Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home
Libyan Writer Ibrahim Guider
الكاتب الليبي إبراهيم قويدر


إبراهيم قويدر

الإثنين 1 فبراير 2010

القيادة المفقودة

إبراهيم قويدر

نتحدث دائمًا عن الإدارة والأسلوب الإداري الصحيح والأمثل، وكذلك وسائل الإشراف والتنفيذ الإداري الناجحة باعتبارها عاملاً مهمًا من عوامل رقي وتقدم المجتمعات.

ولكن مهما وُضعت لوائح وصِيغت أسس تنظيمية وهيكلية اتُّبِع في إعدادها الأسلوب العلمي الموضوعي وأحدث نظريات الإدارة الحديثة ومهما شرَّعنا وأصدرنا من قوانين وقرارات تنفيذية تنظيمية فستبقى كل هذه الأعمال معطلة وحبرًا على ورق لا ترقى إلى مستوى تكلفة ما صرف في إعدادها من جهد المختصين ومصاريف اجتماعاتهم، بل إنها لن ترقى أيضًا إلى مستوى تكلفة الحبر والورق المستعمل فى طباعتها وتكلفة نشرها وتوزيعها.

ولا يغيب عن أحد أن الإدارة الناجحة يجب أن تأخذ فى اعتبارها البيئة الاجتماعية للمجتمع المحلي التي ستقوم بإدارته وتقديم الخدمات لسكانه ذكورًا وإناثا أفرادًا وجماعات بمختلف فئاتهم العمرية والتخصصية؛ لأن إغفال هذه الحقيقة سيؤدى إلى إخفاقات عدة فى برامج الإدارة الناجحة والإصلاح الإداري، وللأسف فإننا فى مجتمعاتنا العربية عامة، والمجتمع الليبي خاصة، لا نراعي ذلك، فغالبًا ما نتكالب على عقود بالملايين مع مكاتب وهيئات استشاريها أجنبية فى علوم الإدارة وتقنياتها بمختلف التخصصات، وقد تكون هذه المكاتب من أحسن المكاتب العالمية وقد سبق لها أن قدمت فى مجتمعاتها الغربية الدراسات والحلول الناجحة للمختنقات الإدارية لديهم بل قد ترقى إلى مستوى أن نُظُمها الإدارية التى قامت بوضعها فى مجتمعاتها أسهمت فى إيصال هذه المجتمعات لما وصلت إليه من تقدم فى الأداء الإداري الذى كان عاملاً أساسيًا فى تطور هذه المجتمعات، وما حققته هذه الهيئات والمكاتب من شهرة عالمية فى بلادها كان سببه الرئيسي أنها على دراية كاملة بما يسمى بالأنماط الاجتماعية المحلية المؤثرة فى الإدارة؛ لأن نفس هذه المكاتب تُقدِّم الحلول والمقترحات لمشاكلنا الإدارية فى مختلف المجالات، ولكن عند التطبيق الفعلي لهذه الحلول تصطدم مع ثقافات وسلوكيات المجتمع المحلي فى معظم الأحيان، أي مع ما نسميه التنظيم الاجتماعى للإدارة أو التنظيم غير الرسمى داخل المؤسسة الإدارية.

إن الدول والمجتمعات المتقدمة تجاوزت هوة التنظيم الاجتماعي غير الرسمى والتنظيم الإداري؛ لأنها أصلا وضعت نظمها الإدارية وفقا لرؤى مجتمعاتها وأنماطها الثقافية والاجتماعية، وبالتالى أصبح تنظيمها الرسمي والاجتماعي واحدًا، أما نحن فما زلنا نعيش هذا التناقض الذى يؤدي فى كثير من الأحيان إلى ما نسميه "سوء الإدارة".

