Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home
Libyan writer Ibrahim Emmesh
الكاتب الليبي ابراهيم عمّيش


ابراهيم عمّيش

الجمعة 9 اكتوبر 2009

مفهوم العلاقة بين الشرعية الدستورية وشكل نظام الحكم فى الدولة

 

دراسة وإعداد :  ابراهيم فتحى عميش

       

كثيرا ما تُردد القوى السياسية المعارضة  فى مواجهة السلطة الحاكمة ، وتبحث فى مفهوم العلاقة السياسية بين الشرعية الدستورية  وشكل نظام الحكم فى الدولة ، للوقوف على طبيعة النصوص  القانونية التى تُجبرالحكام على عدم التصرف إلاّ وفقا للقواعد الدستورية  التى أقرّها الشعب أو ممثلوه .. فقد يتمكن نظام الحكم بخدعة سياسية ، أو بطريق القوة  من إقامة برلمان وإصدار قوانين وتشريعات .. لكنها تبقى كلها  ســتا ئر تخفى إنعدام الشـرعية ، وتكرس الإغتصاب المستمر للسـلطة .ولما كانت الشرعية تعنى ؛ شرعية السلطة الحاكمة ؛ فإنها  قد تكون قائمة على ( شرعية  دينية )  أو ( شرعية قبليـة ) ، أو أن تكون سلطة نظام الحكم قائمة على  ( القـوة )  أو شرعية  ( تلفية  قائمة على أغتصاب السلطة  ؛ وإذا بقى نظام الحكم  هذا  فإ نه يبقى باغتصاب السلطة المستمر ، وليس بمنطق  شرعى جـديد مسـتقر.

 

وقد أجمع علماء الفقه الدسـتورى  على أن الشـرعية الدستورية  هى أكثر شرعيات سـلطات الحـكم و الإدارة  موضوعية وواقعية ، وأفضلها توازنا  وأقربها  لتحقيق السـلم الاجتماعى و التوازن بين قوى الشعب المختلفة ، وتبقى بقية الشرعيات الأخرى والإنقلابية القائمة على اغتصاب السلطة و امتلاك أدوات القـوة للسيطرة بالبطش والإكراه ؛  فاقـدة  للموضوعية و الواقعية  وفاقدة لقيمة العدل وهى تكون دائما  فى حال توجـس، ويسيطر عليها  الهاجس الأمنى .

 

يقول المفكر السيا سى "ماكـس ويبر" (يصعب بدون الشرعية على أى حكم أو نظام أن يمتلك بالدرجة اللأزمـة  القدرة الضرورية على "إدارة الصراع" وتحقيق الاستقرار) (1). فمن غير الرابطة المعنوية ، سواء كانت " القانونية الشكلية " أو المتعلقة  بالكيان السياسى والإجتماعى  بين السلطة والشعب؛ لا تكون هناك شـرعية رضائية حاكمـة.

 

وكثيرا ما تختلط الشرعية بالقانونية، أى بالمعنى القانونى والشكلى للشرعية، غير أن الشرعية فى حقل السياسة وإدارة شـئون الحكم هى أعمق فى معناها و فى جذور نشـأة الدولة  كنتيجة لتطور طبيعى مراد ومحقق بصورة مقصودة  خصصت فيها السلطة  بكيان الدولة و ليس بشخص أو أشخاص معينين . وعلى هذا الرأى  لم تكن الدولة إلاّ شكلا سياسيا طبعيا، تعاقبت فى تطورها وأصل شرعية السلطة فيها على انقاض  أشكال أخرى  للتشكيلات الطبيعية؛ العشيرة ، القبيلة ، جماعات قومية ، وهى فى الأصل محل اثبات للنظام الإجتماعى ، وتبقى أصول نشـأتها مناطة بإجراءات قانونية  نجد أصولها فى كل من النظريات الثلاث:

       

        1) نظرية العقد الإجتماعى :  التى وصفها  جان جاك روسو ( العقد الأجتماعى سنة 1762م)  بأنها : ( إتفاق

        إرادى  وّضع فى وقت معين  بين أفراد تنازلوا بإرادتهم عن استقلالهم ؛ تأسست بموجبه  ( الدولة ) المكونة

        من قبل المشتركين فى العقد الإجتماعى ، وعليه فإن فرضية العقد فى هذه  النظرية هى وحدها  التى يمكن أن

       تقدّم  تفسيرا قانونيا صحيحا لنشأة وتكوين الدولة (2).

 

        2) وكذلك نظرية العقد السياسى ؛ وإن كانت ذات علاقة  أقوى مع الواقع التاريخى  لنشأة وتأسيس  الدولة،

        فإنها تؤكد  ان العقد السياسى هو   اتفاق بين أشـحاص أو هيئات سياسية يشكلون جميعا كادرات إجتماعية

        سابقة عن تأسيس الدولة ؛ تتفاهم لإقامة سلطة سياسية مركزية  تتأسس من خلالها  و تقوم الدولة.(3)

 

       3)    وتبقى نظرية : المؤسسة و الدسـتور  مرجعية يمكن البناء عليها  فى إن ولادة الدولة قد نجمت عــن   

       التاريخ  وقد دعّم هذه النظرية  عدد من رجال القانون العام  الدوليين  الذين قالوا ان ( الدولة لا ترقى إلــى

       الحياة  القانونية  إلاّ منذ اللحظة التى  يصبح لها دسـتور ) ، وكما يقول " كار دى مالبرغ "  : ( أن نشـــــأة

       الدولة تتطابق مع وضع أول دسـتور لها مكتوبا  أم غير مكتوب ، أى مع ظهور  النظام الذى يعطى لأول مــرة

        للمجموعة أجهزة تؤمّن لها وحـدة إرادتها  وتجعل منها شخصا دوليا ..).(4).

 

ووفقا لنظريتى العقد الإجتماعى والعقد السياسى ؛ فإن أساس الدولة وسيادتها  تقوم على اتفاق تعاقدى

       بين أطراف هذا العقد ، التى حددها روسو فى العقد الإجتماعى بأنه: ( إتفاق اجتماعى إرادى مقبولا من إجما ع

       رعايا الدولة فى " المسـتقبل " وهو أساس الحريات الفردية ، تكون الدولة فيه هى الجمعية السياسية المكونة

       بحرية من قبل المشتركين فى هذا العقد " الاجتماعى"  وهو نفس العقد"السياسى"لتأسيس وقيام الدولة وإن

        عُرّفت أطرافه بأنها ؛ أشخاص أو هيئات يشكلون جميعا الكادرات الإجتماعية فى الأمة ، أوهى  :  ( منظمات

      المجتمع المدنى ) بتعريفاتها الحديثة،

  

     وإنطلاقا من هذا التعريف لمكونات بناء الدولة و تأسيسها وفقا لشرعة الأتفاق التعاقدى بين أطرافها

        فإن نشأة وتأسيس الدولة الليبية  و دسترة السلطة والحياة السياسية فيها ،كان نتيجة لإتفاق تعاقدى اجتماعى

        وسياسى  بين أطرافها الوطنية  وبإرادتها الحرّة  ووفقا لإجراءات  سياسية وقانونية  دولية  تأسس  النظام

        السياسى  للمملكــة الليبية   و حمل شهادة منشئه بموجب دستور وطنى  أقرته ( الجمعية الوطنية التأسيسية)

        وأصدرته  فى يوم الأحد السادس من شهر المحرم سنة 1371 هـ الموافق لليوم السابع من شهر أكتوبر سنة

        1951م  وعلى هديه ورضاء أطرافه  الوطنية  ووثائق المنظمة الدولية للأمم المتحدة  وتقارير لجانها ،

        ومداولات الجمعية العامة ؛  أعلن إسـتقلال ليبيا  فى الرابع والعشرين من شهر ديسمبرسنة1951م وأصبحت

        عضوا فى المنظمة الدولية للأمم المتحدة  ، وبذلـك  أرتقت الدولة الليبية إلى الحياة القانونية واستحق نظامها

       شرعيته الوطنية الدستورية  ، ومارس حقوقه السيادية من خلال مؤسسات الدولة وسلطاتها الثلاث ؛ التنفيذية

        والتشريعية و القضائية ، محليا وخارجيا  وفقا لأحكام قواعد ومواد الدستور الوطنى  الأول ، والذى يشار إليه

        بـ ( دستور  7 أكتوبر 51 ) .

