Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home
Libyan writer Ibrahim Emmesh
الكاتب الليبي ابراهيم عمّيش


ابراهيم عمّيش

الإثنين 5 اكتوبر 2009

الحلقة الأولى    الحلقة الثانية    الحلقة الثالثة

الفساد.. وحجب الإصلاح الديمقراطي في ليبيا

(2 من 3)

 

ابراهيم عمّيش

 من محتويات كتابي : "التاريخ السياسى ومستقبل المجتمع المدنى فى ليبيا" 

* * *

عندما وصف البيان الأول لأنقلاب الثورة فى الفاتح من سبتمبر أيلول سنة 1969م النظام الملكى بالنظام الرجعى المتخلف ، و برر قيام الثورة و أسبابها بإستشراء الفساد و الرشوة و المحسوبية ؛ وعد الشعب الليبى بالحياة الحرة الكريمة و إرساء قواعد مجتمع الكفاية و العدل ؛.."لا مهضوم و لا مغبون ، و لا مظلوم ، و لا سيد ، و لا مسود " فى ظل حرية وطنية عامة ، و إشتراكية عادلة ؛ " كافلة لأبنائها حق المساواة و فاتحة أمامهم أبواب العمل الشريف.." و شرعن النظام الثورى الجديد قيامه بخروج الجماهير الليبية إلى الشارع (تؤيد و تبارك ) ، معتبراً البرقيات و البيانات التى صاغتها و أصدرتها عناصر و قوى حركة التحرير الوطنى و منظمات المجتمع المدنى ( القائمة و الفاعلة آنذاك ) بيعة لرئيس مجلس قيادة الثورة (العقيد معمر القذافى) شخصياً …….

ولم يكن أحد يُنكر "بما فى ذلك كبار مسئولى النظام و الحكومات الملكية السابقة" أنْ كان هناك تخلف و فساد و محسوبية ، و قد كانت ظاهرة ملامحها فى بعض مظاهر الفساد الإجتماعى العام التى تناولتها الصحف ، و أشارت إليها مضابط جلسات مجلس النواب ، عندما فاحت رائحتها ؛ إستنكرها و أدانها المرحوم الملك محمد إدريس السنوسى فى منشور صدر عن الديوان الملكى بإسمه إلى رئيس الحكومة و الوزراء و الوكلاء و جميع الولاة و مسئولى الدولة ،.. و نُشر بالصحف ، و أُذيع كبلاغ للشعب قال فيه :

(... قد بلغ السّيْلُ الزُّبَى و ما يصم الآذان من سوء سيرة المسئولين فى الدولة من أخذ الرشوة سراً و علانية ، و المحسوبية القاضيتان على كيان الدولة الليبية و حسن سمعتها فى الداخل و الخارج مع تبذير أموالها سراً و علانية ، و قد قال تبارك و تعالى فى كتابة الكريم {و لا تاكلوا أموالكم بينكم بالباطل و تدلوا بها إلى الحكام لتأكلوا فريقاً من أموال الناس بالإثم و انتم تعلمون} ثم أضاف قول الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم فى حديثة الشريف : {لتأمرن بالمعروف و لتنهون عن المنكر أو ليُسلّطن الله عليكم شراركم فيدعوا خياركم فلا يُستجاب لهم} ... و ختم الملك إنذارة للحكومة و أجهزتها بحديث رسول الله صلى الله عليه و سلم : {من رأى منكم منكراً فليغيره بيدة فإن لم يستطع فبلسانه فإن لم يستطع فبقلبه و ذلك أضعف الإيمان}.

ومضيفاً : (و إننى بنعمة الله وقدرته سوف أغير بيدى إن شاء الله ما استطعت و لن تأخذنى فى الله و لا فى طهارة سمعة بلادى لومة لائم. و هذا إبلاغ للناس. و السلام عليكم ). 

