Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home
Libyan writer Ibrahim Emmesh
الكاتب الليبي ابراهيم عمّيش


ابراهيم عمّيش

الجمعة 4 سبتمبر 2009

نشأة التيارات والأحزاب السياسية فى ليبيا :

 

2. أصـدقاء وعملاء C IA فى ليبيا

 

ابراهيم عمّيش

 "من محتويات كتاب : التاريخ السياسى ومستقبل المجتمع المدنى فى ليبيا" 

* * *  

فى الحلقة الماضية " المخابرات الأمريكية ومقدمات التغيير فى ليبيا " أشرنا إلى ما تناوله  الفصل السادس من

كتاب " التاريخ السياسى ومستقبل المجتمع المدنى فى ليبيا "  فيما يعنيه النشاط الذى  قامت به عناصر و عملاء المخابرات

الأمريكية فى بلادنا ليبيا ، وعلاقة ذلك بما حدث يوم 31 أغسطس ــ آب سنة 1969م ، وحدوث الإنقلاب العسكرى فى يــوم

الأول من سبتمبر ــ أيلول   بقيادة الملازم ( معمر القذافى ) .

        وكشفنا النقاب عن بعض أدوار أجهزة الغرب   وعلى رأسها الولايات المتحدة الأمريكية ،.. واستعرضنا بعض ما تناولته

كتابات بعض عملاء أجهزة الإستخبارات ؛  للتدليل بها عن حقيقة المؤامرات و الدسائس التى أستهدفت ومازالت تســتهدف بها

بلادنا لـيبيـا منذ وقت بعيد.

          كما تناولنا التقرير الذى كتبه  ( ماكرتينى ــ  Laton  McCartney ) فى الجزء الخاص بليبيا  من كتابه( friends

In high places – the Bechtel story   ) الذى أشـار فيه الى موقف الولايات المتحدة الأمريكية  من إنقلاب الأول مــن

سبتمبر سنة 1969م فى ليبيا قوله :

                          ( و بناء على نصائح المخابرات المركزية الأمريكية CIA قام مصطفى بن حليم

 و كبار المسئولين بالشركات الأمريكية في ليبيا بما فيهم بكتل و أوكسيدنتال بمغادرة البلاد إلى روما

 بإيطاليا ... غير أن المسئولين الأمريكيين سريعاً ما قاموا بطمأنتهم ، و بانه لا يوجد أى داع للقلق

تجاه قادة الانقلاب حيث إن السفارة الأمريكية في طرابلس قد قامت بإبلاغ واشنطن بأن  الإنقلاب

ممكن ان يكون دعامة في عدم تغلغل الشيوعية في المنطقة و الدول العربية ،كما أفادت السفارة

بأن القذافي قد وعد بحماية المصالح الغربية جميعها بما في ذلك استمرار ضخ  البترول..).

 

             و لأن الأمور لم تكن آنذاك واضحة بالنسبة للكثيرين ممن يعنيهم ما يحدث في ليبيا ، ولأن ما بدا واضحا

في السلوك السياسي الإعلامي الذي تعاطته كل من الولايات المتحدة و قيادة حركة الإنقلاب لم يكن يقطعى  بخفايا

 العلاقات السّرية الخاصة غير انه يقطع بعلم أجهزة الحكومة  والإستخبارات الأمريكية   C I A  ودورها فيمــا

كان يحدث قبل سقوط النظام الملكي و مقدمات التغيير و تداعياته فى ليبيا.

         وإذا كان بعض أصدقاء وعملاء الولايات المتحدة و إستخباراتها  في ليبيا لم يتلقوا توجيهات  أو تعليمات وقتها

بأسلوب و شكل التعامل مع النظام الجديد في البلاد ؛ فإن ذلك قد أوقعهم في الحيرة  التى تعرض لها السيد مصطفى بن

حليم و تحدث عنها و وصفها بقوله :

( ... ثم ترسبت أثار الصدمة في نفسي و توقف كابوس التشاؤم واستعدت رباطة جأشي و تفكيري الإيجابى وحلّقت الى

 آفاق فسيحة من أحلام اليقظة ، و الآمال الخيالية و تساءلت :

                   لماذا أستبعد أن يأتي شئ من الإصلاح و بعض من الخير من هذا النظام الجديد؟ و لماذا أكذّب دعوى

 الإنقلابيين من أن هدفهم اقتلاع الفساد و إصلاح أمور الوطن؟... ولماذا لا نعطى النظام الجديد الفرصة  ؟..

