Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home
Libyan Writer Ibrahim Guider
الكاتب الليبي إبراهيم قويدر


إبراهيم قويدر

الأربعاء 9 سبتمبر 2009

نحن أمة لا تحكمها حكومة

إبراهيم قويدر

بصرف النظر عن الكيفية التي يتم بها اختيار الحكومة، اتفقت الإنسانية جمعاء على ضرورة وأهمية وجودها لتسيير أمور الناس؛ لأن إدارة دفة الحكم وفقًا لتشريعات تكفل العدل والمساواة في الحقوق والواجبات، أصبحت منهجًا إنسانيًّا لا خلاف عليه في عالمنا المعاصر.

والحكومة هي: كيان رسمي، واقعية الشكل، تتكون من مجموعة أفراد داخل هيكلية الدولة، يكون منهم مسئولون رئيسيون، هم الوزراء، وهذه هي التسمية المتفق عليها منذ القدم، ووردت فى الكتب السماوية، وفي القرأن الكريم حيث يقول الله تعالى: {وَاجْعَلْ لِي وَزِيرًا مِنْ أَهْلِي} [سورة طه: آيه 29- 32].

ويكون مع هؤلاء الوزراء مجموعة من المساعدين وكبار الموظفين، وعدد من الموظفين التنفيذيين فى كل وزارة حسب تخصصاتها ونوعية عملها الذى يستهدف أولا وأخيرًا خدمة الناس والرفع من مستوى حياتهم الاجتماعية والاقتصادية، ويتقاضى هؤلاء جميعًا مقابل عملهم هذا مرتبات.

ويفترض أن تضم تشكيلة الحكومة أفرادًا من خيرة الخبرات، لهم المعرفة والدراية بشئون البلاد وتسيير دفة الأمور في كافة المجالات الاقتصادية والاجتماعية الإنتاجية والخدمية المختلفة، وتعكف على مصالح الناس؛ لأنه لا حكومة بدون ناس ولا ناس بدون حكومة.

ومن خلال التقدم الطبيعى ولصعوبة أن يكون الناس جميعًا وزراء، فيتم اختيار الحكومة من خلال الاختيار الشعبى حسب منهج أو برنامج مقترح، يتم عرضه على أفراد المجتمع من قبل هيئات ينخرط فيها مجموعة من مؤيديها، يطلق عليها الأحزاب أو التجمعات السياسية أو مسميات أخرى باختلاف توجهات الدول العالم في هذا الشأن؛ ولكنها فى النهاية تنظيمات ينخرط فيها جزء من أفراد المجتمع، كوَّنوها من خلال توجُّهات وأهداف قد يكون بعضها فى بدايته مربوطًا بمكافحة المستعمر والحصول على الاستقلال، أو حركات إصلاحية لمواجهة الفساد داخل المجتمع، أو مجموعات ترفع شعارات مختلفة، ولكن هدفها الأساسى هو الوصول إلى السلطة.

هذا إلى جانب انقلابات عسكرية، سادت العالم، قام بها من يعملون فى القوات المسلحة لهذه الدول، وبعد استيلائهم على السلطة حاولوا أن يسايروا الشكل العالمي الديموقراطي، فأسسوا تجمعات أو أحزاب أو تنظيمات ليحكموا من خلالها، ويستمروا في ممارسة السلطة.

وفي العالم المتحضر الآن يطرح كل حزب أو تنظيم برنامجه الذى ينوى تنفيذه على الشعب، وبالتالي فإن أفراد المجتمع يفاضلون بين البرامج، ثم ينظرون إلى الأفراد الذين يقدمهم التنظيم لتنفيذ هذه البرامج، ووفقًا لمدى توافر كارزمات القيادة والإقناع للجماهير من قبل هؤلاء، خاصة فى كيفية عرضهم للبرامج، يتم تحديد ميول الأفراد، ويختارون برنامجًا وقياداته من بين مجموع البرامج والقيادات المعروضة.

قد يقول قائل: إن البرامج التي لم تتحصل على الأغلبية قد يكون فيها مستهدفات مهمة للناس، فكيف تترك هكذا، أو قد تتساوى أصوات الناس فى اختيار أكثر من برنامج، وهنا يفرض المنطق الإصلاحى، الذى يهمه أولا وأخيرًا مصلحة الشعب، أن يتوجه تنظيم الأغلبية الفائز لاتخاذ الخطوات والأساليب التالية:

أولا: الانتقاء والاستعانة بالتوجهات المميزة والمفيدة في برامج التنظيمات الأخرى؛ لأنها تحصلت على موافقة البعض من الأفراد، والقيام بضمها إلى البرنامج الأساسي.

