Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home
Libyan writer Ibrahim Emmesh
الكاتب الليبي ابراهيم عمّيش


ابراهيم عمّيش

الجمعة 16 اكتوبر 2009

الحلقة الأولى    الحلقة الثانية    الحلقة الثالثة

الفساد.. وحجب الإصلاح الديمقراطي في ليبيا

(3 من 3)

خاتمة كتاب : التاريخ السياسى ومستقبل المجتمع المدنى فى ليبيا

 

ابراهيم عمّيش

 من محتويات كتابي : "التاريخ السياسى ومستقبل المجتمع المدنى فى ليبيا" 

* * *

 وشهدت المرحلة (1972م 1977م) بداية الصراع الذى صنع أسبابه و عجّل به العقيد معمر القذافى ضد كافة القوى الوطنية السياسية و الإجتماعية التى لم تستجب لسياسته ؛ و لم تُذعن لقراراتة و إتخذت من السلبية موقفاً رافضاً لمشروعه الفكرى "النظرية العالمية الثالثة" الذى بدأ يُسـّوق له بمقولاته : 

من تًحزب خان .. و .. التمثيل تدجيل 

ففى ذكرى مولد الرسول الكريم محمد صلى الله عليه و سلم فى 12 ربيع الأول سنة 1393هـ الذى وافق اليوم الخامس عشر من شهر أبريل نيسان سنة 1973م ، و بعد إعداد سرّى و ترتيبات سياسية و أمنية داخلية كان يُعَدُ لها بأمر و إشراف العقيد معمر القذافى لإعلان ما سُميت بالثورة الشعبية من مدينة زوارة ؛ ألقى القذافى خطاباً إنقلب فيه على شركائه فى الحكم .. و تناقض به مع المبادئ الوطنية و القومية ، و أصدر أوامره بحبس و إعتقال من أسمائهم بالمرضى السياسيين و اصحاب الأفكار (الهدامة) و التوجه إلى جميع المكتبات الخاصة و العامة و دور الطباعة و النشر لحرق الكتب و المطبوعات (المضللة)!!؟.. 

و أعلن القذافى : "أن الثورة الحقيقية تبدأ فى هذا اليوم ،  وأن الثلاث سنوات الماضية لم تكن هى الثورة الحقيقية ، بل كانت تمهيداً ضرورياً للثورة ، اليوم فقط لكى تستولى الجماهير على السلطة الحقيقية ... ". 

و أجاز لنفسه و بشخصه إصدار أوامر التنفيذ المباشر إلى قيادات الشرطة العسكرية و اجهزة الأمن التابعة لوزارة الداخلية إلى جانب اللجان و الميليشيات الخاصة و بعض عناصر الإتحاد الإشتراكى لتعطيل أحكام القانون و منع ما تبقى من مؤسسات الدولة و سلطات القضاء و النيابة العامة من ممارسة أعمالها ؛ و تبريراً و تمريراً للإجراءات القمعية و التعسفية لتطبيق قراراته و تنفيذ أهدافه ، .. وقال العقيد القذافى فى مقدمة إعلانه عن قيام ما أسماها بالثورة الشعبية فى هذا اليوم 15/4/1973م : 

 "...هناك دول عربية و دول أجنبية فى العالم الثالث لديها طرق كثيرة نحن نعرفها ، ... هناك دول عربية لا تسمعون عنها شيئاً فى الخارج .. و لكن فى الداخل .. السجون ملأنة و الإستبداد يُمارس فى السر لكن أنا إذا قلت لكم سنعلن ديكتاتورية ، لا  بد أن نقول للشعب أننا سنعلن ديكتاتورية ، لأن هناك كذا .. و كذا .. من الأسباب ، إذا وافقنى الشعب كان بها .. و إلاّ نقول له السلام عليكم" و أضاف القذافى ؛ "و أنا ارى أن هناك من يريد ترك الحبل على الغارب بإسم الديمقراطية و الحرية و انا لم أفهم الحرية و الديمقراطية التى يتكلم عليها الناس المرضى و أنا غير قادر على قيادة البلد فى طريق حرية غامضة لا أعرفها أنا و عليه فإنى أقول لكم أن أمامنا شيئين ، إمّا أن نبدأ من جديد ، و إمّا أن ينتهى كل شئ ،  و حتى الملك إدريس ما زال حياً و ولى العهد كذلك .. و هل تريدون ان نصدر قراراً بالعفو عنه و إرجاعة؟!!

