Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home
Libyan Writer Ibrahim Guider
الكاتب الليبي إبراهيم قويدر


إبراهيم قويدر

السبت 6 مارس 2010

المصداقية

إبراهيم قويدر

نعيش فى هذا الزمن أزمة مصداقية فعلاً، فعلى الرغم من أن الصدق عامل أساسي فى التعامل بين الناس بعضهم البعض وهو البذرة الطيبة التى تزرع وتنمو من خلالها الثقة إلا أنه للأسف غير موجود.. فرأينا اهتزاز ثقة الفرد بالآخرين وثقته بمجتمعه وأسرته وإدارته سواء كانت هذه الإدارة لها شكل ملكي أو إمبراطوري أو جمهوري.

إننا في هذا الزمن نعاني بحق أزمة ثقة بيننا وبين إداراتنا المختلفة سياسية كانت أو خدمية ذات علاقة بحياتنا الاقتصادية أو تقدم لنا خدمات اجتماعية مختلفة مثل الصحة والتعليم وغير ذلك من الخدمات التى يحتاجها المواطن وتعتبر حقًّا له على الدولة وفقًا لمواثيق حقوق الإنسان.

وقد ثبت أن أزمة الثقة هذه تعود في الأساس إلى التدهور الحادث فى سلوكيات الناس وفقدانهم الأمانة في تعاملاتهم مما أبعدهم عن الوصول إلى المصداقية بمفهومها الشامل، فارتفعت عندنا قاعدة: الغاية تبرر الوسيلة، وجعلناها أساسًا لتعاملاتنا، فمن أجل الوصول إلى استمرار وضع أو نظام ما- يحق لنا أن نستعمل أي وسيلة من أجل تحقيق ذلك مهما كان في هذه الوسيلة من اختراق لآدمية الأفراد وحقوقهم التى نصت عليها التشريعات السماوية والمواثيق الدولية والأعراف الإنسانية كالخطف والاعتقال والتصفية الجسدية بحجة الدفاع عن مبادئ الثورة وأمنها، مع أنه من المفترض علميًا أن كل الثورات فُجِّرت من أجل الناس ولإزالة كل أشكال الظلم عنهم ولتحقيق العدالة لهم جميعًا ولصون كرامتهم في المقام الأول.

ولاحظت أنه يتم الكذب على الشعوب فى مواقف كثيرة بل يتم تضليلهم والكذب عليهم، وهنا يرى من يقومون بذلك أن الكذب والتضليل مصرح به وله ما يبرره إذا كان يخدم النظام واستمرارية الزعيم الحاكم.

هذه السلوكيات عرفها الإنسان منذ تاريخ نشأة الدولة وانتشار الإمبراطوريات والإقطاعيات وازدياد أشكال وألوان الاستبداد والعبودية وحتى بعد الثورات التي خرجت لتطالب بحقوق الشعوب في الشفافية وإشراكها في اتخاذ القرارت المصيرية، قام البعض منها مع مرور الزمن بالتحول من حركات إصلاحية ضد الاستبداد والعبودية ومحاربة الظلم إلى ممارسة أشد وأقسى الممارسات التى تقع فى إطار أشد كثيرًا من الاستبداد والعبودية التي ثارت عليه، بل الأدهى أنها تجاوزت ذلك كثيرًا.

كل ذلك يتم تحت ستار الدفاع عن الإصلاح والثورة وأمنها متناسين أن أمن المواطن هو أساس أمن أي نظام، وهنا قد يعتقد البعض أنني أقصد قتل الناس وتعذيبهم، "صحيح أنه فعل لا إنسانى"، ولكننى أقصد هنا بالدرجة الأولى الكذب على الناس من قبل أولياء الأمور من الحكام مهما اختلفت مراتبهم حاكمًا كان أو وزيرًا أو محافظًا أو عميدًا لبلدية؛ لأن التدجيل على الشعب والاستخفاف به يؤثر فى سلوكيات الأفراد مع الزمن ويزعزع المصداقية التى هى أساس الاستقرار فى الحياة الاجتماعية والاقتصادية، فمن هنا يبدأ النخر فى جسم المجتمع، فتزداد الرذيلة وتنتشر أنماط الفساد المختلفة والانحرافات الاجتماعية والأخلاقية مما يساهم في نشر هذا الوباء الاجتماعى "المخطط" له أحيانًا حتى يسهل على ذوي الأمر ترويضه وحكمه واستمرارية القبض على زمام الحكم، ومن هنا يفقد الشعب الإيمان بالمبادئ التي كان يحلم بأن تعم على يد هذا النظام أو تلك الثورة، وبالتالي تنخفض لديه درجات الإحساس بالصمود ومواجهة من يهدد مبادءه، فيبقى تائهًا فى مشاكل مفتعلة ترمى به يمينًا وشمالاً ولا يفكر إلا فى يومه فقط ولا يعرف كيف يخطط لمستقبله ومستقبل أسرته وأولاده، فهو يعاني من أزمات صحية تربكه من أجل العلاج، سواء داخل مدينته ومحل سكنه أو في عاصمة بلاده ويضطر للسفر للخارج للعلاج في الخارج. ويظل التدهور ليجد نفسه يعاني من تدهور في التعليم وليرى بأم عينيه أن أبناءه وبناته لا يجيدون الكتابة والقراءة العربية حسب الأصول اللغوية رغم أنهم على مشارف الحصول على الثانوية العامة ودخول الجامعة.

