Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home
Libyan writer Ibrahim Emmesh
الكاتب الليبي ابراهيم عمّيش


ابراهيم عمّيش

الإربعاء 30 سبتمبر 2009

الحلقة الأولى    الحلقة الثانية    الحلقة الثالثة

الفساد.. وحجب الإصلاح الديمقراطي في ليبيا

(1 من 3)

 

ابراهيم عمّيش

 من محتويات كتابي : "التاريخ السياسى ومستقبل المجتمع المدنى فى ليبيا" 

* * *

فى كتابه  " شرعية السلطة فى العالم العربى "  يقول  الأستاذ  أحمد بهاء الدين :

( ينسب المؤرخون إلى بعض فراعنة مصر القدامى ، قبل آلاف  السنين ، وحين كان التاريخ يُسجل عن طريق حفر نقوشه حفراً على الحجر الصلد أنهم كانوا يمحون ما سبق ان حفره أسلافهم، ويُعيدون كتابة بعض الأحداث  ناسبين إلى أنفسهم معارك لم يخوضوها، وإنتصارات لم يحرزوها ، و أعمالاً لم يقوموا بها سواء كان طمساً لحكام سابقين عليهم او إنتحالاً لفضل لا حق لهم فيه) (1)

... ذلك ما حدث بالفعل و ما زال .. طمس و إنتحال أخذت معهما الحياة السياسة فى ليبيا من بعد إنقلاب الثورة فى الأول من سبتمبر أيلول 1969م تنحى طريقاُ مغايراً لما كان يأمله الليبيون ؛ فقد ألقت التحولات الثورية بإنعكاساتها الحادة على طبيعة الحراك الإقتصادى و الإجتماعى فى البلاد ، و أفرزت قيم العداء و التربص والخوف ،.. و كان واضحاً منذ البدية إنفراد العقيد معمر القذافى بالسلطة ؛ و قد هُيئت له أسبابها و أُزيلت كافة عقباتها ، و كان يحمل معه ملف خصومته السياسية لكافة التيارات الفكرية و العناصر الوطنية التى تُخالف أُطروحاته ، و خاصّ أولوياته "الثورية" و مسئولياته المباشرة دون غيره بقضيتى الأمن و النفط و  إعتبر التدخل فى شأنهما أمراً بالغ الخطورة على النظام الثورى ، و ان إثارة قضية "الشرعية الدستورية" و معارضة إرجاء برامج التنمية لمصلحة قضية الوحدة العربية و تحرير فلسطين جريمة سياسية لا تصدر إلا عن عميل أو رجعى تجب معاقبته. 

ولما كان بعض المفكرين و الكتاب السياسيين قد درج على تعريف إنعدام الشرعية بأنه : (إنهيار فى البناء الدستورى" وقال آخرون بأن إنعدام الشرعية يتحقق مع إنعدام قوة النفوذ الشعبى أمام نفوذ قوة السلطة و جبروتها ) (2)

و لما كانت شرعية النظام تعنى فى ظاهرها الشكلى ؛ حدود الصلاحيات التى يمنحها الشعب للسلطة الحاكمة و رئيسها ، و ما توافق عليه الإجماع  و قُنن بدستور يحدد الحقوق و الواجبات بينهما "الحاكم و المحكوم" فإن الأمن الوطنى و السُلم الإجتماعى لا يتحققان لأى من طرفى العقد "الإجتماعى" إلا من خلال قانون وطنى عام "دستور" لا شك و لا  تأويل لنصوصه و لا تورية فى معانيه و مقاصده و لا تقبل عباراته الظن ، يحدد الصفات و الوظائف و المهام و يخص بها شخوصاً محددة و يقبل التعديل بشروطه الدستورية و إلزاماتها التشريعية ؛ و تتحقق شرعيته بتوافق الإجماع الوطنى على نصوصة و أحكامه.