و إستطرد العقيد : "إمّا أن تكون هناك ثورة ، و إمّا أنكم بكل حرية تتركونى أعيش فرداً مثلكم و أنتم تعيشون كما تريدون و لا أستطيع أن أتحمل مسئولية ثورة مهددة من أشياء خارجة عن إرادتى لو انها كانت مهددة من جهتى أنا أتحمل مسئوليتها ، لكن ما دامت مهددة من جاهت أخرى لا بد أن أعلن هنا للشعب الليبى كله :

          إذا كنا نريد أن نستمر لا بد أن نبدأ من جديد ، كيف نبدأ من جديد؟

          ·       أول شئ :   تعطيل كافة القوانين المعمول بها فى البلاد الأن ، و يستمر العمل الثورى بأن تًوضع العقوبات و الإجراءات فوراً. 

          و عقّب العقيد على قراره الأول هذا شارحاً : "بمعنى ان كافة الإجراءات التى تُتخذ لا يمكن الرجوع فيها إلى نصوص قانونية قد لا تتفق مع ما هو واقع ، و إنما تُخذ الإجراءات حسب الحالة التى تقع تحقيقاً للتحول الثورى". 

          ·       و ثانياً :   "لا بد من تطهير البلد من جميع المرضى منذ ثلاث سنوات و أنا أمنع إعتقال أى شخص ضد الشعب ، و حاولت بكل الطرق أن أترك الناس المرضى يعالجون معالجة طبيعية و منعت إعتقال الناس الذين يتأمرون على الشعب ، و يتأمرون على التحول الثورى ، و يتأمرون على القضية الثورية بطريقة أو بأخرى " و أضاف القذافى: "... أنا لا أقبل أن واحد يسمم أفكار الناس و هو ليس بقادر على قبول التحدى هذه حصلت فى الجامعة و حصلت فى الشارع ، و عليه أنا اقول لكم أى واحد نجده يتكلم عن الشيوعية أو فكر ماركس أو إلحادى سوف يُضع فى السجن. و سأصدر الأمر لوزير الداخلية يتطهير أى مجموعة من هؤلاء الناس المرضى و إذا وجدنا أى شخص فى الإخوان المسلمين أو حزب التحرير الإسلامى يمارس نشاطاً سرياً إعتبرناه يمارس نشاطاً هداماً مضاداً للثورة التى قامت من أجل الشعب و سنضعه فى السجن و هناك أناس اعرفهم سكتُ عنهم و سامحتهم ، و لكن لا يمكن أن نسمح لهم بعد اليوم بتسميم أفكار الشعب معنى هذا أن هناك أناس عليهم يجهزوا أنفسهم من الأن لأنى سأضعهم فى السجن. " 

        ·         ثالثاً :   الحرية كل الحرية لجماهير الشهب الكادحة و ليست للمترفعين عن جماهير الشعب ، و عليه سنوزع السلاح على كثير من قطاعات الشعب من غير القوات المسلحة و من غير المقاومة الشعبية ، و ستصبح هذه تجربة جديدة أمّا أى واحد ضد ثورة الشعب لن يُعطى له السلاح بل سيوجه إلى صدره السلاح. 

        ·         رابعاً :   إعلان الثورة الإدارية هذه الطبقة البرجوازية ، هذه الطبقة المكتبية التى لا تتحرك إلا بالخوف تستوجب إعلان الثورة الإدارية بواسطة جماهير الشعب التى سأسلحها لكى تحطم البيروقراطية و تحطم الطبقة العازلة و أضاف القذافى: "و أنا اعرف أن هناك جهازاً إدارياً يعزل الجماهير و يكبر يوماً بعد يوم ، هذا الجهاز لا بد أن تعلن عليه الثورة و يتحطم  و قد أعذر من أنذر فالذى يريد أن يمضى معنا يمضى و الذى ليس معنا يبقى تحت أقدامنا من يريد ان يمضى معنا عليه أن يشعر و يصبح ثورياً و يستمر و الذى يتخلف ندوسة بالأقدام … 

        ·         خامساً : يشهد العالم كله و نشهد نحن على أنفسنا أن فكر ثورة الفاتح من سبتمبر ينبع من الإسلام و من الرسالة الخالدة و من الكتاب الذى أُنزل من السماء و ما دمنا نحن واثقين من ينبوع الفكر الذى بين ايدينا لا بد أن ندخل المعركة الثقافية معركة ثقافية سأحرق و امزق فيها كل الكتب المضللة و من يقف معها سيُحرق و من يريد ان يقف أمام الثورة فعليه أن يعرف أن الثورة ستعود مثل ليلة الفاتح من سبتمبر 1969م تماما.

                                                *      *     * 

          و من بعد خطاب العقيد معمر القذافى بمدينة زوارة فى 15/4/1973م و إعلان قيام ما سُميت بالثورة الشعبية ؛ تداعت و مازالت تتداعى آثار إجراءات التنفيذ لقرارات و رغبات و توجهات العقيد و تطبيق النقاط الخمس التى صاغها كأحكام عُرفية فى حال إستنفار لمواجهة عدو فى حرب ضروس.

