Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home
Libyan Writer Dr. Jaballah Mousa Hasan

Dr. Jaballah Mousa

Monday, 1 January, 2007

دكتاتورية الصورة!!

د. جاب الله موسى حسن

"افضل ما في ليبيا نفطها... واضعف ما فيها شعبها... وأطرف ما فيها لجانها الشعبية...
وأسوأ ما فيها خنوعها رغم توفر كل أسباب العصيان..!!"

بعد اجراء عملية جراحية على الأذن اليسرى فى السادس والعشرين من هذا الشهر على ما أطلق عليه اطباء الأنف والأذن والحنجرة Cholesteatoma وذلك بعد الأستشارات المكثفه التى أجريتها مع الدكتور عبد الحفيظ بن صريتى وما قدمه لى من معلومات يعجز عن تقديمها العديد من أطباء هذا العصر قررت اجراء هذه العملية والتى استغرقت زهاء ثلاث ساعات رجعت بعدها الى البيت وقمت بتجنيد كل أفراد الأسرة لأحضار الماء والدواء... وبعدها لم نجد أمامى الا التليفزيون وقاتل الألم حيث أننى وجدت قاسما مشتركا بين الأثنين تلاقى لا يستهان به والتى بعدها تحدثت مع نفسى ومع ابنتى عن أهمية هذا الصندوق السحرى وما يقدمه للمتفرج من الألهاء أشبهه بالدواء ...فقلت لأببنتى اعطينى قلم وبعض الاوراق الموجودة على المنضدة للكتابة عن العلاقة بين قاتل الألم التى نتناول فيه بعد كل اربع ساعات وهذا الصندوق .... نعم عزيزى القارى لقد آن الأوان للحديث عن سيكولوجية إعلام الصورة برؤية شمولية وليس برؤية تجزئية، والتعاطي معها بعمق والخروج بتحليل بنّاء يعترف بعلاقة التأثير المباشر وغير المباشرSubliminal بين المتلقي والتلفزيون. لقد أصبح التلفزيون مصدراً رئيساً للتأثير النفسي على المشاهدين، وسيط اصبح يحاصر المشاهدين بالصوت والصورة والألوان والحركات والكلمات والأضواء، فلا يملك المشاهد إلا أن ينجذب بشدة نحوه ويقتنع تماماً بما يسمعه ويراه على الشاشة وطبيعي أن يكون صغار السن أكثر المشاهدين تأثرا بما يشاهدونه. ولا نبالغ إذا قلنا أن هذا الوسيط أصبح جزءا أساسيا من دورة حياتنا اليومية وعنصراً مهما من عناصر التأثير التي تحيط بالفرد منذ الصغر وحتى اكتمال نموه العقلي والعاطفي واصبح علماء النفس وعلم النفس السياسي والاتصال يشيرون إلى التلفزيون إلى انه مؤسسة إنسانية تمارس دورا لا يقل خطورة وأهمية عن دور الأسرة وعن دور المؤسسات التعليمية المختلفة في حياة الأفراد!!
