Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home
Libyan writer Ibrahim Emmesh
الكاتب الليبي ابراهيم عمّيش


ابراهيم عمّيش

الخميس 27 مايو 2010

فى ذكراه : عبد الحميد البكوش إستعرض تاريخ ليبيا
وحدد مطالب شعبها في رسالته إلى رئيس مجلس الأمن
 

عرض وتقديم : إبراهيم عمّيش

على شكل رسالة استعرض الراحل عبد الحميد البكوش تاريخ لييا وحدد مطالب شعبها فى رسالة وجهها الى رئيس مجلس الأمن و عممها عربيا ودوليا بالنشر فى الرابع من شهر يوليو تموز سنة 1992م (*) شخّص فيها الحال الليبية ، ولم يقارن بين عصر الإستقلال وعصر (القذافى) ؛ ولكنه خاطب المجتمع الدولى (الانسانى) قبل (السياسى) بإسم الليبيين من رجال ونساء وأطفال، واستنجد فى رسالته هذه برئيس مجلس أمن المنظمة الدولية بالسعى لتحقيق (حكم ذاتى) لليبيين فى وطنهم الذى فقدوا فيه كل شىء ، على رغم أن أغلبهم لا يزال يقيم على أرضه.. متهما العقيد معمر القذافى بإرتكابه جريمة (خطف ليبيا) فى الأول من سبتمبر ـ أيلول سنة 1969م وهى مورقة يانعة تُقبل على إنتاج الثمار فقطع عروقها و حوّلها كومة من الحطب والقش والعيدان اليابسة . وقد استهل المرحوم عبدالحميد البكوش عرضه للحال الليبية على شكل رسالة إلى رئيس مجلس الأمن وجهها من على صفحات جريدة (الحياة) قال فيها :

" نحن الليبيين من رجال ونساء وأطفال نستنجد بكم ليس سعيا وراء الإستقلال ولا طلبا للديمقراطية، وإنما فقط لأن تفعلوا كل ما فى وسعكم لتحقيق حكم ذاتى لنا فى وطننا الذى فقدنا فبه كل شىء، على رغم أن أغلبنا لا يزال يقيم على أرضه . ولعلكم تصابون بالدهشة ـ أيها السادة ـ وأنتم تقرأون هذا الطلب من شعب دولة كانت الأمم المتحدة نفسها قد ررت منحها الاستقلال فى 21 تشرين الثانى ( نوفمبر ) 1949م. لا تندهشوا فقد وقعت لنا أحداث سلبتنا كل شىء حتى أدميتناى ، الأمر الذى جعلنا ـ ولإسباب سنوردها فى هذا الطلب ـ طالبكم فقط بالحكم الذاتى ولا شىء غير الحكم الذاتى .

أيها السادة

نحن شعب يقيم فى تلك البلاد التى تتوسد صدر البحر الأبيض المتوسط و تمد ساقيها بين أحضان صحراء افرييا الكبرى ، تلك البلاد التى تجدونها فى سجلاتكم تحت اسم ـ الجماهيرية العربية الليبية الاشتراكية الوحدوية التاريخية العظمى ـ .

وكما تعلمون فاننا البلاد الوحيدة التى قررت الأمم المتحدة منحها الاستقلال بقرار صادر فى 21 تشرين الثانى ( نوفمبر ) سنة 1949 م وصارت بذلك الإبنة الشرعية الوحيدة للمنظمة العامرة ، وقد شكل ذلك القرار مجلسا للوصاية رأسه رجل فاضل اسمه أدريان بيلت و تولى ذلك المجلس مهمة اعداد البلاد للإستقلال ، فيما كانت جيوش بريطانية و فرنسية تقيم عندنا منذ دخولها منتصرة على قوات ايطاليا التى ظلت تحتلنا منذ 1911م والتى كانت حليفة لألمانيا الهتلرية.