 

                     وفى عجالة نشير هنا إلى  سوابق تاريخية شرعنة لتأسيس وإنشأ ء الدولة وفقا لشرعتى التعاقد فى

        نظريتى  العقد الاجتماعى والعقد السياسى  المشار إليهما :

 

1)    إنشاء الدولة الفدرالية فى الولايات المتحدة الأميريكية سنة 1787م  الذى جاء نتيجة لإ تفـاق

تعاقدى بين المستعمرات البريطانية القديمة.

 

2)    كذلك الشرعة الفرنسية  لسنة 1830م التى  قرّت بعد تفاهم واتفاق جرى بين دوق ( دورليان)

الذى كان سيصعد إلى العرش بأسم " لويس فيليب "  ؛ والمجالس التشريعية فى عصر(إعادة

الملكيـة )  الرسـتوراسيون ؛ مجلسى الشيوخ والنواب اللذين ظلا على حالهما .

 

3)    الشرعة الكبرى الممنوحة سنة 1215م للأشراف الأنجليز  من قبل ( جان صان تير ) وكانت ثمرة اتفاق تعاقدى  سياسى واجتماعى  بين الملك من جهة  والإقطاعيين الكبار من جهة ثانية، بعد أن غلب الملك على أمره فى  ( بوفين ) وفى ( لاروش ) ، وقد اعتبر الاتفـاق التعاقدى  للشرعة الكبرى هذه فى انجلترا حتى الآن ؛ على أنها أعـراف محترمة  لا يستطيع

خلفاء المتعاقدين الرجوع عنها .

 

                 ----------------------------------------------------------------------

       

 إنقلاب سـبتمبر 1969م  وخروقاته الدستورية فى ليبيا:

 

            هو عملية عسكرية مسلحة قامت بها جماعة من صغار ضباط القوات المسلحة الملكية الليبية  بقصد

            الإستيلاء على السلطة السياسية الشرعية القائمة   و انتهاك الشرعية الدستورية ، وارتكب فى سبيل

           ذلك  أفعالا  جنائية محظورة   أّدّت إلى : 

 

1)    تعطيل سريان أحكام الدستور الوطنى لسنة 1951م.

2)    أعتقال ملك البلاد بالإنابة  " ولى العهد الأمير الحسن الرضا السنوسى " وتهديده بقوة السلاح

للتنازل عن عرش المملكة وسلطات الملك .

3)    الإعتداء على سلطات القيادة العامة  للقوات المسلحة  و انتحال صفات عسكرية آمرة لإصدار

قرارات وأوامر بحمل واستعمال السلاح للإستيلاء على مؤسسات الدولة وتعطيل سلطاتها وحبس

واعتقال قياداتها السياسية والأمنية .

4)    انتهاك سيادة الدولة  وتعريض الأمن الوطنى و السلم الإجتماعى للخطر.

5)    إلغاء الدستور  الوطنى  واستبداله بإعلان الأحكام العرفية فى البلاد

6)    إشـراك وتكليف أشخاص من غير الليبيين لتزييف حركة التمر العسكرى ، ووصفها بالثورة لإستيلاب

الرأى العام فى ليبيا .

7)    الإستيلاء على اموال الدولة وأملاكها  واستعمالها فيما لا يجيزه القانون.

8)    تغييب مؤسسات الدولة  وإقامة نظام حكم استبدادى بالمخالفة للدستور .

                                                                                                                          

             ولما كانت الشرعية الدستورية ، هى شراكة  تعاقدية  اجتماعية وسياسية ؛ صاغت شروطها  جمعية

             وطنية تأسيسية  ممثلة من كافة أطرافها  الليبية فى دستور وطنى حاكم ، و ليست مجرد الإستيلاء على

             السلطة   والبقاء فى الحكم ، وهى تختلف عن تأييد الموالاة للسلطة  أو رفض المعارضة لقراراتها .

                  والشرعية بمعناها القيمى  و الأخلاقى – الإجتماعى ؛ من غير القانونية ، ومن غير الوصف السياسى

             لنظام الحكم  ملكيا كان أو جمهوريا .. موروثا  أو جديدا ، هى معيـار يسـتمد من ( نظرة الرعيـة الـى

             السلطة )  ومن موقع السلطة من الناس ؛  أهو موقع " القوة "  أم موقع " النفوذ " ذلك أن الشرعية

             هى عنصر الإستقرار الأمنى فى حياة الشعوب ، كما هى عنصر حاسم فى قوة الدول  أو ضعفها

 

                                 ويرى الناس الشرعية فى العــدل و الديمقراطيــة وجقوق الإنســان ...

 

              أمّا  و قد انتهك العقيد معمر القذافى الشـرعية وغيّب أحكام الدستور  المؤسس للدولة الليبية.. ثم عاجزا

             طيلة الأربعين عاما الماضية على أن يجعل من إنقلابه العسكرى شـرعة يركن إليها ، أو قاعدة إنطلاق

             لتأسيس  نظام وطنى ديمقراطى يحترم التراث النضالى للأمة  ويحفظ استقلالها ، وعاطيا لنفسه  الحق

             فى تصنيف إرادة الشعب  وسجن واعتقال وقتل عناصر القوى الوطنية   المدنية والعسكرية من أطراف

             العقد  الاجتماعى وشركاء العملية السياسية  ، والذين دعوه  بالعودة مع من تبقى معه من زملاءه

             العسكريين  إلى ثكناتهم  و إعـادة تسليم  مقاليد أمور الدولة إلى المؤسسات الدستورية ، التشريعية  و

             القضائية  المدنية فى البلاد ؛ وصانعا من عملية انقلابه العسكرى  فى الأول من سبتمبر سنة 1969م

             فى ليبيا ؛ ظاهــرة ( ثوريــة ) ماثل بمعطياتها  " ثورة " 23 يوليو سنة 1952م فى مصر ، وتمسّـح فى

            قيادة عبد الناصر  و فكرة المشروع القومى العربى، ووظّف مصطلح ( الشرعية الثورية ) ــ   التى لاتعنى

             سوى حيازة السلطة بالقوةــ لشـرعنة سلطاته ،.. وأخـذ القذافى ينزلق أكثر  و أكثر إلى الإستبداد  ومن ثم

             إلى  التداعى والإنهيار ؛ مما رتّب عـدة آثار ونتائج ، كان من أخطرهــا:

            

1)    انعدام الإستقرار السياسى  و الأمن الإجتماعى فى البلاد.

2)  إنهيار البنية القانوية لمؤسسات الدولة التشريعية  والقضائية.

3)  تكون طبقة طفيلية ( فاسدة ومفسدة ) مرتبطة بمصالح فردية  و عصبوية  و جهوية  تكرّس

الصراعات المحلية  وتبرر عنف السـلطة ، وتنشر ثقافة الخوف .

4)  تفكيك المؤسسة العسكرية  و تحجيم دورها الوطنى المفترض .

5) الحضور العسكرى والسياسى  و الإقتصادى الغربى فى الشأن الداخلى ، وارتهان سيادة الدولة

ومصالح الأمة  بإستراتيجيات الصراعات الدولية .

6)  إعاقة الفعل الوطنى الجماعى المعارض ، وفرض سياسات التكيف  الإجبارى على النخب الوطنية

السياسية والإجتماعية  و تعطيل روح المواجهة والحســم .

                                       

        وعليه .. وما لكافـة  النتائج السلبية ، السياسية والإقتصادية و الأجتماعية ؛ الإنسانية والدينية و القومية

        من آثـار خطيرة عاى كافة البنى التنموية التحتية ، وما لخطورة  التصور  الذى يُرسخ له رأس النظام ،

        وتكرس له أجهزته  الأمنية والإعلامية  ـ  وقد ركنت إليه وتبنته بعض الجماعات المنشقة  عن الإجماع

        الوطنى  للمعارضة ـ  الذى يوجب السمع والطاعة  لولى الأمر  " الحاكم "  حتى ولو كان فاسقا، ما لم

        يجهر بكفر أو يمنع الناس من الصلاة.    