في الواقع ان التلفزيون يعد اكثر الوسائل الإعلامية شعبية و جماهيريه لذا يعتقد البعض ان الجيل الجديد أو ما اصبح يطلق عليه جيل التلفزيون TV. Generation يقوم بتنشئته ثلاثة هم الأب و الأم والتلفزيون وهذا ما عبر عنه الأديب يوسف ادريس بقوله “أعطني التلفزيون ستة اشهر اخلق شعبا جديدا". وتتميز برامج التلفزيون مقارنة بغيرها إلى اجتذاب أكبر عدد من المشاهدين وهي في العادة تعتمد الإثارة Sensationalism وتتميز بالبساطة التي تجعلها سهلة المتابعة، إضافة إلى الإفراط في العاطفة والفراغ العقلي . ويشاهد الكثير من المشاهدين هذه البرامج على مدار الساعة ولنا أن نتصور التأثير النفسي لهذه الآلة الإعلامية على أفراد الأسرة وهم يجلسون صامتين وبلغ بجهاز التلفزيون درجة من الانشغال بالذات واكتسبت شخصياته ذلك القدر من النفوذ ،بحيث نجد المذيعين يقابلون بعضهم بعضا ما يجعل الحدث هو ما يحدده هؤلاء المذيعين كحدث وفق نظرية “Agenda Setting” ونظرا لأهمية هذا الوسيط في حياة الانسان الاجتماعية والنفسية فأننا سوف نستعرض أهم جوانب العلاقة بين هذا الوسيط التكنولوجي الحديث وبين الفرد (الأفراد) موضحاً تأثيره في سيكولوجية الفرد.ويهمني في هذا السياق ان اوضح حقيقة مهمة تتعلق بميدان العلوم النفسية بشكل عام وتتخلص في صعوبة الوصول إلى حقيقة التجربة الاتصالية الإنسانية باستخدام وسائل البحث المتاحة وذلك يعود إلى أن الإنسان هو اعقد واصعب موضوع للبحث على الإطلاق .فالمؤثرات التي تسهم في تشكيل معالم شخصيته عديدة ، والمتغيرات لا حصر لها خصوصا في مجال الاتصال الذي تتفاعل فيه مؤثرات أو منبهات خارجية ومؤثرات داخلية وما ينتج عنها من عمليات عقلية وعاطفية يصعب قياسها!!
ومن هذا المنطلق أصبح من حق القارئ أن يتساءل عن السبب الذي يحدو الكثيرين إلى طرح الأسئلة حول تأثير التلفزيون في حياة الفرد، هل هذا الاهتمام مبرر وهل تمتلك هذه الوسيلة الاتصالية هذه القوة للتأثير؟ ونجيب على هذا التساؤل بتوضيح مفاده أن التلفزيون قد تفوق على سواه من وسائل الاتصال . وتدل الإحصائيات على أن التلفزيون هو أكثر وسيلة اتصال انتشاراً في العالم. فهو صاحب الصورة والصوت معاً كذلك يعد أسرع وسائل الاتصال في نقل الأحداث إلى المتلقي وأكثرها قدرة على خلق صورة عالم واقعي أو ما يشبه الحقيقي،خلق صوره وهمية ترمي إلى القفز عن الواقع في الوقت الذي يُذعن فيه المتلقي للأمر الواقع.
لقد استبدل هذا الوسيط التكنولوجي الواقع الفعلي بالواقع المصور، واقع جسد خطورة القصف العشوائي المتواصل عبر التلفزيون بالصورة الافتراضية Virtual Image التي تتعرض لها أعين المشاهدين،حتى الذين ينتقدون هذه الآلة التي تتلفز الفكر وتشئ الانسان في آن لا يخفون خجلهم منها،بل لا يمكنهم التخلي عنها وهذا ما عبر عنه الكاتب فليب توسان Philip Tossaint في روايته وعنوانها "التلفزيون" والذي انطلق من التساؤل التالي: هل يكفي أن نتوقف عن مشاهدة التلفزيون حتى نتخلص من سلطة الصورة علينا؟ونستتبع هذا السؤال بأسئلة أخرى مثل: أليست مهمة التلفزيون ضمن هذه الشروط هي أن يخفي بقدر ما يظهر؟ مالذي يبقى من الواقع بعد أن يتحول إلى صورة؟ وهل ان الصورة بعد إخضاعها لجملة عمليات تقنية ومراعاة إيديولوجية ،قد تنقل الواقع أو توهم به؟ أليست هي الواقع الفعلي أم الواقع البديل؟ وراء كل عدسة تصور هناك أعين تقتطع من المشهد ما تشاء تبرز ما تشاء وتخفي ما تشاء وإلا لماذا الحديث عن هذا الحدث دون غيره؟ لماذا الحديث عن تلك الشخصية بالذات؟ ولماذا التركيز على تلك العبارة أو ذاك، على رغم وجود حيز للمصادفة فإن مجمل الأشياء المعروضة محسوبة بنسبة أو بأخرى ومن هذا المنطلق فهي ذاتية في أغلب الأحيان وغير موضوعية كما تدعي دائما. حتى الابتسامة تكون محسوبة في بعض المشاهد ،مثلما هي الأعمار، وهذا لا يحتاج منا الكثير لمشاهدته على شاشات التلفزيون!! وعليه أصبح صغار السن أكثر ظهورا على شاشات التلفزيون مع مراعاة أعمارهم التي يجب أن لا تتعدى حسب متطلبات خلق الصورة الافتراضية الثلاثين عاماً.