قام مجلس الوصاية بمهمته خير قيام وتم تكوين جمعية وطنية أعدت دستورا صدر فى 7 أكتوبر ( تشرين الأول ) سنة 1951م وكان وثيقة عظيمة إذ أمّن مبادىء الديمقراطية الحديثة بنصه على دستورية الحكم ومسئولية الحكام وتقسيم السلطات والفصل فى ما بينها ، ونص على قدسية حرية المواطن والمواطنة ووضع السلطة كلها فى يد الشعب وفوّض بعض سلطات الدولة الى الولايات التى كانت قائمة فى ذلك الوقت والتى زالت فيما بعد عندما تحولت البلاد الى حكومة واحدة .

أُعلن استقلالنا رسميا فى 24 كانون الأول ( ديسمبر ) 1951م وصارت بلادنا عضوا فى الأمم المتحدة وشريكا فى الجامعة العربية وتولى أمر الملك فيها المغفور له محمد إدريس السنوسى حفيد المجاهد الكبير محمد بن على السنوسى مؤسس الحركة السنوسية التى إمتد نشاطها من الجزائر الى ليبيا الى تشاد الى نيجيريا وبلاد إفريقية أخرى .

لم يكن الرجل ملكا جلس على عرش موروث وإنما كان زعيما للدعوة السنوسية وهى حركة إسلامية إصلاحية وتقدمية وقت ظهورها تهتم بإقتصاد المسلمين وحرياتهم بقدر ما تهتم بعباداتهم ، وحارب لسنوسيون الإستعمار الفرنسى فى تشاد وافريقيا الوسطى وكانوا حلفا لحركتين معاصرتين لهم هما: حركة الوهابيين فى الجزيرة العربية ، والمهدية فى السودان ، وكانت حركات الإصلاح الثلاث تعبيرا عن ضيق المسلمين بما كانوا عليه ودعوة الى تجديد شباب الإسلام .

عندما غزا الإيطاليون ليبيا عام 1911م انبرى السنوسيون لحمل السلاح وخاضوا معارك الدفاع عن الوطن جنبا الى جنب مع حركات الجهاد الوطنية وزعاماتها ، وكان من أشهر شهدائنا عمرالمختار وهو شيخ إحدى زوايا السنوسية ، والزاوية هى مركز للدعوة عندهم ، وبعد انكسار المقاومة هاجر أكثرالليبيين ومن بينهم السنوسيون و قائدهم محمد إدريس إلى مصر ، حتى حانت فرصة الحرب العالمية الثانية فتحالف السنوسيون مع بريطانيا وشكلوا جيشا مسلحا ساهم فى تحرير البلاد، وعاد زعيمهم حاكما محليا على منطقة برقة ليتحالف فيما بعد مع الحركات الوطنية فى المناطق الشرقية مثل جمعية عمر المختار والحركات الوطنية فى المناطق الغربية و الجنوبية مثل حزب المؤتمر الوطنى بقيادة المرحوم بشير السعداوى والحزب الوطنى بقيادة المرحوم مصطفى ميزران وحزب الكتلة بقيادة المرحوم على الفقيه حسن ، وكانت نتيجة ذلك الكفاح أن أقرت الأمم المتحدة لليبيا حقها فى الإستقلال الذى تم إعلانه على نحو ما ذكرنا .

أيها السادة

عندما حصلت ليبيا على شهادة ميلادها كدولة مستقلة وعضو فى الأمم المتحدة و الجامعة العربية كان تقرير البك الدولى يضعها فى أخر قائمة الفقراء ، وفى أول موازنة وضعت للبلاد كانت المصروفات مقدرة بما بعادل ثلاثة ملايين استرلينى دفعت الحكومة البريطانية مليونا منها مقابل اتفاقية عقدتها معنا لاستعمال قاعدة عسكرية ، ودفعت حكومة الولايات المتحدة مليونا أخر مقابل قاعدة عسكرية أخرى ، ودبّرت حكومتنا مبلغ ستمائة الف جنيه من موارد محلية فيما احتارت فى تدبير الباقى .