          و لم تكن هذه النقاط الخمس غير مقدمات و وسائل لتحقيق هدفين و غاية : 

الهدف الأول : إفراغ البلاد من القوى الوطنية السياسية و الإجتماعية العاصية عن التطويع ، من النشطين السياسيين و الكتاب و الأدباء و من عناصر و قيادات المجتمع المدنى ؛ و عزلها فى حشود كانت تُساق إلى السجون و المعتقلات ، و إستباحة حرماتهم و حقوقهم الإنسانية فى غيبة و تعطيل كافة القوانين المعمول بها. 

الهدف الثانى : عسكرة المجتمع المدنى بالتحكم فى حياة المواطنين الإجتماعية و إجبارهم على الإلتحاق بوحدات و كتائب التدريب العسكرى للمقاومة الشعبية و إخضاعهم لأوامر الضبط و الربط الصادرة إليهم للتنفيذ بالأمر العسكرى ؛ و ربط أعمالهم و مصادر ارزاقهم "سواء كانوا عمال أو موظفين او تجار" بأدائهم للمهام و التدريبات العسكرية و إرتداء زى المقاومة الشعبية.

أمـا الـغـايــة : من تحقيق بندى الثورتين ؛ الإدارية و الثقافية فقد كانت تهدف إلى تجريد المواطن الليبى من كافة مقومات وجوده و تفريغة من فرديته الفكرية و السياسية ، و حصره فى رقم .... مجرد رقم لا يتردد له معه إسم أو صفة و تمكين الإجهزة الأمنية و عناصر الميليشيات الثورية الخاصة من حشد الناس فى عملية تعبئة سياسية "رسمية و إجبارية" و ترديد شعارات لا يجوز الخروج عنها.

و قد تولد عن هذا الوضع من بعد ذلك ؛ شعور المواطن الليبى بفقدان الأمان ، و غياب الهدف ؛ و اصبح تائهاً لا يملك من نفسه غير أن يكون فى أحد حالين كلاهما محكوم بالخوف و الضياع ...

حال المصاب فى رزقه و آمنه و الذى لا يجد غضاضة فى التعبير عن رفضه و إستنكاره عندما يتحدث إلى آخرين و يجمعهم ذات الحال فى غرفة مغلقة ، ... أو حال الفاقد للإحساس بالخجل عندما يتحمس فى تأييد النظام علناً أو تجبره الظروف أن يُعبر عن رأيه أو موقفه من النظام أمام أخريين مشكوك فى كنههم ليمضى إلى بيته آمناً ، و كلاهما إتخذ موقف التكذيب لمعظم ما تقول السلطة و إنكفأ على ذاته لإثارة السلامة و بلوغ النجاة من السحق و المحق فى السجون و المعتقلات. 

و فى غمرة الثورة الشعبية هذه ، و أتُون نقاطها الخمس ؛ إحتكرت السلطة التوتاليتارية سيادة القرارات المركزية فى كافة المجالات و على كل الصُعد ، و تراجع دور المجتمع المدنى بإنحسار مهام البرجوازية الوطنية ، و إلحاق هيئاته و جمعياته و منظماته الأهلية بحزب السلطة السياسى الوحيد فى البلاد آنذاك ، الإتحاد الإشتراكي العربى (الذى إستبدل دوره و مُنحت صلاحياته بعد إلغاءه إلى تنظيم حركة اللجان الثورية) ... ثم توالت الإرباكات السياسية و الإقتصادية و الإجتماعية الكبرى التى أدت إلى مقتل و عزل و إعتزال و إبعاد و سجن عديد من ضباط القوات المسلحة الليبية و أعضاء مجلس قيادة الثورة فى أعقاب كشف عدد من محاولات الإطاحة بالقذافى الذى نَصّب نفسه البديل الشرعى الوحيد لكل المؤسسات التنفيذية و التشريعية و القضائية للدولة و مستبيحاً التدخل بالعنف و الإكراه فى النشاطات الإجتماعية و الثقافية و الدينية للمجتمع. 

*   *  *

الخاتمة

لظروف و اسباب مادية و معنوية و امنية ، منها الشخصية و منها الخارجة عن إرادتى ؛ تأخرت طباعة هذا الكتاب و نشرة لأكثر من ثلاث سنوات ، فرغت خلالها من إعداد و تبويب الجزء الثانى منه. 