ذلك ما يُعرّفه الجانب الشكلى "القانونى" لتوافر شروط الشرعية و تفسيراتها غير أن الجانب الموضوعى فى الشرعية الدستورية يرتبط واقعياً بالمعنى السياسى فكراً و تطبيقاً .. و لا يمكن أن تتحقق الشرعية للسلطة الحاكمة فى أى بلد من خلال التسلط و إمتلاك أدوات العنف ؛ كما هو حال الأجنبى "المحتل" الذى قد يبقى محتلاً و يُذعن بجبروته و ألته العسكرية الشعب لسلطته لعشرات أو مئات السنين ، و كما هو حاصل فى العراق الأن و كما كان الحال مع الإستعمار العسكرى المباشر لأوطاننا ، ... فما ملكت بريطانيا من بعد سبعين عاماً شرعية السلطة فى مصر ... و ما إستطاعت فرنسا أن تُقيم سلطة شرعية لها فى الجزائر و لم تتمكن إيطاليا من شرعية إحتلالها لليبيا .

ذلك ما هو إغتصاب للسلطة ، و أى إغتصاب للسلطة تنعدم معه شرعية المغتصب لإرادة الشعب ، و حتى الثورة ، إذا ما كانت ثورة حقاً فإن هدفها النهائى يُفترض أن يكون "إقامة شرعية جديدة" ،. بل أن ما يُفرق بين الثورة و بين الإنقلاب ؛ هو هذا المعيار الهام ، فالثورة و الإنقلاب كلاهما يغتصب السلطة ، و لكن الثورة تُغير المجتمع و تُقيم شرعية تعيش بها مرحلة إستقرار جديدة ، أما الإنقلاب فهو يغتصب السلطة فحسب  و إذا بقى فيبقى بإغتصاب السلطة المستمر و ليس بمنطق شرعى جديد مستقر.  

و شرعية النظام الحاكم لا تكون شرعية إذا كانت تعتمد فى وجودها و إستمرارها على نفوذ القوة و قدرتها على القمع ، و لكنها تكون شرعية إذا ما امتلكت فى شعبها قوة النفوذ دون خوف أو إذعان. 

ولأن مسألة الشرعية ترتبط فى علوم السياسة و القانون ببناء الدولة من حيث مؤسساتها "التنفيذية و التشريعية و القضائية" و تتمحور حولها كافة مشروعات التنمية "الإجتماعية و الإقتصادية و السياسية" و ترتبط إرتباطاً مباشراً بالحريات العامة للمجتمع المدنى و قضايا الديمقراطية و حقوق الإنسان ؛ فهى لا تخضع لثنائية الوجود المطلق من عدمة ؛ و لكنها عملية مبدئية و أساسية لقيام السلطة فى النظام الحاكم و القبول بها و إخضاعها لتحولاتها التطورية اللازمة شكلاً " قانونياً" و مضموناً "سياسياً".

فمع التطورات السياسية و التحولات التاريخية الحادثة منذ الحرب العالمية الثانية و إعادة جغرفة و تقسيم الحدود القطرية لحكومات وممالك وإمارات ما بعد الحرب، و قيام دولة إسرائيل فى فلسطين ؛ و نتيجة لتفاقم الأوضاع الإقتصادية و تدهور خدمات الصحة و الأمن و التعليم و إنغماس النخب الحاكمة فى حياة الترف و ثقافة التغريب فى ظل قوات و قواعد الإحتلال المُقنّع بمشاريع الإعمار و الحماية من التغلغل الشيوعى السوفيتى فى المنطقة ؛ فقدت أكثر النظم العربية الحاكمة شرعيتها أمام تصاعد مظاهر الرفض الشعبى العام من خلال منظمات المجتمع المدنى فى المدارس و الجامعات و النقابات و الإتحادات ، وفى مواقع الإنتاج وقد أخذت تنظم حركتها و تقودها طلائع سياسية بتوجهات فكريية أفرزها الواقع السياسى الثقافى "Antho–Political" العربى المتأثر بمعطيات الصراع الدولى و إنحيازاته فى الشرق الأوسط و شمال إفريقيا ،.. و إزداد نشاط بعض التنظيمات السرية السياسية ذات الطبيعة العسكرية فى مصر و العراق و سوريا و الإردن ؛ من الإخوان المسلمين و حركة القوميين العرب و حزب البعث و فصائل الحركات الشيوعية.