هدف التلفزيون من ذلك هو بلوغ أكبر شريحة ممكنة من المشاهدين ،ما يعني تبسيط كل شيء وتسطيحه إلى أقصى حد وكذلك تقديم برامج ومسلسلات تكون في متناول الجميع،أي تنطلق من معلومات معروفة سلفا ولا تمس أبدا الذهنيات القائمة والاستحثاث الفكري. يساعد في ذلك صحافيون يعيشون خارج الهامش الثقافي يعالجون معظم أن لم يكن كل المشاكل المطروحة بصورة سطحية تتماشى وطبيعة العمل الصحافي العازف على أوتار منظومة الوجبات السريعة... وإذا كان هناك من صحافي يملك المقومات الثقافية ومن الأدوات المعرفية فهو مضطر للخضوع إلى منطق صحافة الوجبات السريعة فصحافيون الشاشة الصغيرة اصبحوا يعملون بإرادتهم أو غير إرادتهم على تكريس تلك الذهنيات بأبشع صورها ومع مرور الوقت أصبحوا حُراساً لقيم السوق وإيديولوجية السلطة وهذا ما بات يؤلف نهجاً Genre قائما بذاته من اجله يخضعون كل شيء و يوظفون كل شيء. أنها ذهنية السوق والسلطة التي تفرض نفسها على معظم النتاجات الثقافية والإبداعية. ولا مكان لأنتاج الواقع خارج الصورة الافتراضية على اعتبار ان نسبة الواقع المصور تحتسب سلفاً!!
وهذه الذهنيات بدأت تجتاح كبار الناشرين في عالمنا العربي فدخل هؤلاء هم أيضا لعبة التسليع والسوق وفي ذلك خطر كبير على إمكانية انتاج كتب مميزة قادرة على خلق جمهور مميز من القراء. أن معظم إنتاجات الثقافية الإنسانية السابقة المميزة تم إنتاجها خارج معادلة الكم،وضد منطق السوق،لكن ما هو مصيرها اليوم؟ ونتساءل: أيّ واقع تنقله ألينا هذه المشاهد المعاصرة والتي أصبح معها تاريخ الانسان اليومي سلسلة من الصور المتعاقبة صورة الفقراء تمحوها صورة الأثرياء وصورة الحب تمحوها صورة سباق السيارات أو عرض الأزياء أو غيرها من الصور التي لا تترك مجالا لا للمراجعة ولا للتقويم ولا للسؤال عما يجري في بيئتنا السايكو ـ ثقافية!!