                  و حزمت أمري و قررت العودة إلى أرض الوطن و أبرقت لقائد الانقلاب متمنياً له التوفيق والسداد، ..

                                و لكن رسائل عاجلة من أقاربي و أصدقائي سارعت إلىّ محذّرة من التفاؤل ) .(1) (*)

 

                                                         *      *      *

           غير أن البعض الأخر من هؤلاء الأصدقاء و العملاء كان على دراية من بعض الخفايا واستطاع أن يستمر فى

ممارسة دوره سواء بتوجيهات و نصائح أو بذكاء منه و منهم .. و يقرأ ما بين سطور الظا هـر ،.. فلم يكن هذا البعض

من المصوغات الشكلية لمبررات قيام الانقلاب في ليبيا ، على عكس حال السيد  مصطفى بن حليم  و آل الشـلحى؛ ركائز

 ركائز النظام الملكي و مبررات قيام الثورة وتحرير البلاد من قواعد الإستعمار وأعوان الإمبريالية وعملائها..!.. وكان

على الأمريكيين أن يعوا ذلك  بل أن ذلك كان شرطا من شروط نجاح سياساتهم  حتى لو كان  الثمن بعض أصدقائهم..

       ... فقد سبقت مقدمات التغيير فى ليبيا  وقيام حركة الضباط الأحرار  بإعلان سقوط النظام الملكى وصاحبتها

 نشاطات يجدر  الإهتمام بها فى هذا السـياق.. ومراجعتها.. والتعرف عليهـــا ..

    فمن الأهمية بمكان الإشارة في هذا السياق إلى الدور الذي لعبه المستشار السيد "مصطفى كمال المهدوى(2) "  فهو أحد

عناصر  البعض الأخر و(النموذج) من أصدقاء وعملاء المخابرات المركزبة الأمريكية  ال C I A  فى البلاد ؛ كما

وصفه أحد ضباط القوات المسلحة الليبية و كتب عنه يقول :

     ( .. كانت أول معرفتي بمصطفى المهدوي في أبريل سنة 1964م حيث انتقلت في عملي من رئاسة الأركان فى

 مدينةالبيضاء إلى المحكمة العسكرية في طرابلس وكان مصطفى المهدوي يعمل في المحكمة  العليا  قاضيا،  ولأنه

على درجة من

 على درجة من القرابة العائلية بالسيد مصطفى بن حليم  فإنه كان يتتبع خطى بن حليم  ،  وكثيرا ما كان يأخذنى فى

 زيارات له فى بيته الواقع  بمدينة الحدائق ،.. وكان مصطفى المهدوى يسكن شارع " بن عاشور " وكان من اصدقائه

ومازال  المحامى الأستاذ  "  إبراهيم بشير  الغويل " ، وبعض الفلسطينيين ،  منهم الأستاذ " عيـسى القاســــــــم "

 الأستاذ  " نواف جرادات " ..  كان مصطفى المهدوي على علاقة وطيدة بمسئولي و ضباط مطار قاعدة الملاحة

 الأمريكية في فى طرابلس " هويلس" ... وكان بمجرد أن يرد بسيارته " الفوكس هول " الزرقاء من بعيد تفتــــــــح

تفتح له البوابة ليدخل  بسيارته ومن معه  الى  داخل المطـــار...

 ذهبت معه عدة مرات و كان يحب أن يصطحبني معه ، و كان  " يلح "  فى كل مكرة على ذلك ... لم أفطن فى أول

 الأمـرللباعث على ذلك ؛ ثم بدأت تنكشف لي الحقائق  فى سـنة  1965م..