و أسقط كل طرف شرعية الأخر"النظام و المعارضة" و رفض شراكته السياسية فى إدارة شئون بلاده و إتجه الطرفان إلى تحكيم السلاح و ممارسة العنف و الإحتماء بالمؤسسات العسكرية الوطنية و الأجنبية -. و حفاظاً على مصالحها الإستراتيجية الطويلة المدى فى المنطقة ؛ سعت و عملت القوى الدولية و اطرافها ، و على رأسها "أمريكا" لحسم الصراع بما يحقق أهدافها على إعداد البدائل السياسية التى من شأنها أن تحكم الطرفين النقيضين "سلطة النظام و قوى المعارضة" فى إطار سياسى وطنى واحد و تحت لواء بديل "شرعى مستجد" واحد.

فكانت و نجحت تجربة الإنقلاب العسكرى لثورة 23 يوليو تموز سنة 1952م بقيادة البيكباشى (رائد)جمال عبد الناصر فى مصر و أرست مفهوماً جديداً للشرعية و تطبيقاتها فى العالم العربى ؛ إصطلحت به أدبيات التنمية السياسية على تعريف الشرعية بأنها :-

(قبول المجتمع للنظام السياسى و خضوع المواطنين له طواعية لإعتقادهم بانه يسعى لتحقيق أهداف الجماعة و يُعبر عن قيمها و توقعاتها و من ثم فهو يتفق مع تصورهم عن السلطة و أساليب ممارستها)(3) ويتضح من هذا التعريف نسبية مفهوم الشرعية ، فما هو شرعى بالنسبة لبعض الأفراد و الجماعات قد يكون غير شرعى لأخرين. و يُعد هذا المفهوم ديناميكياً لأن شرعية النظام تزداد أو تقل تبعاً لقدرته على الإستجابة لمطالب الجماهير و مواجهة الأزمات الإجتماعية الملحة التى تزيد تفاقم الأوضاع السياسية و تُنذر بقيام العنف الإجتماعى الشامل.."

و من بعد ثورة 23 يوليو تموز 1952م فى مصر و إرساء المفهوم النسبى للشرعية فى فلسفة الثورة - و تطبيقاتها تعددت ظاهرة الثورات المدنية و الإنقلابات العسكرية فى منطقتنا العربية ، و قد أصبحت الثورة العربية "الأم" تمنح شرعيتها لكل من تجاوز خصوصيتها المحلية "المصرية" و إستنسخ تجربتها الناصرية بتطبيقاتها الإقتصادية والإجتماعية حتى و إن نفرت الشأن!!.  

وفى ليبيا إستمد نظام إنقلاب ثورة الفاتح من سبتمبر 1969م شرعيته من هذا المفهوم الثورى "النسبى" للشرعية و أصدر إعلاناً دستورياً إستبدل فى أحكامه إرادة الشعب بإرادة مجلس قيادة الثورة ، و حلّ رئيسه "العقيد معمر القذافى" محل السلطة "الحاكم" ، و أعضاؤه محل الشعب المحكوم ، و قد جاء فى ديباجته على أنه إعلان دستورى "مؤقت" لمرحلة إستكمال الثورة ، .. غير أنه سرعان ما أُبطل العمل به ، و عطّل العقيد الأعمال و الصلاحيات (الشكلية) للمجلس ؛ منفرداً بإرادته الشخصية فى إدارة شئون البلاد و العباد ، و سعى لتدشين شرعية "ثورية" جديدة تتوافق و قناعاته "الدغماتية" ؛ إستمد مفهومها من المفهوم السياسى للقيادة الملهمة "الكاريزما"، و انشأ نظاماً يحكم البلاد و فقاً لتوجيهات "القائد" و إيماءاته.!!