و قد كان من نتيجة هذه الظروف و هذا التأخر ؛ أن أضفت إلى محتويات الجزء الأول هذا ما إستدعته ضرورات الحاضر و مستجداته السياسية فى سياق التصعيد الدراماتيكى المحدث بإشكالاته الداخلية و الخارجية من كل الأطراف و على كافة الصعد ؛ متجاوزاً بذلك ليلة الفاتح من سبتمبر سنة 1969م و قيام إنقلاب – الثورة (كما أشرت فى تقديمى لهذا الجزأ) إلى مفاعيل هذا الحدث ؛ السياسية و الإقتصادية و الإجتماعية  و ما صاحبها من نتائج محلية و عربية و دولية و تراكمات كانت تُقَجر فى كل مرة الوقائع بإنتكاسات داخلية حادة تُصيب الهوية الوطنية بإنجازاتها القومية و الدينية ، و ترمى بأطراف الصراع بين أحضان القوى الخارجية و إملائاتها. 

و أحسب انى تناولت ما يمكن ان يساعد على إزالة بعض الغموض من خلال ما توافر من حقائق موضوعية أزعم أنها سوف تُسهم فى إستحضار بعض الأجزاء المحذوفة من الصورة الأقرب إلى واقع الحال الليبى و خفاياه ، فى محاولة لإعادة تركيبها على نسق معطيات الواقع و إفرازاته و نتائجه من اجل أن تتحقق وحدة الرؤى الوطنية ، و معرفة حقائق الصلات الغائبة بين الإسباب و النتائج ، ... و يبقى الخلاف قائماً حول أهمية الأهداف الوطنية العامة التى نتطلع إلى تحقيقها ؛ مرهون بما تقترن به هذه الأهداف من قيم الحق و العدل ، و شفافية ما تستند غليه أطراف هذا الخلاف من معرفة بكامل الحقائق الموضوعيه و معادلاتها فى غير إحتكار و لا حجب ، فى مواجهة ثقافة العنف الإقصائية و سياسات التجهيل و التغييب الكامل لقيمة الفرد "المواطن" فلا يجوز فصل التحولات التاريخية عن أسبابها أو آلياتها أو تفسير أحداثها بمعزل عن مكوناتها الفكرية و السياسية و الإجتماعية. 

و لأن السياسة ببعديها الداخلى و الخارجى هى فعل تراكمى يثير فى العقل الجمعى الوطنى عبر مراحلها التاريخية حالات (إنتظام او تذبذب أو إنتكاسات) الإستقرار السياسى من عدمه فى ظل توازن او عدم توازن دوائر النظام السياسى للدولة ، و توافقاتها الإقليمية و الدولية بما يخدم مصالحها الوطنية و يستجيب لحاجات شعبها و تطلعاته ؛ فإن الشعوب تعمل دائماً على أن تستلهم من تاريخها و تراث اجيالها الإجابة على واقع حالها الحاضر ، و البناء عليه لإستنتاج ما يمكن ان يُسفر عنه المستقبل.

و ذلك ما يُفسر لجوء الحكومات و مراكز صنع القرار و إدارة الأزمات إلى وسائل الإعلام و هيئات الأمن و الإستخبارات العامة لتلقى الإجابات عن حالات الرأى الوطنى العام و توقعات ردور أفعاله تجاه سياسات النظام و علاقاته الإقليمية و الدولية و تحولاته السياسية الداخلية و الخارجية إلى جانب تتبع القوى السياسية المؤثرة و الفاعلة فى الرأى العام. 

وفى عملية لإدراك الذات الوطنية و تحديدها يستلهم الناس الإجابة عن الأسئلة الحاضرة فى كل مرحلة من مراحل التحول السياسى و عندما تحل النوازل أو تتدهور الأحول :

من نحن؟

و ماذا ينتظر أو يريد الأخرون منا ؟

و ماذا يجب علينا أن نفعل ؟ 

وهى ذات الأسئلة التى ما زال يرددها الناس فى ليبيا، ... وتغيب الإجابة بخباياها و خفاياها فى بطن قمة السلطة الحاكمة التى إنتزعت فى غيبة هيئات الرأى الحر ومؤسسات التشريع الدستورية التفويض بالإنابة عن الشعب.

ذلك ما طالعناه  بين دفتى الجزء الأول من هذا الكتاب "التاريخ السياسى ومستقبل المجتمع المدنى فى ليبيا" و نردد:

يا بلادى .. يا بلادى

بجهادى .. و جلادى

إدفعى كيد الأعادى و العوادى

و أسلمى ... أسلمى

أسلمى طول المدى

إننا نحن الفدا

ليبيا .. ليبيا

*  *  *

وإلى اللقاء مع الجزء الثانى،،،

 إبراهيم عميش

الإصدارات القادمة للكاتب

إبراهيم عميش

·  التاريخ السياسى ومستقبل المجتمع المدنى فى ليبيا (الجزء الثانى)

·  خفايا العلاقات الإسرائيلية – الليبية.

·  مذكرات محمد المازق.

·  تسقط دولة الحقراء

عن  دار برنيق للطبع والنشر                                           


الحلقة الأولى    الحلقة الثانية    الحلقة الثالثة

Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home