الصورة التي تقدم إلينا عبر شاشات التلفزيون لا تحتاج إلى ترجمة كالكلام. ومن هنا سهولة إيصالها للمتلقي. وهي تفترض أنها تقول الحقيقة أو أنها مرادف لهذه الحقيقة، صورة اغتصبت شريعتها ومصداقيتها من خلال مشاهدتها. والسؤال الجد محير الآن هو:إذا سلمنا أن الصورة تلتقط الأشياء المرئية ،فماذا سيحل محل ما لا يرى؟! القيم والمُثُل والمفاهيم والرموز؟ هل سيحكم على العالم أن يعيش بدونها؟! وعندئذ ماذا يبقى لنا من العالم؟ في ظل حضارة الصورة أصبح الفرضي هو الواقع بل وأهم من الواقع. وهذا ما جعلنا على يقين بأن نسبة كبيرة من السياح الذين يلتقطون الصور للمعالم الأثرية المعروفة هو في الواقع بحثاً عن تصوير هذه الأمكنة. ولا تعنيهم أن يروا صروحاً ومعالم أثرية بقدر ما يعنيهم تصويرها .فهم هنا يقتفوا أثر الصورة في المعلم الماثل أمامهم وليس اثر هذا المعلم ذاته.أمام أهرامات الجيزة تنهمر الصور يوميا من عشرات السياح يقفون عن بعد للتمكن من تصوير الأهرامات كاملاً، وبعد رشق الأهرامات بوابل من الصور يديرون لها ظهورهم ويمضون. وهكذا لا يعود الانتقال بين الصروح التاريخية وزيارة المعالم يهدف إلى التعرف على هذه المعالم والغوص فيما ترمز إليه، بل تصويرها والتباهي بها عند العودة وكلها ذهنيات تدور في فلك الصورة الافتراضية للواقع والتاريخ!!
أن منطق الصورة اصبح المنطق المهيمن ،أنه الأقوى والأكثر قدرة على الجذب والاختراق السيكولوجي ولهذا تحول التلفزيون في العقود الأخيرة إلى لغة أم لا يمزج فقط بين المأساة والملهاة وانما يستبدل الواقع الفعلي بالواقع المصور. كل شيء إنما يتحرك في لحظته الآنية وهو لصيق الحدث الآني. فيأتي الحدث على العموم منفصلا عن سياقه التاريخي ولا يعود التاريخ سياقا متواصلا. عندما تتبعت على سبيل المثال الأستعدادات الجارية لأعدام صدام حسين فى مقابل الأستعدادات لدفن الرئيس الأمريكى السابق جيرالد فورد فقد جعلتنا تقنية الصورة نعيش صورة الحاضر فقط وان الفاعليات والتحولات التي شاهدتها شعوب المنطقة وفى مقدمتها الشعب العراقى والشعبى الليبيى المذل والمهان على مدى السبعة والثلاثين عاما الماضية إنما تحدث الآن .وكأن ماضي القضية البعيد لم يوجد أو كأنه لم يكن!!
وليس هذا فحسب،بل أصبح هذا الوسيط التكنولوجي يقدم الشيء ونقيضه في نفس الوقت، يقدم برنامجاً دينياً يملأ الفرد شحنة إيمانية قوية يشعر بعدها المشاهد بالصفاء الروحي والنقاء الوجداني وبمجرد انتهاء البرنامج يقوم بعرض وابل من الإعلانات تحتوي على كم هائل من الرسائل التي تثير الغرائز وتحرك الشهوات فيشعر المشاهد بعدها بأن الشحنة الإيمانية قد تبخرت في لحظة وان الملائكة قد هربت وفرت هاربة وبالتدريج تتبلور أمام المشاهدين إشكالية العجز عن التمييز بين الإعلام والإعلان فيما يرون وفيما يسمعون،كما تختلط الأمور في أذهان هؤلاء جمعيا حول الأوزان النسبية لكل من الإعلام والإعلان. إلى أي مدى يمكن أن يقوم إحداهما مقام الأخر و إلى أي مدى يمكن ان يساهم إحداهما في مساندة الآخر و إلى أي حد يجب ان يكون الاستقلال والانفصال بينهما؟ ان الشيء الذي يجب ان لا يغيب عن أذهاننا كمحللي لظاهرة التأثير النفسي للرسائل الإعلامية هو كوننا لا ننظر إلى أساليب الاتصال على أنها أما إعلان أو إعلام. فالإعلان قد يكون نوعا من الإعلام . والإعلام في حد ذاته نوع من الإعلان. ذلك لان العبرة ليست في الطبيعة الذاتية للشيء أو في الاسم الذي يحمله هذا الشيء ولكن العبرة بما يحتويهcontent الشيء من رسائل. ولا أعتقد هنا بأن البعض من أصحاب الرأي في الإعلام الموجه والرسمي في مؤسساتنا الإعلامية لا يعرف هذا الأمر، غير أنه أي هذا البعض يحب رغم عن ذلك التعامي عن هذه الحقيقة ليتابع مشوار الحماسة الإيديولوجية مع الآخرين، قافزاً فوق التاريخ والزمن والواقع!!
