يمكن إنقاذه... منهج يؤدي إلى تبسيط شديد للأمور فهو غالبا لا يرى غير خير وشر،أو مساحات سوداء وأخرى بيضاء بلا لون رمادي.. ويعتبر أصحابه أنفسهم ممثلي الخير دائما ويرون في مخالفيهم الشر المطلق، بل يذهب اغلبهم بإصدار صكوك المواطنة والانتماء لليبيا صكوك دأب شعبنا على التعايش معها من قبل فلول اللجان الثورية عندما أختزلت المواطنة في ثنائية عجيبة "ثوري أو رجعى" لا حول ولا قوة إلا بالله.

وليس هذا فحسب، بل ذهبت بعض مواقع المعارضة في عدم نشر وجهات نظرنا والتي قد تكون صائبة وقد لا تكون، ممارسات حجب الحقيقة والرأي الآخر عودنا علية نظام القذافى والذي نحاول وعلى الأقل في الشكل العلني ازاحتة عن كاهل شعبنا وفى اعتقادي يقترن هذا المنهج عادة بواحدية سياسية ورفض التعدد والاختلاف ولا ينسجم مع الديمقراطية ،بل بحث عن أدوار سياسية لا علاقة لها بالوطنية!

ورغم أن السنوات الأخيرة شهدت تطورا إيجابيا في بعض دول العالم في اتجاه تراجع هذا المنهج على الصعيد الداخلي أي في العلاقة بين الاتجاهات السياسية والفكرية المختلفة، إلا أنه ما زال قائما ومؤثرا في توجيه علاقة أطراف معارضة الشتات مع بعضها البعض ومع الغرب بصفة خاصة.!!

هناك بعض من يحسبون على المعارضة ينظرون إلى الغرب وخاصة الولايات المتحدة، كشر مطلق جامع مانع لا يمكن أن يصدر عنه أي خير ولو على سبيل الاستثناء. فإذا تحركت الولايات المتحدة ضد نظام حكم متوحش يقوده مجرمو حرب بكل معنى الكلمة ويشن حرب إبادة ضد الألبان المسلمين في كوسوفا، لا يجوز أن يكون هناك أي شيء إيجابي في هذا التحرك. فهو كأفعال الشياطين لا يحقق أي خير. ولا مانع من الوقوف في صف مجرمي الحرب اليوغسلاف طالما انهم معادون لأمريكا. ولا يرى أصحاب هذا الموقف المتشنج في الصورة التي كانت عليها منطقة البلقان إلا عدوانا أمريكيا على يوغسلافيا وحربا همجية. أما ذبح وتهجير مسلمي كوسوفو فهو خارج الصورة؟ أو على هامشها في افضل الأحوال. ولا نجد لدى أصحاب الموقف المعادى لأمريكا ما يفيد أن هؤلاء الذين يتعرضون للإبادة بشر، ناهيك عن أن تربطنا بهم صلة باعتبارهم مسلمين، أو حتى لكونهم مستضعفين بائسين يستحقون التعاطف. مثلهم مثل شعبنا في الوطن السليب يقتل أطفاله وترمل نسائه ويقتل رجالة ونكتفي بترديد مقولة "لا التدويل" يا حسرتاه. رغم معرفتنا ومعرفة أهلنا في الداخل بان أصحاب نظرية "لا للتدويل" تتخذ من أمريكيا وأوربا منابر لخطابها السياسي الموجة وتتمتع بكل تقنياته وموارده هدة الفئة ينطبق عليها قول المسيح عليه السلام" اليد التي تمتد لتعطى غالبا ما تقطع".

ويحس المرء بالخزى والعار عندما يجد في الولايات المتحدة ودول أوربية مشاعر إنسانية اكثر حرارة اتجاه الإبادة الجماعية وقتل الأطفال، مقارنة بما نجده لدى القذافي وأصحاب نظرية "لا للتدويل." ومحتكري الحقيقة والمواطنة في غرف البالتوك عبر إظهاره العداء لأمريكا على حق أو على باطل. ولان المنهج المتشنج هو بطابعه تبسيطي، يستعصى عليه أن تجتمع دوافع استراتيجية وإنسانية في عمل واحد. ولذلك يقول أصحابه أن الأمريكيين لم يتدخلوا في البلقان إلا لتحقيق مصالحهم. وهم يعنون بذلك أن المصلحة الأمريكية لا يجوز أن تجتمع مع إنقاذ أهل كوسوفا من الموت والدمار في سياق واحد. وإذا تأملنا هذه المقولة نلاحظ أنها تضفي على المصلحة دلالة سيئة بالضرورة. فأنت تسعى إلى تحقيق مصلحتك.. أذن أنت سيئ بالضرورة وهذا تبسيط شديد لمفهوم المصلحة. فهناك مصالح مشروعة هي الأساس في حياة البشر وعملهم وتنافسهم. ولكن المنهج المتشنج الذي يحتفي به أصحاب نظرية "لا للتدويل" يرادف بين المصلحة وبين العمل غير المشروع أو الأنانية أو الاستغلال ولذلك يسود هذا المنهج وهدا ما عودنا علية القدافى في الفكر الثوري التشنجي.

