Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home
Libyan Writer Ibrahim Guider
الكاتب الليبي إبراهيم قويدر


إبراهيم قويدر

الجمعة 16 اكتوبر 2009

غرس الهوية الوطنية أساس تحقيق الدولة العالمية

إبراهيم قويدر

عندما نبحث فى تاريخ الأمم والتطور الحضاري عبر العصور حتى نصل لأن نكون قوة عظمى، منذ الحضارات القديمة ما قبل التاريخ إلى حضارات الفرس والرومان والحضارة الإسلامية وصولاً إلى الحضارة الغربية والأمريكية الحالية- نجد أن الأساس الذى استطاعت هذه الأمم أن تبني حضارتها هى الاهتمام بالوطن، ونشر روح الترابط والتماسك بين فئاته المختلفة من خلال نشر مبدأ العدالة والمساواة بين كل أفراده، حتى وإن كانت هذه العدالة والمساواة فيها شكل من أشكال الظلم؛ ولكن تساوي الناس فى الظلم مساواة، "المعنى الفلسفي للمساواة".

ولا تقدم ولا وصول إلى تطور يؤدي بأية أمة إلى أن تقود العالم أو يكون لها دور فعال إلا باهتمامها بإنسانها الوطني والأسرة الوطنية والمجتمع الوطني.. وأسوق هنا بعض الاقتراحات المهمة التى أثبتت التجارب أهميتها: - أن السعي وراء بناء مجتمع، وطني، متطور، قوي، متماسك يتطلب الاهتمام الكامل بالإنسان، وهذا الاهتمام يكون منذ بداية النشأة، وأقصد هنا الاهتمام بالطفل ونشأته تنشئة اجتماعية مبنية على أُسس الانتماء للوطن والمجتمع، والعمل على اكتشاف مواهب الطفل منذ الصغر وتنميتها؛ لأنه بعد ذلك سيكون شابًّا ورجلاً بعد ذلك يضحي من أجل الوطن، وهؤلاء النشء بسواعدهم في المستقبل سيستطيعون أن يبنوا التطور المادي للمجتمع، ويرفعون من شأن البناء الأخلاقي الاجتماعي من خلال القيادة الحكيمة التي تغرس فيهم روح محبة الوطن وتقدم لهم برامج التنمية البشرية اللازمة التى تمكنهم من استيعاب أحدث وسائل المعرفة والعلوم، وهذا لن يتأتى إلا بتحقيق العدالة والمساواة بين أفراد المجتمع وتجسيد مبدأ الحرية واحترام حقوق الإنسان ليعيش في كرامة داخل مجتمعه، وفي أمن وسلامة.

- من هنا تنجح الأمم فى تطوير مجتمعاتها مثلما قام به مهاتير محمد في ماليزيا خلال الثلاثين عامًا الماضية، فان اهتمامه بالإنسان فى بلاده منذ طفولته وتركيزه على برامج تنمية البشر تربويًّا وسلوكيًّا؛ مستعينًا بتعاليم الإسلام، وعلميا باستخدام أحدث المناهج التعليمية، ومهنيًّا بالتركيز على التدريب التطبيقي لأهم المهن الفنية التي يحتاجها المجتمع، ما جعل من ماليزيا الآن وخلال هذه المدة بلدًا تجاوز في تعريفات الدول لقب الدولة النامية. ونفس الأسلوب هو الذي مكن دول أخرى قبل ماليزيا من الوصول إلى التقدم المنشود مثل اليابان والصين وكوريا وقبلهم ألمانيا والدول الأوربية التي وصلت إلى قناعة بأنها يجب أن تتحد في الاتحاد الأوربى؛ لكى تواجه تقدم وقوة الاتحاد الأمريكي، "الولايات المتحدة الأمريكية".

- إن المتابع لتاريخ هذه الأمم العظمى سيعرف جيدًا أنهم استطاعوا أن يصلوا إلى ما وصلوا إليه من خلال إيمانهم الراسخ بأن وطنهم هو أساس انطلاقتهم، فلا تجد بينهم مغبونًا أو محرومًا من حقوقه الإنسانية إلا المنحرفين قانونيًّا، وهم أيضًا يعاملون بكل الكرامة الإنسانية ولا يوجد عندهم أمام القانون فرقٌ بين الوزير والغفير، ولا يتقاضى موظفوهم صغارًا كانوا أو كبارًا رشاوى أو هدايا، وتلعب رقابة الناس ورقابة الصحافة الحرة الصادقة دورًا كبيرًا في فضح الممارسات الخاطئه بكل اعتدال واحترام لحقوق الرأي الآخر، وحق الرد المكفول قولاً وعملاً، وليس شعارًا فقط مسطر في التشريعات، وبالتالي فإن الإعلام يلعب عندهم دورًا مهمًّا في حماية الحريات والدفاع عنها وصون ثروات المجتمع من النهب والسرقات.

