Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home
Libyan Writer Ibrahim Guider
الكاتب الليبي إبراهيم قويدر


إبراهيم قويدر

الأحد 18 ابريل 2010

اشحذ المنشار

إبراهيم قويدر

في الراويات العربية القديمة مواعظ مازلنا نستمد منها رؤى ناجحة فى حياتنا العصرية، والرواية التى جذبت انتباهي خلال الأيام القليلة الماضية أن هناك حطابًا جاء لشيخ من شيوخ قريته يشكو له حاله قائلا: إننى يا سيدى رغم ما أبذله من جهد فى عملي ورغم التزامي بالعبادات، فإن إنتاجى كل يوم يقل عن اليوم الذى قبله. فطلب منه الشيخ التوضيح فقال: من عادتي أن أبدأ فى قص الأشجار منذ الساعة الثامنة صباحًا وحتى الظهيرة، وكنت أقطع في كل يوم 8 شجرات، ففكرت في زيادة عدد الأشجار التى أقوم بقطعها كل يوم، فبدأت عملى الساعة السابعة صباحًا لأستمر إلى ما بعد الظهيرة بقليل، وعملت ياسيدى بكل جد واجتهاد، ولكن الحصيلة كانت خلال ذلك الأسبوع 7 شجرات، فنقصت شجرة، رغم أنني كنت أتوقع أن أصل إلى العشر شجرات، وبعدها فكرت في أن أبدأ بعد صلاة الفجر في السادسة صباحًا واستمر حتى قرب الغروب وبدأت أعمل بجد واجتهاد ولكنى فوجئت بأن الحصيلة 6 شجرات، فتألمت كثيرًا وخفت أن يتناقص عدد الشجرات في كل أسبوع رغم أن جهدي الذى أبذله مضاعف، فجئت مستنجدًا بك لعلي أجد عندك تفسيرًا لهذه الحالة، فرد الشيخ العالم: بماذا تقطع الأشجار فقال صاحبنا: بهذا المنشار يا سيدي. وبعد أن نظر الشيخ للمنشار قال له يا أخى: إن عليك أن تشحذ المنشار!

إذًا فالجهد المبذول لن يفيد إلا إذا وُجه توجيهًا صحيحًا، فهذا الحطَّاب لم ينتبه إلى أن منشاره من كثرة القطع تآكل ويحتاج إلى "شحذ" والمسكين يضاعف جهده لأن المنشار ليس حادًا، فيستهلك منه وقتًا كبيرًا، والناتج فى كل مرة يكون أقل.

هذا فعلا ما يحدث أو ما حدث بالفعل لمصانعنا ومواقع إنتاجنا، لا بل حتى مرافق الخدمات لدينا من مستشفيات وما فيها من أجهزة مختلفة لتشخيص المرض، فنحن فى قاموس عملنا الفني لا نهتم للأسف بالصيانة، فـ"الشحذ" أو الصيانه تطيل عمر الأجهزة المستخدمة والمباني وحتى الطرق، وتسهل علينا استعمالها وتستمر فى نفس إنتاجيتها، فكم من جهاز وجهاز أتلف وخُرِّد لأسباب أهمها عدم الصيانة، وكم من طريق ولعل أهمها الطريق الساحلي الشرياني تتفاقم مشاكله ويموت الناس فى حوادثه بسبب مطباته الناتجة عن عدم الصيانة، "ويدى على قلبي" من مشروع السكة الحديد إذا تعاملنا معه بنفس الأسلوب وبنفس الكيفية، فالصيانة فى الواقع يجب أن تكون مبنية على مبدأ الاستمرارية، وبمعنى آخر الصيانة الدورية اليومية أو الأسبوعية أو الشهرية وليست الصيانة عند حدوث الأعطاب والأعطال، وأتذكر أن أغلب منشآتنا الصناعية والخدمية وحتى الفندقية كان من أبرز معالمها فريق للصيانة له شكل متعارف عليه، فهو دائمًا فى ركن خارج مبنى المكان الصناعي أو الخدمي بشكل جراج أو ورشة، وتجد من يطلق عليهم "فني الصيانة" يتجمعون حسب الدوام الرسمي صباحًا، ويبدءون فى تجهيز الإفطار والشاي ويجلسون يتحدثون فى انتظار هاتف يبلغهم عن عطب في مكان معين، وهذه في الحقيقة, ليست بصيانة وإنما هى مهزلة مثلها مثل مهازلنا الإدارية الكثيرة العديدة والمتنوعة. ولعلي لا أبوح بسر، فالجميع يعرف أننا صرفنا مليارات على السلاح الذى أصبح للأسف خردة مثل أسطولنا البحري الذى تأكله ملوحة مياه البحر فى ميناء بنغازى ومواني ليبية أخرى كثيرة، بل وسلاحنا الجوي التالف، وغير ذلك من المعدات الحربية البرية التى لا حل لها إلا التخريد الآن، ومن السلاح إلى كثير من المعدات الأخرى فى كافة القطاعات، وسبب ذلك عدم الاهتمام بالعَمرة والصيانة الدورية؛ لأن الانسان المستعمل لهذه الأصناف غير ملم بذلك مفهومًا وعلمًا، فأعطني إنسانًا أعطيك تقدما وتطورا، أما توفير أحدث المعدات بدون إنسان واعٍ مدركٍ لكيفية التعامل معها فتكون النتيجة ما نحن فيه الآن من أسف على أموال أهدرت ومعدات خُرِّدت.

