Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home
Libyan Writer Ibrahim Guider
الكاتب الليبي إبراهيم قويدر


إبراهيم قويدر

الإربعاء 13 يناير 2010

تواريخ وعبر.. 13و14 يناير 1964

إبراهيم قويدر

كثير من شباب اليوم لا يعلمون كثيرًا عن وقائع وأحداث 13و14 يناير عام 64 فى ليبيا.. ولمعاصرتى لهذه الأحداث رأيت استجابة لطلب صديق كان من ضمن الفاعلين جدًّا فيها، وأصيب إصابة بالغة في تلك الأيام الصعبة التى مرت علينا فى مدرسة بنغازى الثانوية وفى كل المدينة بل فى كل ليبيا.

وأريد من القارئ الكريم عندما يتفضل مشكورًا بقراءة وقائع وأحداث تلك الأيام أن يحاول إجراء المقارنات بين الوقائع التى سأحاول نقلها بدقة ومصداقية ويتصور ماذا سيحدث لو حدثت هذه الوقائع في زمننا هذا بعد مرور ستة وأربعين عاما؟!

بدأت الأحداث بسبب تشكيل الديوان الملكى- فى ذلك الوقت- وفدًا ليبيًّا لمؤتمر القمة العربية برئاسة ولى العهد وعضوية كل من رئيس الوزراء ورئيس مجلس الشيوخ ورئيس مجلس النواب، واعتذر الملك عن الحضور، ونظرًا لعدم حضور الملك للقمة عبر الطلبة فى الجامعة الليبية عن استنكارهم واستهجانهم لهذا التصرف لأن معظمهم كان قوميًّا، بل كل الشعب الليبي كان كذلك، ولهذا قرروا الاحتجاج في محاولة منهم قد تؤدى إلى عدول الملك عن قراره وخرج الطلاب من الجامعة صباح يوم 13 يناير 1964 فى مظاهرة بدأت من أمام باب الجامعة بشارع الاستقلال- شارع جمال عبد الناصر حاليًا- مبنى مركز المهن الإدارية والمالية- وخرجوا متوجهين إلى ضريح عمر المختار يهتفون بسقوط القواعد والرجعية وينادون بالوحدة العربية، وعندما وصلت المظاهرة عند مبنى مركز الثقافة المصري ارتفعت الهتافات بحياة عبد الناصر، وكان بعد المركز محلا تجاريًا كبيرًا لأكبر تجار اليهود فى بنغازي وهو محل "أبدوسا"، وتخوفت قوات الأمن من أن يعتدي المتظاهرون على المحل فبدأت المحاولات لإبعادهم عن المرور بجواره مما أدى إلى اشتباكات كان نتيجتها أن اعتدى أحد ضباط الأمن على طالبة من الطالبات، فهاج الطلبة وازدادت الاشتباكات حدة، ثم قرر الطلبة الاعتصام أمام الجامعة وقفل الشارع الشريانى بالنسبة لمدينة بنغازى، وعند الظهيرة اقنعهم رجال الأمن بالدخول إلى الحرم الجامعى وقفل الباب الخارجى وأن يستمروا فى مظاهرتهم داخل الحرم الجامعى وأن قوات الأمن لن تدخل الجامعة، وهذا ما حدث وكان.

ونظرًا لأن الطلبة بدأو يشاهدون الأعداد المكثفة من رجال الأمن يحيطون بالجامعة بدأو يقتلعون بلاط الأسقف ويعدون الحجارة ويرمونهم بها لإبعادهم عن الجامعة خوفًا من اقتحامهم لها، وبعد نهاية اليوم الدراسى ظهرًا علم البعض من طلبة الثانوية بذلك فانضموا إلى طلبة الجامعة ودخلوا متضامنين معهم. وقبل المغرب بقليل جاءت بعض السيارات الأمنية التى بها بعض القيادات والذين تحدثوا بمكبرات الصوت طالبين من قوات الأمن الانسحاب وأن الطلبة فى أمان ويمكنهم الخروج والعودة لمساكنهم متى يشاءون.

وكان هذا الإجراء فخًّا حيث عسكرت قوات الأمن فى الشوارع الخلفية وعند خروج الطلبة بدأت وفى إلقاء القبض على الناشطين منهم.