             وما ( الإنتظارية ) السلبية التى تسيطر على الواقع الوطنى  المحلى  منذ أربعين عاما ، و التعلق بمشيئة

        تأذن بظهور ( جودو ) أو "  مهديا ؛ يهزم الطاغية  و يزيل الأصنام و يحرر الأرقاء والمظلومين " (5)..

        أقول ؛  ما كل ذلك  وغيره من الشواهد السياسية والإجتماعية  التى أحاطت بالمشهد الوطنى العام للمعارضة

        الليبية ؛ غير حالة  إنهزامية – قهرية  انتجتها  السلطة ، واجازها الحاكم بأمره المدعوفى ليبيا معمربومنيار

        القذافى  لتغييب الفعل الجماعى  المنظم ، والمشرع لقيام ومأسسة  معارضة وطنية تنطلق فى معطياتها

        السياسية  والاجتماعية من تراث ليبيا  السياسى و على هدى الثوابت الوطنية، وفى ضوء المتغيرات المحلية

        والاقليمية والدولية التى تسير باتجاه الدسـترة  و الشرعنة القانونية  للعمليات السياسية ، ذلك ان الفهم

        الواقعى والصحيح  لطبيعة العلاقة بين السياسة والأداء النسقى  يفضى بالكشف على أفضل  وسائل التغيير

        السياسى .  ومن منظور الدراسات المقارنة  يمكننا التعرف على  الظواهر السياسية المتشابهة بين الأمم، وما

        يمكن أن تفضى إليه من تائج متماثلة ، فضلا عن أننا سوف نتمكن عن طريق دراسة الواقع  وفهم ظواهره

        من التنبوء بمستقبل اداء الأنسـاق السياسية وآثار نتائجها الإجتماعية .

                       وقد اثبتت الأحداث والتجارب السياسية فى عديد بلدان القارات الست فى العالم، ومن بعد الحرب

         العالمية الثانية  وحتى الآن ؛ أن الشعوب : " بمكوناتها الإجتماعية والسياسية " هى التى  تمنح الشرعية

         للأنسـاق السياسية سواء كانت سلطات حاكمة  أو قوى سياسية معارضة ، وهى التى تنتزعها  عندما تتعرض

         الهيئات الدستورية ومؤسسات المجتمع المدنى فى الدولة إلى خروقات تنتهك شرعيتها الدستورية و تلغـى

        إرادة الإجماع الوطنى  السياسى والإجتماعى  المنشىء لدستوره  و المكون لدولته .

 

                         ولأن الأساليب التى تنشأ  بها  الدساتير يمكن أن تتنوع  تبعا لتنوع انظمة الحكم  و تتطور

         بتطورها، وهى تعكس فى نشأتها المراحل الرئيسة ، التاريخية والسياسية  التى مرّت بنشأة و تأسيس

         الدولة ؛ فقد أنكر معظم فقهاء القانون الدستورى  على الملوك حق إلغاء الدستور حتى ولو نص صراحة

         على أنه  ( منحة ) ، كما هو حال نشأة الدساتير التى انفرد  فيها الملوك بالسلطة التأسيسية من الناحية

         القانونية ..( الذين وجدوا من الأنسب لهم أن يظهروا بمظهر المتفضلين على شعوبهم بدساتير تقيد من

         سلطاتهم لصالح تلك الشعوب ).. (6).. وهذا هو الشأن بالنسبة  لدساتير فرنسا لسنة 1814م و بافاريا

         لسنة 1818م وايطاليا  لسنة 1848م واليابان لسنة 1889م ، وايضا لروسيا سنة 1906م و موناكو لسنة

         1911م واثيوبيا لسنة 1931م .. وأجهد هؤلاء الفقها أنفسم فى ايجاد  تبرير يفسـر عدم تمشيهم  مع منطق

         المنحة ، ذهبوا إلى القول : " أن الدستور قد تعلقت به حقوق الأمة  بمجرد صدوره ، وأن هذا يحول دون

         إمكان إلغائه إلاّ بموافقتها ..(7) ..).

 

                        ولأن انتشار الديمقراطية قد أفضى إلى التجاء الكثير من الدول  لأسلوب  " الجمعية التأسيسية"

         فى وضع دساتيرها ، ولا سيما فى اعقاب الحرب العالمية الثانية ، كما هو الشأن بالنسبة لدساتير البانيا

         لسنة 1946م و يوغسلافيا لسنة 1946م وايطاليا لسنة 1947م  والمجر لسنة 1949م ، وكذلـك هــــــــو

         الأسلوب الذى نشــأ به الدســتور الوطنى الليبى فى 7 أكتوبر لسـنة 1951م.

 

                          ويدين أسلوب الجمعية التأسيسية بنشأته إلى  الولايات المتحدة الأميريكية  التى استخدمته فى

         وضع دساتيرها عندما  استقلت عن بريطانيا سنة 1787م  وجرى العرف الدستورى فى تلك لولايات على

         اطلاق اصطلاح   convention  على  الجمعية ( الهيئة ) التى تنتخب لوضع دستور أو تعديله.. وقد لقى هذا

         هذا الأسلوب ترحيبا من رجال الثورة فى فرنسا ، فقد عزز هذا الأسلوب  التفرقة بين القوانين الدستورية

         والقوانين العادية عن طريق اختصاص  سلطة الجمعية التاأسيسية بصياغة ووضع الدستور وتعديله،وتختص

         السلطة التشريعية ( فى ظل هذا الدستور ، وبعد و ضعه وإقراره ) بسـن القوانين العادية وتعديلها ،.. كما أنـه

         وفقا لهذا الأسلوب ؛ فإن الشعب هو الذى يباشر السلطة التأسيسية عن طريق " الجمعية التأسيسية " على

         أنه قد يؤثـر أن يشرك نفسه فى مباشرة السلطة التأسيسية  بإستخدام أسـلوب الإسـتفتاء التأسـيسـى أو

         الدستورى ، وقد أثبتت التجارب فى الدول المختلفة  أن هذا الأسلوب أستخدم  أساسا لفرضين :

 

         الأول:  أخذ رأى الشعب فى مسألة جوهرية  يتوقف عليها وضع الدستور ؛ كما حدث بالنسبة لأستفتاء الشعب

                  اليونانى فى إعــادة النظام الملكـى سنة 1946م ، واستفتاء الشعب الإيطالى  فى إعلان لجمهوريــة

                  سنة  1947م.

 

         والثانى:  أخد رأى الشعب فى إقرار أو عدم إقرار مشروع دستور تضعه جمعية تأسيسية نيابة عنه، وهذا

                     ما حدث بالنسبة لدساتير فرنسا 1793م وللسنة الثالثة لإعلان الجمهورية. ودستور أيرلندا الحرة

                      لسنة 1937م ، ودساتير معظم الولايات فى الإتحادين الأميريكى والسويسرى ..(8) وهو مااتخذه

                     الشعب الليى  بهيئاته واتشكيلاته الاجتماعية وكادراته السياسية  لتحديد طريقة  تأليف الجمعية

                     الوطنية التى نصّت الفقرة الثالثة من قرار الجمعية العامة للأمم المتحدة فى 21 نوفمبر – تشرين

                      ثانى  سنة 1949م: ( على أن تقوم بإعداد دستور صالح لليبيا وتعيين شكل الحكومة..)  وجـاء

                     انتخاب لجنة الواحد والعشرين بواقع سبعة أعضاء لكل إقليم من أقاليم ليبيا الثلاث   طرابلـس  و

                     برقـة  و  فـزان ، وكان من مهامها تحديد طريقة تأليف الجمعية الوطية التأسيسية .