ولأن ظاهرة الفساد مركبة و تتداخل فيها الجوانب السياسية و الإقتصادية و الإدارية و الإجتماعية ، فهى ظاهرة تميل درجات الحدة و الإنخفاض فيها بمقدار تزايد أو إنخفاض درجة المشاركة الديمقراطية فى العملية السياسية للقوى الوطنية الفاعلة فى المجتمع ، ... و تأسيساً على ذلك يفرق خبراء السياسة و الإقتصاد بين نظم سياسية فاسدة و أخرى تعرف بعض مظاهر الفساد ، و قد اختلفوا حول مسببات الفساد و أنماطه و نتائجه ، و لكن أكدت الدراسات العلمية الحديثة لمفهوم الفساد ؛ أن هناك رابطة سببية بين الفساد و النظام السياسى القائم الذى تشكل بيئته السياسية شكل و نمط العلاقة الطاردة أو الحاضنة للفساد ، بحيث تختلط مظاهر الفساد السياسى بأبعاده القانونية و تلك المتعلقة بالوظيفة و المصلحة العامة و الرأى الوطنى العام و وفقاً لهذا يمكن تعريف الفساد السياسى بأنه نمط من انماط السلوك السياسى ؛ يقوم به المسئول أو صاحب المنصب العام أو الموظف العام و يهدر من خلاله بعض القيم و الضوابط التى تحكمه فى أداء عمله سواء وقع ذلك تحت طائلة القانون أم لا ، و سواء خالف توقعات الرأى العام أم لا ، و فى جميع الأحوال فإن الهدف من ذلك هو حصوله على منفعة ذاتية مادية كانت أو معنوية بما يتعارض مع مقتضيات المصلحة العامة ..

ولما كانت القيم و المبادئ و أخلاقيات الثقافة السائدة فى بعض المجتمعات تلعب دوراً مسبباً للفساد ؛ فإن الثقافة و القيم السائدة فى مجتمعات أخرى يمكن ان تكون أداة لضبط الفساد و آثاره ، و لذلك فإن الثقافات الإجتماعية السائدة على فكرة الحسب و النسب و إمتداد روابط القرابة و الإنتماء الجغرافى أو القبلى ؛ لا تعتبر الوساطة او تسهيلات الإلتحاق بالأعمال و الوظائف العامة أو إتاحة فرص الإلتحاق بالبعثات التعليمية و الحصول على المزايا الأدبية مخالفة للقانون أو مبادئ المساواة ، و ليس من جهة مقدّم الخدمة أو متلقيها فساداً أو إنحرافاً ،.. و قد كان ذلك مظهراً من مظاهر الفساد فى عهد النظام الملكى فى ليبيا إلى جانب عمليات الفساد الكبرى فى التحايل على الضوابط الإدارية و الإقتصادية و قبض عمولات التعاقدات النفطية التى أشرنا إلي بعضها بمصادرها فى الفصول السابقة فى نطاق جماعتى "عمر الشلحى" و "مصطفى بن حليم" و لم تطاولهم قوانين "الثورة" أو محاكمها لعدم كفاية الأدلة ، و بسبب إتفاقات و وعود خفية تستنتج من سببين: 

     الأول : وجود مصطفى بن حليم و عمر الشلحى قبل و اثناء حدوث الإنقلاب "بترتيبات مسبقة" خارج ليبيا ، و الموقف الذى إتخذته الحكومة الأمريكية حيال كل منهما ،فقد طمأنت عناصر الحكومة و الإستخبارات الأمريكية (CIA) السيد بن حليم إلى أن الإنقلاب الحادث فى ليبيا لا يُشكل خطراً على مصالح الولايات المتحدة ؛ و بالتالى لا يُشكل خطراً على أصدقائها و عملاء شركاتها النفطية ؛ و عليه سوف تُخرج الولايات المتحدة قواتها من ليبيا و تُسلم قاعدة "هويلس" الجوية بعد إعلان إعترافها بالنظام الثورى الجديد مع إستمرار أعمال شركاتها بشروطها التعاقدية السابقة ، إلى جانب ضمان توقف المنافسة البريطانية و زوال نفوذ آل الشيلحى . و قد كان لهذه الطمأنة اثرها على السيد مصطفى بن حليم الذى إستعاد رباطة جأشه وحلّق إلى افاق فسيحة من أحلام اليقظة كما قال،و تسائل:(لماذا أستبعد ان يأتى شئ من الإصلاح وبعض من الخير من هذا النظام الجيد؟ ولماذا أُكذّب دعوى الإنقلابيين من أن هدفهم إقتلاع الفساد و إصلاح أمور الوطن؟…. ( … ثم أضاف بن حليم : ( لماذا لا نُعطى النظام الجديد الفرصة و ندعو له بالنجاح؟) و قال : ( و حزمت أمرى و قررت العودة إلى ارض الوطن و ابرقت لقائد الإنقلاب متمنياً له التوفيق و السداد !.. أما عمر الشلحى الذى وصل إلى واشنطن على عجل و بدعم بريطانى "خائب" يطلب تدخل القوات الأمريكية لإفشال الإنقلاب العسكرى و إرجاع الأوضاع فى ليبيا بعودة الملك إلى البلاد ؛ فقد فُوجئ بالبرود الأمريكى تجاه ما يحدث فى ليبيا إلى جانب الموقف الشخصى و المباشر للملك إدريس الذى إتصل بالسفارة الأمريكية من مقر إقامته فى اليونان يعارض أى تدخل أجنبى فى شئون ليبيا الداخلية و قال : أن مستشاره الخاص عمر الشلحى غير مخول للتحدث بإسمه. 