ولا يمكن لنا إذن، أن نتحدث عن دور عالمي نلعب فيه مهمة المرشد والمعلم والمصحح للمسارات العالمية من أجل تحقيق العدالة والمساوة العالمية ما لم نكن نجسدها في مجتمعنا على أرض الواقع؛ لأن فاقد الشيء لا يعطيه!! وبالعامية "اللي بيته من الزجاج لا يحادف بيوت الناس"، فعلينا أولاً أن نبنى وطنًا يحترم مواطنيه ويقدم لهم كل وسائل المعرفة ويحقق بينهم المساواة فى الحقوق، ويجعل منهم أفرادًا ذوي انتماء حقيقى للوطن لا لرموزه مهما كانوا، فالرمز الجيد الناجح هو من تكون له قدرة خلق الانتماء للوطن ولناسه؛ لانه يعلم مهما طال الزمن أو قصر سينتهي، والوطن باقٍ، وبالتالي فإذا كان محبًّا عاشقًا لناسه ووطنه فسيغرس فيهم هذه الروح وإذا كان أنانيا فسوف يعشق نجوميته هو، و تكون أمجاده حصيلة ذلك الانتماء للوطن، والتاريخ يقول لنا ذلك، ولكم فى قصص القرآن عبرة، وبالتالى يستطيع الرمز المحب لوطنه أن يجعل من ناسه أفرادًا ملتزمين بأداء واجباتهم حيال هذا الوطن، وإذا وصلت كل الأوطان العربية لهذا النهج وآمنت إيمانًا راسخًا بأنه ليس لأي وطن عربي عمق أو بعد تاريخيّ أو استراتجي إلا ببقية الأوطان العربية، وإن ما عداها غير صحيح ولا يطابق التاريخ والجغرافيا مهما تقاربت مع مجموعات أخرى نتاج لمواقف سياسية أو اقتصادية في أي مكان من العالم، حتى فى قارتي أفريقيا وأسيا المقسم بينهما دول الوطن العربي.

ليس لنا إلا أمتنا العربية التي إذا تكونت أوطانها وتأسست على هذا التوجه وشعر فيها الإنسان بهذا الشعور ستصبح أمة قادرة على تحقيق تكاملها ووحدتها في كافة مجالات الحياة.

ولنحاول معًا أن نتخيل أن هذا تحقق بعد الحرب العالمية الثانية، وأن الدويلات العربية استطاعت أن تبني الإنسان العربي الحر الذي يتمتع بحريته وآدميته ولا يهاب الأجهزة الأمنية في بلاده، ولا يعذب من عناصر مخابرات بلاده، ويعيش كريمًا في سلام وأمان وتقدم، له حكومته المحلية والمركزية، كل أنواع الخدمات له ولأبنائه من تعليم وتربية وصحة وخدمات تصب في هدف المحافضة عليه وعلى بيئته من التلوث، ومن خلال انتمائه لهذه الأمة يعطيها إنتاجًا مخلصًا متقنًا من خلال التزامه الصادق بأداء واجباته، لوصلتْ الدويلات العربية منذ ذلك التاريخ إلى تكتل عربي وكان لها قيادات تؤمن بذلك ولا تهتم بالأمجاد الشخصية ولا يهمها إلا إسعاد شعوبها وتقدمها، ولكان من السهل اليسير ارتباطهم وتوحُّدهم في شكل دولة العروبة الواحدة، وحتما لكان لها مقعدًا مهمًّا وصوتًّا مهمًّا في الأمم المتحدة ومجلس الأمن وسارت دولة عظمى.

من خلال هذا السرد التأملي النظري الفكري، والحلم الذي للأسف يستطدم بواقع مرير حزين أردتُ أن أوصِّل الفكرة التالية: أن هذه الدول التي نراها اليوم تمتلك حق "الفيتو" وتتصرف كما تشاء في مصير العالم، وأقوى الأقوياء أمريكا، كل هذه الدول العظمى لم يأتِ وصولها لما حققته من قوة عالمية إلا من خلال قوتها الوطنية التي بنتها بجهد طويل واهتمام كبير بإنسانها واحترمت آدميته، وبه هو دون غيره وصلت إلى هذه المواقع العالمية، ولم يكن وصولها إلى القوة العظمى بجرة قلم أو أيديولوجية مستوردة أو بخطب رنانة، بل بعمل وجهد وعرق ودم أبناء أوفياء، لن يتنازلوا عن ذلك بسهولة ولن يرضخوا لأي طرح مهما كانت منطقيته إلا إذا شعروا بأن صاحب الطرح يملك نفس القوة التى يملكونها، ويستطيع أن يكون ندًّا منافسًا لهم بكل معايير وعوامل وأساليب المعادلة العالمية للصراع بين القوى العظمى.