                                                                _________________

            

شـرعية المعارضة السـياسـية

 

              فى ظل مبدأ التعددية و تداول السلطة بطريقة سلمية وشفافة  من خلال صناديق الأنتخابات

              تكون شرعية المعارضة السياسية من شرعية النظام  العام فى الدولة ، وهى تستمد اجازتها من قانون

              دستورى ينظم أعمالها  وعلاقتها بالسلطة ،.. وهى تحمى الحريات العامة وحقوق الأنسان، و تتصدى

              لتجاوزات  الحكومة  و تكشف الفساد  و تدعو الى الإصلاح ، وتسعى المعارضة فى ظل التشريعات

              الدستورية إلى اسقاط الحكومة  و الوصول إلى السلطة  لتنفيذ وتطبيق برامجها الإصلاحية ،.. وفى ظل

              الحكم الديمقراطى تخضع اعمال الحكومة إلى رقابة الرأى العام .. فهذه الرقابة هى الفيصل  بين الحكم

              الديمقراطى  و الحكم الدكتاتورى ، بل إن هذه الرقابة  هى التى تجعل اشتراك الشعب فى إدارة شئون

              الدولة  إشتراكا فعليا ، وفى مثل هذه الأنظمة الديمقراطية  تخضع المعارضة كما تخضع فيها الحكومة

              للقوانين  الدستورية  " الإدارية و المالية والجنائية . و لايسمح المقام هنا بالخوض فى مشكلة التمييز

              بين أعمال الإدارة وأعمال السيادة ، فلا ينحصر التمييز بين القانون الدستورى  و القانون الإدارى فى

              المجال الذى ينظمه كل منهما ؛ وإنما يتضح فى الكيفية التى يعالج بها كل منهما ذلك المجال ، وهذا ما

              عبّر عنه  بعض  فقهاء القانون العام بأن  ؛ القانون الدستورى يقرر المبادىء الأساسية للقانون العام

               فى الدولة ، ينما القانون الإدارى هو الذى يضع المبادىء موضع التنفيذ  و يحدد شروط تطبيقها ، وثمة

              اتجاها مستقرا  فى الفقه والقضاء  على أن : "  الأعمال الحكومية  أو السيادة تتصل بالاتجاهات

               السياسية العليا  كما هو الشأن بالنسبة إلى الأعمال  المنظمة لعلاقة السلطة التنفيذية بالسلطة التشريعية

               ، مثل دعوة البرلمان إلى الأنعقاد وتأجيله ، والأعمال التى تصدر من السلطة التنفيذية  بوصفها ممثلة

               للدولة  فى العلاقات الخارجية ، مثل اعلان الحرب وابرام المعاهدات  والأعمال المتصلة  بسـلامة

               الدولة  و أمنها الداخلى  مثل إعلان الأحكام العرفية أو حالة الطوارىء..(9)..)

                           

                   أمّا وأن النظام القمعى الإستبدادى  القائم فى ليبيا بالبطش وقوة السلاح من بعد يوم 31  أغسطس -

       آب سنة 1969م هــو فاقد للشــرعية ، ولم تكن سـلطته ناتجة عن تعاقد اجتماعى وسياسى حر وخال من 

       الإذعـان ؛ فإن المعارضة الوطنية السياسية  لـه قـد إمتلكت شرعيتها و تحققها من المبادىء و التطبيقـا ت

        السياسية والدستورية التالية :

 

1)    حـق الدفاع الشرعى  عن اسـقلال ليـبـيا  و سـيادتها.

2)    حماية الشرعية الدستورية وسيادة القانـــــــــــــــون.

3)    إعـادة الأعتبـار الى النظام الديموقراطى النيابى و تفعيل أركانه الدستورية والتأكيد

على مبدأ فصل السـلطات.

4)    عودة وحماية الحريات المدنية والسياسية وحقوق الإنسان  وفقا لنصوص المواد (12)

و(16) و (18) و (20) و (21) و (22)  من الدستور الوطنى ( 7 أكتوبر 51 ) ..(10).

5)  وتتحقق الشرعية الدستورية للمعارضة الوطنية من النصوص الدستورية لتالية:                                   

                                                             مادة (25)

                                         حق الإجتماع السلمى مكفول فى حـدود القانـون

                                                             مادة (26)

                   حق تكوين الجمعيات السلمية مكفول وكيفية استعمال هذا الحق يبينها القانون

 

6)  وكذلك تتحقق الشرعية السياسية والإجتماعية للمعارضة الوطنية الليبية بما نصّت

به  ( مقدمة ) الجمعية الوطنية التأسيسية  لدستور 7 أكتوبر 1951م" وهى جزء

لايتجزأ من أحكام الدستور"  بالعمل على : ( تكوين دولة ديمقراطية مستقلة ذات

سيادة  تؤمن الوحدة القومية و تصون الطمأنينة الداخلية و تهىء وسائل الدفـاع

المشتركة  و تكفل إقامة العدالة  و تضمن مبادىء الحرية والمساواة والإخاء وترعى

الرقـى الإقتصادى والإجتماعى  و الخير العام ..(11).

 

7)  وتعود شرعية المعارضة السياسية للأنتهاكات الخطيرة التى قام بها ومارسها  ومازال

              يمارسها  النظام الفاشى  القائمة سلطا ته على  الدكتاتورية وممارسة العنف، وهى فى

              حال  مقاومة وطنية سياسية واجتماعية  ولها حق مخاطبة المجتمع الدولى و هيئات و

              منظمات الأمم المتحدة ، والتنبيه عليها  بالتخاطب  الرسمى المباشر و بوسائل النشر

              النشر والإعلام  بما هو حادث فى ليبيا  و عواقب التصرفات السياسة  المحلية والاقليمية

              والدولية  الغير مسئولة فى حق الشعب الليبى ، وفى حق  المجتمع الدولى ، وتحميل شخص

              العقيد ( معمر القذافى و المسئولين معه) كافــة  ما ضـار ويضير الشعب الليبى ويـهد د

              الأمن والســلم الدوليين .

 

8)   وتتحقق الشرعية السياسية والقانونية للمعارضة الوطنية الليبية  ؛ فى العمل على عـودة

الشرعية الدستورية وتفعيل أحكام الدستور الوطنى الصادر فى 7أكتوبر 1951م

والمؤسس للدولة الليبية  وفقا لقرار الجمعية العامة للأمم المتحدة  الرقم (289) الصادر فى

21 وفمبر – تشرين ثانى سنة 1949م.

 

أما القول  بأن حكومة وسلطات الدولة الليبية  كانت فيما قبل الأول من سبتمبر 1969م و فى

                   ظل الدستور والنظام الملكى : تواجه معارضة سياسية ، وأن الإنقلاب العسكرى الذى حدث هو ثورة

                   و نتاجا طبيعيا لهذه المعارضة ؛ فإن الشــواهد  و الحقائق التاريخية والسياسية توثــق لمعارضـة

                   سياسية كانت فى إطار حركة التحرر الوطنى الديمقراطى فى ليبيا حــــالة صحـية سـبق بها المجتمع

                   السياسى فى ليبيا  العديد من دول الجوار العربى والأفريقى، وكان العديد من الرموز الوطنية  التى لم

                   تكن تمارس فعل المعارضة السياسية للحكومة والنظام فحسب وإنما كانت الواجهات العلنية لتنظيمات

                   وأحزاب  سياسية منظبطة بقواعد اللعبة السياسية القائمة على كسـب ثقـة المواطن صاحب المصلحة

                    فى التغيير والإصلاح ، وكانت  ايدولوجية الفكر السياسى بألوانه وأطيافه تتجاد ل وتتصارع  فى  الصحافة والمنتديات الثقافية  وتحت قبة البرلمان  .. ويحفظ لنا التاريخ مضابط جلسات المجالـس

النيابية والبرلمان حيث خاض عدد من عناصر المعارضة الوطنية معارك حامية ضد الحكومة ، وكانت كافة الأطراف تحتمى بنصوص الدستور الوطنـى

( دستور 7 أكتوبر 51 ) وبأحكام القانون .. وكم من قضايا انتصرت لها المعارضة واذعنت فيها

الحكومة للرفض أو إعـادة النظر ، وكم من قائع جلسـات انحازت فيها عناصر محسـوبة على الحكومة والديوان الملكى إلى  المعارضة؛ كما حدث وأحتد الصراع حول عقد معاهدة مع الحكومة الأميريكية فى مايو سنة 1954م  ؛ عندما استقطب رئيس الحكومة ( الجديد ) مصطفى بن حليم

