Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home
Libyan Writer Ibrahim Guider
الكاتب الليبي إبراهيم قويدر


إبراهيم قويدر

السبت 23 يناير 2010

المفاهيم الخاطئة

إبراهيم قويدر

إن مشكلتنا الحقيقية تكمن في بعض المفاهيم الخاطئة التي أثرت كثيرًا في سياستنا الاجتماعيه والاقتصادية، والأدهى من ذلك عندما يكون هذا المفهوم الخاطئ الصادر من غير ذي اختصاص ومعرفة مما يؤثر على القرار العام لأنه يصبح بتكوينه الخاطئ هذا راسخًا ويعتقد أنه المفهوم الصحيح، ونحن كعادتنا لا نقبل الرأي الآخر حتى وإن كان صحيحًا. إن هذا ما حدث بالفعل فى مسيرة الضمان الاجتماعى فى ليبيا، وأكتب اليوم فى هذا الموضوع لأني علمت أن هناك محاولات لإدخال تعديلات على هذا النظام البديع عندما صدر فى الثمانينات.

ففى عام 1980 عندما كان لي شرف الاشتراك في إنجاز هذا المشروع الحضارى في القانون رقم 13 للضمان الاجتماعى والذى كان يترأس لجان الإشراف على وضعه الأستاذ الفاضل المرحوم إبراهيم الفقيه حسن وكان معنا الأستاذ عثمان حسين وهو أحد تلامذة علامة القانون العربي الدكتور عبدالرازق السنهوري، وتم الاستعانة بالعديد من الخبراء أذكر منهم رئيس خبراء الضمان الاجتماعى في منظمة العمل الدولية السيد تامبوري وهو إيطالى الجنسية والسيد باترسون كبير الخبراء العالميين فى "اكتواريات" الضمان الاجتماعي وهو سويدى الجنسية، ووضع القانون فى ذلك الوقت بعد دراسة متأنية استغرقت سنتين ونصف، وأشرفنا على تنفيذه بشكل تدريجي واستطعنا أن نجمع فيه بين أحدث مفاهيم الضمان الاجتماعى ووضعنا الوطني ومبادئنا الإسلامية السمحة.

وللأسف الآن الكثير من الناس وفي مقدمتهم الكثير من المسئولين الذين مازال مسيطرًا عليهم فكر التأمين الاجتماعى وليس الضمان الاجتماعى، مازالوا يعتقدون أن ما يدفعه المواطن من اشتراكات خلال فترة عمله 35 عامًا مع عائد استثمارتها هي الوعاء الحقيقي لمعاشاته بعد بلوغه سن التقاعد، هذا المفهوم مبني على التلازم بين ما يدفع من اشتراكات- يعني على قد ما تدفع تأخذ- وهو فكر تأميني اجتماعي ظهر فى العالم منذ بداية القرن التاسع عشر بعد أن طالبت به النقابات العمالية واعترض عليه أصحاب العمل، ولكن بعد إلحاح العمال ومطالبتهم بالتساوي مع موظفي الإدارات الحكومية الذين كانوا يتمتعون بنظام التقاعد، استجابت الحكومات لمطالبهم وكذلك أصحاب الأعمال، وأصبح التأمين الاجتماعي حقيقة واقعة تشترك فى تمويله الحكومة والعمال وأصحاب الأعمال، وعرف الليبيون التأمين الاجتماعى فى العهد الإيطالى عندما فتحت مؤسسة التأمين الاجتماعى الإيطاليه فرعًا لها فى ليبيا لرعاية العمال والمستوطنين الإيطاليين، وفي عام 1936 تظاهر عمال المواني الليبيون فى ميناءي بنغازي وطرابلس مطالبين بالتأمين الاجتماعى أسوة بالعمّال الإيطاليين، وكان لهم ذلك، وكانت بداية التأمين الاجتماعى الليبي في عام 1956 حيث تم تأسيس "مؤسسة التأمين الاجتماعي الليبية" على أنقاض فرع التأمين الاجتماعي الإيطالي بليبيا ، وبعد أن تكونت الإدارة الليبية أنشئت فى وزارة المالية إدارة التقاعد الخاصة بموظفي الحكومة واستمر العمل بنظامين: نظام للتقاعد خاص بموظفي وعمال الحكومة، ونظام آخر للتأمين الاجتماعى للعاملين بالشركات والقطاع الخاص وفقًا لنظرية التلازم بين الاشتراكات والمنافع، وكانت فى البداية لا تصرف معاشات بل تمنح مكافأة تقاعدية يصرفها الإنسان ثم يترك للعوز من جديد.

وعندما دراسنا النظامين فى عام 1979 و1980 وجدنا عيوبًا اجتماعية كثيرة فيها، ووجدنا أن الدول المتقدمة تجاوزت تلك النظرية التلازمية بين الاشتراكات والمنافع وأخذت بمبدأ التكافل بين الأجيال وهو مبدأ منبثق عن نظام التكافل الاجتماعى فى بيت مال المسلمين، فالقادرون يدفعون وغير القادرين ينتفعون.