 

والسبب الثانى : كان يتعلق بالرابطة السببية بتوقيت و قيام إنقلاب ثورة الفاتح و أطرافها الخارجية و بموقف و سياسات قيادة و حكومة الثورة برئاسة العقيد معمر القذافى من حكومة و شركات النفط الأمريكية و "وخفاياها" و مبادرة حسن النية و الإستعداد لمواصلة التعاون مع الولايات المتحدة الأمريكية و شركاتها النفطية ، و قد كان لذلك أثره و نتائجه على مصالح الطرفين ، إنفردت من بعده حكومة العقيد معمر القذافى بعلاقات خاصة و أفضليات و تيسيرات سرية فى نطاق العقيد القذافى و الرائد عبد السرلام جلود ، و منذ ذلك التاريخ أصبحت عمليات إستخراج و تسويق النفط فى ليبيا إلى جانب كافة إجراءات و تفاصيل التعاقدات و شروطها من اسرار الدولة و القيادة العليا المحظور تداولها أو البحث فيها ... 

لسنا بصدد المفاضلة هنا أو المقارنة بين النظامين ، و لكن إستحضارنا لأحداث التاريخ ووقائعة بتداعياتها هى التى تحدثنا عن مسار قضايانا المفتوحة ملفاتها عبر أجيال شعبنا منذ سنين ، هى ذات القضايا التى إستشهد من اجلها آلاف الشهداء و ترملت بسببها آلاف الزوجات و ثكلت فى سبيلها أمهات آلاف الضحاياوهى ذات القضايا المعلقة و المكررة مآسيها فى عديد من بلادنا العربية الحريةالديمقراطية حقوق الإنسان المحجوبة عن إنساننا العربى بفعل الإستبداد المُفرز للفساد فى كل مكان ، 