كل من السيد  عبد لرحمن القلهود  و السيد  مصطفى سراج الدين  وهما من عناصر المعارضة  الأعضاء فى البرلمان ( مجلس النواب )  إلى وزارته ، الأمر الذى جعلهما يوافقا على عقــد

المعاهدة بحجة حاجة ليبيا الماسة لسد العجز فى  الموازنــة العامــة ،..وفى وقت بارك فيه عدد

من أعضاء مجلسى الشيوخ والنواب دور المعارضة و رفضها للمعاهدة بصيغتها المقدمة ، وكان

على رأسهم الشيخ ( عمر منصور الكيخيا ) رئيس مجلس الشيوخ  الذى رحّب بضرورة مقاومة

شروط المعاهدة المقترحة بجميع الوسائل المشروعة  وأعلن فى مجالسه معارضته لتلك الاتفاقية، الأمر الذى ترتب عليه إقالته من منصبه يوم 15 أكتوبر سنة 1954م..(12)

 

          كان كل من الطرفين ؛ المعارضة والحكومة يحتميا بالقانون الأساسى  " الدستور " و

النظام العام .. وكانت السلطة القضائية هى الفيصل فى الطعون فى العديد من المراسيم الملكية

والقرارات الحكومية ، كما أن  محاكمة العديد من قيادات وعناصر الأحزاب والتنظيمات السياسة

 كانت تتخذ إجراءاتها القانونية وتنظر فى دفوع المحامين المستندة إلى أحكام الدستور التى لم تحظر

تأسيس الأحزاب كما لم تنص على إجازتها ، ولم تكن المحاكمات أو التحقيقات بأى حال من الأحوال

تتطرق إلى ما يعتنقه المقبوض عليه ( المعارض ) من مبادىء وأفكار وإنتماءات سياسية ولا يحاسب عليهـا.

          وكانت العلاقة بين السلطة والمعارضة فى ظل أحكام الدستور الوطنى ؛ علاقة منطقية و موضوعية  وكانت تتناسب و الظروف التاريخية والسياسية  و الأوضاع الإقتصادية والاجتماعية،

وكانت  العلاقة منضبطة بقواعد القانون  وأسس الديمقراطية البرلمانية، وكذلك الموقف الوطنى من القضايا القومية  ومركزية الصراع العربى الاسرائيلى فى فلسطين .

 

عــودة الشـــرعية :

                        يقول " أندريه  هوريو " فى الجزء الأول من كتابه ( القانون الدستورى والمؤسسات السياسية

                   أنه: ( توجد علاقة أكيدة بين نمو الوعى الوطنى والحركة الدستورية. فطالما أن الرّعية تشعر بالولاء

                   الشخصى للملك ، فإن عزمها  على إقامة دستور  لا يظهر  وهذه الرغبة لا تولد إلاّ  عندما تشـتد بقوة

                  ظاهــرة  التضامن الفعال المتكررة عبر الأحداث التاريخية السعيدة أو البائسـة  بقوة المواطنين عضهم

                   بعضهم إلى بعض  و تمنحهم عبر الروابط الروحية والعرقية  أو غيرها  يقينا بأنهم أعضاء فى جسـم

                  واحـد (.13) ...   ويمكن فهم الظاهرة السياسية من ثلاث أوجــه :

                   ــ   المعرفة الكاملة للإنسان  بواسطة الإنسـان .

                   ــ    أو بتحديد ما هو صـالح للمجتمع .

                   ــ     وعلى صعيد العلاقات بين السلطة والشعب .

             وليس على وجه واحد من هذه الأوجه فقط ، ولكن على صعد الأوجه الثلاث ؛ يمكن أن نفهم الظاهرة

             السياسية والإجتماعية الداعية إلى عودة الشرعية الدستورية فى ليبيا، وقد تعدت فى سنواتها لأخيرة

             مظهر الظاهرة ليصبح ( مطلب ) سياسى واجتماعى وطنى ليبى ، وقد أسـتشـعر النظام  الأوليجيركى

             الحاكم فى ليبيا  خطورة هذا الإجماع الوطنى ، فعمل ومازال يخطط للإلتفاف حول هذا المطلب الشرعى

             الذى ينكر فى مضمونه ؛ شــرعية النظام  الشمولى الدكتاتورى القائم .

 

                             وإذا ما بحثنا عن الدوافع التى  تكمن خلف مطلب عودة الشرعية الدستورية  ، وما يجرى

              داخل الجماعات السياسية والكادرات الإجتماعية ،و إذا ما تعاملنا  ــ حسب أصول علم الإجتماع السياسىـ

             مع المشاعر بوصفها واقع،  ومع الفكر على انه حقيقة ، وبإعتبار أن فهم الوقائع والأفعال الخاضـعة

             للملاحظة لا تتأتى إلاّ من خلال الفهم الصحيح لوظائف الجماعات ونتائج الصراع بين مصالحها ــ بما فى

             هذه الجماعات  ( جماعة السلطة ) وأدواتها الموجهة والقامعة  " الإعلام  و الأمن " الذين يشكلون ضمن

             كل الجماعات ؛ جماعة سياسية ويتصرفون مع الظواهر والواقع كما تتصرف أية جماعة أخرى ــ

 

                               ولأن السياسة  ترتبط و تهتم بالنشاطات الجماعية ، وتنطوى كل مسألة سياسية بالضرورة

             على مصالح جماعية ، كما أن بعض هذه المصالح يتعارض مع بعضها الأخر ؛ فإن جماعات( الداخـل )

-         فى خصوصية حال الصراع الوطنى فى ليبيا -  تنخفض مطالبها عندما تتفاعل فى صراعها مع جماعة

             السلطة  فى مسألة (عودة )  الشرعية الدستورية بإنخفاض ســقف قدراتها على المواجهة و المقاومة،

             لتصبح فى حال  لجوء فعلى إلى حال قانونية عامــة  تتظاهر فيها ( شكلا ) مع جماعة السلطة ومشروعها

             ــ  الإصلاحى ــ ، وهى تتلائم عند مطلب الشرعية الدستورية  و تتصارع  مع جماعة تجيير النظام ودسترة

             السلطة حول طبيعة  الميكانيزمات السياسية والإجتماعية  لمشروع دســترة الوضع القائم وشرعنته فى

             ليبيا ، وترفض حاجة النظام الطارئة  ــ بفعل شروط العولمة ــ  لتدعيم نســقه السـياسى  وتقنين إستمرار

              السلطة  و قيادتها فى إطار " اولوجيركية آل القذافى  " لحكم ليبيا .

 

                              و تتوافق ( جماعات الداخل ) بنسقها ونخبها السياسية والاجتماعية ( موضوعيا )  مع

             جماعات المعارضة السياسية  بهياكلها ونسقها فى أن مطلب (عودة) الشرعية  الدستورية فى ليبيا

             وقيام نظام  برلمانى  ديمقراطى ؛ لا يتحقق من غير  ( العودة )  إلى الدستور الوطنى الليبى الصادر

             عن الجمعية الوطنية التأسيسية فى 7 أكتوبر – تشرين أول  سنة 1951م  و تفعيل احكامه بطريق

             السلطة التشريعية  و امتداداتها  المعطلة بفعل حادثة السطو العسكرى الـذى حـدث فى الأول مــن

             سبتمبر سنة 1969م .

 

                              أمّـا  القول بوضع دسـتور ( جديد ) من غير قنواته الشرعية و شروطه القانونية التأسيسية

              أو من خارج عملية الإستفتاء الشعبى ، فهو مشــروع يحمل مع نصوصه   كامل أسس بطلانـــه ،

              ويشير تاريخ نشأة القانون الدستورى إلى أن  المجال ليس مفتوحا فى كل الأحوال لإقامة دسـتور جد يـد

              بل فى حالتين رئيسيتين يقام الدستور :

 

                         ــ   الحالة الأولى ؛  تكون عند قيام دولة جديدة ، كما كان واقع الحال مع ( الولايات المتحدة ،

                              ، تشيكوسلوفاكيا ، يوغسـلافيا ،  الهند ، و باكستان ، و كذلــك ليـبـيا ).