وأتذكر أنه فى عام 1974 قامت شركة "الخليج العربى للاستكشاف"- فى ذلك الوقت- بالتعاقد مع مكتب استشارى أجنبى لوضع النظم الإدارية للشركة وشكلت الشركة فريقًا من موظفيها الوطنيين لمتابعة ومشاركة المختصين الأجانب المكلفين بالقيام بهذا العمل، وكان منهم زملاء معروفون فى الإدارة الليبية مثل الأستاذ محمد عبدالله المبروك الذى شغل موقع "أمين الخدمة العامة" لعدة سنوات، والأستاذ تميم عصمان الذي ما زال خبيرًا ومستشارًا بالشركة وآخرون، وكان هذا الفريق المختلط يقوم بالاطلاع بل والاجتماع مع كل موظف ليحددوا المهام الوظيفية لكل وظيفة وعلاقتها بالوظائف الأخرى، كما قاموا بدراسة قانون العمل وكافة القوانين ذات العلاقة ثم انتهت أعمالهم بوضع دليل إجراءات شئون الموظفين ونظام الدرجات الوظيفية وانعكاساتها على قيمة الأجر لكل درجة وظيفية حسب الجهد المبذول في كل وظيفة، وربط ذلك بمواصفات محددة لمن يستطيع القيام بالمجهود المطلوب من حيث المؤهل والخبرة.

كان العمل مميزًا ودقيقًا؛ ولكن سردي لهذه الحادثة يتعلق بجانب من القصة، وهو أنه بعد إتمام دليل إجراءات الموظفين واعتماده من قبل مجلس إدارة الشركة أحيل لمشرف شئون الموظفين لتنفيذه الذى وضعه فى "دُرجه" ولم ينفذه لعدم اقتناعه بما احتواه هذا الدليل، بل إنه اعتبره مخالفًا لطبيعتنا الاجتماعية ، علاوة على كونه مخالفًا للثورة، وبقي هذا الدليل فى نوم عميق بدرج السيد المشرف عامًا كاملاً حتى تم نقله من موقعه، وتم تكليف من وضع الدليل موضع التنفيذ، وبعد التنفيذ بفترة أُدخلت عليه العديد من التعديلات التى تتلاءم مع طبيعتنا الاجتماعية وللتدليل على ما أقصد بالطبيعة الاجتماعية المؤثرة فى سير العمل أورد المثال التالي:

عندما ينتقل إلى رحمة الله تعالى جار أى مواطن عامل في أى موقع، فلا يمكن للعامل أن لا يواسى جاره، ويكون معه فى اليوم الأول على الأقل حتى إتمام عملية الدفن ومراسم الجنازة، وبالتالى يعتبرها المواطن الليبى إجازة عارضة قد لا يتفهمها المواطن الأوربي الذي من جنسيته الخبراء الذين وضعوا النظام، وغير ذلك كثير، فمنها ما يتعلق بالأنماط الاجتماعية ومنها ما يتعلق بقواعد منصوص عليها فى شريعتنا الإسلاميه أيضًا.

وهذا المثال وما سبقه هو تمهيد لموضوعنا الأساسى "الإنسان القائد" الذي يعرف كيف يتناغم ويتجانس بين المصلحة الرسمية السياسية للإدارة والمصالح المنبثقة من الأنماط الاجتماعية واحتياجات أفراد وجماعات المجتمع الذي يعيش فيه ويقوده، سواء كان هذا المجتمع مؤسسة صغيرة أو متوسطة أو حتى بلدية أو بلدًا بأكمله.

وتبرز نجاحات أى قائد مهما كان مستواه في مدى قدرته على تكييف المتطلبات الرسمية مع المتطلبات غير الرسمية وتحقيق التوازن بينهما، وكيف يضع الاثنين فى خدمة احتياجات الناس وتوفير الرخاء والعدالة والمساواة لهم جميعًا دون تمييز، مع مراعاة الاختلافات بين احتياجات الناس حسب البيئة التى يعيشون فيها، فالبناء الاجتماعى والأنماط الاجتماعية فى المجتمع الريفى تختلف عنها في المجتمع البدوي عنها فى المجتمع الحضري، وبالتالى فإنه يجب أن يكيف النظام الرسمي مع المؤثرات الاجتماعية للمجتمعات المحلية المختلفة الأنماط ، والقائد الناجح هو الذى يوفِّق بين هذه الأنماط مع التنظيم الرسمى للدولة أو المؤسسة.