إحتكر و وظف المال و السلاح و الإعلام للفساد و الإرهاب و التضليل و لم يُقدم برنامجاً و طنياً يحقق التنمية و يجمع شمل قوى حركة التحرر الوطنى الديمقراطى فى البلاد ، .. بل جمّد العمل فى العديد من مشاريع التنمية التى كانت قد اعتمدتها حكومات الملك إدريس فى خططها السابقة و منها ثلاثون مشروعاً حيوياً كان جارياً العمل فيها وقت قيام إنقلاب الثورة- و يختص معظمها بالإسكان و الصحة و التعليم و الطرق و الكبارى و إنشاءات الموانى البحرية و الجوية و الصيد و النقل البحرى و الطاقة و تحلية المياه و الزراعة و إستصلاح الأراضى و الصناعات البتروكيماوية ، بالإضافة إلى برامج التطوير الشاملة لمرافق الخدمات العامة فى البلاد ، هذا إلى جانب الإتفاقات التى عقدتها حكومة الملك إدريس مع كل من بريطانيا و الولايات المتحدة لى تزويد القوات المسلحة الليبية بأسلحة و معدات عسكرية برية و بحرية وجوية،شاملة لطائرات الفانتوم الأمريكية والزوارق والطوربيدات الإنجليزية، 

و لأن عديد المشاريع كان قد اُنجز من قِبل الشركات القائمة على إنشائها أو أوشكت الحكومة على إستلامها ، بما فى ذلك الأسلحة الثقيلة و معدات الدفاع الإنجليزية و الأمريكية ؛ فإن حكومة العقيد معمر القذافى الثورية  إعتبرتها من منجزاتها بما فى ذلك مشروع (إدريس) للإسكان و مشاريع الكبارى و الطرق الدولية الرابطة لغرب البلاد بشرقها ؛ من تونس إلى مصر ... و كذلك مشروع تحلية مياه إجدابيا و إقامة مشروع صناعة الأسمنت ، كما إعتبرت من منجزاتها ؛ و إستلمت فى حفل ثورى بهيج بعض الناقلات و البواخر البحرية التى تعاقدت عليها أيضاً الحكومة الملكية الليبية السابقة ؛ و دفعت ثمنها. 

أما مسألة الأمن الوطنى العام فقد حددها العقيد القذافى بأمن النظام الثورى و سلامة شخصه منذ محاولة الإطاحة به التى أتُهم بتدبيرها كل من وزيرى الدفاع و الداخلية ؛ المقدم آدم الحواز و المقدم موسى أحمد مع عدد من ضباط تنظيم حركة الضباط الأحرار و آخرين فى 6/12/1969م ... و منذ تلقى النصح من الرئيس جمال عبد الناصر بضرورة الإهتمام بأمنه الشخصى و إلا ستتم محاولات ضده ، مع أهمية البدء فى إنشاء جهاز للمخابرات العامة يتبعه شخصياً ، و هى النصيحة التى أشار إليها السيد فتحى الديب و ابلغ العقيد بتفاصيلها و أهميتها بقوله :

( ... و فى اليوم التالى أبلغت الأخ معمر بتفاصيل الرسالة الشخصية الخاصة به . و قد تلقى الرسالة بالشكر و العرفان و التقدير للرئيس الذى يوليه هذا الإهتمام) ...

و أضاف الديب : (... و عاودت شرح أهمية و ضرورة البدء فى إختيار العناصر الصالحة ، و قلت للعقيد معمر أنه إذا لم يبدأ فى التنفيذ فوراً فسأتولى شخصياً و من معى القيام بواجب حراسته خارجين عن إطار السّرية ، و نقوم بحراسته لا بإعتبارة معمر ، و إنما لأنه أصبح يجسد حالياً مصلحة قومية عُليا . و وعد العقيد أمام هذا الموقف بالتنفيذ الفورى . و إستفسر عن المواصفات المطلوبة فى الحارس الشخصى فأوضحت له اهمية إختياره من العناصر التى لها إرتباط شخصى سابق به ، و يشعر بولائه من تجربة أو موقف سابق ، و يُفضّل أن يكونوا ممن خدموا معه ، أو من ابناء اسرته و اقاربه ممن يصلحون لهذا العمل ، و ممن يُحسنون إستخدام السلاح بكفاءة ،.. كما شَرحت له المواصفات المطلوبة فى أفراد الحراسة اللازمين لحراسة محل إقامته و مبيته ، و كذا تحركاته ؛ مبيناً أهمية تأمين هذه الأماكن و ضرورة تأمين و حراسة أماكن لقائه بالجماهير فى المؤتمرات الشعبية و الإجتماعات العامة...