عندها كانت لدينا فقط خمس مدارس ابتدائية و مدرستان ثانويتان لا يزيد مجموع التلاميذ فيها كلها على خمسمائة تلميذ ، ولم يكن فى البلاد شخص واحد يحمل شهادة جامعية بل لم يكن لدينا سوى بضع مئات يحسنون الزراعة . فقد كنا نعيش على زراعة الحبوب على المطر و السعى وراء قطعان الأغنام والجمال و لم تكن لدينا محطة للإذاعة ولم نسمع بعد عن التليفزيون ، وكانت أغنى الأسر عندنا تذوق طعم اللحم فقط فى الأعياد ومناسبات الزفاف ، أما الجيش فلم يكن لدينا جيش على الإطلاق ، وكانت الناس تموت جوعا أى تموت من ندرة الطعام ويؤتى بأجساد الجوعى الى مراكز خيرية حيث يتركون ليلقوا حتفهم، فلم يكن أحد يملك لهم المعونة . ولعل مجاعة 1949م الشهيرة والتى قضت على آلاف الأرواح لا تزال ماثلة فى أذهان الكثيرين منا .

ليس هذا فقط بل لنزيد الأمر توضيحا نعترف لكم بأن معظم تلاميذ مدارسنا فى ذلك الوقت كانت قمصانهم من قماش أكياس القمح الذى تبرعت به هيئات خيرية أميريكية ، أما أحذيتهم فكانت من يقايا اطارات السيارات ، ونحن لا ننسى يوم أن وصلت إلى ميناء طرابلس سفينة مصرية إسمها " المحروسة " تحمل معونة من الرز المصرى وخرجنا أفواجا أفواجا ومعنا أولادنا بالدفوف والزغاريد فرحى بهذا العون من إخوة لنا.

أيها السادة

هكذا بدأنا مسيرتنا كشعب مستقل فى 24 كانون الأول ( ديسمبر ) 1951م نصف جوعى يلبسون قمصانا من أكياس القمح وينتعاون أحذية من بقايا مطاط اطارات السيارات ، ولكننا كافحنا فى سبيل العيش والتقدم بعزيمة لا تعرف السكون . وتفضل الله علينا بثروة البترول لتساعدنا على المضى فى ما شرعنا فيه من بناء للإنسان وتوفير للخدمات ، وعلى رغم أن البترول قد ظهر فى بلادنا عام 1963م فلم يكن دخلنا منه عندها سوى ستين مليونا من الدولارات ، وعلى رغم أن ذلك الدخل لم يتجاوز عام 1969م ( وهو عام الكارثة عندنا ) مبلغ مائة وعشرين مليون دولار فقد انجزنا حتى اواخر 1969 ، أى فى أقل من ثمانية عشر عاما ، ما لم يكن يتوقعه أحد : لقد انتشرت المدارس فى كل ركن من أركان البلاد وعمّت الخدمات الصحية و خدمات المواصلات جميع ارجاء الوطن ووفرت الدولة التعليم المجانى ، بل كانت تدفع مرتبات لطلبة الجامعات و تود على نفقتها من يدرسون فى الخارج كما وفرت لكل مواطن خدمات صحية مجانية وحقا فى استخدام رافق الدولة جميعها مجانا وبنت مئات الآلاف من المساكن والآف المدارس وما يكفى من الجامعات و بلغ عدد التلاميذ والتلميذات فى مراحل التعليم ما قبل الجامعى فى 1969م نصف مليون من عدد إجمالى السكان الذى لم يتجاوز مليونا وثلاثة أرباع المليون ، وبلغ عدد من يتعلمون فى الجامعات الليبية والأجنبية عشرين الفا أو يزيد ، وأصبح معدل دخل الفرد عندنا يلى دخل الفرد فى الكويت. أما فى مجال الحياة السياسية فقد كنا نتعلم ممارسة الديمقراطية ونتدرب على تطبيق الدستور وكانت لنا أخطاؤنا وعثراتنا ولكنها لم تبلغ أبدا مبلغ الجريمة أو المساس بحقوق الانسان وظل القضاء مستقلا و التشريع عادلا على رغم هنات تقع فى انتخابات البرلمان وتكون السلطة شريكا فيها فى معظم الأحيان ، .. وصارت لدينا قوة مؤهلة لحفظ الأمن وأنشأنا جيشا عصريا دربنا معظم ضباطه فى افضل الأكديميات العسكرية .

