Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home
Libyan Writer Ibrahim Guider
الكاتب الليبي إبراهيم قويدر


إبراهيم قويدر

الجمعة 25 ديسمبر 2009

ممارسات غير وطنية

إبراهيم قويدر

خواطر كثيرة دارت في ذهني عندما التقيت أحد المواطنين من أقصى شرق البلاد، حضر إلى العاصمة في غرب البلاد وقطع ألفًا وأربعمائة كيلو متر برًّا ليسجل بنته المولودة حديثًا واختار لها اسمًا هو متأكد من أنه اسم عربي غير أن السجل المدنى في منطقته قالوا له: نحن نشك في أن هذا الاسم عربي، وعليك إحضار إفادة من السيد (...) تفيد أن هذا الاسم عربى الأصل، ونظرًا لإصراره على ممارسة حقه في تسمية ابنته وكذلك لإثبات صحة رأيه تكبَّد هذا المشوار، وبعد بحث عن السيد استغرق عدة أيام تحصّل على الإفادة بأن الاسم عربى!

أنا لست ضد متابعة الهوية العربية في الأسماء والتدقيق بشأنها، فهذا جميل رغم أنه يمس الحرية الشخصية، ولكن أليس من الأفضل أن يتولى مسئول السجل المدنى في المنطقة هذا الدور وأن يقوم هو بالاتصال بالفقيه اللغوي أو بالجهة المنوطة بهذا، وهذا لن يأخذ منه دقائق سواء كان بالفاكس أو الهاتف أو النت، وبهذا ينتهي الموضوع بدون عناء، ألا يوجد في السجل من يصنع ذلك؟!

اخترت موضوع تسجيل اسم مولود؛ لأنه أبسط المواضيع التي أُدلل من خلالها على ما وصلنا إليه من مَرْكَزة المصالح بشكل مقيت، وهذا ستكون له انعكاسات سيئة، لأن مركزة كل الأمور بهذه الطريقة أدت إلى استغلال المواطن من قبل الفاسدين وحصولهم على عمولات من أجل إنهاء إجراءات هؤلاء المواطنين الذين يحضرون من كافة أنحاء البلاد وأحيانًا لا يجدون مكانًا ينامون فيه؛ لأن كل الفنادق بها أجانب ووفود، وأغلبهم قد لا يستطيع دفع أجرة الفندق، فينام في سيارته.

وأورد مثلاً آخر ، فهناك جهة من جهات الدولة السيادية التى ينص القانون- حفاظًا على مستنداتها وسجلاتها- أن لا يسمح بنقل تلك المستندات خارج مكاتبها الرئيسية والفرعية حتى إلى المحاكم حيث يلزم القاضى أن ينتقل إلى هذه الجهة للاطلاع على الملفات والسجلات، هذه الجهة أرادت أن تطور عملها الإدارى والتوثيقى ووضع منظومة جديدة لها، وهذا شيء جميل؛ ولكن للأسف تم التنفيذ بأسلوب يقلل من مصرفات الشركة المتعاقد معها، وتم إهمال- في الوقت نفسه- القانون ومصلحة المواطنين، حيث تم نقل السجلات من الفروع إلى المركز الرئيسى ليتم إدخالها إلى منظومة العمل الجديدة، بالطبع كان من الأفضل أن يتم هذا العمل في الفروع وانتقال الشركة المنفذة للمنظومة إلى مكان الملفات، وبذلك نضمن الحفاظ على سرية الملفات، وكذلك نضمن عدم توقف العمل واستمرار أداء الخدمات للمواطنين، ويحقق أيضًا استمرارية إدخال الملفات الجديدة، خاصة إذا تم تدريب بعض موظفي الفروع على عملية الإدخال والتخزين؛ ولكن يبدو أن مسئول هذه الجهة لا يريد أن يتعب الشركة أو المكتب المتعاقد معه أو يكبده مصاريف هي في الأصل محسوبة في التعاقد، وطبعا "مش مهم مصالح الناس تتعطل في كل فروع البلاد شرقا وغربا وجنوبا حتى تنتهى الشركة من إدخال هذه المعلومات"!

هاتان الحادثتان جعلتنى أتناول موضوع في غاية الأهمية ويمس- بحق- الوحدة الوطنية في ليبيا الحبيبة، وبدون شك فإن عوامل حدوثه لو حصلت في أى بلد فستؤثر على وحدة التراب الوطنى، وتخرج أصوات تنادى بالتقسيم ، وقد ينتهز ذلك المتآمرون على وحدة التراب الوطني ويغذون ذلك بكل الوسائل الممكنة.

