Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home
Libyan Writer Ibrahim Guider
الكاتب الليبي إبراهيم قويدر


إبراهيم قويدر

الخميس 7 يناير 2010

هيئة وطنية لمكافحة الفساد

إبراهيم قويدر

إن ظاهرة الفساد المالي والإداري والسياسى تكاد تكون ظاهرة عالمية لا يخلو مجتمع من المجتمعات منها ومن مؤثراتها السيئة على برامج التنمية الاجتماعية والاقتصادية؛ ولكن درجة انتشارها ومدى تأثيراتها تتفاوت من بلد إلى آخر ويحكم ذلك بالدرجة الأولى مستوى الأخلاق وسلوكيات الأفراد وعلاقاتهم بينهم وبين بعض، ثم يأتي بعد ذلك أسباب أخرى عديدة، فمنها ما له علاقة بنظام الدولة وقيادتها الإدارية والسياسية والمالية وأنظمتها وتشريعاتها، ومنها ما يتعلق بسوء اختيار الأفراد القياديين، وأيضا يلعب الفقر والعوز وسوء توزيع ثروة المجتمع- كعامل مساعد- دورًا مؤثرًا، رغم أن الإنسان الملتزم والذي نشأ فى بيئة اجتماعية صالحة من الأسرة والمجتمع المحيط وتشرب منها السلوك الأخلاقى القويم مهما كان فقيرًا- لن ينغمس أو ينجر فى سراديب الفساد البرّاقة فى أشكالها المحبطة العادمة لإنسانيته فى مضمونها.

ولقد تناولت هذه الظاهرة كثيرًا فى كتابات سابقة وساهمت مع آخرين فى دراستها على مستوى الوطن العربي واشتركت فى العديد من الندوات وأجريت لقاءات عديدة مع قنوات فضائية مختلفة حول هذا الموضوع.

ولكننى الآن سأحاول التركيز على الحلول الممكن اقتراحها لمعالجة هذه الظاهرة فى ليبيا، فمن المعروف أن كثيرًا من الدول التى تؤمن قيادتها بضرورة الحد من هذه الآفة الاجتماعية المهددة للكيان الاجتماعى للدولة وتعتبر التوجه نحو محاربتها ومكافحتها هدفًا أساسيًا ورئيساً ويأخذ المرتبة الأولى فى سياساتها الداخلية تسعى دائمًا هذه القيادات المؤمنة بهذا التوجه إلى البدء الفوري وبدون تردد أو مراعاة لأحد إلى تحقيق ذلك بإرادة سياسية قوية وفاعلة وغير مذبذبة، فتطبق المعايير وتتخذ الإجراءات التي من شأنها مكافحة الفساد وردع جميع المفسدين سواء كانوا صغارًا أو كبارًا، وأقصد هنا أن الفساد الذى اصطلح على تسميته "فساد الكبار" هو الذى له علاقة مباشرة بمن هم فى أعلى مراتب السلطة أو من لهم علاقة قرابة بالحاكم أو بكبار المسئولين في الدولة، وإن استهداف هؤلاء كقاعدة أساسية يبرهن على مصداقية التوجه نحو مكافحة صادقة للفساد، كما أنه سيقضي على الفساد الصغير الذى ينكمش تلقائيًا ، فمادامت المكافحة تصيدت الكبار، فان الأمر جدي وبالتالى سيرتدع أغلبهم ولا يمارسون أفعالهم الفاسدة.

وهناك الكثير من الدول التى تقدمت فى مكافحة الفساد فعلى المستوى العربى هناك البحرين وسلطنة عمان، وعلى المستوى الاسلامى ماليزيا وعلى المستوى العالمى الدانمارك وكندا وسويسرا، حسب تقارير المنظمة العالميه للشفافية.