      و ما زلت أذكر ذلك اليوم كان في فصل الشتاء و الجو ممطر و شاحب عندما طرق باب بيتي فى   منطقـــة

 

"كازابرايو" مصطفى المهدوي و معه إثنان من زملائي الضباط بالجيش الليبي : مصطفى نوري من سلاح  البحرية

و عبد الحميد الجدايمي من المدفعية ،  و بعد أن اخذ كل منهم مكانه في حجرة الاستقبال ..إبتسم  مصطفى المهدوى

 و هو يقول : جاءت اللحظة الحاسمة الملك قرر زيارة طرابلس و رأى  الجماعة  أن يُنصب له كمين  فى

"الخُمس" حيث توجد كتيبة للدروع على الطريق الساحلي المؤدي إلى  طرابلس ؛.. ستوقفه وتأخذ منه تنازل عن العرش

 و يتم على الفور تشكيل حكومة عسكرية ؛ ... نظرت في  تعجب وإستغراب الى الضابطين.. أمعقول.. أهذا معقول؟!!

          نظر بعضهم إلى بعض و لم يفصح أي منهما بشئ ثم وجّهت كلامي إلى مصطفى كمال و قلت  : يا أستاذ

مصطفى أرجوك لا تتدخل في شئون الجيش ، أرجو أن يذهب كل منكم إلى حال سبيله  دون ذكر لهذا الموضوع

أرجوكم انسوه و انسوا أنكم قابلتموني  ،

         كنت أخشى تورط زملائي و تورطي فيما لا يُحمد عقباه؛ فالرائد مصطفى نورى كان مدعياً عسكريا عاما، وهو

هو زميل لي تخرج في الكلية العسكرية ببغداد ضمن الدفعة التالية لدفعتي و لأنه من منطقة  " الخمـس "  فقد كان أن

جاءه في المعسكر الرائد عبد الحميد الجدايمى و أخبره أن صديقاً له يعمل قاضياً بالمحكمة العليا إسمه " مصطفى  كمال

المهدوي"  يريد مقابلته و التعرف عليه ، و أضاف قائلاً لي : إن المهدوي حدد لنا موعدا للقائنا بك الليلة... _ وبعد

بعد أكثر من عشرين عاماً من تاريخ هذه الواقعة ، و في سنة 1986م _  أخبرنى بالقاهرة الضابط السابق بالجيش

الليبي الرائد "عبد المجيد هامان" و قال :(كنا سنقوم بحركة إنقلاب عسكرى فى شتاء سنة 1965م من الخمس بدعـم

 و موافقة الأمريكان ، و لكنهم صرفوا النظر عنها فى أخر لحظة ، وبعد أن كنا  على استعداد  اتصل بنا مندوب من

 من طرابلس و طلب أن نوقف كل شــىء ...)

 

            في ربيع سنة 1966م و بعد انقطاع استمر لمدة سنة تقريباً دعاني مصطفى كمال المهدوى  لحضورحفل عيد

عيد ميلاد ابنته "فاطمة" في بيته ، و لأن السيدة الفاضلة زوجته هي شقيقة زوجة أخي ، وهى على علاقة حميمة بزوجتى

فقد لبيت الدعوة و حضرت الحفل الذي ضم في صالتين عدد من النساء  و الرجال ،  وجاءت جلستى بجانب شخص

أمريكي قدّمه لي مصطفى المهدوي و قال لي : (دردش  معه بالعربية .. فهو يتكلمها..)  وقال الأمريكى: ( .. تعلمت

العربية في معهد "شملان" في لبنان ).. و تركنا المهدوي ، و واصل الأمريكي حديثه معي  و عرفت منه  أنــه خبير

عسكري يعمل بالقاعدة  الأمريكيــة ( هويلس ) ..و قال من ضمن ما قاله : ( أن بريطانيا قد شاخت و أصبح الدور

عليكم لتضعوا أيديكم مع أمريكا ... وقال أن أغلب الإمتيازات البترولية هى أمريكية وهى التى أنعشت بلادكم )

      و إنتهى الحفل و غادرت المكان ؛ و الضابط الأمريكي يصافحني قائلاً : (أرجو أن أراك  مـرة أخرى..).