ويرجع السبب فى توجهنا نحو مبدأ التكافل بين الأجيال إلى أنه بحسبة بسيطة ما يدفعه المواطن من راتبه خلال خمسة وثلاثون عامًا من العمل مضافًا إليه مساهمة صاحب العمل والحكومة، ومضافًا إليه أيضًا عائدًا استثماريًّا ما بين 5% إلى 10%، فيكون إجمالى المبلغ المحصل الذي سيتسلمه الإنسان كراتب يوازي 80% من آخر راتب تقاضاه فى مدة لا تزيد عن 5 سنوات، والسؤال كيف تعالج بقية السنوات؟!

من هنا جاءت الفكرة البديلة المتطورة وسأحاول تبسيطها، وهى فكرة تحولت إلى منهج ضماني وهى التكافل بين الأجيال والتى تعتبر العصب الرئيسي لنظام الضمان الاجتماعى باعتباره نظامًا شموليًّا يحل محل نظام التقاعد والتأمين الاجتماعي، والدول الآن تسعى وتخطط لبلوغه، وتحاول أن تقلص من أنظمة التأمين الاجتماعي والتقاعد، ونحن سبحانه الله قمنا بذلك منذ 1980، ونتيجة لسوء الفهم وسوء الإدارة الحكومية واللغط فى المفاهيم نتأخر بالعودة إلى أنظمة التقاعد والتأمين ولا نحترم إرادة شعبنا والقانون الذى أصدره والفلسفة الاجتماعيه والاقتصادية والإسلامية التي من خلالها نُفِّذ نظام الضمان الاجتماعى الليبيي البديع.

وأعود لشرح فكرة التكافل بين الأجيال، هذا المنهج والأسلوب الضماني مبني على أساس أن الجيل الذي يعمل الآن ولمدة 35 سنة هو الذى يقوم بدفع مرتبات الجيل السابق وهكذا، فالجيل الحالي سيدفع له التزماته جيل المستقبل والحسبة الضمانية ماليًا تكون عكسية، فتحسب التزامات أصحاب المعاشات الضمانية الحالية ويضاف إليها توقعات الزيادة السنوية لأصحاب المعاشات تراكميًّا حتى مدة الدراسة التى غالبًا ما تكون عشرين عامًا ويضاف إليها هامش نسبي "اكتواري" لموجهة حالات الوفاة أو العجز قبل بلوغ السن، ووفقا لحسابات تقديرية قريبة للواقع يتم تحديد المبلغ المطلوب في كل عام، وهو الذي يقسم على الأفراد العاملين فى المجتمع ويساهم فيه الفرد العامل موظفًا كان أو عاملاً بنسبة 25%، وصاحب العمل بنسبة 50% والحكومة الراعية اجتماعيًّا بنسبة 25%، وهكذا تستمر العجلة فى الدوران، ويكفل الأجيال معيشة بعضهم البعض، وينظر فى كل خمس سنوات وفقًا لمعايير غلاء المعيشة للمعاشات الضمانية بالزيادة، وتعاد الحسبة وفقًا لنسبة الزيادة.

إن الموضوع له جوانب تفصيلية محاسبية واجتماعية كثيرة ليس الآن وقت استعراضها، ولكنني أردت أن تصل الفكرة وهي أن الضمان الاجتماعى الليبي- ياسادة- مسئولين كنتم أم مضمونين غير مبني على فكرة الاشتراكات والمكافآت، وإنما مبني على أساس التكافل بين الأجيال.

وأقول فى الختام: إن الدولة مسئولة عن رعاية الأفراد رعاية صحية واجتماعية، وبالتالي فإن مساهمتها فى الضمان الاجتماعى مهم وضروري، ويكون جزءًا من توزيع ثروة المجتمع على المواطنين لتحقيق عدالة التوزيع لهذه الثروة، وأؤكد أن ما يطرح في ليبيا في الأيام القليلة الماضية لا يمت لنظام الضمان الاجتماعى بصلة، بل هو انحدار للنظام إلى ما قبل نظامي التأمين والتقاعد، فعندما نقول: ما يدفعه العامل والموظف يستلمه بعد إحالته على المعاش فهذا يعني نظام الادخار الذى عرفته أوربا في القرون الوسطى، وعرفناه من خلال صناديق الإعانات الاجتماعية القبليه والمصارف فيما بعد، ومفهومنا الليبيي العالمي المتطور للضمان الاجتماعى يجب أن نحافظ عليه ونعيد فيه الحياة ونلغي كل الشوائب المعدَّلة بما فيها تسمية صندوق الضمان الاجتماعى بصندوق التقاعد لأن هذا خطأ كبير، فنحن ننفذ قانون للضمان الاجتماعى وليس قانونًا للتقاعد، إن السياسات والقرارات ذات المفهوم الخاطئ هي التى جعلت المواطن يخاف على مستقبله لأنه أصبح مهددًا فى أهم ضمان له فى حياته، خاصة أصحاب الدخول المحدودة من قدامى الموظفين والحرفيين والعمال.

وقد يكون للحديث بقية... إذا لزم الأمر

إبراهيم قويدر
i_guider@yahoo.com
www.dribrahimguider.com



Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home