ولن يستمعوا إلى مطالبات الدول الصغيرة التي تتباهى بكل العبط بتاريخ انتهى وتجسد في داخلها كل سمات التخلف في كافة مجالات الحياة الإنسانية والاقتصادية والاجتماعية.

إن الكيل بمكيالين الذي تقوم به المنظمات الدولية وعلى رأسها مجلس الأمم المتحدة ووكلاتها المختصة بالعرب- لهو نتاج لقوة الدول العظمى التى أشرنا إليها، عن طريق السيطرة على هذه المؤسسات، وأيضا بالمقابل نتاج لضعفنا وتشرذمنا نحن العرب، فالعيب فينا وليس فيهم، ولا حديث ولا إدانة حول امتلاك دولة إسرائيل للقنبلة الذرية بل من يتحدث في ذلك معادٍ للسامية، وتناسوا عمدًا بأن العرب أيضًا ساميون وقصرو السامية على اليهود الإسرائليين؛ لأن هذه الدولة تخدم مصالح هذه الدول العظمى، بل إن الأمر أكثر من ذلك بأن محركي وصانعي القرار في هذه الدول العظمى من اليهود الذين لهم انتماء مخلص صادق لإسرائيل يفقده العرب ذوو الشأن الاقتصادى الكبير في هذه الدول العظمى لأمتهم العربية، بل يتبرئون منها، ويؤكدون انتماءهم للدولة العظمى التي يعيشون فيها.

وفي بالمقابل فإن النظرة مختلفة تمامًا للقنبلة الذرية الإيرانية التي يجب إيقاف أي تطوُّر يوصِّل إيران إلى امتلاكها حتى لو تطلب ذلك استعمال التدخل العسكري.

وبالتالى فإن لهجة الدول العظمى واحدة، تتمركز حول توفير الأمن لدولة اليهود فى فلسطين الجريحة، ويصرون على وصف حركات التحرر الفلسطينية المتناحرة مع بعضها البعض بالحركات الإرهابية المهدِّدة لأمن إسرائيل التي يجب أن يتمتع اليهود فيها بدولتهم اليهودية، وممنوع على حركة طالبان والأفغان التمتع بدولتهم الإسلامية، هذا هو الكيل بمكيالين!!

هذه هي الحقيقة ونحن نعرفها ونعلمها جيدًا، وكل ما نقوم به هو الصراخ والخطب الرنانة والمظاهرات، وهذا ما يرغبون فيه، تحدثوا كما تشاءون وتحاورا وزيدوا انشقاقًا وتشرذمًا، بل وعملت أجهزة مخابراتهم على تفرقتنا وبث روح العداوة بين حكامنا الذين أصبحت هوايتهم سيل من الشتائم لبعضهم البعض، والتآمر على بعضهم البعض، بل وانتقام من الحاكم الآخر من خلال شعوبهم الضعيفة وعمالهم ومصالحهم الاقتصادية والرويات، والحوادث متعددة في هذا الشأن ويخجل الإنسان من روايتها.

وننقسم إلى معارضين ومؤيدين لحاكم أو نظام حكم، وتراهم يدعمون ذلك لكى لا نتفرغ وننظر إلى تعاليم ديننا وننتبه إليها؛ لأن فيها السحر الحياتي الذي يمكننا من النهوض بالإنسان العربي المسلم، ويحقق مبدأ: "المسلم أخو المسلم" فإذا اشتكى أحد المسلمين تداعى سائرهم في وحدة أخوية رائدة، فهم يؤيدون المعارضة ضد الحكام ويؤيدون الحكام ضد المعارضة، لنستمر نحن في تخلفنا، ويزدادون هم قوة وسيطرة، وقد يتساءل البعض: لماذا معنا نحن العرب والمسلمين فقط، ولا يفعلون ذلك مع اليابانيين والصينيين والكوريين؟!

والسبب في تصوري أيدلوجي مهما حاولوا أو حاولنا تغطيته، ولكنها الحقيقة التي يُسخِّرون كل إمكانياتهم من أجل هزيمتها، وهي المد الإسلامي؛ ولكن الله الأقوى الله الأعظم سيمكن حتمًا للإسلام بقادة مخلصين يحققون المساواة والعدالة والمعرفة، وينتصرون للإسلام والعروبة، رغم كل مؤمرات محو الهوية، مهما طال الزمن أو قصر؛ لأن في آيات قرآننا العظيم ما يؤكد ذلك.

إبراهيم قويدر
i_guider@yahoo.com
www.dribrahimguider.com



Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home