          ... بعد أقل من أسبوعين جاء مصطفى المهدوي إلى بيتي و دعاني للخروج معه، و عندماجلس إلى عجلة

 قيادة سيارته و أنا بجواره ؛ ضرب يده على جبهة رأسه كمن تذكّر شيئاً هاما  و قال : (..آه لدي موعد مع الضابط

الذي قام بزيارتي في عيد ميلاد "فاطمة" ضروري ...معلهش  عشر دقائق ستدخل معي إلى "ميز" الضباط و

 لن نغيب ) و إتجه من فوره إلى المطار بالقاعدة الأمريكية و فتحت له البوابة الخارجية ، ثم ترجلنا إلى "نادي الضباط" حيث تركني و هو يقول : ( أنا ذاهب إلى "BX" هل تريد شيئاً ) طلبت منه "إبر اسطوانات الفونوغراف"  لو أمكنه

ذلك ، وبعدقرابة النصف ساعة عاد ومعه علبتين من الإبروكمية من "خراطيش"السجائر  "فيسوروي" و قال : ..

      (؛ إنها هدية لك من صديقنا الضابط )  يومها ... و في صراحة لم أنتظرها قال لي المهدوي :

 ( يعمل الأمريكيون على الأطاحة بالملك إدريس و نظامه  و حاولوا كثيراً أن يكتشفوا ضباطاً جادين في الجيش

 الليبي ،  فلم يجدوا لا في جماعة "الزاوية"(1) و لا في جماعة "العراق")(4) وأضاف  ( و طبعاً جماعة "مصر"(5)

 موالين لعبد العزيز الشلحي و لا يريدون الإقتراب منهم ) و واصل حديثه داخل سيارته التي أوقفها في شارع

 " أدريان بلت ـالشـط "و قال : ( و أخيراً يبدو أنهم "الأمريكان" وجدوا ضالتهم في صغار الضباط و هم

 يطلقون عليهم "لابسوا الأحذية السوداء Black Boots "  قلت : كيف !!؟

   قال : ( أنت تعرف و هم يعلمون ؛ أن الضباط من رتبة رئيس "نقيب" فما فوق يلبسون في الجيش الليبي

 أحذية "حمراء" حيث يتحولون إلى ضباط مكاتب و ليسوا ضباط ساحات "عرضات" مع الجنود و ميزة هذه

الفئة التي اختاروها بدقة و فهم ؛ إنهم أولاً : صغار السن و الطموح يلعب دوراً كبيراً في حياتهم و أفكارهم ،

و ثانياً : عزّاب لا يحملون المسئولية و تدفعهم روح المغامرة للعمل و ثالثاً : و المهم أنهم ملتصقون

 يومياً بالجنود و صف الضباط داخل الثكنات والمعسكرات و في ساحات التدريب ، و يمكنهم تعبئتهم داخل مقراتهم ،

 مع التزود بالسلاح و الذخيرة و بالتالي الانطلاق للتنفيذ )..   سكت كلُُ ًمنا قليلاً ثم قلت له :

                    ( أنا لم أسمع منك شيئاً يا مصطفى و لن أطلب منك أسماء  و لكن أريد أن أسألك

                                   كيف تم التلاقي بين هؤلاء و هؤلاء ؟! و أنت ما هو دورك ؟ ! .

                                      .. فوراً أجاب : و كأنه ينتظر مني هذا السؤال وقال:

 (.. أنا ليس لي يد في الإختيار و لكن دوري سيأتي بعد ذلك و هو الاتصال مستقبلاً بينهم و بين الأمريكان ..)

 و قال لي و هو يدير سيارته عائداً إلى بيتي ، و كان قد حل مساء ذلك اليوم من شهر يونيو سنة 1966م : ...