أما عن سياستنا الخارجية فهى وإن كانت تعترف بتواضع إمكانياتنا ودورنا فى التأثير على أحداث العالم إلا انها كانت تتحرك من واجب الولاء للأمة العربية ، وخير ما يشهد على ذلك احتضاننا رسميا وفى العلن لنشاط حركات التحرر الجزائرية و الفلسطينية ومساهماتنا فى كل التزام عربى وضع على عاتقنا . كنا حقا قرية أمنة ولكن كان منظرنا قبيحا فى عيون القلة منا . وكا يقولون فإن الشمس تقبح ى العيون الرمد ، وتآمر بعض من ضباط جيشنا الذى صنعناه والذين أقسموا يين الولاء للوطن والدستور ونجحوا فى الإستيلاء على السلطة فى أول أيلول ( سبتمبر ) الذى سموه " الفاتح " من 1969 وقطفوا زهرة شباب الشعب.

أيها السادة

نجح الإنقلاب والكالعادة أستولى واحد من مدبريه على السلطة وانفرد بها وهو الملازم الشهير معمر القذافى والذى رقى نفسه الى عقيد فيما بعد ثم أضاف إلى إسمه صفة القائد المعلم والثائر العالمى . ونحن كشعب كنا قد قررنا قبول حكم القضاء والقدر الذى فرض على امتنا وعالمنا الثالث " تقليعة " الحكومات العسكرية وقلنا لأنفسنا فلنقبل الأمر الواقع الى أن يرخحما الله .

كنا نعرف أننا سنفقد فى ظل مثل ذلك الحكم كثيرا من حريتنا وكثيرا من أموالنا وسنتعود على العيش مع فقدان قليل من كرامتنا ، ولكن الذى حدث اننا فقدنا حريتنا كلها وأموالنا كلها وكرامتنا كلها... إن ما حدث لنا أيها السادة كارثة لم تحدث من قبل لأى شعب فى ما نعرفه من عصور التاريخ، فقد ظهر علينا معمر القذافى هذا بكتيب صغير سماه " الكتاب الأخضر " واستهله بمقولة أنه يحتوى على الحل النهائى لجميع مشاكل البشرية وشرع فى تطبيق نظام هو لانظام وطرية للحكم هى هى لاطريقة، فقد اخترع لجانا يسميها اللجان الشعبية يختارها بنفسه ولا يسمح بالترشيح ولا بالانتخاب ويعطيها السلطة المطلقة كلها تحت إشرافه للتصرف فى كل شأن من شئون المواطنين حتى حق الموت والحياة ، وهى توجد وإن تغير أعضاؤها من حين الى آخر ، فى دواوين الحكومة واحياء المدن ومراكز القبئل البدوية ثم يجمعها مرة فى السنة ليخطب فيها بما يشاء ويلبسها ما تجود به قريحته الشاذة من قرارات ، وليس لأى من هولاء المجتمعين أن يذكر حتى إسمه وانما له قطعة من الخشب عليها رقم يرفعها عندما يوافق ويشار إليه فقط بذلك الرقم .

وإلى جانب هذه اللجان الشعبية توجد لجان ثورية لا يعرفها أحد وهى التى تتولى ، كما يقول القذافى تحريض الشعب على الثورة ولكنها فى الحقيقة دوائر عصابة تحكم البلاد . هذا كما توجد فرق الملثمين الخضر الذين يضعون قطعة قماش أخضر ( فاللون الأخضر شعار القذافى الرسمى ) على وجوههم تخى شخصيتهم وهم مسلحون وبلا بطاقات هوية ومن حقهم دخول أى منزل واعتقال أى مواطن ومعاقبته بأية طريقة يرونها مناسبة .