ولأن الفساد و الإستبداد صنوان مترادفان لخواص و نتائج واحدة ؛ فإن أعتى أنواع الفساد هو ذلك الفساد الآتى من الحاكم المستبد ، صاحب السلطة و النفوذ ؛ الحال بدوره الفردى محل دور المؤسسات فى الدولة ، سواء أكان ملكاً أو رئيساً .. زعيماً أو قائداً ، و سواء أكان وريثاً دستورياً لعرش أبية أو جدة أو جاء من على صهوة دبابة عسكرية. لذلك يشيع الفساد بأنماطه المختلفة و ينتشر فى مختلف مكونات الحياة السياسة و الإجتماعية فى النظم الديكتاتورية التى تألف الحكم الشخصى حيث يسود الفساد المخطط الذى تُصبح فيه التجاوزات و الممارسات الخاطئة هى القاعدة التى يؤسس عليه النظام السياسى وجودة و إستمرارة و يكون الفساد و يكون الفساد مخططاً و متعمداً و أكثر خطراُ عندما يأتى بقصد إيجاد علاقة من الخضوع و الإذعان من طرف أشخاص أو جماعات سياسية رئيسة و مؤثرة داخل النظام السياسى لضمان إستمرارية ولائها و مشاركتها فى الإدارة من جهة .. و من جانب آخر يمكن أن تكون هذه الأشخاص أو أفراد هذه الجماعات أكباش فداء أو مماسح يستخدمها النظام فى عملياته القذرة عند اللزوم ، و كما هو حال بعض القادة الذين إنحرفوا بالسلطة و مارسوا أساليب إستبدادية مكنتهم من إستخدام قوة السلطة لتغطية إنحرافاتهم ؛ " بحيث يمكن القول بوجود علاقة طردية بين ميل هؤلاء القادة إلى الفساد و بين درجة إنتشار الفساد داخل النظام ، و لعل من النماذج الواضحة لذلك ؛ حالة هاييتى فى عهد "دوفالييه" و الفلبين فى عهد "ماركوس" و أوغندا فى عهد "عيدى أمين" و إفريقيا الوسطى فى عهد "بوكاسا" و هذه النماذج تُعبر عن الإرتباط الواضح بين السلطة و الفساد ،كما أن بعض القادة المتسلطين إذا وصلوا إلى السلطة فإنهم ينحرفون بها و يمارسون أساليب إستبدادية تمكنهم فى وقت واحد من إستغلال نفوذهم فى تكوين ثروات طائلة، و من إستخدام قوة السلطة لتغطية هذه الإنحرافات فتصبح العملية أشبه بالعلاقة التبادلية بين الإنحراف السياسى أى الإستبداد و الإنحراف فى الثروة أى الفساد ، و كلاهما يدعم الأخر" 

وعندما تغيب الفوارق بين المال العام و المال الخاص و يمتد الفساد من أشخاص الرؤساء و القادة ليشمل الأبناء و الأقارب ؛ يزداد الجهل و الفقر و المرض حضوراً و ترتفع معدلات البطالة فى المجتمع و تنتشر تجارة و تعاطى المخدرات فى حماية رجال شرطة مكافحتها الغائبة عنهم مرتباتهم من الدولة "و لا تُصرف لهم إلا كل ثلاثة أو خمسة أشهر" و عندما تختفى السلع التموينية المدعّمة للفقراء و محدودى الدخل لتظهر بأسعار مرتفعة و تزدهر السوق السوداء عندما يحدث ذلك إلى جانب إساءة إستخدام موارد الدولة "فساد" و إساءة إستخدام السلطة "إستبداد" يكون نظام الدولة بمكوناته و أركانه قد أصبح فاسداً.

والسؤال الذى يطرح نفسه فى هذا السياق الآن :

ما هى علاقة النظام السياسى القائم فى ليبيا بالفساد ؟ و ما هى أنواع و مظاهر الفساد فى البلاد؟...

وهل تنطبق معطيات الفساد التى أشرنا إليها و اشارت الدراسات و الأبحاث إليها على واقع الحال الليبى فى عهد إنقلاب الثورة و قيام نظام الجماهيرية العظمى ؟

وتتضاعف أهمية هذا السؤال فى كل مرة يُعلن فيها العقيد القذافى ؛ أن الفساد السياسى و الإقتصادى قد أخذ ينخر عظام الدولة و المجتمع فى البلاد و أنه يُدرك اسباب هذا الفساد و يعرف مصادره و مسبباته