وقبل أن أستطرد في هذا الموضوع أريد أن يعلم الجميع أن مبعث وسبب تناولي لهذه القضية هو محبتى الصادقة لبلادي وخوفي وحرصي على وحدة ترابها بداية من "راس جدير" غربًا إلى "امساعد" شرقًا مرورًا بكل المدن والقرى والوديان، ومن "ترابه" في "سرت" شمالاً إلى أقصى جنوبه، مرورًا بكل المدن والقرى والصحارى، فنحن جيل تربى على حب ليبيا كاملة متكاملة، ومنذ أن كنا في الجامعة الليبية التى كانت تضم كل أطياف الشعب الليبيي ترسّخ لدينا هذا الانتماء، كنا مجموعات من الأصدقاء، تضم "الدرناوي" و"الطبرقي" و"البنغازي" و"الزاوي" و"الغرياني" و"المصراتي" و"الطرابلسي" و"الكفراوي" و"السبهاوي"، لهذا فإننى عندما أنظر إلى ما يحدث من ممارسات تهدد هذه اللُّحمة الوطنية لا يمكن لي ولا لأي إنسان يحب بلده أن يقف صامتًا تجاه ذلك، فتعالوا معى آخذكم في وقفات هامة حيال هذا الموضوع:

الوقفة الأولى: إعلامية

في القناة الرسمية "الجماهيرية"، وغالبًا قبل نشرة الأخبار أو عند الإعلان عن اسم وشعار المحطة تكون هناك مقدمة جرت العادة أن يكون لها إخراج في القنوات العالمية يحمل معنى وليس صورًا للمناطق، ونظرًا لأن الاسم "جماهيرية" فتلاحظ أن المقدمة قبل الاسم تتنقل بنا إلى صور كلها من مدينة واحدة ثم تظهر الجماهيرية، وهذا العيب يعطى إيحاءً بأن الجماهيرية هى هذه المدينة أما بقية مدننا وقرانا فقناتنا الوطنية لا تراعيها في هذه المقدمة المهمة، وهذا طبعًا يخدم كل من يرغب في التشكيك والهَمْز واللَّمْز وزيادة الإشاعات والتعليقات والتي يطلق إحداها على العاصمة الجماهيرية الشقيقة، وكان من الأفضل أن يتم وضع لقطات غير مكانية تعبر- مثلا- عن الجهاد الليبيي ومسيرة شعبنا النضالية؛ لأن وجود أماكن في هذه المقدمة لا يتسع لكل مناطق البلاد، وبالتالى فمهما كان العمل فسيكون ناقصًا حيث إن بعضا منها يقدم مدينة أو مدينتين، وهذا لا يكفي.

أرجوا أن يُفهم أن كلامي يندرج تحت الآثار النفسية على المواطنين صغار السن من الشباب خاصة؛ لأنهم الآن يُغَذَّون بقصد أو بدون قصد من خلال هذه الأخطاء بالتعصب الأعمى المقيت الذى يهدد مع مرور الزمن وحدتنا الوطنية.

الوقفة الثانية: المسئولون

فقد لاحظت على بعض المسئولين المركزيين أنه عندما تُجرى معهم مقابلة إعلامية أو إذا كانوا في اجتماعاتهم فإنهم يتحدثون بإسهاب عن إنجازاتهم في العاصمة وبعض من القرى والمواقع المحيطة بها، وهذا ليس عيبًا ولكن أقول أهذه هى مشروعاتنا في ليبيا وهل هذه الأماكن هي كل البلاد؟! إن عدم التطرق للأماكن الأخرى خطأ له تأثير على سيكولوجية الجماهير تجاه بعضها البعض، والأدهى والأمَرُّ أنه أحيانًا يكون حقيقة مثلما حدث في مقابلة بـ"المرئية" استمعت إليها مع مدير طبيب مسئول عن مركز علاج الصرع بليبيا الذى استفاض في شرح خدمات مركزه في العاصمة، ثم قال: إننا نقدم الآن خدماتنا للمواطن في شعبيته ومنطقته، وذكر ثلاثة أسماء لفروع المركز العاملة الآن وكلها لا تبعد 100 كيلو متر عن المركز العلاجي الرئيسي، وهذه هى ليبيا، وكأنه يقول للمشاهد: "ما يهمش اللى عندهم صرع في أقصى الغرب أو في الشرق أو في الجنوب".

الوقفة الثالثة: المشروعات

تصاب كمواطن غيور على هذه البقعة وعلى أهلها الطيبين بخيبة أمل عندما ترى تركيز وتكدس المشروعات في كل مجالات الاستثمار والخدمات في منطقة واحدة، ومع أننا نحب عاصمتنا، إلا أننا نخاف عليها من جهل المتعصبين؛ لأن ازدحامها بمثل هذه المشروعات المختلفة سيؤدي بها بعد فترة إلى منطقة جذب كبيرة لكل الناس وستتفاقم مشالكها مع كل حركة جذب سكانية لها، وهذا ما حدث للعديد من العواصم العربية التي نمت فيها العشوائيات بشكل خطير على أطرافها نظرًا لتمركز الخدمات والمشروعات في العاصمة فقط.