عدا ذلك أيها السادة نحن لم نعد نعرف من يحكم ومن يأمر والى من نرفع الشكوى، فكل البلاد بلا اختصاصات ولا وظائف تعوم فى بحر من اللجان المجهولة الهوية وتحكم شفويا بلا قوانين ولا لوائح ، فالقانون والدستور واللوائح أنظمة متخلفة فى رأى العقيد . ومن الممنوع ذكر أى إسم فى أجهزة الإعلام من صحف وإذاعة وتلفزيون وكلها ملك للحكومة بالطبع، والإسم الوحيد الذى يذكر هو اسم " العقيد القائد المعلم الثائر العالمى معمر القذافى " أما بقية المسئولين فى أى موقع كانوافيشار إليهم فقط بوظائفهم ، ل أن مباريات كرة القدم( كانت) لا تذكر عند اذاعتها اسماء اللاعبين ابدا وإنما يشار إليهم بأرقامهم فقط وقد سبق أن ذكرنا أن أعضاء مؤتمر الشعب العام ، وهو تجمع للجان الشعبية باعتباره السلطة العليا كما يسميه القذافى غير مسموح لهم بذكر أسمائهم فى الجلسات وانما يرفع كل منهم قطعة خشب عليها رقم يتم التعامل معه على أساسه .

دعونا نحدثكم فى تعاسة عن الزراعة والتجارة وبقية شئون الإقتصاد عندنا ، فوفقا لنظرية القذافى العالمية الواردة فى كتابه الأخضر والمطبقة علينا بالفعل ، يحرم على المواطن استخدام نسان أخر إلا على أساس انه شريك له ، فحتى خادمة المنزل لا يمكن استخدامها وقد احتار الناس فى كيف يجعلونها شريكة ، ويجرى تطبيق هذه القاعدة فى مجال التجارة كما فى مجال الزراعة والصناعة الأمر الذى جعل من المستحيل ممارسة اى نشاط اقتصادى سوى " شاط " القالة ، أما الصناعات الصغيرة التى ولدت وازدهرت لدينا قبل انقلاب 1969م فأستولت عليها لجان القذافى بطريقة الزحف، أى انه يرسل اللجان لتستولى على تلك الصناعات من دون قانون ولا تعويض ولا حتى إعداد لكيفية إدارتها و تمويلها بعد الإستيلاء عليها ، ولذلك توقفت كلها وقام هو بإنشاء بعض المصانع الإستعراضية التى تديرها لجان شعبية ومعظمها موتوقف أو تم تخريبه. ودعونا نحكى لكم قصة محزنة ولكنها طريفة، فالحزن قد يكون طريفا و الطرافة قد لا تخلو من أحزان، فقد فشلت لجنة شعبية فى إدارة مصنع لأدوات الألومنيوم يقع قرب مدينة طرابلس مما جعل إنتاج المصنع من الأطباق والطناجر والملاعق يخرج أسود اللون وسهل الإنكسار فأمتنع الناس عن شراء ذلك الإنتاج وقام العقيد القذافى بزيارة هذا المصنع لمعالجة أمر هذا الفشل مع اللجنة الشعبية التى تديره وخرج عليهم بأحد حلوله الثورية المبتكرة ،..فقد قال لهم أنتم مسؤولون عن الإنتاج والتوزيع وأنتم نجحتم فى انتاج سلعة ولكنكم فشلتم فى توزيعها وعليه فلن يتقاضى أى منكم مرتبه منذ اللحظة وليأخذ مقابل المرتب كمية من الطناجر والأطباق وعليه مسؤلية بيعها وله الحق فى الإحتفاظ بحصيلة المبلغ.

وما دمنا بصدد الحكايات الطريفة المحزنة والتى تشكل تاريخ معمر القذافى ، دعونا نحكى لكم واحدة أخرى تصور شذوذ تفكير الزعيم الملهم ، فقد كان مرة على طريق مطار طرابلس متوجها إلى رحلة افريقية للقيام ب " حل مشاكل العالم " ولاحظ جبالا من القمامة على الطريق علما أن ليبيا تمتعت خلال سنوات حكمه بأعلى مستوى للقذارة والقمامات ، وغضب الزعيم فجأة وأمر فورا بتنفيذ أحد حلوله العبقرية بأجبر اللجنة الشعبية لبلدية طرابلس المسؤولة عن النظافة بأن تنتقل بموظفيها وملفاتها الى خيام نصبت عند جبال القمامة فى طريق المطار .. ولا إجراء غير ذلك .