ثانيًا: وفي حالة التساوي تسعى معظم الدول وحكماؤها للدعوة إلى التفاوض بين الأطراف من أجل المصلحة العليا للبلاد، والتوصل إلى صياغة توفيقية يوَلَّد من خلالها برنامج موحد وحكومة ائتلاف وطني.

هذا هو الشكل الذى اتبعته وتتبعه الأنظمة الحديثة ذات التوجه الديموقراطي، وهو يمثل- إلى حد كبير- شكلًا مناسبًا لتلبية طموحات الناس في مشاركة فعالة لقيادة دفة الحكم، وتكون المشاركة هنا في شكل الاختيار من بين ما يقدم من برامج، وأسماء وشخصيات مقترحة لقيادة عملية تنفيذ هذه البرامج.

ويمكن القول نظريًّا بأن هذا لن يحقق بالضرورة الشكل الكامل لحكم الناس بالناس جميعًا؛ ولكنه وفقًا للمعطيات الإنسانية وتعداد السكان والأنماط الاجتماعية للمجتمعات أصبح هو أقرب الأشكال لممارسة السلطة فى العالم اليوم.

ولكن الأمر، في كثير من الأحيان، في بعض المجتمعات يختلط مع التوجهات الفردية، وتتداخل فيه عوامل الكسب الاقتصادى بين الأسر المتحكمة في دولاب الاقتصاد والقوة في المجتمع، وهى التي تقوم بشكل أو بآخر بتمويل الأحزاب والتنظيمات والتجمعات السياسية، وتدعم برامج الانتخابات للوصول إلى سدة الحكم؛ لأن فى وصولهم بالشكل الشرعي، بأى طريقة كانت، زيادة فى نمو هذه الأسر والمجموعات من الناحية الاقتصادية، وهذا الاختلاط، وإن كان يبدو ظاهرًا فى العديد من المجتمعات المعاصرة، إلا أنه يبقى بعيدًا، إلى حد ما، عن أدوات الإعلام المختلفة التى هى نفسها تكون تحت سيطرة مالكيها من هذه الأسر والتجمعات، وتسخرها بشكل مباشر وغير مباشر لمصلحة مرشحيها وبرامج حزبها.

ورغم كل ذلك فإن الوعي المعلوماتي الإنساني وانتشار المعرفة فى مجال الحقوق الإنسانية بالصورة الحالية- جعلت الكثير من هذه الأسر وهذه التنظيمات تعمل جاهدة على تحقيق أهدافها دون خرق أو مساس بهذه الحقوق الإنسانية.

وإذا انتقلنا من المجتمعات الديموقراطية الحديثة إلى مجتمعاتنا العربية النامية والمتخلفة جدًّا فى هذا الجانب، فإننا للأسف نشاهد مسلسلا غريبًا بدايته القيام بتنفيذ أشكال حكم وأيديولوجيات مستوردة على معرفتنا وأنماطنا الثقافية السياسية المتأصلة فينا بأنماطها الاجتماعية المختلفة منذ زمن بعيد، في شكل حكم شيخ القبيلة ومجلسه المسمى بمجلس القبيلة، ونظام الخليفة والإمارة والشورى في دولة الإسلام. إننا لم نستفد من هذا التراث الديمقراطي في أشكال الحكم الحالية، ولم نستفد من مكونات نظام الشوري الإسلامي البديع، بل استنسخنا الأنظمة الحديثة وألبسناها شكلًا على مجتمعاتنا التى تشعر باستمرار بأن الثوب المفصل لها كأداة حكم لا يتناسب تمامًا مع طبيعتنا وأنماطنا المختلفة عن أنماط الدول الأخرى مصنعة هذه الأثواب البراقة، والتى قد تكون مفيدة وناجحة بالنسبة لهم.