ولم يُفصح العقيد القذافى عن ماهية هذا الفساد و لم يكشف هوية أطرافه و قواه المدعومة بعلائقها و وسائلها ، و كانت قد غُيّبت منذ سنوات و بسبب إجراءات و تدابير حماية الثورة والنظام- المسافات و الفواصل بين التحريم و الإباحة و بين التجريم و التكريم و إختفت آليات و قوانين المحاسبة بين أسباب الفساد وتدابير حماية الثورة و النظام ، و بإسم القيادة و القائد شُرّعت أبواب الفساد من مداخل السادة و الأتباع حتى ذابت الفوارق بين الحصانة و الوصاية و بين الأمانة و الخيانة و اصبح الداخل الليبى مضطرب بالعديد من القضايا الفساد و تبعات أثارة السلبية على عمليات التنمية الوطنية بمفاهيمها الإيجابية الشاملة ... فعلى الرغم من الإرتفاع الملحوظ فى القيمة الفعلية للعائدات النفطية و الإستثمارية و فى ظل إرتفاع الأسعار العالمية للنفط الخام فى السنوات الأخيرة ، وبما تؤكده المصادر المطلعة فى البنك و الصندوق النقد الدوليين ؛ أن الفائض فى ميزان المدفوعات الليبى "بإستثناء الإحتياطى من الذهب و المقدر بـ 1.5 مليار دولار" هى فى حدود 6.7 مليار دولار و ذلك خلافاً لأرقام التضليل الحكومى المتعمد فى كشف القيمة الفعلية للعائدات النفطية و الإستثمارية و حجم الإحتياطى الوطنى من الذهب و العملات الأجنبية ، و بسبب بروز و تفشى ظواهر الفساد فى القطاعات كافة و المؤسسات و الأجهزة و ما "أفادت به التقارير التى أعدتها كبريات الشركات الأوربية التى نفذت مشاريع مهمة فى ليبيا سابقاً ؛ أن أعلى نسبة من العمولات فى الدول العربية هى التى تُدفع فى هذا البلد .. ليبيا .." فإن معدلات البطالة تعدى حاجز الـ  30% من حجم القوى العاملة الوطنية فى البلاد ، إلى جانب المستوى المتدنى للإجور التى إستمرت مجمّدة منذ أكثر من خمسة عشر عاماً بفعل القانون رقم "15" السئ الصيت ، و ما زال حتى الأن مستوى دخل الفرد فى ليبيا على ماكان عليه فى أعوام السبعينات من القرن الماضى. 

وبفعل التقلبات الحادة فى السياسات الإقتصادية و المالية المغلفة فى أحايين كثيرة بالغموض فى اسبابها و نتائجها ؛ أصبح من الصعب على الغالبية العظمى من الفقراء و محدودى الدخل تقبل الآثار السلبية لعدم المساواة و التفاوت الصارخ فى توزيع الثروة ، إلى جانب الآثار الناجمة عن أحجام الرأسمالية الوطنية فى القطاعات الشعبية الخاصة عن المشاركة فى برامج التنمية بفعل القرارات و الإجراءات العقيمة التى أستهدفت فئة التجار و أصحاب أعمال المقاولات و البناء و شركات القطاع الخاص منذ سنة 1977م و حتى إعلان تشكيل ما سميت بلجان التطهير فى مايو أيار 1969م عندما أعلن العقيد معمر القذافى "التعبئة العامة" و شكّل 81 لجنة عسكرية من ضباط الجيش كُلِفت بتنفيذ ما سُمى بــ "قانون التطهير" الذى أصدرته المؤتمرات الشعبية و فقاً (كما صاغته) بـ "توجيهات القائد" ؛ إقتحمت بموجبه محال و مكاتب التجار و رجال الأعمال و أستولت على ممتلكاتهم من البضائع و السلع و حتى المعروض للتجارة من الذهب ، وكذلك العملات و أوراق البنكنوت الأجنبية بإعتبار أن حملها و التعامل بها جريمة تعرض مرتكبها للعقوبة التى ينص القانونالخاص الصادر فى شأنها ؛ على أنها تصل إلى الحكم بالإعدام. 

وكنتيجة عكسية لهذه القرارات و القوانين و إجراءات تنفيذها ؛ برزت عوامل الفساد السياسى فى الغايات المستهدفة من وراء هذه القرارات ثم فى إجراءات النتفيذ التى إتخذتها عناصر لجان التطهير هذه ضد المستهدفين من التجار و رجال الأعمال . و قد إختلطت فى إعمال هذه القوانين و القرارات و أعمال لجانها العسكرية : الأبعاد القانونية و الأبعاد المتعلقة بالوظيفة العامة و الرأى العام ؛ و بذلك ينطبق وصف "الفساد السياسى" على هذه الحال التى إنطوت فى اعمال لجانها و إجراءات تنفيذ قرارات و توجيهات القيادة السياسية على إهدار للقيم و الضوابط ، و تغليب المنافع الخاصة بما يتعارض مع مقتضيات المصلحة العامة ؛ ليتحقق الفساد المالى و ألإقتصادى اللاحق للفساد السياسى بالسيطرة الكاملة للمسئولين و المقربين و المنتفذين فى اجهزة السلطةو النظام وإحتكارهم للسوق الليبى فى أغلب قطاعات الأعمال و التجارة ، و قد أصبح على التاجر الصغير إذا أراد العمل فى أى قطاع من قطاعات أعمال التجارة أو الخدمات العامة ؛ أن يحصل على إذن "توكيل" من المحتكر نظير عمولة فاقت فى بعض صفقات التجارة الخارجية "الإستيراد" و أعمال التموين الملاحية و النفطية و إجراءات التخليص الجمركى حاجز الــ 60% ، بموجب إتفاقات و ترتيبات خاصة يتم ذلك بتوجيه من الموظف المختص فى الإدارة أو المصلحة الحكومية الرسمية المعنية بمنح تراخيص مزاولة النشاط.