أما عن السلع الغذائية والضرورية والملابس اللازمة فهى نادرة جدا أو تحتكر حوانيت السلطة استيرادها وتوزيعها ، تلك الحوانيت التى تديرها ايضا لجان شعبية لدرجة أن المواطنين يدخلون الى حانوت لبيع القمصان و الأحذية فيسمح للمشترى بأن يشترى قميصا وحذاء من أى حجم ، وهو و حظه، ثم يلتقى الناس أمام الحانوت ويتبادلون الأحجام كل حسب حاجته فمن اشترى مثلا حذاء رقم (40) ويريد (42) ما عليه إلا أن يصيح بأعلى صوته معلنا عما عنده وعما يطلبه فلعله يجد مواطنا أخر عنده رقم(42) ويرغب فى (40).

أيها السادة

ليت المآسى وقفت عند هذا الحد ، حد الفوضى والخراب ، حد منح إدارة المستشفى الى لجنة شعبية يرأسها أحد السعاة ، وجهاز وزارة للجنة يرأسها طباخ ، وليت الإفساد توقف عند حد تسليم أمور التعليم الى لجان التلاميذ المختارين من بين أفشلهم ، إن المآسى لم تتوقف هناك فقد صار شنق تلاميذ صغار على أعواد فى الشوارع ومن دون محاكمة أمر تعودنا عليه .. ونحن الذين لم يشنق عندنا طوال أعوام الاستقلال ما قبل القذافى ولمدة ثمانية عشر عاما سوى رجل واحد هو أبن أخ لملكة البلاد قتل مواطنا أخر وحوكم فأعترف فأدين .

لقد تعودنا ايضا على حالات شنق طلبة فى احتفال فى حرم الجامعة وبقية الطلبة ينظرون وبعض من صبية النظام يتعلقون بأرجل المشنوق ، .. أما عمليات متابعة الليبيين المقيمين فى الخارج رفضا للنظام وقتلهم فهى معروفة لديكم ولدى الجميع وكان القذافى يعلن عنها بنفسه و يفخر بها ويقول سنقتل كل المعارضين وسنسبى نساءهم ونستعبد أولادهم فهم عنده خونة للشعب .

الشعب هو الحاكم وحسب ما يقوله العقيد فإن معارضة الشعب خيانة ، لقد تفوق حاكمنا ـ أيها السادة ـ على أى استعمار جربناه ظلما وقسوة و حوّلنا الى قطعان من البشر نهيم على وجوهنا فى بلادنا نبحث عن خبز اليوم وماء شرب اليوم بعد أن تحولت مياهنا الى ملح ، من دون أن يفكر حاكما فى تدبير مصادر جديدة للماء أو حتى فى تحلية مياه البحر ، فيما ينفق البلايين على الإرهاب ولهو معاونيه ومتعتهم وعلى مشاريع مريضة الخيال ...

إن حملة الشهادات العليا عندنا عاطلون وكثير من شبابنا المتعلم ييع علب السجائر على قارعة الطريق ، وقد انتشرت فينا الأمراض الخطيرة وازدهرت سوق إدمان المخدرات .

أيها السادة

نحن أسوأ حالا من العبيد والإماء فيما نعيش كما يقول العقيد فى أعظم " جماهيرية " ظهرت فى التاريخ، فلا محاكم عندنا إلاّ المجالس الشعبية ولا قوانين نعرفها ، وحتى مهنة المحاماة كان قد تم الغاؤها وتشكيلها بأسلوب يجعل المحامين موظفين لدى الحكومة و خاضعين للرقابة والمتابعة.

ونحن أيها السادة كنّا أمنين نطمع إلى مزيد من الأمن و أحرار نريد مزيدا من الحرية و مكتفين نسعى الى مزيد من الإكتفاء فحلت بنا كارثة إنقلاب 1969 ، تلك الكارثة التى فجرها فى وجوهنا ملازم شاذ رقى نفسه الى جنرال عظيم .