وإذا سلطنا الضوء على وضعنا الليبيى فإن تعدد الأجهزة الرقابية يعتبر واقعيًا وعلميًا عاملاً مساعدًا ومؤثرًا فى زيادة ظاهرة الفساد؛ لأن تعددها سيجعل هناك ثغرات فى عملها يستغلها هؤلاء الحذاق، فلدينا على سبيل المثال:

- جهاز الرقابة الإدارية

- لجان التطهير

- لجان المتابعة

- فرق العمل الثوري

- لجان الرقابة الشعبية بالمؤتمرات

وكل هذه الأجهزة واللجان للأسف الشديد لم تحد من ظاهرة الفساد، بل إنها ساعدت على انتشارها لأن بعض عناصرها نفسها أحد مخالب وحش الفساد المفترس، ويتضح من خلال الممارسة الكثير من التصرفات التي تشوبها مظاهر الانحراف وفقًا للقوانين، ومظاهر الفساد وفقًا للمعايير العالمية للشفافية.

وإذا كنا جادين حقيقة فى معالجة المشكلة فعلينا أولاً أن نضع استراتيجيات واضحة نستهدف من خلالها الحد من هذه الظاهرة وأخص منها ما يلي:

الاستراتيجية الأولى:

إلغاء كل الصلاحيات الممنوحة بالتعاقد المباشر وعدم السماح بها إلا في حالات الطوارئ والحروب، وإنشاء المجلس المركزي للعطاءات لتكون له أمانه سر متخصصة فى كل المجالات ويستعين بالخبراء الوطنيين ويربط الأسعار المحلية بالأسعار العالمية؛ لأنه من العيب أن ينشأ فندق بثمانية ملايين منذ عشر سنوات ويصان الآن بستة عشر مليون دينار، أو أن سعر محطة أو مصنع أو وحدة سكنية في دول الجوار 100 ويكون سعرها فى ليبيا 500، أي خمس أضعاف بالتالى فإن إنشاء هذا المجلس الذي لا يتم التعاقد إلا من خلال عطاءات وفض مظاريف ودراسات لأى مشروع يزيد عن الخمسة ملايين أما المشروعات الأقل فتمنح صلاحية العطاءات فيها إلى فروع المجلس التى يفترض أن تكون بالمناطق، يعني فرع بالمنطقة الغربية وآخر بالمنطقة الوسطى وآخر بالمنطقة الجنوبية وآخر بالمنطقة الشرقية.

علما بان اللجنة المركزية للمعطاءات واللجان الفرعية لها والنوعية أيضا كانت موجودة في ليبيا منذ الستينات واستمرت إلى أن تم تجاوزها ألان وأصبحت الأمور يتم الإجراء فيها التعاقد بالأمر المباشر دون عطاء وأحياننا المقاول المتعاقد معه يكلف بالتصميم والتنفيذ ؟؟؟ وكائننا في حالة طوارئ .

كما أنه من المهم جدًّا أن يتم اختيار عناصر نزيهة ولها سمعة طيبة فى العمل بهذا المجلس لتنظم أعمالها بدقة وسرعة؛ لكى لا يجد أصحاب الرأي الآخر الذين يرون فى العطاءات روتينًا يعطل الإنجازات الثورية الحضارية؟! ولا بد هنا من الإشارة إلى ضرورة منح مرتبات كافية بل ومكافآت لكافة العاملين فى المجلس بشكل يوفر لهم كل احتياجاتهم بما فيها الكماليات لهم ولأسرهم.

الاستراتيجية الثانية:

تنظيم العلاقة بين الرقابة المالية والأجهزة التنفيذية، فلدينا جهاز رقابة ومتابعة مالية ولدينا مراقبون ماليون فى الأمانات والهيئات، وللأسف أصبح الجهازان يتدخلان بل لا يتم الصرف أو توقيع العقود إلا بموافقتهما، بل إن المراقب المالي الذي دوره الرقابة يوقع على الصكوك الخاصة بالصرف، وهذا خطأ كبير لأن الرقابة هنا شريك فى التنفيذ، وبالتالى لا تستطيع أن تراقب، فهل تراقب نفسها؟! هذا شيء غريب فعلاً، أما الذى يفترض أن يحدث بعد اعتماد الموازنات أن المراقب المالي يأذن بالصرف من المخصصات المالية كل ثلاثة أشهر ويراجع المصروفات كل ثلاثة أشهر أيضا ولا يتدخل فى تنفيذ إجراءات الصرف، فهذه مسئولية الجهة صاحبة الموازنة.