وكنتيجة حتمية لسيطرة قوى الفساد المدعومة و الممولة من مراكز المال العام و عناصر السلطة النافذة .. و فى مناخ إتسم بالتسامح تجاه الفساد و مظاهره .. و شعور الأفراد المتورطون فى اعمال الفساد و الإفساد بدرجة من الإطمئنان الإمنى ؛ فاقت العوائد الناجمة عن الفساد : جرائم الخيانة و نتائج التفريط فى مصالح الأمة و حقوق المواطنين.

وفى عدد من قضايا الفساد المركب التى تُطاول عناصر و قيادات متنفذة (وكيلة و وسيطة) قامت القيادة السياسية بعمليات تمويه و تغطية (إفسادية) بأن كشفت عن بعض قضايا الفساد المالى فى كل مرة فاحت فيها رائحة الفساد فى عمليات تجاوزت التفريط فى المال العام إلى عمليات الإختلاس و الإستيلاء على المال العام و تهريببة إلى خارج البلاد و عمليات دفع الرشاوى فى عدد من العمليات الدولية المشبوهة و عمليات التمويل الخاسرة.

ولأن المجال لا يسمح فى السياق التاريخى للجزء الأول من هذا الكتاب بفتح ملفات الفساد بانماطه و نتائجه في ليبيا ، فإن الجزء الثانى يتناول قضايا الفساد بوثائقه و وقائعها و نتائجها التى شكلت عائقاً أمام عمليات التنمية المستدامة فى البلاد ، و أصبحت تنبئ بمزيد من النتائج السلبية الإقتصادية و الإجتماعية التى تشير إليها حقيقة التركيبة الأوليجاركية (Oligarchy) للنظام السياسى و اهدافة ؛ و تعجز معها معالاجاته -الإصلاحية- الشاردة التى إختزلها فى الإقتراح الذى عرضه (القائد) العقيد معمر القذافى سنة 1986م و إعتمده كقرار منه فى فبراير سنة 1992م على ان يدخل دائرة التنفيذ بمناسبة ذكرى إعلان بسلطة الشعب فى 2 مارس آذار سنة 1993م ؛ و الذى يعد فيه بـ : (توزيع جزء من عائد النفط الليبى ؛ "و قد قدّره العقيد فى قراره بمبلغ 12 مليار دولار سنوياً" على الليبيين بواقع "10" عشرة آلاف دولار لكل أسرة ، فيما تُوظف الدولة المبلغ الباقى فى المشاريع الخدمية) و حدد لتنفيذها هذا القرار شروطه التالية :

- أن يتوجه الليبيون إلى الدول المجاورة التى يوجد فيها المياه ، - و خصص- مصر و السودان و تشاد و النيجر لإستثمار أموالهم فيها. 

- أن تتحمل هذه الأسر (التى تتسلم مخصصاتها فى تقسيم الثروة) مصاريف العلاج و الخدمات التعليمية و إرتفاع أسعار السلع (لأن الدولة سترفع الدعم المخصص سنوياً للسلع الرئيسية). 

- و أن تفرض الدولة ضرائب على أصحاب الشرائح العليا من الدخل ،... و أضاف مفسراً ... لأن عدداً من الأسر التى ستحصل على الدخل السنوى من النفط (10آلاف دولار) تقع ضمن شريحة إجتماعية قادرة أو ثرية و هنا ستفرض عليها الضرائب التصاعدية.....!!! 