لقد سد القذافى شهيتنا من كثرة حديثه عن اخراج القواعد الأجنبية، ونحن نعلم جميعا أن وجود تلك القواعد عندنا كان أمرا واقعا سبق الإستقلال : فجنود بريطانيا هم الذين هزموا ايطاليا واحتلوا بلادنا قبل أن نصبح دولة بين الدول ، وجنود أمريكا أقاموا فى قاعدتهم ايضا قبل الاستقلال وباذن من السلطة البريطانية المحتلة ، ثم ان مفاوضات جرت عامى 1967 و 1968 بين حكومة ليبيا انذاك وحكومتى بريطانيا والولايات المتحدة وتم الاتفاق على اغلاق القواعد الاجنبية بنهاية عام 1970م، هذا فضلا عن اننا نأكل من ايجار تلك القواعد قبل ان عرف البترول ، وحتى لو سلمنا للعقيد بما يدعيه من انه محررنا أفيجعله ذلك صاحب حق فى ان يستعبدنا ويمحو انسانيتنا ويقتلنا ويحولنا الى قطعان من الغنم ؟.. أيُحل له ذلك أن يفرض حكم العصابات فينا ويستحل دماءنا وأموالنا وحرياتنا ؟.. أيحل له ذلك أن يهدم معالم كفاحنا كلها حتى ضريح المناضل الشهيد عمر المختار فى مدينة بنغازى وضريح المجاهد السنوسى الكبير فى واحة الجغبوب ؟..

لقد شوه القذافى كل شىء جميل فينا ، لقد شوه حتى ملامح وجوهنا ففقدنا لمسة الحس فيها بعد أن هدم الإنسان فى داخلنا ، وستروننا إذا بحثتم عنّا فى داخل ليبيا أو خارجها بشرا يفتقرون للأمن وطيب العيش ، وستجدوننا على سلالم الطائرات وفى مطارات العالم وتروننا على الدوام نتلفت حولنا ، بعضنا يتلفت خوفا من الإغتيال والبعض الأخر يتلفت بحثا عمن يغتال .

كل هذا أيها السادة ونحن أقل من اربعة ملايين مخلوق طيب ومتدين نعوم على بحيرة من البترول ، نعم نعوم على بحيرة من البترول ولا نعلم ما دخلنا منه ابدا ذلك الدخل المودع كله فى حسابات خاصة ، وبأمر العقيد يصار الى تحويل ما نشترى به القوت الضرورى من حين إلى حين ..

نعم نحن فى هذه الحال ونحن نعوم على البترول الذى وصل دخل العقيد منه فى بعض السنوات الى خمسة وعشرين بليونا عند استيلاء القذافى على السلطة.

نعم هذه حالنا من العبودية والفاقة والعوز و الخوف ، الخوف الذى يملأ صدر كل مواطن ومواطنة من عصابات حكم مطلقة اليد فى رقاب الشعب ، والتى تحتفظ برصيد من آلاف المعتقلين فى سجونها القاسية القذرة ، فيما يتشدق الحاكم بحقوق الإنسان لدرجة انه أصدر ما سماها وثيقة ( خضراء ) لحقوق الانسان وهو يمنح كل سنة جائزة عن حقوق الإنسان .. أبعد هذا الفجور فجور ؟..

أيها السادة

نحن لا نقارن بين عصر الاستقلال وعصر القذافى ، فلا مجال للمقارنة ، ولكننا نقول لكمأن هذا العقيد خطف ليبيا وهى مورقة مزهرة كانت مقبلة على انتاج الثمار فقطع عروقها وحولها كومة من الحطب والقش والعيدان اليابسة .

تصوروا ايها السادة أن معمر القذافى " كان " مقبل على نظريات جديدة و " كان " يتحدث عنها علنا ويعد لنطبيقها، وأهمها تحقيق حرية التعليم للمرة الأولى فى التاريخ. فهو يقول أن الحكومة تظلم االناس عندماتفتح المدارس وتضع المناهج وتوفر المدرسين وعليه فإنه سيترك الليبيين بلا مدارس وسيلغى التعليم كله تاركا لكل أسرة أن تعلم أولادها كما تشاء وكيفما تشاء ، وبذلك سيخرج علينا أجيالا أمية جاهلة. وهناك نظرية أخرى ( كان ) يستعد لتنفيذها وهى تحرير الشعب من عبودية النقود . وبالغاء النقود يصار الى تحويلنا الى طريقة المقايضة ومبادلة الحذاء بكيس من الشعير .