واحتجاجا على ذلك بدأت فى تلك الليلة الاتصالات بين طلبة المدرسة الثانوية للإعداد لمظاهرة كبرى تضامنا مع طلبة الجامعة يوم 14/1/1964 وهنا أسرد واقعة شخصية كبرهان ودليل على أن السلطات فى تلك الليلة كانوا يعلمون أن الطلبة فى الثانوية سيخرجون فى مظاهرة وأن الأوامر صدرت لمواجهتهم.

وكان لوالدي رحمه الله الذى توفى فى عام 1959، صديق عضو بمجلس الشيوخ وكانت تربط الأسرتين علاقة وطيدة بحكم الصداقة والجيرة، فبعث سيدة بعد صلاة العشاء لوالدتى برسالة شفهية مفادها لا تدعى إبراهيم يذهب غدًا إلى المدرسة لأن ذلك خطر على حياته؟!

وفى الصباح وأثناء الطابور الصباحى تم الاتفاق على الخروج من الباب الجانبي الذى يمر الآن بالحديقة العامة وبدأت المظاهرة موازية للشارع الرئيسى، شارع جمال عبد الناصر، وعند خروج الطلبة من الباب الجانبي وجدوا أمامهم القوات المتحركة، وهى قوات أمنية متخصصة فى قمع التظاهرات والحفاظ على نظام الحكم مثلما هو موجود الآن فى كل الدول العربية والمعروفة بـ"قوات الدعم المركزي" وعندما اشتد رمي الطلاب لهم بالحجارة بدءوا فى إطلاق الرصاص الحى، وهنا رجع الطلبة للاحتماء بمدرستهم، وكانت المفاجأة حيث وجدوا كل الأبواب موصدة وتحججت الإدارة بعد ذلك بأنها قفلت الأبواب خوفًا على الطلبة صغار السن الدارسين فى الصف الأول والثاني الإعدادي ولكن القوات المتحركة تعاملت مع الطلبة فى الفناء بقوة وتشتتوا وأصيب العديد منهم والبعض الآخر هرب إلى جهة البحر الذى كان بعد سور المدرسة مباشرة، وبعضهم قفز أيضا من فوق السور، وتوزعوا فى شوارع منطقة سيدى حسين وتابعهم رجال الأمن ولم يحترم رجال الأمن حرمة المدرسة المقفلة فكسروا الأبواب ودخلوا واعتدوا على الطلاب الصغار والأساتذة وكسّروا المعمل ومزقوا الكتب وداسوا على المصاحف بأرجلهم بدون احترام وبكل غلظة وجفاء ووحشية.

وكان نتاج هذه الأحداث استشهاد كل من أصدقائنا رحمهم الله "النقاز" و"بن حريز" و"البيجو" الذى كان أحد لاعبى الفريق الثانى للنادي الأهلى البنغازي، وكان يمكن أن يلحق بهم صديقنا سالم أبوشريدة الذي أصيب بنفس إصابة "بن حريز"، وعند وقوعه غرس فى ظهره أحدر جال الأمن موس البندقية "السونكي" وهو مصاب، وكان من حسن حظه أنه وقع أمام مستشفى "الأدفنتست" حيث خرج فريق طبى بسرعة وأدخله المستشفى وقدمت له الإسعافات وعولج في الحال.

ويشاء القدر أن يعيش سالم ويدخل الكلية العسكرية ويكون أحد الذين استولوا على معسكر القوات المتحركة فى ليلة الفاتح من سبتمبر عام 1969. ولقد أصيب أيضًا العديد من الطلبة بإصابات متعددة ومتفاوتة الخطورة.

وفى المساء صدرت أوامر بسحب كل قوات الأمن حتى الشرطة ورجال المرور من المدينة واستمر هذا الانسحاب يومين خوفًا من حدوث مصادمات أخرى خاصة عند قيام الناس بدفن الشهداء حيث كانت جنازتهم لا تنسى فبدايتها كانت عند الضريح ونهايتها فى ميدان الشجرة وعلى الأرجل حتى مقبرة سيدى عبيد بالصابري وفى مقدمة الجنازة كان الطلبة المصابون وبقية طلاب الجامعة والثانوية والأهالي بجميع أطيافهم وقبائلهم المختلفة، وألقيت كلمات لا تنسى فى المقبرة كان أهمها خطبة الأستاذ أحمد القلال الذى أدعوا له بهذه المناسبة بالصحة وطول العمر.