ولذلك تفننت الدول المتقدمة فى خلق التوازن الرشيد بين النظم الرسمية والاحتياجات الاجتماعية المحلية، حيث قامت مؤسسات الدولة الدستورية بخلق مرونة كافية لوضع التنظيمات المحلية الملائمة التى تختلف من منطقة إلى أخرى فى كل بلد تحت مظلة أسس واحدة تكفل التساوي فى الحقوق الوطنية والواجبات الوطنية ولكن الأسلوب الإداري ترك تكييفه بحسب المتطلبات الاجتماعية لكل منطقة من المناطق، وهذا ما تجده في أن هناك شيئًا ممنوعًا فى منطقة مصرح به فى منطقة أخرى. وهذا يعتبر قمة التوازن بين المتطلبات الرسمية للتنظيم والأنماط الاجتماعية.

إن القيادة الناجحة بصرف النظر عن مسمياتها سواء كان شيخ قبيلة أو رئيس حي أو مدير أو وزير أو أمير أو ملك، فيجب لكى تتصف بالحكمة والقدرة، كما يجب أن يستعين بمعاونين يفهمون فى مجالاتهم ليعوضوا نقص القائد؛ لأنه لا يوجد أبدًا فى هذه الدنيا قائد يفهم فى كل الأمور، حتى الأنبياء والمرسلين، فرسول الله صلى الله عليه وسلم الذى أنزل الله عليه الوحى اختار بجواره أناسًا أقوياء سواء كانوا الخلفاء الراشدين أو الصحابة رضي الله عنهم، ولذلك فإن اختيار الأعوان القادرين الأقوياء واحترامهم واحترام رأيهم تُمكِّن القائد من تحريك دفة السفينة بهم ومعهم إلى الطريق الصحيح الذى يوصلها إلى بر الأمان.

إن المهارات التى تتطلبها القيادة ليست سرًّا، فكل ما هنالك أن بعض المديرين والمسئولين تعلموا كيف يستخدمونها, بينما لم يتعلم الآخرون ذلك، وبينما يعتقد البعض أن بعض الناس وُلدوا ليصبحوا قادة، فإن الجميع يمكنهم أن يتعلموا مهارات القيادة ويمكنهم تطبيقها بشكل عملي أيضًا.

والإدارة وحدها لا تكفى لإحراز النجاح المؤسسي الكبير أو الوصول بالدولة إلى المكان المرموق وسط المنافسة الشرسة التي يشهدها العالم.

فقد تنجح الإدارة فى ضبط سير العمل ولكن حتى نجاحها هذا لا يأتي إلا من خلال إرادة قائدها ومعاونيه في كافة المجالات، سواء كان ذلك على مستوى مؤسسة أو إدارة أو بلد.

إن القيادة الفاعلة والمؤثرة هي التى تهتم بناسها وتسعى إلى حل مشاكلهم والرفع من مستواهم وتقديم الخدمات الكفيلة بمنحهم حقوقهم وتحفظ لهم كرامتهم وتضرب بيد من حديد كل من تسول له نفسه البطش بالناس أو ظلمهم واستغلالهم أو سرقة أموالهم.

أما في منطقتنا العربية فالكثير من الفجوات بين القادة على كافة مستوياتهم والناس الذين يقودونهم، سواء على مستوى مؤسسة الرئيس والمرءوسين أو على مستوى الدولة في الراعى والرعية، وأغلب هذه الفجوات تخلق بفعل البطانة الفاسدة التى تريد أن تضع سورًا على القائد لكي لا يتصل إلا عن طريقهم، وبالتالى تستمر المشاكل وتتفاقم وتجعل الناس تبحث عن القيادة ولا تجدها وكأنها موجودة شكلاً ومفقودة في الواقع؛ لعدم قربها من مشاكل الناس الاقتصادية والاجتماعية والفكرية المعرفية وهذه هى "القيادة المفقودة".

إبراهيم قويدر
i_guider@yahoo.com
www.dribrahimguider.com



Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home