الشحذ للمنشار أو صيانة الأجهزة والمباني لا تقتصر على الآلات والمرافق وإنما حتى الإنسان العامل أو الموظف أو الحرفى أو المهني المتخصص يحتاج إلى أن نشحذه من خلال الاهتمام به فى النقاط التالية:

أولاً: حمايته من الإصابات أثناء العمل وتنفيذ برامج السلامة المهنية في كل مواقع العمل حسب نوعية كل عمل.

ثانيًا: الاهتمام بالإنسان العامل صحيًّا وإلزام جهات العمل بإجراء الكشوفات الطبية الدورية على كل من يعمل معهم.

ثالثًا: بالإضافة للشحذ الذي يتعلق بالبدن فيما سبق ذكره، هناك شحذ لا يقل أهمية، وهو تطوير العاملين كلٌّ فى مجال اختصاصه، فالتدريب أثناء العمل يجب أن يكون مستمرًّا من أجل تطوير الأداء، وكذلك ربط المهنيين لدينا بأحدث الدوريات العلمية والعملية في مجالات تخصصاتهم المهنية.

هل تعلم أخى القارئ أن إحدى الجهات التى كانت مهتمة بالاشتراك في الدوريات في كافة مجالات العلم وكانت تكلفها هذه الاشتراكات 50 ألف دولار شهريًا لها أكثر من عشر سنوات لم تسدد اشتراكاتها، فأوقفت عنها الدوريات، وهذا أيضًا ينطبق على جامعاتنا ومراكزنا البحثية والعلمية.

ولقد بدأت برواية عربية قديمة وأختم بحادثة واقعية حدثت فى عام 1995 يعلم المهتمون أنه كان في ليبيا مجلس أعلى للسلامة المهنية يرأسه وزير العمل ثم أمين الخدمة العامة بعد ذلك، وكان لهذا المجلس أجهزة تفتيش ورقابة وكانت إجراءات السلامة فى مواقع العمل لا بأس بها قياسًا باليوم، فالقانون مازال قائمًا ولكن المجلس تبخّر، وفى يوم من أيام سنة 1995 دخلت المياه على مخزن أرضى "بدروم" في العمارة التى كانت مقرًّا للخدمة العامة، فتناثرت العديد من الملفات وأصبحت تسبح فى المياه بالشارع، وكانت هذه الملفات العائمة هى ملفات المجلس الأعلى للصحة والسلامة المهنية.

فكيف لنا بالله أن نشحذ المنشار؟!

إبراهيم قويدر
i_guider@yahoo.com
www.dribrahimguider.com



Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home