كما كررت عليه ضرورة إختيار "طاهى" مخلص و تابع خاص له ممن يثق فيهم ثقة عمياء ، نتيجة إخلاصهم و ولائهم الشخصى له لتأمين وجبات غذائه بمنزله..).(4)

... و فى حال من فوبيا التأمر و الشك فى كل من حوله ؛ أبعد العقيد البعض و تخلص من البعض الأخر من معارضيه و الرافضين لسلوكه و سياساته فى مجلس قيادة الثورة و تنظيم الضباط الأحرار ؛. فمنهم من قُتل فى حادث "مدبر" و منهم من أُبعد "طائعاً" و منهم من سُجن و مات فى سجنه ، و منهم من فر إلى خارج البلاد.(5)

و أصبحت من المشاكل الأساسية التى تحيط بالداخل الليبى حال الإنقسامات القبائلية و العشائرية التى آثارها و و أشاعها قائد الثورة- الذى عمل على إستعداء قبائل البدو فى نجوع الصحراء الليبية و قُراها على مجتمع الحضر فى المدن ؛ و طالبهم بالزحف على الطبقة البرجوازية فى المدن و إستلاب أموالهم و ممتلاكاتهم ، ففى واقعة غريبة عن مجتمعنا و شاذة عن تقاليده ؛ و قد إستنكرتها كافة القبائل و العشائر و العوائل الليبية على إمتداد صحراء و عمران ليبيا بمن فيهم كبار شيوخ و عقلاء قبائل القذاذفة - : طلب فيها العقيد علناً .. على الهواء مباشرة من منطقة "سلوق" موقع إستشهاد شيخ المجاهدين عمر المختار و معقل عائلات و كبار شيوخ قبيلة "عواقير" .. طلب غزو مدينة بنغازى و إستباحة أموال و أملاك سكانها من البرجوازيين و الرجعيين و من أسماهم بالعملاء للنظام الملكى السابق ،... و كان مشهوداً للشيخ "ناصر الكزه" رده عليه و قوله : "ذلك أمر مرفوض ... و ليس من شيمنا يا أخ معمر .. وإذا كانت برقة هى بيتنا ؛ فإن بنغازى هى مربوعته "مضيفته" .                                                               

أما مسألة النفط ؛

فإن العقيد القذافى يعلم منذ البداية أن عملية إسقاط النظام الملكى و إبعاد آل الشلحى ؛ و نجاح إنقلاب الثورة بتوقيته فى الأول من سبتمبر أيلول 1969م ؛ و وصوله إلى سدة الحكم فى ليبيا ؛ يرتبط إرتباطاً مباشراً بمسألة النفط الليبى و خزائنه ، ... و يعلم علاقة ذلك و اهميته الإستراتيجية بمصالح و اهداف السياسة الأمريكية فى الشرق الأوسط و شمال إفريقيا ... و توثيقاً لذلك حقق  وسجّل عضو مجلس قيادة الثورة و وزير التخطيط فى حكومة القذافى الأولى "المغدور" الرائد عمر عبد الله المحيشى فى مذكراته وفيما كتبه يقول: 

(... وحتى يُؤكد  "القذافى"  للولايات المتحدة ولاءه أخذ يضمن مصالحها فى ليبيا ... و خاصة شركات النفط على نحو لم يُعرف له مثيل فى التعامل التجارى الدولى مُزوداً إياها ببرهان تلو الأخر على إخلاصه لها ...

فقد أمم شركة النفط البريطانية بكاملها و كانت الشركة الوحيدة غير الأمريكية بينما إكتفى مع الشركات الأمريكية بالمفاوضة الرضائية حتى تمت زيادة نسبة مشاركتنا لها فى الأرباح إلى 65% ، و فى الوقت الذى إكتفى فيه مع الشركات الأمريكية بالمشاركة الرضائية هذه ، و بهذه النسبة الضئيلة و التى تجاوزتها حتى مشيخات الخليج .