 

                        ــ    أمّا الحالة الثانية التى يقام فيها  دستور جديد ، فهى حال إنهيار النظام السياسى ،

                     وهنا تصبح المسألة  خطيرة  و دقيقة ،  و خطورتها تكمن فى ما هية الجهة أو القوى القابضة على

                  مقاليد  إدارة الشئون العامة  و الأمن  فى البلاد  و هى ( بالطبع ) ليست سلطة من سلطات التشريع

                 أو القضاء فى البلاد ، كما أن المسألة  تتعلق قبل كل شىء بتحديد من هو صاحب السيادة فى الدولة

                 و  وفق أى شــرعة  ،.. وهى دقيقة وحساسة  لكونها عملية تشريعية لا يجوز فيها  تجاوز  الجســم

                 الإنتخابى  الذى يحدد و يمنح ولاية التشريع  لهيئة أو جمعية  تأسيسية  لوضع دستور جديد  ،  قد

                 يشـترط  الإستفتاء عليه ، .. وأمامنا  مثل الحكومة المؤقتة للجمهورية الفرنسية  عندما تعقدت

                  المشاكل التى طرحها القانون الدستورى المؤرخ فى 10  تموز – يوليو سنة 1940م وواقع حال

                حكومة فيشى ، وأمام المخاطر  التى يمكن أن تنشأ عن انتخابات  جمعية تأسيسية  ذات سلطات غير

                 محدودة  ؛ قـررت حكومة الجنرال ديجول المؤقتة  دعـوة الشعب الفرنسى إلى أن يختار عن طريق

                 الإستفتاء ، واحدا من ثلاثة حلول :

 

                              ــ   العـودة إلى دسـتور 1875م.

                              ــ    إنتخاب جمعية تأسيسية ذات صلاحيات غير محدودة.

                              ــ    أو إنتخاب جمعية تأسيسية ذات صلاحيات محددة مسبقا.

 

             وكان الجنرال ديجول يتمنى التصويت لصالح مؤسسات جديدة تقررها جمعية دستورية تكون

             صلاحياتها  محددة بصورة مسبقة ، وكان يؤيده فى رأيه هذا  ، الإشتراكيون و الحركة البرلمانية

            (m r p  ) ، وكان  الشيوعيون ينصّبون أنفسهم  ورثة للتراث الثورى  وكانوا يريدون نظاما جديدا

            تضعه جمعة تأسيسية ذات صلاحيات  مطلقة ، وكان اليمين يريد العودة إلى مؤسسات 1875م (14).

                                                              ____________________________________

                            ولاعتبارات تتصل بتطور المجتمعات الحديثة، وأخرى لأعتبارات دسـتورية ؛ أزدادت أهمية

          التشريع  بأعتباره  المصدر الرسمى للقواعد القانونية  وبوصفه مجموعة الأحكام والقواعد الصادرة عن

           طريق هذا المصدر  ( السلطة التشريعية ) ، وغلّب بعض الفقهاء  المعيار ( الشكلى ) بأعتبار أن  التشريع

          هو ما تســنه السلطة التشريعية ( الأصلية ) أى السلطة صاحبة الولاية العامة فى التشريع ولو لم يتوافرعلى

           خصائص القاعــدة القانونية ،  وهم ينكرون صفة التشريع على ما يصدر عن غير السلطة التشريعية

         الأصلية  ولو كان متوافرا على خصائص القاعدة القانونية (15).

                             وعندما تتقرر وتستقر الولاية التشريعية  فى ظل دستور معين بصفة عادية أو ( أصلية )

          أو ( رئيسية ) لسلطة ما   وتتقرر بصفة فرعيـة  أو ( تبعية  أو ثانوية) لسلطة أخرى  ؛ فإن التشــريع

          الذى تســنه السـلطة الأولى يكون أقوى من التشريع الذى تسنه السلطة الأخيرة .

 

                                وهذا ما شكّل عائقا أمام  عدد من القوانين والقرارات التى أصدرها مجلس قيادة  ثـورة

             23 يوليو سنة 1952م فى مصر  عندما عرضت هذه القوانين على المحاكم ودفع بعد دستوريتها فى ظل

            أحكام الدستور الملكى المصرى الصادر سنة 1923م، ذلك أن مجلس قيادة الثورة  فى مصر لم يصدر قرار

            إلغاء الدستور ، بل  أنه إتخذ من بعض أحكامه مبرارا  للثورة والتغيير و شرعنة لسلطات حكومة الثورة و

           كانت القوانين والقرارات  تصدر من مجلس قيادة الثورة بأوامر ملكية من مجلس الوصاية – دون عرضها

            على مجلس النواب -  لإقرارها ، وكان ذلك بسبب المرسوم الملكى الصادر بحل البرلمان قبل قيام الثورة

          بفترة وجيزة وقد اعتبر مجلس قيادة الثورة أن الطعن فى قراراته وقوانينه أمام المحاكم الدستورية  يشكل

           تهديدا  على  ( شرعية الثورة )  لذلك ألغت قيادة الثورة دستور سنة 1923م ببيان أعلنه القائد العام للجيش

            فى 10 ديسمبر- كانون أول 1952م ، وفى 18 يونيو  سنة 1953م أصدر مجلس قيادة الثورةقرارا بإلغاء

         النظام الملكى وإعلان النظام الجمهورى ،  وانتهى حكم مجلس قيادة الثورة عام 1956م بإنتخاب الرائد جمال

           عبد الناصر رئيسا للجمهورية .

                                   ومن هنا تبرز أهمية العلاقة بين الشرعية الدستورية و شكل نظام الحكم فى الدولة ، و

         ويتحدد نطاق  القانون الدستورى  باعتبارين رئيسيين:   شكلى  و  سياسى ؛ أمّا الإعتبار الشكلى فقد تمثل

         فى قصر القانون الدستورى على ما ورد فى وثيقة الدستور من نصوص ، وأمّا الإعتبار السياسى فقد تمثل

         فى إستخدام القانون الدستورى لتعزيز نظام معين من أنظمة الحكم . وقد أفضت هذه الإ عتبارات التاريخية

       إلى  تعريف القانون الدستورى  بأنه : ( مجموعة القواعد القانونية التى تحدد ـ فى نظام حرـ السلطات العامة

        و حقوق الأفراد ) . كما يُعرف القانون الدستورى من الناحية  العقلية واللغوية بأنه ؛ جميع القواعد  التى تنظم

        أسس  الدول وتحدد تكوينها )..(16).

 

                                       وتتعدد الأمثلة والسوابق على ما تعنية مسألة الشرعية الدستورية فى مواجهة

         الحكم الشمولى ... فعندما  تأزم الشعب  بسبب تلاعب الدكتاتور ( انطونيو سـلزار ) بالشرعية الدستورية

          فى البرتغال ، وأحكم قبضته من خلال حزبه الوحيد ( الاتحاد الوطنى ) وجمّد أعمال  " الجمعية الوطنية "

         التى يبيح لها الدستور البرتغالى الصادر  سنة 1933م إقالة رئيس الدولة ، ونص على إقامة ثلاثة أجهزة

          لسلطات الدولة ؛  رئيس الجمهورية   و  رئيس الوزراء  و  الجمعية الوطنية، وقد فرض سـليزار جمودا

         خانقا قبل أربعين عاما من تاريخ مماته فى يوليو – تموز سنة 1970م حيث خلفه رئيس وزراءه ( مارسيليو

          كايتانو ) الذى لم يقم بأية تغييرات إصلاحية  الأمر الذى دفع بالنقابة العمالية  الوحيدة فى البرتغال للقيام

          بثورة شعبية  بقيادة وحماية طلبة الكليات العسكرية ، وسقط النظام الدكتاتورى  وريث سليزار بفضل ونجاح

          ثورة " القرنفل "  فى 25 أريل – نيسان 1974م وعودة الشرعية الدستورية للجمعية الوطنية وأحــكام

        الدستور البرتغالى  الصادر سنة 1933م ..