أيها السادة

بعد هذا العرض الذى حاولنا أن نجعله موجزا بقدر الإمكان والذى لو وضعنا فيه كل تفاصيل مأساتنا كلها لغطينا الكرة الأرضية بالأوراق ، ونحن نكتب اليكم عن غير توقع بأنكم ستنفعلون بما نعانيه من عذاب أو أنكم ستغضبون لما يحدث فينا من إهدار لأبسط معان حقوق الإنسان ، وإن كنا لا نستبعد ذلك عن القليل منكم ، لكننا نكتب اليكم لأن ( المجتمع الدولى كان قد أفاق ) على شذوذ النظام الذى حكمنا وغرابة الرجل الذى يمسك برقابنا ....

لقد جاملتم معمر القذافى وجامله معكم معظم العرب وسكت الجميع عن مأساتنا بل انكم ، عربا وغير عرب ، قد أوسعتم صدوركم لجنون الرجل وشطحاته وجرائمه وتسامح بعضكم حتى فى قتل البشر ،و كنتم انتم ومواطنوكم ، ضحايا لجرائمه التى ارتكبها وغفرتموها له نحن أيها السادة نريد أن ننبهكم الى أن لا تنخدعوا كما تعودتم أن تنخدعوا بوعود العقيد ومناوراته ، ونأمل أن لا يغيركم بخطته الجديدة لمحاربة مرض الأيدز ومشروعه لإقفال ثقب الأوزون ، داعين الله تعالى أن لا يمكنه من إسالة أى لعاب مقابل عقود لبيع البترول ، وأن لا يساعده على عقول عربية تخلط بين الدفاع عن الشعب الليبى وبين الدفاع عن حاكم فقد مؤهلات الحكم كلها ونزع عن نفسه أوراق الشرعية كلها التى حاول التستر خلفها فى يوم من الأيام .

أيها السادة

أخيرا ونحن ندعو الله أن لا تذوب مواقفكم من الرجل الذى يغتصبنا مع ارتفاع حرارة هذا الصيف ، نعرف ان ليس من حقنا ان نملى عليكم ما يجب ان تفعلوه ، فهذا شأنكم ، ولكننا نعتقد ان من حقنا ان نستنهض همة الانسان فيكم وأن نطالبكم ليس بإخراج الحاكم الغاصب من بلادنا ، وإن كان هذا أمرا نتمناه ليس بتوفير الديمقراطية لنا وان كان هذا حلما نحلم به ، وإنما نطالبكم بمنحنا الحكم الذاتى من هذا الإستعمار الردىء الذى يتسلط علينا ويلتف حول اعناقنا وينام معنا فى حجرات النوم، هذا الاستعمار البغيض الذى ساهمتم لأسباب لا محل لشرحها فى إطالة عمره علينا.

اننا شعب ليبيا كله رجالا ونساء واطفالا وغير ذلك من مخلوقات الله نتقدم اليكم بهذا الطلب راجين البت فيه بتحقيق الاستقلال الذاتى لنا حتى نعيش فقط حياتنا اليومية من دون عقيد ومن دون لجان ومن دون مؤتمرات شعبية ، علما اننا مستعدون لدفع الجزية التى ترونها الى العقيد معمر القذافى .

..... أسرعوا بالله عليكم فلعل الله ينهى بكم محنتنا ويزيل كربتنا ، انه سميع مجيب ،

والسلام .

عبد الحميد البكوش
وزير عدل ورئيس وزراء سابق
لدولة الإستقلال فى ليبيا

رحم الله فقيد ليبيا الراحل عبدالحميد مختار البكوش أحد أبرز رجالات القانون ورمز من رموز دولة الاستقلال فى ليبيا ...

عرض وتقديم : ابراهيم عمّيش
_________________________

(*) راجع : العدد 10738 من جريدة الحياة اللندنية الصادر بتاريخ 4/7/1992م.


Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home