وسبّب العقيد معمر القذافى صدور قراره هذا فى خطابه الذى القاه امام اللجان الشعبية للمؤتمرات بطرابلس فى فبراير شباط 1993م بقوله : ".... الذى جعلنى اقول أن دخل النفط يجب ان يُوزع على الليبيين مباشرة و كل واحد يعتمد على نفسه .. هو عدم الثقة فى الدوائر العامة التى أثرت على حساب الشعب..". 

وكانت قد مضت أربع و عشرون سنة من عمر إنقلاب الثورة كما و ظهرت (بعد عشرين عاماً) على السطح العام نتائج و أثار ما عُرفت بالثورة الشعبية –ثورة على الثورة- التى اعلنها فيما عُرف بــ "خطاب زوارة" فى 15 أبريل - نيسان سنة 1973م الذى أصبح من بعده العقيد معمر القذافى هو الحاكم الوحيد المعلن لليبيا ، و إنتهت واقعياُ بموجب -أحكام- هذا الخطاب كافة سلطات مجلس قيادة الثورة ، إلى جانب تجميد كافة مؤسسات الدولة و تعطيل سلطاتها التشريعية و التنفيذية و القضائية ،.. "... فقد ضمّنَ القذافى ذلك الخطاب و بصفته الحاكم الحقيقى المُطلق أحكاماً هى دستورية من حيث الشكل و إن كانت غريبة المضمون . فقد ذكر خمس نقاط تؤدى كلها إلى إلغاء كل القوانين و الأحكام الدستورية بما فى ذلك الإعلان الدستورى الصادر فى 1969م ، و أعلن أن القانون عمل متخلف و أن الدولة يجب أن تـُحكم بموجب لجان شعبية يتم إختيارها بالتصعيد (الترقية) .

وقبل مضى السنوات الثلاث الأولى من عمر إنقلاب الثورة برزت على السطح العلنى مظاهر التوتر ، و لم تستقر العلاقة بين العقيد معمر القذافى و أعضاء مجلس قيادة الثورة ، و كانت تلوح شدّتها فى كل مرة يغضب فيها العقيد و يهدد بتقديم إستقالته للشعب مباشرة إذا لم يخضع كل أعضاء المجلس و القيادة لما يتخذه من قرارات و تدابير سياسية تعنُّ له فى غيبتهم ، أو دون إجماعهم ، أو تتداعى إليه أثناء أحاديثة و محاضراته و خطبه العلنية المباشرة و يُصدر خلالها أوامره و تعليماته أو يُعلنها كقرارت بإسم قيادة الثورة.

وكان قد ضاق ذرعاً بالتركيبة الأهلية للمجتمع الليبى و ضوابطه الوطنية و الدينية و منظماته و مؤسساته المدنية القائمة بقوة القانون و الدستور منذ إعلان إستقلال ليبيا.

كان يُريد ان يزيل من أمامه العوائق التى تحول دون تحقيق كامل إنفراده الشخصى بالسلطة و إدارة شئون البلاد. 

وكان يريد إلغاء الأوضاع و الخواص الإجتماعية و السياسية للمجتمع الوطنى فى ليبيا و إعادة تركيبته الفكرية "المادية و الروحية" بشكل قسرى و بتدخل فوقى مباشر يتخطى به المراحل الطبيعية للتحولات السياسية و الإقتصادية فى المجتمع.و كان يريد قوى سياسية طيّعة تستجيب لمخطط تحولاته الإصطناعية بمعزل عن الضرورات التاريخية و السياسية الفكرية و الإجتماعية.

وقد إتخذ من النص الدينى سنداً لشرعية قراراته القسرية و إمتداداً لسلطانه "الثورى" المطلق ؛.. وتدفقت من بعد ذلك القوانين المقيدة للحريات و قرارات عسكرة المجتمع المدنى فى ليبيا.

الحلقة القادمة : الفساد وحجب الإصلاح فى ليبيا وخاتمة الجزء الأول من كتاب : التاريخ السياسى ومستقبل المجتمع المدنى فى ليبيا                         

إبراهيم عميش  

            


الحلقة الأولى    الحلقة الثانية    الحلقة الثالثة

Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home