والشيء الغريب أيضًا أن الاستثمار الأجنبى بشكل أو بآخر أصبح يوجه إلى العاصمة، بل أصبح المستثمر نفسه يفضل أن يكون بجوار من أدخله إلى ليبيا من القطط السمان وبالقرب من مصدر القرار ومن مصدر تسهيل الإجراءات، فنسبة الاستثمار الأجنبى في هذه المنطقة بلغ أكثر من 80%، والباقى "الفتافيت" مقسمة على بقية المناطق!

الوقفة الرابعة: الخدمات

إن ما يحدث في كل مدن العالم الثالث يحدث- بدون شك- عندنا بشكل أو بآخر من حيث التحيز لمنطقة وموقع رأس الزعيم أو الملك أو الرئيس، ويكون لأهل تلك المنطقة الأولوية في الخدمات والتسهيلات، ومع مرور الزمن يتسابق المواطنون والأجانب إلى معرفة أحدهم لينهي لهم إجراءاتهم ويشاركونه بدون أن يساهم هو ماديًا إلا باسمه، وهذا في كل مكان للأسف في ليبيا وغيرها من الدول العربية ودول العالم الثالث، ولكنى هنا أقف لحظة لأقدم من خلال هذا المنبر صرخة واضحة وصريحة نابعة من حب للوطن: أوقفوا هذه المهزلة، وساووا بين الناس في الخدمات؛ لأننا نخاف فعلاً ما هو آتٍ، وسيكون في شكل غيرة من جودة الخدمات في منطقة واحدة وانعدامها في بقية المناطق، وهو ما قد يتحول إلى حقد يهدد لحمتنا الوطنية.

أقول لكم: يجب أن تكون الخدمات التى تقدم للمواطن من التعليم والصحة والشئون الإدارية الأخرى بـ"طرابلس" لا تقل بأي شكل من الأشكال عما يقدم في "طبرق" و"درنة" و"الكفرة" و"سبها" و"الزاوية" و"الخمس" و"سرت" و"بنغازى"، وأكرر: إن هذا الأمر في غاية الأهمية، وأنبه إلى أنه يجب تُوحَّد نوعية وأسلوب الخدمات للمواطنين في كل مدن وقرى ليبيا.

إن ما يحدث ياسادة- وأخاطب هنا كل من له علاقة برسم السياسات أو تنفيذها- إذا استمر بهذا الأسلوب فسيئوثر على الوطن، وسيُحدِث مشاكل لا تحصى ولا تُعَد بين أبناء الشعب الواحد الذى كافح الأجداد من أجل وحدته واستقلاله، فانتبهوا لأن التاريخ القديم والحديث والمعاصر به عِبَر كثيرة نعتبر منها، وقد بدأت مشاكل تهديد الوحدة الوطنية في كل الدول بمثل ما يجرى عندنا الآن، وأنا أحذر قبل أن"تقع الفأس في الرأس".

وإذا كانت السلطة للشعب فأنا أقول لكم جازمًا: لا يوجد أرشيف في أى مؤتمر من المؤتمرات، لا توجد فيه قرارات تشجب هذا العمل وتحذر منه وتطالب بالتوزيع العادل للمشروعات وإنهاء المركزية منذ 1977 حتى الآن، ولكن من الذي يقرر ومن الذى ينفذ؟!

وأدعو بصدق كل من يستطيع أن يساهم في إصلاح وتقويم هذا الاعوجاج المؤثر سلبًا على بلادنا أن يبدأ فورًا؛ لأن هذا التصرف مهين إلى أبعد حدّ، ويشعر من خلاله المواطن بغبن شديد، فكفانا عنصرية وإقليميه ضيقة، فليبيا لكل الليبيين بكل مدنها وقراها، نحن نرفع شعار أفريقيا لكل الإفريقيين ولا نطبق توزيعًا عادلاً وتكافؤًا للفرص والمشروعات وكذلك نقول: الثروة لكل الليبيين والليبيات.

ليبيا بكل مدنها وقراها لا فرق بين ناسها، سواء كانوا من الشرق أو الغرب أو الوسط أو الجنوب، كلهم سواسية في الحقوق الوطنية؛ لأن عليهم نفس الواجبات الوطنية أيضا، فلنجسّد تكافؤًا حقيقيا ملموسا للفرص في العمل والإنتاج، ولنحقق على أرض الواقع توزيعًا عادلاً لمشاريع التنمية وثروة المجتمع.

وختاما فان ما دعاني لتناول هذا الموضوع هو التنبيه لكل من هو ذو علاقة بان هذه الممارسات تهدد وحدة ترابنا الوطني الذي اعتبره بحق خط احمر لا يمكن السماح لاى من كان أن يتجاوزه أو يفكر في المساس به .

إبراهيم قويدر
i_guider@yahoo.com
www.dribrahimguider.com



Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home