    ( أنا مكلف بالسفر إلى الخليج في أغسطس القادم..) و أضاف : ( الكويت استقلت في 1963م و البحرين سوف

 يعلن إستقلالها في العام القادم وسوف تلحقها قطر و الإمارات  و النفوذ الذي يغطي المنطقة بأكملها سيكون أمريكي

 100%  ..  وفى أغسطس سنة 1966م سافر  مصطفى  كمال المهدوى وارسل لى ثلاثة كروت بها صور من البلاد

التى زارهــــا .. واحدة من  الكويت و اخرى من البحرين و ثالثة من " القدس" و عندما عاد  أخبرنى أنه  زار

القدس الشرقية بالفعل و هي التابعة لإسرائيل  "قبل إجتياح الضفة" و قال انه عالج أسنانه في مستشفى "هداسا"  

لإسرائيلي.

          لم يصارحني المهدوي  و لكن كان لدي يقين "أنا أحس به و هو يعلمه" أنه عميل وعميل مباشرللمخابرات

 المركزية الأمريكية الـ CIA .

          و بدأت ابتعد عنه مع بداية سنة 1967م إثر تحذير جاءني من رئيس الأركان "نوري الصديق

"  الذي كنت مديراً سابقاً لمكتبه في مدينة البيضاء سنة 1962م ، و لذلك استدعاني إليه بشكل ودّي وتحذيره لي بالابتعاد

 عن المهدوي و كان المهدوي قد نقل أو(انتقل)   بناء على طلبه"  إلى بنغازي "قاضياً بمحكمة الاستئناف"

كذلك إستدعاني بعد ذلك مدير الأمن العام "إسماعيل التوجري"  "الذي كان زميل لي في مدرسة

 طرابلس الثانوية في أوائل الأربعينيات"،و قال لي : توفرت لدينا معلومات تقول أن لك صلة بمصطفىكمال المهدوي

، و أجبته على الفور : صحيح و قطعت علاقتي معه لأنه يعمل لصالح المخابرات الأمريكية ، قال : علمت

 من مصادرنا التي تراقبه أنه يزورك  قلت : زوجته تزور زوجتي  بحكم قرابة النسب ( فزوجته هي شقيقة لزوجة أخي).

  قال لي مدير الأمن العام : أنا واثق أنك لست متورطاً معه و لكن نريد منك الإبتعاد عنه ؛ فهو مراقب من جهات

 عدة و أنت ضابط بالجيش الوطني و عليك مسئوليات يجب مراعاتها.

 

   منذ ذلك الوقت أدركت أكثر و زاد يقيني بأهمية مصطفى كمال المهدوي بالنسبة للمخابرات المركزية الأمريكية CIA

   في ليبيا ، و لم تزعجه الرقابة التي كان يخضع لها من الأمن العام "البوليس" و من إستخبارات الجيش و أيضاً

المخابرات الإنجليزية الحليفة للعقيد عبد العزيزالشلحي في البلاد،ولم يتوقف المهدوي عن الدور المناط به و تكليفاته

 في مدينة بنغازي ففي أواخر شهر فبراير وأوائل مارس من سنة 1969م .. و أنا أذكر هذا التاريخ و واقعته

 لارتباطه لدىّ بالحفل الذي أحيته السيدة "أم كلثوم" يوم 12 مارس في سرادق أعد لذلك بالملعب البلدي في بنغازي

 ففي هذا اليوم المعني ، كنت قد جلست بالمقهى التجارى الكائن بشارع الإستقلال  " جمال عبد الناصر حاليا " طلبا

 للراحة من فشل محاولات كثيرة بذلتها بمقر البريد للإتصال بزوجتى الموجودة بالاسكندرية ،.. وإذا بالمستشار السيد

مصطفى كمال المهدوي يربت على كتفى  و بيــده عصاة  لعبة " البليارد "  وعرفت منه أنه يقضى فراغات يومه من

بعد عصر أكثر أيام الأسبوع في هذا المقهى مع أصدقاء له ؛ قدّم بعضهم لى ...وكان منهم شخص ايطالى عرفت فيما

بعد أنه أستاذ اللغة الإيطالية بكلية الآداب بالجامعة الليبية الكائنة على بعد أمتار قليلة في ذلك الوقت من المقهى التجاري