أصبحنا في الحقيقة نمارس لخبطة ديموقراطية ومهزلة، قد يصح أن نطلق عليها ديموقراطية الشكل، ديكتاتورية المضمون، ويتم من خلالها فرض مجموعة من الأفراد الموالين للحاكم المطلق دون النظر إلى كفاءتهم ومعرفتهم بأمور البلاد وأحاسيس الناس ونبض الشارع واحتياجاته، ويفرضون كحكومة اسمية تظهر فى نشرات الأخبار، ويصرح أزلامها بتصريحات فى غاية البريق محفوفة دائمًا بإرجاع كل الأعمال والإنجازات للسيد الكبير دون غيره، إنها حكومة لا تحكم، وإنما تتلقى التعليمات بالهاتف، وأحيانًا تكون التعليمات متناقضة بين بعض أصحاب الحظوة القريبين من سدة الحاكم، بل إنه فى بعض الأحيان حتى موظف بدالة الهاتف يستعمل فى نقل التعليمات، وقد يدخل وزير في مثل هذه الوزارات ويخرج دون أن يقابل ولو لمرة واحدة سيادة الحاكم المبجل، باستثناء يوم حلف اليمين أو الحفلات والمناسبات والاجتماعات العامة.

لا برنامج ولا خطة ولا تنظيم، بل ولا قيمة للوقت عند هؤلاء، لأنهم مسخَّرون لخدمة توجهات السدة العليا وحاشيتها وأسرتها التى ينسب لها الفضل فى كل شيء، وينسب للحكومة فقط الفشل في حالة وقوعه، رغم أنها غير مسئولة عنه في معظم الأحيان. وبطريقة مباشرة وغير مباشرة يتم توجيه الناس لصب نقمتهم على الحكومة لفشلها فى خدمتهم وتنفيذ البرامج المخطط لها، والتى غالبًا ما يكون العيب فى البرنامج نفسه، وليس فى المنفذين، حتى وإن كان البرنامج جيدًا، ولم يتم تنفيذه بصورة جيدة، فإن المسئولية تقع على من اختار المنفذين غير المؤهلين لذلك، ويطالب الناس من خلال هذه التعبئة المبرمجة التى تزيح نظر الشعب عن مصدر العيب إلى الحكومة الفاشلة، فينتقدونها سرًّا، ويسمح لهم علنًا فى بعض الأحيان، ويطالبون بالتغيير، ولا يتم التغيير حتى يصبح حلمًا، فتحققه سدة الحكم ويصبح إنجازا من إنجازاتها لصالح الناس.

هذا هو حال حكوماتنا ووزرائنا، فى كثير من بلداننا العربية، إن الأمر بهذه الصورة لن يستقيم، يجب أن نتحلى بالأمانة والصدق أمام شعوبنا، ونوضح لهم الأمور، فليكن هناك حاكم مطلق، ملك، إمبراطور، بأى تسمية كانت، ولكن تكون الأمور واضحة للناس، ومحددة ومعروفة، وتكون له ولحاشيته وقصره ومكتبه وأسرته موازنة مالية محددة للصرف، وهى أيضًا معروفة وغير هلامية وغامضة وبالحبر السرى، ولتوضع الأمور في نصابها، وليعلم الناس أن الحكومة لا تحكم، وإنما هي مجموعة من كبار الموظفين التنفذيين، ورئيسهم هو منسق بينهم وبين تعليمات السيد، وليس لهم حرية الابتكار أو الإبداع أو المشاركة فى البرامج الإنمائية ورسم السياسات الاقتصادية والاجتماعية إن وجدت أصلا.

إن وضوح الأمور تجعل في الإمكان محاسبة المسئولين وفقًا للمسؤليات والمهام الممنوحة لهم، ونستطيع أن نشكر من قام بعمله بصورة جيدة ونحاسب المخطئ، ولا نغمط حق الإنسان الطبيعى فى عزته وكرامته وجهده الذى يجب أن يكافأ عليه، لا أن يغبن فيه، وكأنه صفر على الشمال أو نكرة، إن السيد وحده هو العظيم الذى تئول إليه الأمور، وهو العظيم الذي لا يخطئ، وهو المنقذ من الضلال وما سواه لا يفقهون، يا سادة لا عظيم إلا الله، ولا معلم ولا قائد لنا إلا رسول الله، ثم أولياء الأمر إن خالفوا القرآن وسنة نبينا محمد صلى الله عليه وسلم فلا ولاية لهم علينا.

علينا فعلا أن نعطي كل ذي حق حقه، ولا نستمر فى دوامة الفوضى المستمرة الغائب فيها روح الطرح الصادق والعرض الأمين، بالتالي يكثر الفساد، ويكون ذلك لصالح الانتهازيين، وإن لم يصحح هذا الخطأ، سوف نستمر أمة لا تحكمها حكومة مثل بقية خلق الله.

إبراهيم قويدر
i_guider@yahoo.com
www.dribrahimguider.com



Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home