ومما يؤسف له أن هذا الفهم البسيط لموضوع المصلحة اثر على عدد من مثقفي معارضة المنفى. حيث أن بعضهم طعنوا في خيارات الوطن من منظور طبقي ساذج يحرم الأطراف الأخرى من الإدلاء برأيها أو حتى نشر ما تكتبه هذه الأطراف هذه على مواقعها دون بحث أو تمحيص. وتعلق هؤلاء بتعبير "لا للتدويل" رغم أن مفهوم التدويل لا يعنى التدخل العسكري بالضرورة. ولكن يعنى الاستعانة بمنظمات دولية تنقذ أطفالنا من الموت وتساعدنا في الكشف عن مقترفي جريمة سجن أبو سليم وقتلة الصحفي ضيف الله الغزال وتبحث وتكشف عن حقائق عجزنا في الوصول إليها. والسؤال المحير الذي نود أن اطرحه على رفاقي في معارضة الشتات هو : لمادا لا نستفيد من تجربة لبنان في الكشف عن مرتكبي جريمة قتل فاروق الحريري؟

وما تعبير "لا للتدويل!" الذي يروج له بعض المعارضين إلا نتاجا للمنهج المتشنج الذي ما زال غالبا في فهم طبيعة العلاقة مع الغرب. فالعلاقات الدولية تقوم في الأساس على المصالح. ولكن هذه المصالح ليست كلها مادية لان بعضها أخلاقي وقيمي فانتشار مبادئ معينة يمكن أن يحقق مصلحة الدولة. كما أن الحفاظ على قدر معين من المصداقية هو نوع من المصالح الأخلاقية.ولذلك يجوز أن تجتمع مصلحة استراتيجية للولايات المتحدة في منطقة الشمال الأفريقي مع سعيها إلى منع إبادة أطفالنا وتشريد شعبنا وإرجاعنا إلى ديارنا المغتصبة.

وفى هذه الحالة يكون تدخل الأمم المتحدة عسكريا تدخلا استراتيجيا مصلحيا وإنسانيا في الوقت نفسه. ويحدث هذا التلاقي لان نجاح القدافى في إبادة أهلنا في الوطن المنكوب سيهدد استقرار الشرق الأوسط والشمال الأفريقي لسببين : أولهما أن نجاحه سيشجع الثوريين المتعطشين للدماء على مزيد من الجرائم وقتل الأطفال، طالما أن أحدا لا يتصدى لجرائمهم. وثانيهما أن إمكانية اندلاع حرب أهلية سيكون عنصر تفجير في الشمال الأفريقي، بل سوف يفتت الوطن إلى دويلات دولة أمازيغية في الغرب وانظمام برقة إلى ارض الكنانة وهذه الاحتمالات كلها واردة.

ولذلك تلتقي مصلحة أمريكا في الحفاظ على الاستقرار في الشمال الأفريقي مع حماية أهلنا وإنقاذهم من الإبادة الجماعية مثل ما حدث في أبو سليم وجريمة أطفال بنغازي وكذلك إعادة ليبيي الشتات إلى ديارهم المسلوبة. وما يثير الاستغراب أن يكون إدراك ذلك صعبا إلى الحد الذي يدفع بعض المعارضين إلى المناداة "بعدم التدويل". فاتخاذ موقف مستقيم ضد بربرية القذافى ولجانه الثورية المجرمين لا يعني تأييد السياسة الأمريكية في كل مكان وزمان. والإقرار بان هناك جانبا إيجابيا في تدويل جرائم القدافى ليس عارا من منظور موضوعي يميز بين الصواب والخطأ، وليست هناك دولة مثلما لا يوجد إنسان على حق دائما أو على باطل في كل وقت. وإذا كان هناك باطل أو خطأ أكيد فهو في الأحكام المطلقة الجامعة المانعة التي يتسم بها المنهج المتشنج الذي يتزعمه أصحاب مقولة "لا للتدويل"!

د. جاب الله موسى حسن
Jaballa60@yahoo.com


Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home