هذا ...و سألني المهدوي ؛ ما بك ؟ و قد لاحظ على سحنتي الكدر؛ و أجبته ؛ بأني قلق على زوجتى الموجودة

بالإسكندرية و فشل محاولاتي للاتصال بها هاتفياً ربت على كتفي و هو يبتسم و قال تعال معى  وسأجعلك تكلم

زوجتك  هات رقم التليفون.. و بسيارته أخترق شوارع المدينةإلى "معسكر قاريونس" حيث مكّنني المهد وى من

الاتصال بالإسكندرية و تحدثت كما شاء لي من الوقت بعد ان قدمّني و قدّم لي ضابطين من صغار ضباط المعسكر بقسم

المخابرة بالجيش الليبي لم اكن أعرفهم حينذاك

                                                           *      *      *

          و سواء صح ما قيل أو دفع البعض بعدم صحته و إنكاره ؛ فإننا أمام ضرورة موضوعية تلزمنا بمتابعة البحث

فى هذه الوقائع و نتائجها و (توابع نتائجها) التي ما زال الكثير منها يثير علامات الاستفهام و  التعجب  ؛ و يدور بشأنها

الجدل حتى الآن ؛ فقد برزت ظواهر استعصت آنذاك على الفهم و التفسير .. و نجحت قوي التعتيم في تجهيل الليبيين بما

حدث فى  بلادهم ، .. و كانت عملية تغيير النظام في ليبيا تجري بصورة فوقية و غامضة و إن بدت بعض مظاهر هذه

العملية مكشوفة من بعض أطراف المعادلة و في إجماع النخب السياسية و الثقافية التي استجابت لمتطلبات المرحلة و

 مظاهرها دون أن تعوّل على آلياتها الفكرية و السياسية البديلة ؛ و أوكلت للمؤسسة العسكرية مهمة إسقاط النظام  الملكى

الذي كانت تتنازع دوائره  و قواته المسلّحة اتجاهان  متناقضان  يرتكزان على الاستقواء بالخارج ؛ . فمن جهة كانت

 الحكومة البريطانية تدعم إنقلاب القصر الذي يعد له (آل الشلحي) و أعوانهم بواسطة  كبار ضباط القوات المسلحة بقيادة

العقيد  عبد العزيز الشلحي ،.. ومن جهة أخرى كانت الولايات المتحدة الأميريكية تراقب تحركات واستعدادات الشلحى

و تدفع بأجهزتها و عناصرها لدعم البديل العسكري المناهض لآل الشلحي والأنجليز داخل القوات المسلحة.

                          

   و كانت عناصر القوى الديمقراطية لمنظمات المجتمع المدني و القوى السياسية لحركة التحررالوطني تدفع بعناصرها لتحتل مكانة لها و تلعب دورها في إقامة نظام وطني ديمقراطي يحقق أهدافها السياسية و طموحاتها الوطنية و القومية ،.

    ... و في هذا السياق  رصدت الاستخبارات العسكرية و أجهزة الأمن العام مع العقيد عبد العزيز الشلحي تحركات

مجموعة من صغار ضباط الجيش التي كانت في مجموعها المرصود تنتمي الي حركة الضباط الأحرار و تعد للقيام

بعملية انقلاب عسكري  ليلة 23/24 من شهر مارس ـــ  آذار سنة 1969م  غيرأن ريبة قيادات الجيش والأمن العسكرى

في تحركاتهم و كذلك قرار قيادة الأركان بإبعاد ثلاثة و عشرون ضابطاً منهم في بعثات تدريبيه و تعليمية  إلى بريطانيا ؛

 ؛ أوجب تأجيل التحرك إلي وقت أخر...(6)

          وكان الملازم أول "معمر القذافي" قد تلقى تنبيهاً بتوخي حذر الرقابة الراصدة لتحركاته ؛ و رفاقه من صغار

 الضباط ، و أن هناك تدابير صدرت باتخاذها أوامر عسكرية عليا تستهدف كشف ما وراء تحركاتهم المشبوهة و لقاءاتهم

 المثيرة للشك و أن هناك إجراءات تُتخذ بقصد إبعاد عديد منهم عن معسكرات و مراكز قيادات الجيش.        