إعلامنا الجماهيرى فاقد البصر والبصيرة دأب في التعامل مع المشاهد بالأحاسيس والمشاعر المندفعة،من أجل امتلاكه ومصادرته وتقييد حرية الاختيار لديه، بل تطويعه وتدجينه في خدمة السلطة والسلعة. وذهبت ذهنيات مصادرة الواقع واختزاله بالصورة بهذا الوسيط التكنولوجي إلى بث مشَاهد لا تتناسب وحاجات الواقع السايكو ـ اجتماعي للمتلقي إلى درجة بات معها هذا المتلقي الأعزل يشعر بأن الإعلام مسئول عن كل ما حدث ويحدث، وأن لا سلاح أمضى من سلاح الإعلام في مواجهة المشاكل إلى حد بات من الممكن ان نصدق نحن الإعلاميين هذا الكلام؟!
والشيء بالشيء يذكر في مطلع التسعينيات كنت راجعاً للتو من الولايات المتحدة حاملاً معي ما يحمله دارس الإعلام في الولايات المتحدة وبدأت أزاول مهنة التدريس بقسم الإعلام في جامعة بنغازى وشاءت الصدفة وأن سمحت اللجان الثورية بأمرة القذافى للمواطنين المغيبيين باقتناء أطباق استلام البث المباشر والتي على غراراها بدأ يظهر ويتزايد تعطش المواطنين لمشاهدة ما تبثه هذه القنوات الفضائية جعلتهم بشراهة يلتهمون برامجها ويملئون بها أسماعهم وأبصارهم وكلامهم و مخيلاتهم كأنهم لم يجدوا غير التلفزيون وصوره وألوانه وسيلة لتعويض ما فوتته عليهم ظروفهم السياسية من اتصال بالعالم الخارجي. لذا تلقى المشاهدين برامج هذه القنوات الفضائية بحالة الظمآن فاستبدلوا واقعهم الفعلي بالواقع المصور ،واقع خلق لديهم وضعية متناقضة ، فأصبح الفرد منهم يرغب في ما يطرحه التلفزيون من مواد أو ما تطرحه بعض البرامج من أجواء حياتية مثيرة،فتمتلئ نفسه بالغيرة وبإرادة الحصول على ما يرى واضعاً رغبته في ما يرغب فيه الآخر فيزداد وعي الحرمان لديه ويزداد الإحباط ويتحرك العدوان.!!
وللشاشة وللصورة القدرة الفائقة على تحويل الفعل المعروض على الشاشة إلى هوام استسلامي عند هذا المتلقي فبدلا من ان يكون العرض الدائم مطلباً نجده يتحول إلى إشباع بديل واستهلاك للزمن فيما تساعد الصورة على تقبل،بل قلب الواقع أو على أقل القليل الإفلات منه.وهذا ما عبر عنه زهير مناصفي عندما قال: "مع التلفزيون الفكرة ممنوعة والمصيدة منصوبة للوقوع في شرك الصورة. أن التلوث لم يعد وقفاً على البيئة بل امتد إلى معنى الوجود و إلى المجتمع، فالتلوث هو طبيعي فكري اجتماعي . فبينما نجد ثقافتنا غير شاعرة بالتلوث البيئي "عنف التكنولوجيا" ولا بالتلوث الاجتماعي (عدم التجاوب تجاه مطالب الفئات المسحوقة والتعامل معها وكأنها من عالم مختلف)ولا بالتلوث الفكري (ما تبثه الثقافة الاستهلاكية من أفكار والتلفزيون هو المثل) نرها تخاف عنف اللغة وعنف التعبير وهذا ما جعلها نخاف عنف الصورة، وبالتالي ربما لو "نظفنا" الصورة فقد يساعدنا ذلك على إخفاء العنف الحقيقي والواقعي الذي نعيش"!!