كل ذلك يحدث لنا لأننا فقدنا المصداقية، ورغم أن المسئولية الأولى تقع تاريخيًا على نظام الحكم إلا أن الكثير منا ساهم فى ذلك، فبعض الكتاب وبعض الشعراء وبعض الإعلاميين ساهموا فى تضليل الناس والتدليس عليهم وتزيين الأفعال المشينة وتصويرها في أثواب براقة، لتتحول الهزائم والانتكاسات إلى انتصارات، وتسمية الأشياء بغير مسمياتها، من هنا بدأنا نعيش كمجتمع فاقد تمامًا للثقة فى إدارته ولجانه ومسئوليه، ووضعنا- للأسف- جميع المسئولين فى صف واحد وهو صف الفساد والمفسدين والمنافقين رغم أن القاعدة الإنسانية تستوجب عدم التعميم؛ لأنه من المؤكد أنهم يتفاوتون فى ذلك، بل إن منهم من يعمل بالفعل من أجل إرضاء الله والناس، ولكن لأن المحيط الذى يعمل فيه محيط فاسد، فيتم تقييم المسئول من المنظومة التي يعمل فيها ولا يُقيَّم من خلال تصرفاته الشخصية وأفعاله مهما كانت نبيلة، لهذا السبب أصبح شبابنا ومجتمعنا يعمم بدون تمييز بأن الجميع لا يصلحون ولا يمكن للبلاد أن تقوم لها نهضة وتطوير وإصلاح مادام هؤلاء موجودين، وكأننا نسينا قول الله تعالى: {وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى}.

أعلم شخصيًا أن كثيرًا من المسئولين جيدون علميًا وتخصصيًا ومن ذوي الكفاءات العالية، وهم مخلصون كذلك لوطنهم ويحاولون أن يقدموا لأبناء شعبهم الأحسن والأفضل، ولكن تظل عوامل أخرى خارجة عن إرادتهم لا يستطيعون من خلالها إظهار هذه النوايا وترجمتها إلى أفعال يلمسها المواطن، وللأسف فإن من يتمكن أن يقدم عملاً صالحًا ملموسًا يتم التآمر عليه ويتم نقله أو يتم إقصاؤه بدون أسباب، بل أحيانًا يلغى جهازه ويفتت وبعد سنوات يعاد هيكلته أو تشكيله بنفس المواصفات من جديد بعد أن يكون قد نخر الفساد ما تبقى من هيكله، والأمثلة على ذلك كثيرة لا تحصى ولا تعد ومتنوعة فى مواقع وأجهزة كثيرة مهمة للمواطن والمجتمع.

والآن بعد هذه المسيرة الطويلة أقول: إن أصحاب "اللامصداقية" فى أزمة، فأكاذيبهم وأفعالهم المضللة لم تعد تنطلي على الناس؛ لأن التقدم التقني فى نقل المعلومات بالقنوات الفضائية والإنترنت أصبح ميسرًا ويستطيع الإنسان من خلالها أن يعلم الحقائق وتنكشف أمامه الأكاذيب بسهولة، فمثلا التجاوز في صرف مبلغ من المال من قبل فرد أو مجموعة في غير طاعة الله أو فى أوجه صرف غير صحيحة أصبح العلم بها بعد ساعات من حدوثه ميسّرًا، وبالتالى فمهما حاول هؤلاء أن يظهروا فى قنواتنا المحلية بمظاهر الالتزام فلن يصدقهم أحد إلا القليل الجاهل بكيفية الوصول إلى المعلومة من خلال وسائل التقنية الحديثة من القنوات الفضائية وشبكة المعلومات الدوليه الإنترنت.

لهذا السبب ظهرت فكرة تجهيل الناس وتحولت إلى توجه منظم ليصبح الطفل والشاب لا يلزم على التعلم بل تترك له الحرية فى التعلم من عدمه، وكأننا لا نعلم مسبقًا أن أطفالنا وشبابنا الصغار يفضلون عدم التعلم وقضاء الأوقات فى اللعب، ومن خلال مدخل حرية التعليم يتم التجهيل ويسهل التدليس ونفقد من جديد المصداقية في مسئولينا وفي أنفسنا أيضًا.

إبراهيم قويدر
i_guider@yahoo.com
www.dribrahimguider.com



Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home