وتضامنًا مع شباب وأهالي بنغازى خرجت الزاوية يوم 15 و16 ووقع فيها شهداء أيضًا، وخرجت مظاهرات فى كل من مصراتة وسبها وطرابلس وأتذكر أن مجموعة مختارة من الطلبة قابلوا فى طرابلس رئيس الحكومة وسلموه مطالبهم التى كان من بينها محاكمة المتجاوزين من رجال الأمن وإخلاء سبيل الطلبة المعتقلين والموافقة على إنشاء اتحاد للطلبة.

وكان نتاج لتلك الأحداث أن أقيلت الحكومة بعد أسبوع وشكلت حكومة جديدة، وتم التحفظ على بعض رجال الأمن وكلفت النيابة بالتحقيق، وتم تكليف قاضي مصرى يشهد له بالنزاهة بالقضية، فتم الاعتداء عليه في منزله ليلا لكي يرغمونه على ترك القضية وهذا فعلا ما حدث، وترك البلاد، وتهجم البعض من قبيلة أحد الضباط المتهمين على المحكمة أثناء المحاكمة وأخرجوا الضابط بالقوة من قفص الاتهام، ولكننا بعد ذلك سمعنا أنه تم ترجيعه.

هذه هى أحداث يناير ولكن يهمنى التنبيه إلى بعض "الفلاشات" المهمة:

أولا: في أثناء المواجهات بين الطلبة وقوات الأمن كان هناك مبنى لوزارة الأشغال- فى ذلك الوقت وهدم الآن وهو بالضبط فى مكان نُصُب جمال عبد الناصر الحالى- وكان فيه مكتب وكيل وزارة الأشغال المهندس فتحى أجعودة، أطال له العمر وأدام عليه الصحة والعافية، وشاهد من نافذة مكتبه ضباط الأمن في أثناء إطلاقهم للنار على الطلبة، فذهب من تلقاء نفسه وأبلغ عما رآه وبحكم موقعه كان يعرف الأسماء، فبلّغ عنها، وهذا مثبت في ملفات القضية. وكيف لا يفعل مثله هذا العمل وهو من أسرة أجعودة المشهود لها بالنضال ضد المستعمر الإيطالي.

ثانيا: بجوار مستشفى "الأدفنتست" حيث دار أمامه جزء من المصادمات فكان هناك محطة بنزين يطلق عليها "شل كانون" وصاحبه رجل الأعمال المعروف المرحوم الحاج على كانون الذى كان فى المحطة أثناء الأحداث وذهب ألى النيابة وأدلى بشهادته بكل شهامة وصدق.

ثالثا: فى الذكرى الثلاثين لهذه الأحداث جرى احتفال بنفس المدرسة التى سميت مدرسة شهداء يناير بعد ذلك، وقبل الاحتفال جرى تجميع للوثائق وسجلات المدرسة وكشوفات الطلبة فى تلك الفترة وسجل حضور يوم و13\1\1964، والوثائق الخاصة بالتحقيقات والمحكمة وأورد من نتائج هذا التجميع بعض النقاط:

1- من بين طلاب المدرسة وبعد الأحداث مجموعة تقدر بحوالي 24 طالبًا دخلوا الكليات العسكرية وتخرجوا ضباطًا ، ومنهم حوالى 11 ضابطًا شاركو في أحداث الفاتح من سبتمبر 1969.

2- من بين طلبة المدرسة فى ذلك الوقت حوالى 28 طالبًا تولوا مواقع قيادية فى الدولة وزراء ومحافظين وسفراء.

3- من بين طلبة المدرسة أيضا حوالى 24 طالبًا هاجروا إلى خارج البلاد وانتسب البعض منهم للمعارضة بالخارج.

هذا هو موجز تلك الأحداث وأترك للقارئ الإجابة على أسئلة تفرض نفسها:

هل الغياب عن اجتماعات القمة العربية أصبح يحرك الشعوب العربية الآن كما كان فى ليبيا عام 1964؟!

وهل المسئولون القياديون الآن مستعدون ولديهم الشجاعة الكافية أن يشهدوا ضد الممارسات الخاطئة لرجال الأمن عندما يتصادف وقوعها مع تواجدهم في مكان الحادث؟

وهل رجال الأعمال الآن على استعداد أن يقدموا بلاغات ضد ما قد يشاهدونه من انتهاكات من قبل رجال الأمن فى الشارع الليبي والعربي؟

وختاما رحم الله شهداءنا فى يناير وفى غير يناير بليبيا وبكل الوطن العربى الكبير، وأسكنهم فسيح جناته وجعل لنا من ذكراهم عبرة.

إبراهيم قويدر
i_guider@yahoo.com
www.dribrahimguider.com



Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home