 

                     كما يحفظ التاريخ السياسى  للحياة الدستورية  و استقلال مملكة اليونان  أرتباط وتمسك الشعب

         اليونانى و قواه المدنية والعسكرية بأصل الوثيقة الدستورية الصادرة فى أعقاب مؤتمر لندن لسنة 1832م

        من قبل القوى العظمى أنذاك ( المملكة المتحدة  و فرنسا  و الإمبراطورية الروسية ) وقد تم الإعتراف الدولى

        بإستقلال مملكة اليونان فى معاهدة اسطنبول حيث أمّنت استقلالها عن الدولة العثمانية، وإستمرت مملكة حتى

        سنة 1924م عندما تم إلغاء الملكية وإعلان الجمهورية ( الهيلينية) الثانية التى استمرت إلى عام 1935م إذ

        عادة  الملكية مرة أخرى ، وفى 21 ابريل – نيسان 1967م قام انقلاب عسكرى  كان محركه الكولونيل

        بابا دوبولوس الذى منع اجراء الانتخابات التشريعية المقررة فى مايو – آيار  والتى كان من المنتظر  أن

        تعطى أكثرية كبرى ( لاتحاد الوسط ) الذى يتزعمه جورج بابندريو.  وقد اعد الإنقلابيون بقيادة بابا دوبولوس

        دستورا عُرض فى إستفتاء عام فى 29 سبتمبر – أيلول سنة 1968م، وقد حد هذا الدستور من سلطات الملك

     ومن سلطات مجلس النواب ، كما ضيق الحريات الفردية ، وأعطى سلطات أوسع للسلطة التنفيذية " الحكومة "

      وفى عشرة ابريل – نيسان 1969م عمدت الحكومة إلى تعطيل أحكام  دستورية  تتعلق بالحريات العامة على

      إثر إكتشاف عملية  ــ  مؤامرة ــ  ملكية  وقيام الحكومة بموجة من التوقيفات والاعتقالات  أدّت إلى اتخاذ قرار

      قرار فى المجلس الأوربى  بإستبعاد ( يونان الضباط ) من الإنتساب إليه نتيجة دوسها العمدى لحقوق الإنسان

      فى دولة  مملكة اليونان التى استمرت حتى إعلان الجمهورية فى 8 ديسمبر – كانون أول سنة 1974م..

 

                       ولا شك  أن  ما حدث فى أسبانيا فى الفترة التى حكم فيه الجنرال ( فرانسيسكو فرانكو) 1936م

       وإلى حين مماته سنة 1975م  تتشابه فى بعض معطياتها مع ما حدث فى ليبيا منذ سبتمبر 1969م ومازال،

       وقد أصبحت الحالة الأسبانية  ( الفرانكاوية )و وقائعها السياسية والقانونية – المدنية والعسكرة ، وأثارها المحلية  و الدولية ؛ مصدر يشار إليه فى مدارس فقه القانون  التاريخى و الاجتماعى وكذلك المدرستين الفلسفية

       والتحليلية .. ونحن نميل هنا  إلى الأساس الواقعى  المستمد من الملاحظة والتجربة لمتابعة ودراسة الأحداث

       ومقارنتها النظم القانونية  للحصول على أفضل النتائج  بمعزل عن التأمل والإفتراض .. فالعقيد معمر القذافى

       الذى غيّب الشرعية  وإنفرد بالسلطة  وأصبغ نظام حكمه بالشمولية الفاشية فى ليبيا ، وأسس اللجان الثورية 

        وانتحل صفة المشرع ، وألزم أجهزة الدولة  ــ كل فيما يعنيه ــ بصياغة توجيهاته فى قوالب التشريع القانونى

      لتصبح واجبة النفاذ  ويصبح الإخلال بها جريمة يوصف مقترفها  بالخيانة  و العمالة  و الزندقة :و قــد تماثـل

     مع الدكتاتور فرانكو الذى أنفرد بالسلطة  كرئيس للدولة فى اسبانيا، وهوالقائد العام للجيش،وكان الزعيم للحزب

      الوحيد فى أسبانيا( الكتائب ) وقد جمع بين يديه كل السلطات، وإذا كان العقيد القذافى قد مال مرة أخرى من بعد

       غزو العراق سنة 2003م إلى إجراء ترقيعات  لتجيير وشرعنة نظامه  فإن الجنرال  فإن  فرانكو كان أكثر دقة

      فى حساباته  عندما عمل على تغيير وجهة النظام فى أسبانيا  منذ سنة 1942م عندما شكك فى انتصار حلفاءه

      فى  دول المحور  ( هتلر – موسولينى ) وأمر بإصدار قانون ينص على إنشاء جمعية وطنية أطلق عليها إســم

      ( كورتس )  وكانت مشكلة من اعضاء مختارين  و معينين منه  وكانت مكلفة بإعداد بعض  القوانين  التى ابق

      أمر  التصديق  عليها   لرئيس الدولة (هو)  فرانسيسكو فرانكو  ، وفى 8 تموز – يوليو 1947م  أصدر قانونا

     ينظم اسبانيا على أساس أنها  مملكـــة بدون ملك ، ثم بتعديل قانون  الجمعية الوطنية المتعلق بالكورتس ليقضى          

      بأن تجرى الإنتخابات من قبل رؤساء ( العائلات ) لسـد س أعضاء الجمعية الوطنية ، كما قضى بإجاد  ( مجلـس

      وطنى ) ونوع من مجالس الشيوخ تجتمع فيه  جميـع حركـات  الرأى مع  التمسك بحزبه الواحد  " الكتائب " و

      " إشرافه، إلاّ أن الجنرال فرانكو ـ وقد تعلم مما أصاب  صاحبه ســليزار  فى البرتغال ــ  وخوفا من سوء العاقبة

      ؛ قـرر أن يجعل من الأمير الأسبانى( جان كارلوس دى بــوربـو ) وريثه  الرسمى ، وحلّفـه اليمين على ذلك أمام

      أمام نواب الكورتس .  وفى تموز ـ يوليو سنة 1971م   صدر قــانون  يفوض فيه الجنرال فرانكو إلىالأميرجان

      كارلوس بمهام رئيس الدولة فى  حال غيابه أو مرضه ( جريدة لوموند 17 تموز 1971م )..(17) وكان الجنرال                                                                                                                                                                                    

     أصدر أمرا بتشكيل ( مجلسا للمملكة عرضه على الشعب بإستفتاء عام ؛ يتولى هذا المجاس تقديم لائحة من ثلاثة                                                                               

      مرشحين إلى رئيس الدولة " فرانكو "  ليختار من بينهم  رئيس الحكومة، وعند وفاته يتولى  مجلس المملكة

       هذا مع الحكومة اختيار الملك و ولى العهد من بين ورثة عرش اسبانيا ...

                   وذلـك  ما كان وحدث .. فقد مات فرانكو  فى  العام 1975م  وعاد وريث العرش الأسبانى  " خوان

      كارلوس " مع عودة الشرعية وتفعيل الدستور و مؤسسات الدولة التشريعية ، وأعلـــن  برلمانيو اسبانيا

      إدانتهم لحقبة الدكتاتور فرانسيسكو فرانكو  وصدّقوا على قانون تاريخى يدين الإنقلاب الذى قام به عام 1936م

      والنظام الدكتاتورى الذى ترأسه للسنوات الأربعين  التى تلت ذلك، وقد عادت مرة أخرى  والتحمت الشرعية                                                                     

      الدستورية  مع شكل  الدولة فى أســـبانيا.

                                                              _____________________

 

                وإذا استعرضنا الإتجاهات النظرية المختلفة فى دراسة مشكلات التغيير السياسى فى الدول النامية

        والمجتمعات الإنتقالية ، فإن ظاهرة إختلاط الأدوار السياسية بين الذين  يشغلونها من الجماعات القرابيـة

        أو القبلية  ؛ تعكس فى العادة شكل السلوك السياسى سواء كان يتعلق بالفرد أم بالجماعـة   أم بالتنظــم

       السلطوى للرابطة الإجتماعية  و الولاء للقيادة الكاريزمية؛ وهى أدوار وظيفية تشكل جزءا من البيئة المحيطة

        بالنسق السياسى الذى يحكم علاقاتها من الداخل ؛ حيث تعكس مسلمات وضرورات التغيير السياسى أثارها

       الخارجية على هذه الجماعات  فتتبدل الأدوار  دون تفسـير محدد لمصدر عملية التغيير  الذى قد يحدث بطيئا

        وقد تكون معدلاته أســرع مما تتصور الجماعات القرابية والعشائرية ،  وقد تكون أدوار بعضها  أسـهم

        بالقدر الذى  يخضع فيه النظام لتغيير مفاجــىء .