أكثر من ذلك فقد وقـّع القذافى إتفاقيات إستكشاف جديدة مع شركات أوكسيدنتيال و إسو و موبيل و جميعها أمريكية دون مراعاة لقانون النفط الذى يستوجب طرح اى عقد إمتياز للمنافسة العالمية لإرسائه على أفضل الشركات عرضاً.

أكثر من ذلك... فقد اعفاها جميعاً و لآول مرة فى تاريخ التعامل النفطى من كافة الضرائب فى هذه العقود... بل حتى ضريبة التمغة !!. و هذا تنازل لم تصل إليه اكثر الحكومات تفريطاً فى ثروات شعبها !!.و أكثر من ذلك تجاهل ملف الإكسيدنتال الإجرامى و ماضيها الملوث بسبب الرشاوى التى أدت إلى حصولها على اول إمتياز لها فى ليبيا عام 1966م و اصبح التعامل معها هو المُفضل !؟

أكثر من ذلك أيضاً .... أسند القذافى لشركة أوكسيدنتيال حق بيع حصص مؤسسة النفط فى الأسواق الدولية على أن تسدد ثمن مبيعاتها للمؤسسة بعد مرور تسعين يوماً من تاريخ الشحن ، كما إتفق معها على ان تدفع مقابل ما تبيعه لحصصنا فى حقول إمتيازها بعد شحنها لها بستين يوماً ، و قد تم ذلك كله بدون اية ضمانات مصرفية مهما كان نوعها ؛ بل إعتماداً على الثقة فى الشركة !!.

و جاء اليوم الذى توقفت فيه الشركة عن السداد لمبيعاتها و بلغ مجموع المستحق لليبيا "440" أربعمائة و أربعون مليون دولار !!.. فماذا فعل القذافى؟!

أطبقت صحفه الصمت بينما كشفت الصحف العالمية رد فعل هذا الثورى الحازم- المعروف بعنفه و شراسته مع المواطنين حيث رضخ لقرار شركة أُكسيدنتال بأن يبقى بحوزتها مبلغ (272) مليون دولار كضمان لممتلاكاتها و بدون فوائد !!... علماً بأن الشركة قد قدّمت قبل هذ الحادثة بثمانية أشهر مذكرة للحكومة الليبية قدّرت فيها قيمة أموالها فى ليبيا بمبلغ (135) مليون دولار!... 

و بدلاً من أن تُصعد هذه القضية عالمياً .. و يؤدى ذلك إلى ازمة فى علاقتنا مع امريكا دون ان نتزحزح قيد أُنملة عن حقوقنا ... و بدلاً من إتخاذ كافة الإجراءات السياسية و القانونية التى تؤدى إلى الإستماتة فى سبيل ثروة شعبنا .. و بدلاً من ان يعرف الشعب الليبى الحقائق المخزية التى أدت إلى هذا الموقف المتخاذل الضعيف مع الإحتكارات الأمريكية ... و بدلاً من أن نقوم بأبسط قرار فى هذا الشأن و هو تاميم ممتلاكاتها فى ليبيا و حقوق إمتيازاتها و خطر التعامل معها و مقاطعة الشركات التى تتعامل معها .. بدلاً من ذلك كله أمر القذافى بإنهاء القضية طبقاً لمطالبها !! ... و إستغلالاً لجو الإرهاب و عدم وجود صحافة حرة أو تنظيمات سياسية أو برلمان يراقبه .. عمد إلى لفلفة الموضوع و اصدر وزير النفط بياناً جاء فيه : "بأن الحكومة قد توصلت لإتفاق مع الشركة الأمريكية" و نُشر البيان بدون تعليق أو تسائل عما هى القضية؟ .. كيف نشأت !.. و لماذا؟ .. ثم كيف تمت صلحاً ؟... و ما هو نوع الصلح؟.. و جميع المشتغلين بالنفط و مستندات ملف شركة أُوكسيدنتال يشهد بأن القذافى رضخ لجميع مطالب الشركة : 

- أمرت بإستمرار حجز المبلغ لديها .. فوافق !