وكذلك العقود تُعد وتوقّع وفقًا لمعايير ونماذج معتمدة والمراجعة المالية تراجع على مصروفات المشروع من خلال ما يقدم لها من بيانات عن المشروع أما قرار إرسائه والموافقة عليه فمن اختصاص مجلس العطاءات والقطاع المختص.

إن موضوع الفصل بين الرقابة والتنفيذ استمعت إليه من أحد كبار رجال الدولة الليبية المشهود لهم بالكفاءة والخلق الكريم.

الاستراتيجية الثالثة:

إلغاء كل الأجهزة الرقابية الإدارية الحالية المشار إليها وإيقاف نشاطها وإعطاء المسئوليات كاملة للقطاعات والمحافظات ومجلس العطاءات المركزي وفروعه بالمناطق مع إنشاء "هيئة وطنية لمكافحة الفساد" تنفيذا للاتفاقية العالمية لمكافحة الفساد التي تلزم الدول المصادقة عليها بإنشاء هياكل وهيئات أو لجان وطنيه لمكافحة الفساد والذي اقترح بشأنها بالإضافة إلى اختصاصها الأصيل في مكافحة الفساد أن يحال إليها الشق الرقابي الذي كانت تقوم به الأجهزة الملغاة وتوضع لها استراتيجيات تنفيذية مقتبسة من المظاهر والمعايير العالمية لمكافحة الفساد مع وضع معايير واختبارات اختيار دقيقة لكل من يعمل بها ولا ينتقل إليها أى من العاملين حاليًا فى الأجهزة الرقابية الملغاة مهما كانت كفاءته ومصداقيته لأننا لو وضعنا الاستثناء بحكم العلاقات الاجتماعية لليبيين فسيتسرب بدون أن ندرى من لا نرغب أن يكون، فى هذا الجهاز المهم، كما أنه من المهم جدًا أن يتم اختيار قياديين ملتزمين أخلاقيا ودينيا، ومن ذوى السمعة الحسنة والانضباط الإداري، ويترك لقائد هذا الجهاز اختيار معاونيه وموظفيه وينص صراحة بمنع تدخل أى جهة فى اختياراته مهما كانت الأسباب بالحجة الثورية أو الإصلاحية أو الجهوية..إلخ، وأن تعطى لقيادة الهيئة وموظفيها الدخول التى ترفعهم إلى مستوى لا يكونون محتاجين إلى أى شيء حتى الكماليات كما أشرت فى مجلس العطاءات.

كما أنه من المهم جدا أن يصدر قانون بإنشاء هذه الهيئة ويحدد مهامها في مكافحة الفساد وفقا للمعايير الدولية ويشار فيه لضم صلاحيات الأجهزة الملغاة إليها وان يكلف رئيسها من أعلى سلطة في البلاد وان يكون القسم الذي يؤديه قسما خاصا بمكافحة الفساد وتعهده بالقيام بذلك بكل نزاهة وصدق وينقل اليمين على الهواء مباشرة وينشر في جميع وسائل الإعلام زان تكون هذه الهيئة مستقلة لا تصدر لها أوامر من احد وتقدم تقاريرها السنوية للشعب وتنشر في كافة وسائل الإعلام.

وهكذا يمكن أن نقول: إننا وضعنا أيدينا على بداية الطريق لإصلاح هذا الأمر المشين "الفساد" الذى أساء إلى سمعة وطننا الحبيب وجعله محلا لانتقادات محلية وعربية ودولية.

إبراهيم قويدر
i_guider@yahoo.com
www.dribrahimguider.com



Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home