  و في ليلة 12 مارس ــ آذار كانت السيدة (أم كلثوم) تُحيّ حفل لها بدعوة من السيد عبد الله عابد السنوسي ــ  ابن عم

 الملك إدريس و أحد أصدقاء و شركاء السيد عُمر الشلحي ، و كان عديد من ضباط الشرطة و الجيش قد تسلّم بطاقات

 دعوة (مدفوعة الرسم) لحضور الحفل ، و كان منهم المقدم "نصر الدين هامان " مدير الاستخبارات العسكرية آنذاك

 الذي تلقى أثناء حضوره الحفل في تلك الليلة "إشارة" مفادها ؛ ( أن "جماعة سرت" يعقدون اجتماعاً لهم الآن و هم

 تحت المراقبة ، و في انتظار تعليماتكم  ..) و على الفور قام هامان بتكليف الرائد "أحمد أبو غولة" بتشديد الرقابة

 و إتخاذ التدابير اللازمة لإيقاف  أية تحركات مشبوهة تصدر عن هؤلاء الضباط ، و خلافاً لما كان ينتظر في مثل هذه

 الحال ذهب أبو غولة إلي جماعة الضباط الأحرار المجتمعين في تلك الليلة ؛ و حذرهم من تدابير تُعد لها القيادات الأمنية

 و العسكرية التي تراقب تحركاتهم الجماعية و الفردية داخل معسكرات الجيش و خارجها                                  

 و تسلسلت الأحداث بخفاياها و خباياها من شهر مارس ــ آذار إلي ليلة 31 أغسطس ــ آب /  1 سبتمبر ــ أيلول

 سنة 1969م على الوجه الذى سـنتناوله فى الحلقة القادمة :(  إنقلاب ستمبر : خفايا الإعداد وشبهات الإستعداد )   

إبراهيم عميش 

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(1)     راجع: مصطفى بن حليم : كتاب ( إنبعاث أمة...وسقوط دولة ) عن دار الجمل  المانيا 2002م

(2)     *  تجدر هنا الإشارة والتنبيه إلى انه عندما أشتدت أزمة العلاقات الليبية الأمريكية ، وبعد تصاعد أزمة حادث إسقاط

الطائرة الأمريكية فوق لوكربى  بعث القذافى بموفديه الى السيد مصطفى بن حليم يطلب منه  توظيف علاقاته بالولايات

المتحدة  لخدمة بلاده والتظام فى ليبيا  بالتوسط فى ايجاد حلول للأزمة  وفتح باب التفاوض المباشر للوصول قواعد ترضى

جميع الأطراف  وتحفظ مصالح كل منها لدى الأخر . وقد تولى السيد بن حليم المهمة الى ان تسلمها الأمير السعودى

( بندر بن سلطان ) وتسلم كامل ملف لوطكربى .. وسوف نتناول فى الجزء الثانى من هذا الكتاب  تفاصيل كل ذلك وخفاياها. 

(3)     *  المستشار مصطفى كمال المهدوى  هو القاضى بالقسم الفنى بالمحكمة العليا سابق ، واحد اصدقاء السيد مصطفى بن حليم

وقريب له ( من جهة والدته ) كان قد تخرج فى كلية الحقوق بجامعة الإسكندرية سنة 1959م وعُرف من بعد انقلاب سبتمبر

بأنه أحد المستشارين للعقيد القذافى ... كما تولى منصب النائب العام سنة 1975م

(4)     يقصد بجماعة الزاوية : الضباط الذين تخرجو فى الكلية العسكرية  الليية  بالزاوية

(5)     ويقصد بجماعة العراق : الضباط الذين تخرجو فى دفعات الكلية العسكرية العراقية

(6)     ويقصد بجماعة مصر : الضباط الذين تخرجو  فى الكلية العسكرية المصرية ، ومنهم العقيد عبد العزيز الشلحى

(7)     راجع: فتحى الدين ، كتاب ( عبد الناصر وثورة ليبيا ) عن دار المستقبل العربى – القاهرة 1986م 


Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home