- أمرت بأن يكون ذلك بغير مطالبة بالفوائد الناتجة عنه .. فوافق!

- أمرت بأن يعـترف لها الحكم بتـقدير ممتـلكاتها بمبلغ 273 مليـون دولار بـدلاً

من 135 مليون دولار .... فوافق!

          - أمرت الشركـة إمعاناً فى الإذلال للحكم بأن تخفض ضرائبها بنسبة 5% ... فصدر قرار بذلك و نشر خلسة فى الجريدة الرسمية فى عدد أول يناير 1976م.

- و أمرت أُوكسيدنتال بأن تستمر وكيلة عن مؤسسة النفط الليبية فى تصدير نفطها .. فوافق القذافى؟...

- و أمرت بأن يكون بنفس الشروط الأولى أى بدون ضمانات مصرفية ... فوافق !! 

و فى ذلك الشهر الذى كان يُسلم فيه القذافى للشركة الأمريكية بحقوقنا و ثرواتنا الوطنية ؛ كان يخطب متوعداً الشعب بقطع لسان كل من يتعرض لأى شأن من شئون حكمه بالنقد سواء فى الوزارات أو الخدمات!!..).

 و يُضيف المغدور به الرائد عمر المحيشى متسائلاً :

( ... فهل إنتهى الأمر عند هذا الحد مع شركة أُوكسدنتال الأمريكية؟ ! لا فقد قلّدت شركة "إسو" الأمريكية للنفط شقيقتها الأوكسيدنتيال و أدّعت هى الأخرى بانها تخسر فى مصنع الغاز الطبيعى و قدرت خسارتها بـ 11 مليون دولا سنوياً ، و كانت قد حاولت الشئ نفسه فى الأشهر الأولى للإنقلاب و لكنها وُجهت بانها مسئولة عن تنفيذ عقد وقّعته !... و لكنها الأن و مع العقيد مباشرةً وصلت إلى ما تريد وأكثر مما حلمت به .. "فقد إتفق مع شركة إسو أن تستمر فى إدارة مصنع الغاز على ان تغطى الحكومة الليبية خسائرها البالغة 11 مليون دولار" !! ..ليس هذا فحسب .. بل يستمر الإتفاق على النص : (بأن تضمن الحكومة الليبية أرباحاً لشركة إسو لا تقل بأى حال من الأحوال عن 11 مليون دولار). 

هذا قليل من كثير ؛ سجّلتها أقلام و أصوات ابناء الشعب الليبى المغدور فى أمنه و حريته و ثروته و مستقبل أجياله ، و موثّقة فى أوراق و محاضر و مستندات مجلس الوزراء و وزارة النفط و محفوظة لدى المعنيين بها و تُصدّقها وثائق العديد من المنظمات و الدوائر العربية و الدولية ذات العلاقة و الشأن وهى المقدمة لجبروت و نفوذ قوة نظام "الثورة" فى كل ما اصاب ليبيا و شعبها من مفاسد و إهدار للمال العام و ما ترتب عليها من فساد. 

وقد فاق بكثير لما وصف بأنه فساد العهد الملكى الرجعى العميل.

البقية فى : الفساد وحجب الإصلاح الديمقراطى فى ليبيا (2 من 3

إبراهيم عميش  

_________________________________________

(1)   راجع :  الأستاذ أحمد بهاء الدين (شرعية السلطة فى العالم العربى) دار الشروق ـ القاهرة 1984م

(2)   راجع :  مصدر سابق .

(3)   راجع :  الشرعية الثورية فى العالم العربى ـ الحالة الناصرية ، العدد 71 من مجلة الفكر العربى ـ بيروت 1993م.

(4)   راجع :  (عبدالناصر وثورة ليبيا )  محمد فتحى الديب، عن دار المستقبل العربى ـ القاهرة 1986م.

(5)  سنأتى على ذكر تفاصيل ذلك بالوثائق ومذكرات ضحاياها  فى الجزء الثانى من هذا الكتاب (التاريخ السياسى ومستقبل المجتمع المدنى فى ليبيا)               


الحلقة الأولى    الحلقة الثانية    الحلقة الثالثة

Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home