وما يقال عن جماهرية القذافى قد ينطبق أيضا على بعض الأقطار الاخرى ، حيث يمنع التعليم الذي يأخذ شكل التلقين إضافة إلى التلفزيون والخطاب السياسي السائد والفاسد تماما، أو على الأقل المزيف حول الوضع الاجتماعي التعبير السهل والمتعين عن الذات، وهذا ما لمسته من خلال خبرتي الأكاديمية في حقل الإعلام في جامعة بنغازى عندما قمت ومعي مجموعة من أعضاء هيأة التدريس بالقسم بتحليل بعض ما كتبه طلبة السنة النهائية، اتضح لنا من خلالها أمران مُحزنان وجدناهُما في كل الحالات: عجز الطلبة عن الكتابة في شكل معين عن أي موضوع. وأيضا العجز الكامل عن الكتابة المباشرة عن الذات ،مثلا عندما طلبنا من الطلبة الكتابة عن الأشياء المحددة التي رأوها أو شعروا بها وهم في طريقهم إلى الجامعة لم يستطيعوا إلا ذكر ملاحظات شديدة العمومية كان في مقدمتها صورة القائد المفكر والمقولات والشعارات المكتوبة على جدران المباني وكل ذلك في قوالب جاهزة تفتقر إلى التخصيص والدقة . ووجد هؤلاء الطلبة في بعض الحالات إطاراً مناسباً للكتابة في شعارات وأكليشيهات سياسية عن أننا نحقق العظمة من خلال قائد عظيم ..!!
ويعود هذا في بعض منه بالطبع إلى الظروف السايكو ـ سياسية لهؤلاء الطلبة ،ان فقدان الدقة والتخصيص والميل إلى التخلي عن التفكير الواضح والتحليل النقدى للمفاهيم هو النتيجة الطبيعية لاستسلام هذه الشريحة لـ دكتاتورية الصورة بدون نقاش بسبب ما أصابها من تكلس من طول تكرار مشاهدتها لصورة واحدة متكررة الخطاب وغير فاعلة، ولك أن تتصور التأثير الناتج في هذه الحالة على الطبقة المثقفة وهي المؤهلة دائماً للتمرد والمطالبة بالتغيير.لنا أن نتصور أيضاً أن تحول دكتاتورية الصورة من عنصر تشكيل إلى عامل أزمة قد يعتمد في ما يعتمد عليه، على عجز الطبقة المثقفة والمستنيرة عن تحقيق ما يعرف بشرعية الإنجاز وذلك بعد أن تآكلت مصادر الشرعية بعد أن تم اختزالها إلى صورة .لنا أن نتصور أخيراً أن هذه المرحلة تحديداً، مرحلة الانتقال من عالم إلى عوالم جديدة تحتاج إلى جيل يتمتع بقدرة هائلة على التعامل الفاعل مع التحولات الراهنة لتكوين وتوليد رؤية،بل رؤى عن الواقع الراهن ، والواقع الممتد في المستقبل أي الواقع الفعلي الذي تحتويه دائرة من الأزمات هذا في اعتقادنا السبيل الوحيد إلى الخروج من هيمنة عوامل أزمة دكتاتورية الصورة.

د. جاب الله موسى حسن
Jaballa60@yahoo.com


Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home