               ولما كانت عملية التغيير السياسى ترجع فى تراكماتها إلى عوامل وقوى عديدة سياسية  واقتصادية و

        واجتماعية فإن التحولات التى تشهدها  المجتمعات ( العالمثالثية ) بفعل أطر الثقافة السياسية القانونية 

        و الدينية والإجتماعية ، ومبادىء العدالة و الديموقراطيةوحقوق الإنسان إلى جانب  التقدم التكنولوجى وتطور

        وسائل الإعلام والإتصال ؛ تشكل فى مجملها عوامل تسهم فى إحداث التغيير السياسى المراد إصابته إذا مــا

        أحســنت  القوى السياسية الوطنية توظيف  قدراتها  وتناغم نســقها لمخاطبة القوى الإجتماعية ونســق

        الداخل  للبحث فى تأصيل حاجات الإنسان فى ليبيا ا لنابعة من ظروف وجوده وهى  : الحاجة إلى الإنتماء

        و الحاجة إلى التجاوز  و الحاجة  إلى الإرتباط  بالجذور و الحاجة إلى  الهوية   و  الحاجة إلى إطار توجيهى

        ؛ وهى الحاجات الإنسانية والموضوعية ، وهى جزء من طبيعة الإنسان.

                               

                       و لأنـه  " لا يغيّر الله ما بيقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم "  فإن الأمر يكون شديد الأهمية فى

       ملكات وقدرات القيادات الوطنية للمعارضة السياسية عندما تعى دلالة المفهوم السياسى والاجتماعى؛ القانونى

      والمادى لللأغلبية عندما تكون  الطرف الأضعف  والأكثر عجزا فى مواجهة الأقّليــة ؛ بسبب إشكالية الغياب

      شبه الكامل لروح الفعل الجماعى الذى لا يبرره إلاّ غياب الوعى والإدراك  للمصلحة العامة لدى الفرد وإرتباطها

      ارتباطا مباشرا  ( سيكولوجى )  بمصلحته ، أو ما بدت له  ـ من الأخرين ـ  تجاوز  تاريخى أو عرقى أو سلطوى

       ســـابق  ،.. أو الذين يذهبون بالقول  إلى أن دستور 7 أكتوبر 51م  غير قابل للتطبيق ، وأن الرجوع إليه

      وتفعيل احكامه يُعد تصويب لمسارات خاطئة وممارسات سلبية كانت فى مسيرة وأداء حكومات دولة الإستقلال

      أو  أن أحكامه لا تستجيب لزمن العولمة والحداثة والتطور ؟!.. أو يتخندقون فى كبرياء يسأرى أو خجل يمينى

      تفاديا لتهمتى  " العمالة و الرجعية "  ويطالبون ــ فى توقع إفتراضى ــ الذين سوف يضطلعون بمهمة الإطاحة

      بالعقيد معمر القذافى  بالعودة  بالبلاد إلى الحياة السياسية التعددية فى ظل دستور ( جـديـد )  تضعه سـلطة

      تشريعية تأسيسية منتخبة ... وقد يكون أجدى وأقوم أن تتحالف و تعلن كافة فصائل وقوى وعناصر وقيادات

      المعارضة الوطنية الليبية ؛ تمســكها بعودة الشرعية الدستوريه من خلال إعادة الإعتبار  للسلطة الوطنية

      التشريعية فى دولة الإستقلال  و تفعيل أحكام  الدستور الوطنى الصادر فى 7 أكتوبر سنة 1951م،وهو يستجيب

     فى أحكامه  لقيام دولة القانون ؛ لتى تترابط فى داخلها   أجزاء  المجتمع المختلفة ترابطا سياسيا ، ويحــقق

    الديمقراطية البرلمانية  و الحريات العامة ، وهو فاصل بين سلطات الدولة الثلاث   التنفيذية  و التشريعية

    والقضائية، وهو ايضا قابل للتطوير  و التطور ، وقابل للإضافة والحذف و التعديل بنصوص مواده (196 و198)

             

                  ودون الخوض و المقارنة فى أنواع الدساتير  سواء المدونة ( وثيقة ) أو غير المدونة ( عرفية )

         أو الدساتير المرنة ( التى يمكن تعديلها بنفس الإجراءات التى يُعدل بها القانون العادى)  أو الجامدة ( التى

      تتطلب فى تعديلها إجراءات أشـد من الإجراءات التى يُعدل بها القانون العادى  ) فإن النتائج لا تترتب على مجرد

     كون الدستور مرنا أو جامدا ، وإنما تتوقف على اعتبارات شتى ، يمكن أن ترد إلى عاملين رئيسيين:

      التطـــــور ،  و  إرادة الجماعـــة ؛ ذلك أن التطور سنة طبيعية وحتمية تخضع لها القوانين كما تخضع لها

     الجماعات  سواء أكانت هذه القوانين عاديــة أم دســتورية ، ومهما  أبدع المشرع فى اعداد القانون وصياغته

     فإنه لا يستطيع أن يسبق الزمن ، وأن يدخل فى حسبانه  تطورات لا سلطان له عليها ،  وهكذا يكون ؛ " تطوير

      الدساتير أمر لا مناص منه مادام  أن الحاجات السياسية التى  نسعى إلى تنظيمها  فى تطور مستمر ، وإذا كان

      التطور عاملا حتميا فإن  إرادة الجماعة  عامل إختيارى ،  فالجماعة التى تطمئن إلى دستورها  تحرص عليه

      و تحول دون تعديله  ولو كان مرنا ، وإن لم تكن راضية عنه ؛ تســعى إلى تعديله  ولو كان جامدا .."(18).

* * *

مقدم الى قوى المعارضة الوطنية الليبية المناضلة من اجل عودة الشرعية الدستورية فى ليبيا  

دراسة وإعداد : إبراهيم عمّيش    

 ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

1)   ماكس ويبر ، عالم الإقتصاد السياسى و أحد مؤسسى علم الاجتماع 

2)   جان جاك روسو  " العقد الإجتماعى"  ترجمة عادل زعيتر  1995م

3)   جون لوك ( محاولة حول الحكومة المدنية )  ترجمة على مقلد ،الأهلية للنشر 1977م

4)   كار دى مالبرج ، بحث فى النظرية العامة للدولة 1920 ترجمة بالتصوير 1962م

5)   دكتور صالح السنوسى ( المأزق العربى ) صادر عن مركز الدراسات السياسية والاستراتيجية القاهرة 2004م

6)   القانون الدستورى والنظم السياسية  د. محسن خليل الاسكندرية 1996م

7)   مصدر سابق

8)   انريه هوريو ( القانون الدستورى والمؤسسات السياسية  الجزء الأول ، الأهلية للنشر والتوزيع 1977م القاهرة

9)   مصدر سابق.

10) راجع : النص بالوثيقة الدستورية ( دستور 7 أكتوبر 51)

11) راجع: مقدمة مقدمة الدستور الليبى 7 أكتوبر

12) راجع: سامى حكيم ( صالح بويصير) الطبعة الأ ولى القاهرة 1984م.

13) راجع : الجزء الثانى من ( القانون الدستورى والمؤسسات السياسية ) أندريه هوريو ترجمة شفيق حداد القاهرة 1977م.

14) عن جريدة اللموند بتاريخ 18 – 19  1968 مقال  دو فرجيه .

15) راجع: مصادر القانون الدستورى  د سعد عصفور القاهرة 1979م.

16) راجع : القانون الدستورى والنظم السياسية ،د. عبد الحميد متولى منشأة المعارف 1997م

17) راجع : أصول الأجتماع السياسى .د. محمدعلى محمد ، دار المعرفة الجامعية القاهرة 1980م 

            


Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home